النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    4,966

    افتراضي بَابُ حَدِّ الزِّنَا.. الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-

    إِذَا زَنَا الْمُحْصَنُ رُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ،..................... قوله: «باب حد الزنا» يعني باب عقوبته، والزنا فعل الفاحشة في قبل أو دبر، والفاحشة كل جماع محرم؛ لأن الجماع المحرم فاحشة مستفحشة في جميع العقول، فما من أحد من بني آدم إلا ويستفحش عقلُه هذا الفعل المنكر، إلا من سلب الله عقله، ومسخ طبيعته، فإنه قد يستسيغ هذا المنكر، كالجُعَل يستسيغ رائحة العذرة، ولكنه في رائحة الورد قد يموت، قال ابن وردي ـ رحمه الله ـ: إن ريح الورد مؤذٍ في الجُعَل. فالورد الذي هو من أحسن ما يكون إذا شمَّه الجُعَل يكرهه، لكن شمه للعذرة قوي جداً. قوله: «إذَا زَنَا المُحْصَنُ رُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ» «زنا» فعل الشرط، «ورُجم» جواب الشرط، أي: رجم بالحجارة، ويجب أن تكون الحجارة لا كبيرة تقتله فوراً، ولا صغيرة لا يتألم ولا يتأذى بها، بل تكون كالبيضة أو أقل، وقد علمنا أنه يُتقى الرأس، والوجه، والفرج، والمقاتل، فيضرب بالحجارة إلى أن يموت، فما هو الدليل على هذه القتلة التي قد يستبشعها بعض الناس؟ الدليل من كتاب الله، وسنة ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعمل الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين. أما كتاب الله ـ عزّ وجل ـ فهو ما ثبت في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال: «إن الله أنزل على نبيه القرآن، وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها، ووعيناها، وعقلناها، ورجم النبي صلّى الله عليه وسلّم ورجمنا بعده، وأخشى إن طال بالناس زمان أن يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق ثابت في كتاب الله على من زنا إذا أَحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحَبَل أو الاعتراف»[(101)]. فهذه شهادة من عمر ـ رضي الله عنه ـ على منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بحضور الصحابة ولم ينكره أحد، على أن آية الرجم نزلت في القرآن، قُرئت، ووُعيت، وعُمِل بها في عهد النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وفي عهد خلفائه الراشدين، فما لفظ هذه الآية؟ لفظ هذه الآية لا بد أن يكون مطابقاً للحكم الثابت. وأما من قال: إن لفظ الآية: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله، والله عزيز حكيم»[(102)]، فهذا لا يصح لأمور: أولاً: أن من قرأه لم يجد فيه مُسْحَة القرآن الكريم، وكلام رب العالمين. ثانياً: أن الحكم فيه مخالف للحكم الثابت، فالحكم في هذا اللفظ معلق على الكبر، على الشيخوخة، سواءٌ كان هذا الشيخ ثيباً أم بِكراً، مع أن الحكم الثابت معلق على الثيوبة سواء أكان شيخاً أم شاباً. ونحن لا يهمنا أن نعرف لفظه ما دام عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ شهد به على منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يسمعون ولم ينكروا، فإننا نعلم أن هذا النص كان قد وُجد ثم نسخ. فإن قال قائل: ما هي الحكمة في نسخ لفظه دون معناه؟ فالجواب: أن الحكمة ـ والله أعلم ـ أن هذه الأمة إذا عملت بالرجم ـ مع أنه لا يوجد نص ظاهر في القرآن ـ كان في ذلك دليل على نبلها وفضلها، خلافاً لليهود الذين كان الرجم موجوداً في كتابهم نصاً، ومع ذلك تركوا العمل به. والله أعلم إذا كان هناك حكمة أخرى، لكن هذا هو الذي توصلنا إليه. وظاهر كلام المؤلف أنه لا يسبق رجمَه جلدٌ، فيرجم بدون جلد، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فمنهم من قال: إنه يجلد أولاً ثم يرجم، ومنهم من قال: إنه يرجم بلا جلد. واحتج القائلون بأنه يجمع له بين الجلد والرجم، بأن الجلد ثابت بالقرآن المحكم لفظاً ومعنى لكل زانٍ: {{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا}}، وهذا عام يشمل المحصن وغير المحصن. واستدلوا ـ أيضاً ـ بقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «خذوا عني خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» [(103)]، وهذا الحديث صحيح، فجمع النبي صلّى الله عليه وسلّم بين الرجم والجلد. وقال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ: أجلدها بكتاب الله، وأرجمها بسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم[(104)]. واستدل من قال بأنه لا يجمع بين الرجم والجلد بأن هذا آخر الأمرين من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنه رجم الغامدية ولم يجلدها[(105)]، وقال لامرأة الرجل التي زنا بها أجيره: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» [(106)]، ولم يذكر جلداً. ورجم ماعز بن مالك ولم يجلده[(107)]، ولأن الجلد لا داعي له مع وجود الرجم إلا مجرد التعذيب؛ لأن هذا الرجل الذي استحق الرجم إذا رُجم انتهى من حياته، فلا حاجة إلى أن نعذبه أولاً، ثم نرجمه، وهذا القول هو الراجح، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد. وأما أدلة القول الأول فأجيب عنها بأن الجلد نسخ. وقوله: «رُجم حتى يموت» «حتى» هنا للغاية وليست للتعليل، فيرجم حتى يموت ونتحقق موته، وإذا مات فهل نغسله ونكفنه ونصلي عليه وندفنه مع المسلمين؟ الجواب: نعم؛ لأنه مسلم كَفَّر الله عنه الذنب بالحد الذي أقيم عليه، وقد ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم صلَّى على من رجم، وهذا هو الأصل. والْمُحْصَنُ: مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ الْمُسْلِمَةَ أَوْ الذِّمِّيَّةَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَهُمَا بَالِغَانِ، عَاقِلاَنِ، حُرَّانِ، فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا فِي أَحَدِهِمَا فَلاَ إِحْصَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا،....... قوله: «والمُحْصَنُ مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ المُسْلِمَةَ أَوِ الذِّمِّيَّةَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَهُمَا بَالِغَانِ عَاقِلاَنَ حُرَّانِ» ، هذه هي شروط الإحصان. وقوله: «امرأته» ، أي: زوجته. وقوله: «أو الذمية» هذا التعبير فيه نظر، والصواب أن يقول: أو الكتابية؛ لأن الكتابية سواء كانت ذمية، أو معاهدة يجوز للإنسان أن يتزوجها. وقوله: «في نكاح صحيح» هذا متعلق بقوله: «وطئ» ، وذلك احترازاً من النكاح الفاسد، والنكاح الباطل، والفرق بين الباطل والفاسد، أن الباطل ما أجمع العلماء على فساده، والفاسد هو ما اختلف فيه العلماء، فالأنكحة إذاً صحيح، وفاسد، وباطل. مثال الفاسد: أن يتزوج الإنسان امرأة بدون ولي، فهذا نكاح فاسد؛ لأن العلماء اختلفوا في ذلك. مثال الباطل: أن يتزوج الإنسان أخت زوجته فهو باطل؛ لأنه بالإجماع. وقوله: «وهما» الضمير يعود على الزوجين. وقوله: «بالغان» البلوغ بالنسبة للرجل يحصل بواحد من أمورٍ ثلاثة، تمام خمس عشرة سنة، والإنبات، والإنزال، والمرأة تزيد واحداً وهو الحيض. وقوله: «عاقلان» ضد المجنونين، «حران» ضد الرقيقين. فالإحصان شروطه خمسة: أولاً: الجماع. ثانياً: النكاح الصحيح. ثالثاً: البلوغ لكلٍّ منهما. رابعاً: العقل. خامساً: الحرية. قوله: «فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا فِي أَحَدِهِمَا فَلاَ إِحْصَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا» فلو عقد رجل على امرأة وباشرها إلا أنه لم يجامعها، ثم زنا فإنه لا يرجم، وهي لو زنت فإنها لا ترجم، إلا إذا كانت قد تزوجت من زوج قبله، وحصل الجماع فإنها ترجم؛ لأن الحكم يتبعض، ولو جامع امرأته وقد تزوجها بدون ولي، وهو ممن يرى أن ذلك لا يصح فإنه لا يرجم؛ لأنه نكاح غير صحيح. ولو تزوجها وهي صغيرة لم تبلغ وجامعها فإنه لا يرجم؛ لأنه ليس بمحصن؛ لأنها لم تبلغ. ولو تزوج مجنونة بالغة وجامعها لا يرجم؛ لأنه ليس بمحصن. كذا لو تزوج أمة وهو حر فإنه لا يرجم؛ لأنه ليس بمحصن. ولو كان الأمر بالعكس، فلو تزوج العبد حرة فلا إحصان، لا له ولا لها. والدليل على هذه الشروط يقولون: لأن تمام النعمة لا يكون إلا إذا اجتمعت هذه الشروط، فالإنسان لا يتلذذ تلذذاً كاملاً إذا كانت زوجته مجنونة، فربما وهو يجامعها يخشى على نفسه منها، أو صغيرة فهي لا تروي غليله ولا تشفي عليله، وكذلك الأمة فهي ناقصة. وعلى هذا فنقول: ليس هناك شيء بيِّن في الأدلة، اللهم إلا اشتراط النكاح والوطء؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «الثيب بالثيب» [(108)] وأما البقية فإنها مأخوذة من التعليل. وهل يشترط بقاء ذلك إلى الزنا، أو لا يشترط؟ بمعنى أنه لو فرض أنه فارق زوجته، أو ماتت زوجته، ثم زنا بعد ذلك، فهل هو محصن يرجم أو لا؟ الجواب: هو محصن يرجم، فهذه الشروط لا يشترط استمرارها، فما دامت هذه الشروط وجدت في حال الزواج فإنه يكون محصناً، فإن تزوج صغيرة، وبقيت معه، وماتت قبل البلوغ، فلا يكون محصناً. وذهب بعض المتأخرين ـ ولكني لا أجد لهم مستنداً ـ إلى أنه يشترط استمرار هذه الشروط حتى يزني، قال: لأنه إذا ماتت زوجته عنه أو فارقها بحياة فقد احتاج إلى جماع، ويكون حينئذٍ معذوراً بعض العذر؛ لأنه ليس عنده أحد يستمتع به بوطء حلال. ولكن هذا القول مخالف لما تقتضيه الأدلة؛ لأن الأدلة أن الثيب بالثيب، وهذا الوصف يحصل بأول جماع، فما دام الوصف حاصلاً فإنه لا يشترط أن تبقى الزوجة معه. وَإِذَا زَنَا الحُرُّ غَيْرُ الْمُحْصَنِ جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَغُرِّبَ عَاماً قوله: «وَإِذَا زَنَا الحُرُّ غَيْرُ المُحْصَنِ جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَغُرِّبَ عَامَاً» إذا زنا الحر غير المحصن، بأن يكون حراً لم يتزوج، أو تزوج ولم يجامع، أو جامع في نكاح فاسد، أو باطل، أو جامع وهو صغير، أو جامع وهو مجنون، فإن حده أن يجلد مائة جلدة، والدليل قوله تعالى: {{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}} [النور: 2] ، وثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في ابن الرجل الذي زنا بامرأة من استأجره أنه قال له: «وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام» [(109)]. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم جلد وغرَّب، وأن أبا بكر جلد وغرَّب، وأن عمر جلد وغرَّب[(110)]، وهذا القول هو الصحيح أنه يجمع بين الجلد والتغريب. وقال بعض العلماء: إنه لا يغرب؛ لأن التغريب لم يوجد في القرآن، وقد قال الله تعالى: {{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *}} [النور] ولم يذكر التغريب. ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن ما ثبت بالسنة وجب العمل به، كما يجب العمل بما في القرآن؛ لقول الله تعالى: {{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}} [النساء: 80] ، ولقوله: {{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً}} [الأحزاب: 36] ، وقوله: {{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}} [الحشر: 7] . فيجب أن نأخذ بما جاءت به السنة، وإن كان زائداً عما في القرآن، بل إن ما جاءت به السنة هو مما جاء به القرآن، كما استدل بذلك عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ مجيباً للمرأة التي قالت له: إنني لا أجد اللعن ـ أي لعن النامصة والمتنمصة ـ في كتاب الله، فقال: هو في كتاب الله، ثم تلا عليها قوله تعالى: {{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}}[(111)]. والتغريب معناه أن ينفى عن بلده لمدة سنة كاملة، والحكمة منه أنه إذا غرب عن هذا المكان الذي وقع فيه الزنا فإنه ربما ينسى ذلك، وأيضاً فإن الغربة توجب أن يشتغل الإنسان بنفسه دون أن يتطلب الشهوة واللذة؛ لأنه غريب، ولا سيما إذا عُلِمَ أنه غُرِّب من أجل الحدّ، فإنه لن يكون لديه فرصة أن يعود إلى هذه المسألة مرة ثانية، ولكن يشترط في البلد الذي يغرب إليه ألا يوجد فيه إباحة الزنا ـ والعياذ بالله ـ فلا يغرب إلى بلاد يمارس أهلها الزنا؛ لأننا إذا غربناه إلى مثل هذه البلاد فقد أغريناه بذلك، فيغرب إلى بلاد عُرف أهلها بالعِفَّة. وإن زنا في غير وطنه، فهل يصح أن نغربه إلى وطنه؟ الجواب: لا، بل لبلد آخر؛ لأنه يقول: «غُرِّب» ، وإذا رددناه لبلده فليس هذا تغريباً؛ لأننا رجَّعناه إلى وطنه، فلا بد أن يكون هناك غربة حتى ينسى بها ما كان يفعله. وَلَوِ امْرَأَةً، والرَّقِيقُ خَمْسِينَ جَلْدَةً وَلاَ يُغَرَّبُ، وَحَدُّ لُوطِيٍّ كَزَانٍ،.......... قوله: «ولو امْرَأَةً» فتُغرب لمدة سنة، ويشترط أن يوجد لها محرم، وأن تغرب إلى مكان آمن. وفقهاء المذاهب يرون أنها تغرب ولو بدون محرم. والقول الثاني وهو الأصح: أنها لا تغرب إذا كانت وحدها؛ لأن المقصود من تغريبها إبعادها عن الفتنة، وإذا غربناها وحدها كان ذلك أدعى للفتنة والشر؛ لأنه ليس معها أحد يردعها، ولأنها إذا غربت بدون محرم ـ ولا سيما إن احتاجت إلى المال ـ فربما تبيع عرضها؛ لأجل أن تأكل وتشرب. والصواب: أنه إذا لم يوجد محرم فلا يجوز أن تغرب، ولكن ماذا نصنع؟ يقول بعض أهل العلم: تخرج إلى بلد قريب لا يبلغ مسافة القصر، ويُؤمر وليها بملاحظتها، والصحيح أنه لا داعي لذلك، وأنها تبقى في البلد. وقيل: تُحبس في مكان آمن، والحبس هنا يقوم مقام التغريب؛ لأنها لن تتصل بأحد، ولن يتصل بها أحد، وهذا القول وجيه. وقال بعض العلماء: إذا تعذر التغريب سقط كسائر الواجبات، فإن الواجبات إذا تعذر القيام بها فإنها تسقط، ولكن لا مانع من أن نقول: إنه إذا تعذر التغريب قمنا بما يقوم بدلاً منه، أو قريباً منه وهو أن نحبسها في مكان آمن لمدة عام. وقوله: «وغُرب عاماً» هل المعتبر السنة الهلالية، أو السنة الشمسية؟ المعتبر السنة الهلالية؛ وذلك لقول الله تعالى: {{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}} [البقرة: 189] ، ولقوله تعالى: {{وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}} [يونس: 5] ، ولقوله تعالى: {{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}} [التوبة: 36] ، وقد بَيَّن الرسول صلّى الله عليه وسلّم هذه الاثني عشر بأنها محرم وبقية الشهور العربية[(112)]، وعلى هذا فكل عام أو سنة يذكر في القرآن والسنة فالمراد به السنة الهلالية القمرية. قوله: «والرَّقِيقُ خَمْسِينَ جَلْدَةً» الرقيق هو المملوك، وضده الحر، فإذا زنا الرقيق فإننا نجلده خمسين جلدة، والدليل قوله تعالى: {{فَإِذَا أُحْصِنَّ}} يعني الإماء {{فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ}} [النساء: 25] ، والعذاب الذي يتنصَّف على المحصنات هو الجلد؛ لأن الرجم لا يمكن أن يتنصف، والجلد مائة جلدة فيكون عليها خمسون جلدة، فالمرأة واضح أن عليها خمسين جلدة؛ لأنه نصُّ القرآن، لكن الرجل إذا كان رقيقاً وزنا، فما هو الدليل على أنه يجلد خمسين جلدة؟ قالوا: الدليل على ذلك قياس الرجل على المرأة؛ لأنه لا فرق، والشريعة لا تأتي بالتفريق بين المتماثلين، وكيف يتم القياس؟ قالوا: لأن كلًّا منهما رقيق، والرقيق ليس في نفسه من الشرف والمروءة كما في نفس الحر، وإذا لم يكن عنده من الشرف والمروءة كما عند الحر، فإنه لا يبالي إذا زنا، وهذا تعليل صحيح، ولكن قد يقول قائل: إنَّ زنا الرجل الرقيق ليس كزنا المرأة الرقيقة؛ لأن المرأة الرقيقة قد تزني لكون سيدها يستأجرها ـ والعياذ بالله ـ في البغاء، وتعتاد ذلك فيهون عليها الأمر؛ لأن الله نصّ على أن ذلك واقع من الأسياد بالنسبة للإماء، فقال تعالى: {{وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ}} [النور: 33] ، فإذا كانت المرأة بهذه الحال فإن العبد ليس هكذا، فالقياس غير صحيح، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن حد الزاني الرقيق إذا كان ذكراً كحد الحر لعموم الآية: {{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}}. فالمسألة فيها خلاف، فالأمة لا إشكال في أن عليها خمسين جلدة؛ لأن النص فيها واضح، ولكن الإشكال في العبد، فإن تخصيص العموم في سورة النور بالقياس ليس بواضح لظهور الفرق بين الأمة وبين العبد، مما يجعل في النفس شيئاً منه، وأنا إلى الآن ما تبين لي أي القولين أصح، لكن جمهور أهل العلم أن الجلد بالنسبة للرقيق ينصف مطلقاً. قوله: «وَلاَ يُغَرَّبُ» لأن التغريب فيه إضرار بالسيد؛ لأننا إذا غربناه منعنا سيده من الانتفاع به مدة التغريب، والسيد لا جناية منه، ولأننا إذا غربناه ربما يهرب، ويكون في ذلك إضرار أكثر، هذا هو تعليلهم في هذه المسألة. واختار كثير من أصحابنا ـ رحمهم الله ـ أنه يغرَّب بنصف عام بدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الزاني: «جلد مائة وتغريب عام»[(113)] ، وعموم قوله تعالى: {{فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ}} وهذا يشمل التغريب؛ ولأن التغريب يمكن تنصيفه. وقولهم: إن في هذا إضراراً بسيده، نقول: حتى الجلد أمام الناس فيه إضرار بالسيد، بأن تنقص قيمته، ولا يشتريه الناس، ويحذر الناس منه ولا يأتمنونه، فهذه المصائب التي تحصل للسيد بسبب فعل العبد، لا يمكن أن تمنع حدّاً من حدود الله ـ عزّ وجل ـ، ويكون زنا رقيقه من باب المصائب التي أصيب بها. وقولهم: إنه يخشى أن يهرب، نقول: إن سيده إذا خاف عليه أن يهرب، يمكنه أن يستأجر من يلازمه في بلد الغربة، أو نحو ذلك من الأشياء التي يمكنه أن يحفظ بها رقيقه، وهذا القول أصح أنه يغرب نصف سنة. قوله: «وَحَدُّ لُوطِيٍّ» حد مبتدأ، و «كزان» الجار والمجرور خبر المبتدأ. وقوله: «لوطي» هو من فعل الفاحشة في دُبُرِ ذَكَرٍ، وسمي لوطياً نسبة إلى قوم لوط؛ لأن قوم لوط ـ والعياذ بالله ـ هم أول من سن هذه الفاحشة في العالمين، قال لهم نبيهم: {{أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ}} [الأعراف: 80] ، واللواط أعظم من الزنا وأقبح؛ لأن الزنا فعل فاحشة في فرج يباح في بعض الأحيان، لكن اللواط فعل فاحشة في دبرٍ لا يباح أبداً، ولهذا قال الله ـ تعالى ـ في الزنا: {{وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً}} [الإسراء: 32] ، وقال لوط لقومه: {{أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ}} وأقره الله على ذلك، وحكى قولَه مرتضياً له، و«ال» تدل على أن هذه الفعلة الخبيثة قد جمعت الفحش كله، تلك الفاحشة العظيمة التي ليس فوقها فاحشة، وهذا أمر متفق عليه بين الناس، أن قُبح اللواط أعظم من قُبح الزنا، فما حده؟ قال المؤلف: «كزان» فحدُّه حَدُّ الزاني، فإن كان محصناً رجم حتى يموت، وإن كان غير محصن جلد وغُرِّب، وحجتهم في أن حده كزانٍ، يقولون: لأن هذه فاحشة، والزنا سماه الله تعالى فاحشة، وإذا كان كذلك فإننا نُجري هذا مجرى الثاني، ويكون حده حد الزاني. وقال بعض العلماء: حده أن يُقتل، وهذا أعلى ما قيل فيه، ثم اختلفوا كيف يقتل؟ وقال آخرون: بل يعزر تعزيراً لا يُبْلَغُ به الحد. وقال آخرون: لا يعزر ولا شيء عليه، ليس بمعنى أنه حلال، لكن ليس فيه عقوبة اكتفاءً بالرادع النفسي؛ لأن النفوس تكرهه، فلو أن أحداً قدم غداءه من عذرة وبول، يأكل العذرة، ويشرب عليها البول! فهم يقولون: لا يعزر؛ لأن النفس كافية في ردع هذا، ولا شك أن هذا القول من أبطل الأقوال، ولولا أنه ذُكر ما ذكرناه، ولكن ذكرناه لنعلم أن بعض أهل العلم يذهب مذهباً سيئاً جداً فيما يقوله. أَنَسِيَ أن الله تعالى دمر بلادهم، وأرسل عليهم حجارة من سجيل، وطحنهم؟ ألم يذكر أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» [(114)]؟! وهو صحيح على شرط البخاري، وإن كان قد يُعَارَض في صحة الحديث. والصواب من هذه الأقوال: أن حده القتل بكل حال، سواء أكان محصناً، أم كان غير محصن، لكن لا بد من شروط الحد السابقة الأربعة: «عاقل، بالغ، ملتزم، عالم بالتحريم»، فإذا تمت شروط الحد الأربعة العامة فإنه يقتل، والدليل على هذا: أولاً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» . ثانياً: أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أجمعوا على قتله، كما حكاه غير واحد من أهل العلم، لكن اختلفوا فمنهم من قال: إنه يُحرّق، وهذا القول مروي عن أبي بكر، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، وهشام بن عبد الملك[(115)]. وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: بل ينظر إلى أعلى مكان في البلد ويُرمى منه مُنكساً على رأسه، ويُتبع بالحجارة[(116)]؛ لأن الله فعل ذلك بقوم لوط، على ما في ذلك من نظر. وقال بعض العلماء: بل يرجم حتى يموت؛ لأن الله تعالى أرسل على قوم لوط حجارة من سجيل، وكونه رفع بلادهم ثم قلبها، هذا خبر إسرائيلي، لا يُصدق ولا يُكذب، لكن الثابت أن الله تعالى أرسل عليهم حجارة من سجيل، وجعل عاليها سافلها، يعني لما جاءت الحجارة تهدمت، وصار العالي هو السافل، فيرجمون رجماً بالحجارة، فهذه ثلاثة أقوال في وصف إعدام اللوطي. أما الدليل النظري على وجوب قتله؛ فلأن هذا مفسدة اجتماعية عظيمة، تجعل الرجال محل النساء، ولا يمكن التحرز منها؛ لأن الذكور بعضهم مع بعض دائماً، فلو وجدنا رجلاً مثلاً مع فتى، فلا يمكن أن نقول له: اترك الفتى، ما الذي أتى بك إليه؟ لكن لو وجدنا رجلاً مع امرأة، وشككنا هل هو من محارمها أم لا؟ يمكن أن نسأل ونبحث، فلما كان هذا الأمر أمراً فظيعاً مفسداً للمجتمع، وأمراً لا يمكن التحرز منه، صار جزاؤه القتل بكل حال، وهذا القول هو الصحيح. فإذا قال قائل: هل نحرقهم، أو نرميهم من أعلى الشاهق، أو نرجمهم رجماً؟ أقول: الأولى في ذلك أن يفعل ولي الأمر ما هو أنكى وأردع، فإن رأى أنهم يحرقون، بأن يجمع الحطب أمام الناس، ثم يأتي بهم، ويرموا في النار فعل، وإن رأى أنه ينظر أطول منارة في البلد، ويلقون منها، ويتبعون بالحجارة، وأن هذا أنكى وأردع فعل، وإن رأى أنهم يرجمون، فيقامون أمام الناس، ويرجمهم الصغار والكبار بالحجارة فعل، فالمهم أن يفعل ما هو أنكى وأردع؛ لأن هذه ـ والعياذ بالله ـ فاحشة قبيحة جداً، وإذا ترك الحبل على الغارب انتشرت بسرعة في الناس حتى أهلكتهم. وَلاَ يَجِبُ الْحَدُّ إِلاَّ بِثَلاَثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: تَغْيِيبُ حَشَفَتِهِ الأَصْلِيَّةِ كُلِّهَا فِي قُبُلٍ، أَوْ دُبُرٍ أَصْلِيَّيْنِ حَرَاماً مَحْضاً من آدَمِيٍّ حَيٍّ،.............. قوله: «وَلاَ يَجِبُ الحَدُّ إِلاَّ بِثَلاَثَةِ شُرُوطٍ» وهذه الشروط زائدة على الشروط السابقة العامة. قوله: «أَحَدُهَا: تَغْيِيبُ حَشَفَتِه الأَصْلِيَّةِ كُلِّهَا فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ أَصْلِيَّيْنِ حَرَاماً مَحْضَاً مِنْ آدَمِيٍّ حَيٍّ» . فقوله: «تغييب حشفته» أي: الزاني، والحشفة معروفة. وقوله: «كلها» احترازاً من البعض، وإذا لم يكن له حشفة كما لو كان مقطوع الحشفة، فإن قدرها يكون بمنزلتها. وقوله: «في قبل» أي: الفرج «أو دبر» أي: مخرج الغائط. وقوله: «أصليين» صفة للقبل أو الدبر، وضدهما غير الأصليين، كالخنثى فهو بالنسبة للقبل واضح، لكن بالنسبة للدبر ربما يكون إنسان ـ نسأل الله العافية ـ ليس له دبر، وقد ذكر ابن قدامة ـ رحمه الله ـ في المغني أنه ذكر له أن في الشام ثلاثة أشخاص: الأول: له خرق بين مخرج البول والغائط، يخرج منه البول والغائط، ليس له دبر، وليس له فرج، ولا ذكر. الثاني: ليس له فرج ولا ذكر، لكن فيه ورمة يرشح منها البول رشحاً. الثالث: ليس له من الأسفل شيء، وإنما يأكل الطعام فإذا بقي ما شاء الله تقيأه، وكان هذا التقيؤ بمنزلة الغائط والبول، وهؤلاء نقول: يُحكم لهم حكم الخنثى المشكل بالنسبة للميراث. على كل حال لا بد أن يكون القبل والدبر أصليين، احترازاً من غير الأصليين كفرج الخنثى، ودبرٍ في غير موضعه. قوله: «حراماً محضاً» سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ الكلام عليه في الشرط الثاني وهو انتفاء الشبهة. وقوله: «من آدمي» يعني أن يكون هذا القبل، أو الدبر من آدمي، فإن كان من غير آدمي لم يجب حد الزنا، لكن يجب التعزير بما يراه الإمام، فلو أولج الإنسان في بهيمة عُزِّر، وقُتلت البهيمة على أنها حرام جيفة، فإن كانت البهيمة له فاتت عليه، وإن كانت لغيره وجب عليه أن يضمنها لصاحبها. وقيل: إن من أتى بهيمة قتل لحديث ورد في ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من وجدتموه على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة» [(117)]، وهذا عام، أخذ به بعض أهل العلم، وقالوا: إن فرج البهيمة لا يحل بحال، فيكون كاللواط، ولكن الحديث ضعيف؛ ولهذا عدل أهل العلم لمَّا ضَعُف الحديث عندهم إلى أخف الأمرين، وهو قتل البهيمة، وأما الآدمي فلا يقتل؛ لأن حرمته أعظم، ولكن يعزر؛ لأن ذلك معصية، والقاعدة العامة أن التعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة. فإن قال قائل: ما الدليل على أن إتيان البهيمة معصية؟ قلنا: قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ *}} [المؤمنون:7] ، فأيُّ شيء وراء الأزواج وملك اليمين، يعتبر عدواناً وظلماً. وظاهر كلام المؤلف: أنه لا فرق بين الزنا بذوات المحارم وغيرهم، ولكن الصحيح أن الزنا بذوات المحارم فيه القتل بكل حال لحديث صحيح ورد في ذلك[(118)]، وهو رواية عن أحمد وهي الصحيحة، واختار ذلك ابن القيم في كتاب الجواب الكافي أن الذي يزني بذات محرم منه فإنه يقتل بكل حال، مثل ما لو زنا بأخته والعياذ بالله، أو بعمته، أو خالته، أو أم زوجته، أو بنت زوجته التي دخل بها، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا الفرج لا يحل بأي حال من الأحوال، لا بعقد ولا بغيره؛ ولأن هذه فاحشة عظيمة. وقوله: «آدمي حي» احترازاً من الميت، يعني لو زنا بميِّتة ـ وهذا يحصل ـ فإنه لا يحد، قالوا: لأن النفس تعافها وتكرهها، فاكتفي بالرادع الطبيعي عن الحد، ولكن لا بد أن يعزر. وقيل: إن الذي يأتي الميتة، يزني بها، عليه حدان، مرة للزنا، ومرة لانتهاك حرمة الميتة؛ لأن الحية قد يكون منها شهوة وتلذذ بخلاف الميتة، والإمام أحمد ـ رحمه الله في إحدى الروايات إن لم تكن الأخيرة ـ يميل إلى هذا، أنه يجب عليه حدان لبشاعة هذا الأمر، وهو لا شك أمر مستبشع غاية الاستبشاع، ولا أقل من أن نلحق الميتة بالحية لعموم الأدلة: {{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}} [النور: 2] ، فإن النصوص عامة، فهذا الرجل زانٍ، وإن كانت المرأة ليست بزانية، لكن ليس بشرط، ولهذا لو زنا بامرأة مجنونة وجب عليه الحد ولم يجب عليها؛ فليس الحدان متلازمين. ولو زنا محصن ببكر رجم وجلدت، فليس بشرط لإقامة الحد في الزنا أن يكون الزانيان عقوبتهما سواء. فالشروط إذاً: أولاً: تغييب الحشفة الأصلية كلِّها. ثانياً: أن يكون في قبل، أو دبر. ثالثاً: أن يكون القبل أو الدبر أصليين. رابعاً: أن يكون القبل والدبر من آدمي. خامساً: أن يكون الآدمي حياً. فهذه الشروط الخمسة إذا لم تتم فإن الحد لا يجب على الفاعل، ولكن يجب عليه التعزير. فلو أن رجلاً بات مع امرأة وصار يقبلها، ويضمها، ويجامعها بين الفخذين، ويفعل كل شيء، إلا أنه لم يولج الحشفة فلا حَدَّ، ولكن عليه التعزير، إلا أن يجيء تائباً إلى الإمام فإن الحاكم بالخيار، إن شاء أقام عليه التعزير، وإن شاء لم يقم عليه التعزير؛ لأنه ثبت في الحديث الصحيح: أن رجلاً جاء إلى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يخبره بأنه فعل بامرأة كل شيء إلا النكاح، فأنزل الله قوله تعالى: {{وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}} [هود: 114] [(119)]، ولم يقم عليه التعزير، فإذا جاء نادماً تائباً من فعله فإننا في هذه الحال إن طلب منا أن نقيم عليه التعزير، وألح في ذلك أقمنا عليه، وإلا أخبرناه بأن التوبة تَجُبُّ ما قبلها. الثَّانِي: انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ، فَلاَ يُحَدُّ بِوَطْءِ أَمَةٍ لَهُ فِيهَا شِرْكٌ، أَوْ لِوَلَدِهِ، أَوْ وَطِئَ امْرَأَةً ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ سُرِّيَّتَهُ، أَوْ فِي نِكَاحٍ بَاطِلٍ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ مُلْكٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَنَحْوِهِ، أَوْ أُكْرِهَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا. قوله: «الثاني انتفاء الشبهة» لأن الحد عقوبة على معصية، فلا بد من أن تتحقق هذه المعصية لنطبق هذه العقوبة، أما أن نعاقب من نشك في ارتكابه الجريمة فإن هذا لا يجوز، فمعناه أننا حققنا شيئاً لأمر محتمل، غير محقق، وهذا يكون حكماً بالظن، والله تعالى يقول: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}} [الحجرات: 12] لا سيما أن مثل هذه العقوبة بالنسبة للشخص سوف تحط من سمعته بين الناس، ومن عدالته، فالمسألة ليست بالهينة، وعلى هذا فإذا وُجدت أي شبهة تكون عذراً لهذا الزاني، فإنه لا يجوز لنا أن نقيم عليه الحد. وأما حديث: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين بالشبهات ما استطعتم» [(120)] فحديث ضعيف لا تقوم به الحجة، وما أكثر ما يعتمد عليه المتهاونون في إقامة الحدود، كلما جاءت حدود قد تكون مثل الشمس، قالوا: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» حتى يجعلوا ما ليس شبهة شبهة، ونحن في اعتمادنا على الحديث نحتاج إلى أمرين: الأول: ثبوت الحديث، الثاني: تحقيق المناط، هل هذا شبهة، أو غير شبهة؟ ولكن العلة التي ذكرناها علة واضحة، أنه لا يجوز أن نوقع عقوبة على جريمة نشك في كونها جريمة؛ لأن هذا حكم بالظن، وإضرار بالمسلم، وحَطٌّ من قدره وسمعته، ومثل هذا لا يجوز إلا بشيء واضح نعتمد عليه، ثم ضرب المؤلف أمثلة للشبهة فقال: «فَلا يُحَدُّ بِوَطْءِ أَمَةٍ لَهُ فِيهَا شِرْكٌ» هذا رجل بينه وبين رجل آخر أمة مشتركة، اشترياها بعشرة آلاف، كل واحد قدم في ثمنها خمسة آلاف ريال، فهل تحل لواحد منهما؟ لا تحل لأحدهما، لا بالتسري، ولا بالنكاح، وإن وافق أحدهما، لكن تحل لغيرهما بالنكاح، فلو اتفقا على أن يزوجاها شخصاً حل ذلك، فإن وطئها أحدهما فلا حد عليه؛ لأن له بعضها، ففيه شبهة مُلك، حتى لو كان يعلم أنها لا تحل له، وأن هذا الجماع محرم، نقول: لأن شبهة الملك تمنع من إقامة الحد. قوله: «أو لولده» هذه أبعد، فلو زنا بأمةٍ لولده فيها شِرك، فالأب لا يملكها، لكن يملك أن يتملك ما يملكه ولده من هذه الأمة، فلما كان له أن يتملك صار زناه بهذه الأمة التي لولده فيها شرك فيه شبهة، فلا يقام عليه الحد، ولو لم يكن للولد فيها إلا واحد من عشرة آلاف سهم، لعموم قوله: «له فيها شرك أو لولده» ، أما لأخيه أو لأبيه فليست شبهة، يعني لو أنه زنا بأمة أبيه أقيم عليه الحد؛ لأن ذلك ليس بشبهة؛ لأن الولد لا يتملك من مال أبيه، بخلاف العكس. قوله: «أَوْ وَطِئَ امْرَأَةً ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ سُرِّيَّتَهُ» الزوجة من ملكها بعقد النكاح، والسرية من ملكها بعقد التملك، مثاله: رجل جامع امرأة ظنها زوجته، كما لو أتى فراشه، فوجد امرأة ظنها زوجته، وكذلك لو ظنها سريته، المهم إذا ظن ذلك فالأمر ظاهر، ولكن إن ادّعى الظن فهل نقبل منه؟ الجواب: لا بد أن ينظر للقرائن، فمثلاً لو أمسك امرأة بالسوق وفعل بها، وهي تصيح: لست بزوجتك، ولا بيني وبينك ارتباط، فلا يقبل قوله، فلا بد أن يكون هناك قرينة تؤيد دعواه، مثلما قلنا في أول شروط الحدود: أن يكون عالماً بالتحريم، فإن ادعى جهل التحريم لم يقبل منه إلا بقرينة؛ لأنه يمكن لكل أحد أن يقول: أنا ما علمت أن الزنا حرام أو أن السرقة حرام، فلا بد من أن يكون هناك قرائن تشهد بصحة ما قال. قوله: «أَوْ فِي نِكَاحٍ بَاطِلٍ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ» النكاح الباطل هو الذي أجمع العلماء على فساده، مثل أن يتزوج أخته من الرضاع وهو لا يعلم، فهذا النكاح باطل؛ لأنه محرم بإجماع المسلمين، فإن وطئها فيه فلا حَدَّ عليه. قوله: «أَوْ نِكَاحٍ أَوْ مُلْكٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ» النكاح المختلف فيه له أمثلة كثيرة، منها أن يكون الخلاف في العقد، ومنها أن يكون الخلاف في شروط العقد، ومنها أن يكون الخلاف في المعقود عليه. فمثلاً تزوج رجل بامرأة رضعت من أمه ثلاث مرات، فالخلاف هنا في المعقود عليه، هل هو حرام، أو غير حرام؟ فعلى رأي من يقول: إن الثلاث محرِّمة يكون النكاح باطلاً، وعلى رأي من يقول: لا يُحرِّم إلا الخمس يكون النكاح صحيحاً. وقد يكون الخلاف في شرط العقد، مثل من تزوج بكراً أجبرها أبوها، فهي تحل له، وليس فيها موانع، فعلى رأي من يشترط رضا البكر ولو زوَّجَهَا أبوها يكون النكاح فاسداً، وعلى رأي من لا يشترط الرضا في هذه الصورة يكون النكاح صحيحاً، والصحيح أنه يشترط. وقد يكون الخلاف في نفس العقد، كمن عقد على امرأة في عدة اختلف العلماء في وجوبها، كامرأة مختَلَعة، فعدتها على القول الراجح حيضة واحدة، وعدتها على المذهب ثلاث حيض، فهنا إذا عقدنا عليها بعد الحيضة الأولى، فالنكاح صحيح على قول من يرى أن عدتها حيضة واحدة، وغير صحيح على رأي من يرى أن عدتها ثلاث حيض. إذاً كل نكاح مختلف فيه، إذا جامع فيه الإنسان فإنه لا يحد حد الزنا، أما إذا كان يعتقد صحته فالأمر واضح في أنه لا يحد؛ لأنه يطأ فرجاً حلالاً، ويعتقد أنه حلال، وليس فيه إشكال، وهذا لا نتعرض له ولا نلزمه بفسخ العقد ولا شيء. وأما إذا كان يعتقد فساده، ولكنه أقدم عليه لهوى في نفسه، كامرأة أعجبته في خلقها، ودينها، وجمالها، ويكون العقد عليها مختلفاً فيه، وقال: المسألة خلافية فسأتزوجها على رأي من يرى أن ذلك جائز، فهذا حرام، ولكن لا يُحدُّ للشبهة، وهي خلاف العلماء؛ لأنه قد يكون أخطأ في هذا الاعتقاد، وقد يكون الصواب مع من يرى أن النكاح جائز، وهو يعتقد أن النكاح غير صحيح؛ فمن أجل هذا الاحتمال صار هذا الوطء شبهة، يدرأ الحدَّ عنه. فالنكاح المختلف فيه إن كان يعتقد صحته فلا حد، ولا شيء عليه، ويبقى على نكاحه، وإن كان يعتقد فساده، فنحن نفرق بينهما اتباعاً لما يعتقد، ولكن لا نَحُدُّه للشبهة. وقيل: إن اعتقد بطلانه فإنه يحد بناء على عقيدته، لأنه يرى أنه يطأ فرجاً حراماً، وأن هذا العقد لا أثر له، فلماذا لا نأخذه باعتقاده؟! وينبغي في هذه الحال أن ينظر القاضي، أو الحاكم لما تقتضيه الحال. وقوله: «أو ملك مختلف فيه» كإنسان وطئ أمة في ملك مختلف فيه، وله صور أيضاً متعددة، منها: لو اشترى أمة بعد نداء الجمعة الثاني وهو ممن تجب عليه الجمعة، فالبيع والشراء محرم وباطل، ويرى بعض العلماء أن العقد محرم وليس بباطل. فهذا الرجل الذي اشتراها وجامعها، هل عليه حد؟ الجواب: لا حد عليه مطلقاً؛ لأن فيه خلافاً، لكن إن كان يعتقد الصحة أبقيناها معه، وإن كان يعتقد الفساد أرجعناها إلى بائعها الأول، وليس له فيها حق. مثال آخر: رجل قال له شخص يصلي إلى جواره في المسجد: لقد اشتريت جارية من أحسن الجواري، جميلة، شابة، متعلمة، فقال: بعها لي، فباعها له في المسجد، ثم سلم له هذه المرأة وجامعها، فالعلماء اختلفوا في صحة البيع في المسجد مع أنه حرام، فلا يحد للخلاف فيه، فهو شبهة، والصحيح أنه لا يصح. وكذلك تصرف الفضولي، وهو أن يبيع الإنسان ملك غيره بغير إذنه، فهذا التصرف قد يجيزه من له الحق، وقد لا يجيزه. فإن لم يجزه فالتصرف غير صحيح، وإن أجازه فالتصرف فيه خلاف بين أهل العلم، منهم من أجازه، ومنهم من منعه، فهذا رجل جاءه إنسان يسأله فقال: أنا عليَّ عتق رقبة، فهل عندك رقبة؟ قال: نعم، كم تبذل؟ قال: عشرة آلاف ريال، والثاني يعرف أن عند جاره جارية، يريد فيها خمسة آلاف ريال، فقال: هذه غبطة فباعها له، فلما باعها له وسلمه العشرة أعجبته فجامعها، فهذا التصرف على المذهب باطل؛ لأنه ليس من مالك، ولا من وكيل، فإذا أجازه مالك الأمَة فالمذهب لا يصح، ولو أجيز؛ لأنه ليس من مالك، ولا ممن يقوم مقام المالك، والقول الثاني: أنه إذا أجيز يصح العقد من أصله، لا من الإجازة، وعلى هذا يكون وطء هذا الرجل لهذه المرأة في ملك مختلف فيه، فلا يحد حد الزنا. قوله: «ونحوه» [(121)]. قوله: «أَوْ أُكْرِهَتِ المَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا» أي: إنها لا تحد، فإن أكرهها حتى زنا بها ـ والعياذ بالله ـ فليس عليها حد، لكن المُكْرِهَ يحد بلا شك، بل لو قيل بالحد والتعزير لكان أولى، فيحد للزنا ويعزر للاعتداء، ولا مانع من أن يكون أحد الزانيين يقام عليه الحد والثاني لا يقام عليه، كمن زنا بامرأة دون البلوغ فهي لا تحد والرجل يحد. وقوله: «أو أكرهت المرأة على الزنا» علم من كلامه أنه لو أكره الرجل أقيم عليه الحد، كإنسان عنده أمة، ورأى هذا الرجل اللبيب، الشاب، الجميل، وقال: أريد أن يزني بها، لينجب ولداً مثله، وأكرهه على الزنا، فالمذهب أنه يحد. قالوا: لأن الإكراه في حق الرجل لا يتصور؛ لأنه لا جماع إلا بانتشار، ولا انتشار إلا بإرادة، والإرادة رضا وليست إكراهاً، فلما لم يتصور الإكراه في حقه صار الحد واجباً عليه، ولا يعارض هذا الحديثَ: «وما استكرهوا عليه» [(122)]؛ لأنهم يقولون: هذا الرجل ما استكره، بل رضي. ولكن القول الراجح بلا شك أنه لا حد عليه، وأن الإكراه موجود، الرجل يقال له: افعل بهذه المرأة وإلا قتلناك، وتأتي أمامه بثياب جميلة، وهي شابة وجميلة، فهذا من أبلغ ما يكون من الإكراه، ومهما كان فالإنسان بشر، فالصواب بلا شك أنه لا حد عليه، وإذا لم تكن مثل هذه الصورة من الشبهة، فأين الشبهة؟! هذه هي الشبهة الحقيقية، فرجل معروف بأنه إنسان تقي، وبعيد عن الشر، وعفيف، ولا أحد يمكن أن يجرحه بشيء، ويأتيه شخص من شياطين الإنس، يكرهه على أن يزني بامرأة، ويهدده بالقتل وهو قادر أن يقتله، ثم يزني لدفع الإكراه، لا لرغبة في الزنا، ونقول: هذا يجب أن يقام عليه الحد!! فالصواب بلا شك أن الإكراه في حق الرجل ممكن، وأنه لا حد عليه، ولكن المُكْرِه يعزر، ولا يحد حد الزنا؛ لأنه ما زنا. فإن قلت: مر علينا في القصاص أنه إذا أكره الإنسان رجلاً آخر على قتل إنسان، فالضمان عليهما جميعاً، المُكْرِه والمُكْرَه، نقول: هذا قصاص، ولهذا لو تمالأ جماعة على قتل إنسان قُتلوا جميعاً. لكن لو تمالأ رجال على أن يزنوا بامرأة فزنا واحد فقط، أقيم الحد على الزاني فقط، ففرق بين هذا وهذا. الثَّالِثُ: ثُبُوتُ الزِّنَا، وَلاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُما: أَنْ يُقِرَّ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجْلِسٍ، أَوْ مَجَالِسَ، وَيُصَرِّحَ بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الوَطْءِ، وَلاَ يَنْزِعَ عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ الْحَدُّ. قوله: «الثَّالِثُ: ثُبُوتُ الزِّنَا، وَلاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: أحدهما: أن يقر به أربع مرات» فالأول: الإقرار، والثاني: البينة (الشهود)، والقول الراجح أن لثبوت الزنا ثلاثة طرق هذان الطريقان، والثالث الحمل، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ البحث فيه. أما الإقرار فدليله قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ}} [النساء: 135] والشهادة على النفس هي الإقرار، فأمر الله ـ عزّ وجل ـ الإنسان أن يقر بما عليه، ولو كان على نفسه. ودليله من السنة، أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رجم بالإقرار، وجلد بالإقرار[(123)]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: ولم يثبت الزنا بطريق الشهادة من فجر الإسلام إلى وقتهِ، وإنما ثبت بطريق الإقرار؛ لأن الشهادة صعبة، كما سيتبين إن شاء الله. وأما المعنى فلأن الإنسان لا يمكن أن يقر على نفسه بما يدنس عرضه، ويوجب عقوبته، إلا والأمر كذلك. فثبوت الزنا بالإقرار له أدلة ثلاثة: الكتاب، والسنة، والنظر الصحيح. قوله: «أَنْ يُقِرَّ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ» هذه شروط الإقرار، فلا بد أن يقر أربع مرات، فيقول: إنه زنا، ثم يقول: إنه زنا، ثم يقول: إنه زنا، ثم يقول: إنه زنا، والدليل على ذلك النص والقياس، أما النص فلأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقم الحد على ماعز بن مالك ـ رضي الله عنه ـ حتى أقر أربع مرات، فكان يأتي ويقر، فيعرض عنه الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى أقر أربع مرات، فلما أقر أربع مرات، قال: «ارجموه» [(124)]. وأما القياس: فلأن الزنا لا يثبت إلا بشهادة أربعة رجال، كما قال الله تعالى: {{لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ *}} [النور] ، فإذا لم يثبت إلا بأربعة شهداء، فإنه يقاس عليه الإقرار، فلا يثبت إلا بإقرارٍ أربع مرات. وأما النظر: فلأن الزنا فاحشة وأمر عظيم، ولا ينبغي أن يوصف به الإنسان إلا بزيادة تثَبُّت، وذلك بأن يكرر أربع مرات؛ لأن الزنا أمره عظيم، وفاحشة مدنسة للعرض، ثم إنه يخشى إذا حصلت أن تهون في نفوس المجتمع، فيؤدي ذلك إلى فساده، ولهذا فإن المنكرات إذا قل وقوعها في الناس ثم فعلت، تجد الناس يستنكرونها، وينفرون من فاعلها، فإذا فعلها آخر، وثالث، ورابع، وخامس، هانت عند الناس، ولهذا من الأمثال المضروبة: كثرة الإمساس يقل الإحساس، وهذا أمر مشاهد، كنا قبل زمان نستنكر غاية الاستنكار أن نسمع العُود والربابة، وهذه الأشياء التي هي من آلات اللهو، ولا يفعلها أحد إلا مختفياً، وفي حجرة بعيدة، أو في فلاة بعيدة من البر، وأصبحت اليوم أمراً مألوفاً؛ لأنها كثرت، وكذلك شرب الخمر، فإذا قيل: فلان شرب الخمر انتشر خبره في جميع أنحاء المملكة، ورأوا ذلك أمراً عظيماً، والآن يذكر لنا أنه هان الأمر عند بعض الناس، والعياذ بالله، كل هذا مع كثرة الوقوع، فإذا أقر إنسان بالزنا ورجمناه مثلاً، أو أقمنا عليه الجلد، فهذا ربما يسري في الناس ويتساهلون به، فلهذا احتطنا في الإقرار، فقلنا: لا بد أن يكون أربعاً، حتى إذا جاء وقال: زنيت، نقول: ما زنيت؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال لماعز ـ رضي الله عنه ـ: «لعلك قبّلت، أو غمزت، أو نظرت» ولكنه يقول: إنه زنا[(125)]. فصار عندنا دليل من السنة، والثاني من القياس على الشهادة، والثالث الاحتياط. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يشترط الإقرار أربعاً، وأن الإقرار بالزنا كغيره، إذا أقر به مرة واحدة، وتمت شروط الإقرار، بأن كان بالغاً عاقلاً ليس فيه بأس فإنه يثبت الزنا، واستدلوا بعموم قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ}} [النساء: 135] ، وهذا شاهد. واستدلوا من السنة بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لأُنيس ـ رجلٍ من الأنصار ـ: «واغد يا أُنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» [(126)]. واستدلوا بالنظر بأنه إذا أقر على نفسه فإنه بالمرة الواحدة يثبت؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يقر على نفسه بأمر يدنس عرضه، ويوجب عقوبته، إلا وهو صادق فيه، فإذا صدق بإقراره مرة انطبق عليه وصف الزنا، وإذا انطبق عليه وصف الزنا، فقد قال الله تعالى: {{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}} [النور: 2] . وأما مسألة الإشاعة، فالإشاعة لا تزول بتكراره أربعاً؛ لأن الرجل إذا أقر أربعاً وصمَّم عليه بان الأمر واتضح. بقي علينا أن نجيب عن أدلة القائلين بالتكرار، وأقوى حديث لهم هو حديث ماعز رضي الله عنه، فنقول: يظهر من سؤال النبي صلّى الله عليه وسلّم له أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أراد أن يستثبت الخبر؛ لأنه سأله: «هل بك جنون؟» ، قال: لا، فأرسل إلى قومه وقال لهم: «هل ماعز فيه جنون؟» ، قالوا: لا، إنه من صالِح رجالنا في العقل، ثم قال: «هل شربتَ الخمر؟» ، فقال: لا، حتى إنه أمر رجلاً أن يستنكهه[(127)]، أي: يشم رائحته، وهذا يدل على أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان عنده بعض الشك في إقرار هذا الرجل، وأراد أن يستثبت، ويؤيد هذا أن قصة العسيف ليس فيها إلا أنه قال: «إن اعترفت فارجمها» [(128)]، والفعل المطلق يصدق بالواحد، وكذلك قصة اليهوديين اللَّذَيْنِ زنيا، فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أمر برجمهما[(129)] ولم يذكر أنهما كرَّرا الإقرار، وكذلك الغامدية أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم برجمها ولم يذكر أنها كرَّرت الإقرار، حتى إنها قالت: يا رسول الله، تريد أن تُرَدِّدَنِي كما رددت ماعزاً؟![(130)]. وهذا القول أرجح أن تكرار الإقرار أربعاً ليس بشرط، لا سيما إذا كان الأمر قد اشتهر كما في قصة العسيف؛ لأن هذه القصة قد اشتهرت؛ لأن أبا العسيف ذهب يسأل الناس ما الذي عليه؟ فقيل له: إن على ابنك مائة شاة ووليدة، فافتداه بذلك حتى حصلت المخاصمة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وقضى بينهما بكتاب الله، فعندنا قولان في المسألة: الأول: أنه شرط. الثاني: أنه لا يشترط التكرار في الإقرار. ولكن القولين يتفقان في أنه إذا قام عند الحاكم شبهة، فإن الواجب التأكد والاستثبات. ولو قال قائل بقول وسط بأنه إذا اشتهر الأمر واتضح فإنه يُكتفى فيه بالإقرار مرة واحدة، بخلاف ما لم يشتهر فإنه لا بد فيه من تكرار الإقرار أربعاً، وعلى هذا يكون هذا القول آخذاً بالقولين، فيشترط التكرار في حال، ولا يشترط في حال أخرى. قوله: «فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ» هذا هو الشرط الثاني، وأشار المؤلف إلى مجلس أو مجالس؛ لأن بعض أهل العلم يقول: لا بد أن يكون ذلك في مجلس واحد، وأما إذا كان في مجالس فلا يصح، كما سيأتي في الشهادة. قوله: «وَيُصَرِّحَ بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الوَطْءِ» فيصرح المُقِر بذكر حقيقة الوطء، لا كناية الوطء، فيقول: إنه ناكها بهذا اللفظ، ولا يكفي أن يقول: أتيتها، أو جامعتها، أو زنيت بها؛ لأن قوله: «أتيتها» يمكن أتاها زائراً، ففيه احتمال، و«جامعتها» يعني اجتمعت معها في مكان، ولهذا يقال: التنوين لا يجامع الإضافة، والمعنى أنه لا يصاحبها ولا يجتمع معها، كذلك «زنى بها» لا يكفي، فربما يظن أن ما ليس بزنا زنا، مثل أن يظن التقبيل زنا، والنظر زنا، والاستمتاع بما دون الفرج، وما أشبه ذلك، ولهذا لا بد أن يصرح، ولما قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم لماعز: «لعلك قبَّلت، أو نظرت، أو غمزت» ، قال: لا، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنكتها؟» [(131)] بهذا اللفظ لا يكني، فالرسول ما كنَّى، مع أنه ما عُهد عنه أنه صلّى الله عليه وسلّم تكلم بصريح الوطء، إلا في هذه المسألة، فقال له: «أتدري ما الزنا؟» قال: نعم، أتيت منها حراماً، ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً[(132)]. وفي رواية لأبي داود: «حتى غاب ذلك منك في ذلك منها، قال: نعم، فقال: كما يغيب الرشاء في البئر، والمِرْوَد في المكحلة؟ قال: نعم» [(133)]، فهذا واضح صريح باللفظ وضرب المثل، فكل هذا يدل على أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أراد أن يستثبت من هذا الرجل، ويتأكد منه، وهل هو يعرف الزنا، أو لا يعرفه، فلا بد من أن يصرح بذكر حقيقة الوطء. وأما التعليل فظاهر؛ لأنه ربما يظن ما ليس بزنا زناً، موجباً للحد، فاشترط فيه التصريح. قوله: «ولا ينزع عن إقراره حتى يتم عليه الحد» هذا هو الشرط الثالث، ألاَّ ينزع عن إقراره، أي: لا يرجع عن إقراره حتى يتم عليه الحد؛ فإن رجع عن إقراره حرم إقامة الحد عليه، حتى ولو كان في أثناء الحد، وقال: إنه ما زنا، يجب أن يرفع عنه الحد، حتى لو كتب الإقرار بيده أربع مرات ورجع، فإنه يقبل رجوعه، ولا يجوز أن يقام عليه الحد. والدليل على ذلك: أولاً: أن ماعز بن مالك ـ رضي الله عنه ـ لما بدأوا يرجمونه، وأزلقته الحجارة، وذاق مسها هرب، حتى أدركوه فأتموا رجمه، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لما علم بهذا: «هلا تركتموه يتوب فيتوبَ الله عليه؟» [(134)]. قال أهل العلم: وهذا دليل على جواز رجوع المقِر، وأنه إذا رجع في إقراره حرم إقامة الحد عليه، حتى ولو كان قد شُرِع في ذلك،وحتى لو أنه لُقن أن يرجع فرجع فإنه يترك، ولا يقام عليه الحد. ثانياً: قالوا: إن هذا هو ما قضى به الخلفاء الراشدون[(135)] رضي الله عنهم، ومعلوم أن للخلفاء الراشدين سنة متبعة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» [(136)]، فإذا قضوا بأن رجوع المقر عن الإقرار موجب لرفع الحد عنه وجب علينا أن لا نقيم عليه الحد، وحرم علينا إقامة الحد. ثالثاً: قالوا: إن المعنى يقتضي رفع الحد عنه؛ لأنه إذا رجع وقال: إنه لم يزنِ، فكيف نقيم الحد على رجل يصرخ بأعلى صوته إنه لم يزنِ؟! فنحن نقيم عليه الحد بأمر هو ينكره، والأمر جاء من قِبَله هو، فلا يمكن أن نحده وهو ينكره. رابعاً: القياس على رجوع البينة؛ لأنه لو شهد عليه أربعة رجال بالزنا، وحكم الحاكم بإقامة الحد بمقتضى هذه الشهادة ثم رجعوا، قالوا: شهدنا ولكن نستغفر الله ونتوب إليه، رجعنا عن شهادتنا، فإنه لا يجوز إقامة الحد عليه؛ لأن رجوع هؤلاء الشهود قدح فيهم؛ لأنهم كاذبون في إحدى الشهادتين، إن كان في الأول فهم كاذبون فلا تقبل، وإن كان في الثاني فهم كاذبون فلا تقبل شهادتهم. فقالوا: إن هذا يقاس عليه، أي: أن رجوع المقر عن إقراره يرفع عند الحد، كرجوع الشهود عن شهادتهم. وهذا هو مذهب الإمام أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي، ومالك في بعض الأحوال. وقالت الظاهرية: لا يقبل رجوعه عن الإقرار، ويجب إقامة الحد عليه، وبيننا وبينكم كتاب الله وسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قالوا: إن الله ـ عزّ وجل ـ يقول: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ}} [النساء: 135] ، فإذا شهد على نفسه بالزنا فقد قام بالقسط، وصَدَقَ عليه وصف الزاني، وقد قال الله ـ عزّ وجل ـ: {{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}} [النور: 2] ، فكيف نرفع هذا الحكم الذي أمر الله به مُعَلَّقاً على وصف ثبت بإقرار من اتصف به؟! هذا لا يمكن؛ لأن هذا حكم معلق على وصف ثبت بإقرار، فبمجرد ما ثبت الإقرار ثبت الحد، فما الذي يرفعه؟! وأما السـنـة قالوا: لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال لأنيس ـ رضي الله عنه ـ: «واغدُ إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» [(137)]، ولم يقل: ما لم ترجع، وإذا كان لم يقله مع أن الحاجة تدعو إليه عُلم أنه ليس بشرط ألاَّ يرجع في إقراره حتى يتم عليه الحد؛ لأن الشرط لا بد أن يتم، وإلا لا يمكن أن يطبق الحكم بغير تمام الشرط. قالوا: وأما قولكم: إن ماعزاً ـ رضي الله عنه ـ رجع عن إقراره، فهذا قول بلا علم، وماعز ـ رضي الله عنه ـ ما رجع عن إقراره أبداً، وهربُهُ لا يدل على رجوعه عن إقراره إطلاقاً، ومن ادعى أن ذلك رجوع عن إقراره فقد قال قولاً بلا علم، وقد حرَّم الله ـ عزّ وجل ـ علينا أن نقول بلا علم في قوله: {{وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}} [الإسراء: 36] ، نعم، ماعز هربه قد يكون رجوعاً عن طلب إقامة الحد عليه، فهو في الأول يريد أن يقام عليه الحد، وفي الثاني أراد ألاَّ يقام عليه الحد، وتكون التوبة بينه وبين الله، ولهذا قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «هلاّ تركتموه يتوب فيتوب الله عليه» [(138)]، فدل هذا على أن حكم الإقرار باقٍ؛ لأنه لا توبة إلا من زنا، ما قال الرسول: هلا تركتموه؛ لأنه ارتفع إقراره، بل قال: «هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه» . وحينئذٍ لا يكون في الحديث دليل على ما زعتمم، بل إن لم يكن دليلاً عليكم، لم يكن دليلاً لكم، وكونه دليلاً عليهم أقرب من كونه دليلاً لهم؛ لأن إقرار الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنه يتوب دليل على ثبوت الذنب في حقه، ولو كان ذلك يرفع مقتضى إقراره لارتفع عنه حكم الذنب. ولهذا لو جاءنا رجل يقر بأنه زنا ويطلب إقامة الحد، ولما هيأنا الآلة لنقيم عليه الحد، وأتينا بالحصى لأجل أن نرجمه، ونظر إلى الحصى، فقال: دعوني أتوب إلى الله؛ ماذا نقول له؟ يجب أن ندعه يتوب إلى الله؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه» ، وحينئذٍ ندعه يتوب، فيتوب الله عليه. أما لو قال: ما زنيت، فلا يقبل؛ لأن هذا الرجل يريد أن يدفع عن نفسه وصفاً ثبت عليه بإقراره، ولو أننا قلنا بقبول رجوع الجاني عن إقراره لما أقيم حدٌّ في الدنيا؛ لأن كل من يعرف أنه سيحد ربما يرجع، إلا أن يشاء الله، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ في الفتاوى، فكل إنسان يخشى من العقوبة، وكان في الأول عنده عزم أن يطهر نفسه بالعقوبة، ولكن تأخر، فسيقول: ما حصل منه هذا الشيء، فهناك فرق بين الرجوع عن الإقرار، والرجوع عن طلب إقامة الحد، وهو ظاهر جداً. وأما قولكم: إنه يقاس على الشهادة فهذا قياس في غاية الضعف؛ لأن الشهود خطؤهم أو عدوانهم ممكن، خطؤهم بحيث يظنون أن هذا الرجل هو الذي زنا وهو غيره، لكنه شبيه به، فيعتقدون اعتقاداً جازماً أن هذا هو الرجل، فيشهدون على ما اعتقدوه، والواقع أنه غيره، وهذا يمكن، لكن هل يمكن للإنسان أن يخطئ في نفسه، ويظن أنه زنا وهو ما زنا؟! لا يمكن هذا، أيضاً قد يكون الشهود ما عندهم خطأ، لكن عندهم عدوان، أرادوا أن يورطوا هذا المشهود عليه، فشهدوا عليه بالزنا، وهو ما زنا أصلاً، وهذا يمكن، لكن عدوان الإنسان على نفسه بعيد، فبعيد أن يشهد على نفسه، ويلطخ نفسه بالزنا ويرضى العقوبة وهو كاذب، هذا من أبعد ما يكون، لكن كذب الشهود ممكن فيكذبون ويشهدون، ثم بعد ذلك يندمون، ويقولون: كيف نشهد، نلطخ عرضه، ونعرضه للعقوبة، وربما تكون رجماً، فيرجعون، فقياس هذا على هذا من أبعد ما يكون. وأما قولهم: إن المعنى يقتضيه، فكيف نقيم الحد على رجل يصرخ بأعلى صوته: إنه ما فعل؟! فنقول: نحن ما جنينا عليه، نحن أقمنا عليه الحد باعترافه، وكونه يكذب في الرجوع، أقرب من كونه يكذب في الإقرار؛ لأنه بعيد أن يقر الإنسان على نفسه أنه زنا وهو ما زنا، لكن قريب أن يرجع عن إقراره إذا رأى أنه سيقام عليه الحد وهو قد اعترف. وأما قضاء الخلفاء الراشدين، فأنا ما اطلعت على نصوصهم، فربما يكون هناك أشياء تشبه ما وقع لماعز فحكموا بها، فظن أهل العلم القائلون بهذا القول أنها من باب الرجوع عن الإقرار، وليست كذلك، فنحتاج أن نقف على النصوص الواردة عن الخلفاء الراشدين؛ لأن مخالفة الخلفاء الراشدين ليست بالأمر الهين، ونحن نتهم رأينا في مقابل قولهم، أما من حيث النظر بالأدلة فلا شك أن الراجح هو قول الظاهرية، ولا سيما إذا وجد قرائن، فمثلاً لو أن رجلاً سرق، وأمسكناه فأقر بالسرقة وأخبر أن الأشياء التي سرقها عنده، فلما أعطاهم الأشياء المسروقة، قال: أنا لم أسرق، فهنا الصحيح أنه ليس له الرجوع عن إقراره، بل يقام عليه الحد. فإن قيل: المال موجود عنده، قالوا: يمكن أن السارق جاء ووضعها في بيته، أو أنه اشتراها، أما المذهب فإنه يقبل رجوعه في الإقرار ما دام أن الحد لم يقم عليه، لكن لا يقبل رجوعه بالنسبة لحق الآدمي، وهذا مما شنع به ابن حزم على أهل الفقه، قال: سبحان الله!! إقرار واحد، تقولون: يلزمك في هذا، ولا يلزمك في هذا!! إما أن تبطلوهما وإلا أثبتوهما. والمهم على كل حال أن درء الحدود بمثل هذه الشبهات البعيدة بعيد عن الصواب، والواجب أن تُساس الأمة بما يمنع من الفساد، ولهذا كان القول الراجح كما سيأتينا ـ إن شاء الله ـ أن شارب الخمر إذا جلد ثلاث مرات ولم ينته فإنه يقتل، إما مطلقاً على رأي الظاهرية، وإما إذا لم ينته الناس بدون القتل على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. الثَّانِي: أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بِزِنَا وَاحِدٍ يَصِفُونَهُ أَرْبَعَةٌ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِيهِ، سَوَاءٌ أَتَوْا الحَاكِمَ جُمْلَةً، أَوْ مُتَفَرِّقِينَ، وَإِنْ حَمَلَتِ امْرَأَةٌ لاَ زَوْجَ لَهَا، وَلاَ سَيِّدَ لَمْ تُحَدَّ بِمُجَرَّدِ ذلِكَ. قوله: «الثَّانِي» : أي: الطريق الثاني مما يثبت به الزنا. قوله: «أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ فِي مجلسٍ واحدٍ بزنا واحد يصفونه أربعة ممن تقبل شهادتهم فيه، سواء أتوا الحاكم جملة أو متفرقين» . فالشروط خمسة أن يأتي هؤلاء الشهود إلى الحاكم الذي يثبت الزنا في مجلس واحد، سواء جاؤوا جميعاً، أو متفرقين، فالقاضي ـ مثلاً ـ له جلسة من الساعة الثامنة صباحاً إلى الساعة الثانية عشرة، أربع ساعات، فجاء الأول في الساعة الأولى وأثبت شهادته ومضى، وجاء الثاني في الساعة التاسعة فأثبت شهادته ومضى، وجاء الثالث في العاشرة فأثبت شهادته ومضى، وجاء الرابع في الحادية عشرة فأثبت شهادته ومضى، فهنا المجلس واحد، ولكنهم متفرقون. أو جاؤوا مجتمعين، يعني جاؤوا جميعاً، كل واحد ممسك بيد الآخر، وشهدوا عند القاضي في نفس اللحظة، فإنه يكفي. فإن جاؤوا في مجلسين، مثل أن جاء اثنان منهم في جلسة الصباح، واثنان في جلسة المساء، فإنهم قَذَفَةٌ، ولا تقبل شهادتهم، ويجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة، فإن قالوا: نحن نشهد على زنا واحد؟ قلنا: لا، أنتم لم تأتوا في مجلس واحد، وهذا هو مذهب الإمام أحمد، وأبي حنيفة، ومالك. وأما الشافعي وجماعة من أهل الحديث، فقالوا: لا يشترط المجلس الواحد. ودليل الأولين قالوا: لو قبلنا شهادتهم وهم يأتون في مجالس، لكان في ذلك تهمة، ربما أن الشاهدين الأولين يذهبان إلى رجلين آخرين ويغرونهما بالمال، أو ما أشبه ذلك، ويصفون لهم ما شهدوا به، ويقولون: اشهدوا على هذا النحو، ويأتون إلى القاضي في الجلسة الأخرى؛ لأنهم إذا أغروا هؤلاء بالمال وشهدوا مثل شهادتهم سلموا من أن يكونوا قذفة فيجلدوا، وأيضاً حصل لهم ما يريدون من تدنيس عرض المشهود عليه. أما الذين قالوا: لا يشترط أن يكونوا في مجلس واحد، فقالوا: إن الآية عامة {{لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ}} [النور: 13] ، وهؤلاء الشهداء الأربعة أتوا إلى القاضي، وأثبتوا شهادتهم، فأين في كتاب الله، أو في سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اشتراط أن يكون في مجلس واحد؟ وقولكم: إنه يُخشى من التمالؤ ينتقض عليكم بقولكم: إنهم يُقبلون، سواء أتوا الحاكم جملة، أو متفرقين؛ لأنه ربما يتمالأ هؤلاء الذين شهدوا في الساعة الأولى مع الذين شهدوا في الساعة الثالثة، أو الرابعة مثلاً، ولو أنكم قلتم كما قال أبو حنيفة وجماعة من أهل العلم: إنه لا بد أن يأتوا الحاكم ويدلوا بشهادتهم مجتمعين في مجلس واحد، يعني أنهم إذا جاؤوا متفرقين فإنهم قَذَفَة، فعندنا ثلاثة أقوال: الأول: اشتراط المجلس الواحد وحضورهم جميعاً. الثاني: عدم اشتراط المجلس. الثالث: اشتراط المجلس الواحد دون الحضور، وهذا هو المذهب عندنا، ولكن القولين الآخرين أقرب للقاعدة، إما أن نشترط أن يأتوا جميعاً ويشهدوا، وإما ألا نشترط ذلك، والأقرب إلى النصوص أنه لا يشترط؛ لأنها عامة. وعلى هذا فيكون قوله: «في مجلس واحد» على القول الراجح ليس بشرط. وقوله: «بزنا واحد» يعني لا بد أن يشهدوا على زنا واحد، فلو شهد رجلان على أنه زنا في الصباح، ورجلان أنه زنا في المساء، فهذان فعلان فلا تقبل الشهادة، ويجلد الشهود للقذف؛ لأن الزنا متعدد، ولو شهد اثنان أنه زنا في زاوية، واثنان أنه زنا في زاوية أخرى، فهل هذا زنا واحد أم لا؟ فيه تفصيل؛ إن كانت الحجرة صغيرة كملت الشهادة، وإن كانت كبيرة لم تكمل؛ والسبب أنها ممكن أن تتدحرج معه من زاوية إلى أخرى نسأل الله العافية، أما إذا كانت كبيرة فهذا يمتنع في العادة، فيعتبر الزنا فعلين. وهل يشترط ذكر المزني بها؟ لا يشترط؛ لأن المزني بها قد تكون غير معلومة للشهود؛ ولهذا لم يذكر المؤلف هذا الشرط، وهو كذلك. وقوله: «يصفونه» يعني يصفون الزنا بلفظ صريح، بأن يقولوا: رأينا ذكره في فرجها، فلو قالوا: رأيناه عليها متجردَيْن، فإن ذلك لا يقبل حتى لو قالوا: نشهد بأنه قد كان منها كما يكون الرجل من امرأته، فإنها لا تكفي الشهادة، بل لا بد أن يقولوا: نشهد أن ذكره في فرجها، وهذا صعب جداً، مثلما قال الرجل الذي شُهد عليه في عهد عمر: لو كنت بين أفخاذنا لم تشهد هذه الشهادة، وأظن هذا لا يمكن، ولكن لا أدري هل يمكن بالوسائل الحديثة أم لا كالتصوير؟ الظاهر أنه لا يمكن أيضاً؛ لأن الذي تدركه الصورة تدركه العين، فإذا لم تدركه العين لم تدركه الصورة، ولهذا يقول شيخ الإسلام: إنه لم يثبت الزنا عن طريق الشهادة من عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى عهده، وإذا لم يثبت من هذا الوقت إلى ذاك الوقت، فكذلك لا نعلم أنه ثبت بطريق الشهادة إلى يومنا هذا؛ لأنه صعب جداً. فلو شهد الأربعة بأنهم رأوه كما يكون الرجل على امرأته، فإنه لا يحد للزنا، وهل يحدون للقذف؟ لا يحدون للقذف؛ لأنهم ما قذفوا، ما قالوا: زنا، بل قالوا: إننا رأيناه كما يكون الرجل على امرأته فقط. ولكن هل نقول: إن هذه تهمة قوية بشهادة هؤلاء الشهود العدول، فيعزر؟ نعم، فإذا لم يثبت الزنا الذي يثبت به الحد الشرعي، فإنه يعزر لأجل التهمة؛ لأننا بين أمرين، إما أن نعزره، وإما أن نعزر الشهود، فأحدهما لا شك مخطئ، وهنا يثبت أن الشهود ثبت بشهادتهم التهمة. وقوله: «أربعة» فاعل «يشهد» لكنه تأخر عن عامله لأجل ذكر الشروط متوالية، وكلمة «أربعة» عدد يكون للمذكر، وعلى هذا فلا بد أن يكونوا رجالاً، فإن «أربعة» بمعنى أربعة رجال لقوله تعالى: {{لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ}} [النور: 13] ، وشهداء ـ أيضاً ـ للمذكر، جمع شاهد أو شهيد، فلو شهد ثمان نسوة لا يقبل، وكذلك ثلاثة وامرأتان لا يقبل. وقوله: «ممن تقبل شهادتهم فيه» أي: في الزنا، فلا بد أن يكون هؤلاء ممن تقبل شهادتهم في نفس الزنا، وبعض الناس يقبلون في الزنا، ولا يقبلون في غيره، أو يقبلون في غيره، ولا يقبلون في الزنا، كما لو كان أعمى، فالأعمى لو شهد بما يسمع قبلت شهادته، لكن بما يرى لا تقبل، فلو جاء ثلاثة يشهدون بالزنا، وجاؤوا بالرابع أعمى، لا يقبل، فإن قال: أشهد أنه زنا، قلنا: أنت كاذب، فإن قال: أشهد بشهادة هؤلاء الثلاثة؛ لأنهم عدول عندي، والرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا» [(139)]، وهؤلاء ثلاثة أشهد على شهادتهم، بل آكل على شهادتهم الميتة!! نقول: نعم، ولكن لا بد من وصف الزنا، فصفه لنا، فيقول: كما قال الثلاثة، فنسأله: هل رأيته؟ فيقول: إنه لم يره، وهذا فعل، والفعل مما يُشهد عليه بالبصر؛ ولهذا لا تقبل شهادة الأعمى في باب الزنا، ولا في كل فعل. ولا بد أن يكونوا من غير أعداءِ المشهود عليه، فإن كانوا من أعدائه فلا تقبل شهادتهم؛ لأن العدو يفرح أن يصاب عدوه بهذه الفاحشة، وعدو الإنسان من سرَّهُ مساءتُهُ وغَمَّه فرحُهُ، هذا ضابط العداوة عند أهل الفقه، فإذا قيل له: إن فلاناً نجح، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإن قيل له: إن فلاناً أصيب بحادث وتكسرت سيارته، قال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فهذا عدو؛ لأنه في الأول ساءه مسرة هذا الشخص، وفي الثاني فرح بما يغم هذا الشخص. وقوله: «سواء أتوا الحاكم جملة أو متفرقين» ، سبق الكلام على هذا، وأن بعض العلماء يقول: لا بد أن يأتوا الحاكم في مجلس واحد جملة، والصواب أنه لا يشترط المجلس الواحد. قوله: «وَإِنْ حَمَلَتِ امْرَأَةٌ لا زَوْجَ لَهَا وَلاَ سَيِّدَ لَمْ تُحَدَّ بمجَرَّدِ ذَلِكَ» «امرأة» نكرة في سياق الشرط فتعم، سواء كانت حرة أم أمة، صغيرة أم كبيرة «لا زوج لها ولا سيد» ، والتي ليس لها زوج، ولا سيد لا تحمل إلا من وطء محرم، لقوله تعالى: {{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *}{إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ }} [المؤمنون:6] ، {{أَزْوَاجِهِمْ}} هذه ذات الزوج، {{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}} ذات السيد، فإذا حملت امرأة ليس لها زوج، وليس لها سيد، فإننا لا نتعرض لها، ولا نقول: من أين جاءك الحمل؟ ولا نسألها؛ لأن في سؤالها إشاعة للفاحشة، وقد قال الله ـ عزّ وجل ـ: {{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}} [النور: 19] ، فإذا كان هذا الوعيد فيمن يحب أن تشيع الفاحشة، فكيف بمن تسبب لشيوع الفاحشة؟! ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» [(140)]، وهذا الحديث كما سبق حديث ضعيف. فعلى هذا فلا تُسأل، ولا تُحد، حتى لو كانت تحمل كل سنة، وتأتي بولد وصار لها عشرة أولاد بدون زوج، ولا سيد، فإننا لا نتعرض لها!! وهذا الذي ذكر المؤلف هو المذهب، وهو أحد أقوال ثلاثة. القول الثاني: أنه يجب عليها الحد ما لم تدعِ شبهة، مثل أن تدعي أنها اغتصبت، أو تدعي أنها وجدت شيئاً فأدخلته في فرجها، فكان مَنِيَّ رَجُلٍ فحملت به، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي تُعذر فيها فإذا ادعت شبهة ممكنة فلا تحد. القول الثالث: يجب عليها الحد وإن ادعت شبهة. وحجة القول الثاني، يقولون: إن أمير المؤمنين عمر ـ رضي الله عنه ـ خطب الناس على منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال فيما قال: «إن الرجم حق ثابت على من زنا إذا أَحصن إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف»[(141)]، فذكر لثبوته ثلاثة أشياء: الأول: أن تقوم البينة، أربعة رجال بالشروط المعروفة. الثاني: الحبل. الثالث: الاعتراف. وهذا قاله أمير المؤمنين عمر على منبر الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وبمحضرٍ من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، ولم يذكر أن أحداً نازعه في ذلك، أو خالفه، ومثل هذا يكون من أقوى الأدلة إن لم يُدَّعَ فيه الإجماع فهو كالإجماع، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وهو الحق بلا ريب. فالولد في الأصل من الجماع، وأما كون المرأة ربما وجدت شيئاً فيه ماء رجل فأدخلته في فرجها، ثم دبت هذه النطفة إلى رحمها، وحبلت، فهذا شيء بعيد!! ولو أننا قلنا بعدم الحد لانتشر الشر والفساد، ولكانت كل امرأة بغي تلد كل سنة، ويقال: لا تسألوها ودعوها، حتى تأتي هي وتقر بالزنا، وحينئذٍ أقيموا عليها الحد. وأما قول الفقهاء رحمهم الله: إن هذا من باب الشبهات، والحدود تدرأ بالشبهات، فنقول: أولاً: نمنع المقدمة الأولى، وهي أنه من الشبهات، فنقول: أين الشبهة في امرأة حملت؟! الأصل أنها ما حملت إلا من جماع، وإذا لم تكن ذات زوج ولا سيد، فليس عندنا إلا الجماع المحرَّم، إلا إذا ادعت الشبهة. ثانياً: الحديث الذي استدلوا به ضعيف، ولو أننا أخذنا بكل شبهة ـ ولو كانت شبهة ضئيلة كالشررة في وسط الرماد ـ لَكُنَّا وافقنا قول من يقول: إن الرجل إذا استأجر امرأة ليزني بها فزنى بها فلا حد عليه، وهذا قول لبعض العلماء، قالوا: لأن الاستئجار شبهة لإباحة جماعها في مقابل الأجرة. وما من إنسان يريد الزنا إلا توصل إلى الزنا بمثل هذه الطريقة، بكل سهولة، فالقصد أن مجرد الشبهة ولو كشرارة في وسط الرماد ليس بصحيح، ولا يمكن أن ترتفع بها الأحكام، وإلا فسدت أحوال الناس. وأما القول الثالث الذي يقول: إنها تحد ولو ادعت الشبهة، فيقولون: إنها بحملها ثبت زناها بمقتضى حديث عمر ـ رضي الله عنه ـ، والأصل عدم الإكراه فلتأتِ ببينة على ما ادعته من الشبهة، وإلا وجب الأخذ بظاهر الحال، وهذا تعليله أقوى من تعليل القول الأول، الذي يقول بأنها لا تحد، ومع ذلك فهو تعليل عليل لا تقوم به الحجة، ولا يمكن أن نتلف به الأنفس، ولا سيما إذا كانت ثيباً فإنها سترجم بمجرد ذلك. بقي أن يقال: إن تعليل الفقهاء بأن سؤالها من باب إشاعة الفاحشة، نقول: إننا لن نسألها، بل نقيم عليها الحد بدون سؤال، حتى تدعي ما يرتفع به الحد. إذاً طرق ثبوت الزنا بهذا التقرير أربعة: أولاً: الشهادة. ثانياً: الإقرار. ثالثاً: حمل من لا زوج لها ولا سيد. رابعاً: اللعان بين الزوجين، فإذا تم لعان الزوج ولم تدافعه. ----------------------- [101] سبق تخريجه ص(209). [102] أخرجه أحمد (5/183)، والدارمي (2220)، والطبراني في الكبير (24/350)، والحاكم في المستدرك (4/401)، وانظر: مجمع الزوائد (6/265). [103] أخرجه مسلم في الحدود/ باب حد الزنا (1690) عن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ. [104] أخرجه الإمام أحمد (1/93)، وأخرجه البخاري في الحدود/ باب رجم المحصن... (6812) دون قوله: «أجلدها بكتاب الله». [105] سبق تخريجه ص(51). [106] سبق تخريجه ص(225). [107] أخرجه البخاري في الحدود/ باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت (6824)، ومسلم في الحدود/ باب من اعترف على نفسه بالزنا (1692). [108] سبق تخريجه ص(230). [109] سبق تخريجه ص(225). [110] أخرجه الترمذي في الحدود/ باب ما جاء في النفي (1438)، والنسائي في الكبرى (7342) ط. الكتب العلمية، والحاكم (4/369) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وقال الحافظ في البلوغ (1130): «رجاله ثقات إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه». [111] أخرجه البخاري في التفسير/ باب {{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}} (4886)، ومسلم في اللباس/ باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة (2125). [112] أخرجه البخاري في الأضاحي/ باب من قال: الأضحى يوم النحر (5550)، ومسلم في الحدود/ باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال (1679) عن أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ. [113] سبق تخريجه ص(231). [114] أخرجه الإمام أحمد (1/300)، وأبو داود في الحدود باب فيمن عمل عمل قوم لوط (4462)، والترمذي في الحدود باب ما جاء في حد اللوطي (1456)، وابن ماجه في الحدود باب من عمل عمل قوم لوط (2561) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، وصححه الحاكم (4/355) ووافقه الذهبي، وصححه ابن عبد الهادي في المحرر (1152)، والألباني في الإرواء (2350). [115] رواه البيهقي (8/232) عن أبي بكر وعلي ـ رضي الله عنهما ـ، وانظر: الدراية (2/103) ورواه ابن حزم عن ابن الزبير ـ رضي الله عنه ـ وهشام بن عبد الملك. انظر: المحلى (11/381، 384). [116] أخرجه ابن أبي شيبة (28337)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/232) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وإسناده صحيح، وانظر: نصب الراية (3/342). [117] أخرجه أحمد (1/269)، وأبو داود في الحدود باب فيمن أتى بهيمة (4464)، والترمذي في الحدود باب ما جاء فيمن يقع على بهيمة (1455)، وابن ماجه في الحدود باب من أتى ذات محرم ومن أتى بهيمة (2564) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، وضعفه أبو داود وغيره، انظر: التلخيص (1753). [118] ولفظه: «إذا قال الرجل للرجل: يا يهودي فاضربوه عشرين، وإذا قال: يا مخنث فاضربوه عشرين، ومن وقع على ذات محرم فاقتلوه»، أخرجه أحمد (1/300)، والترمذي في الحدود باب ما جاء فيمن يقول لآخر: يا مخنث (1462)، وابن ماجه في الحدود باب من أتى ذات محرم ومن أتى بهيمة (2564) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وصححه الحاكم (4/356)، انظر: نصب الراية (3/343)، والإرواء (2352). [119] أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة باب الصلاة كفارة (526)، ومسلم في التوبة باب قوله تعالى: {{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}} (2763) عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ. [120] أخرجه الترمذي في الحدود باب ما جاء في درء الحد (1424)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/238) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ، قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث محمد بن ربيعة عن يزيد بن زياد الدمشقي، وهو ضعيف في الحديث، والحديث ضعفه البيهقي، وصححه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (4/426)، وانظر: نصب الراية (3/333)، وخلاصة البدر المنير (2383)، والتلخيص (1755)، والإرواء (2355). [121] قال في الروض: «أي نحو ما ذكر كجهل تحريم الزنا من قريب عهد بالإسلام، أو ناشئ ببادية بعيدة» (7/322). [122] أخرجه ابن ماجه في الطلاق/ باب طلاق المكره والناسي (2043) عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ، ولفظه: «إن الله تجاوز لي عن أمتي...»، وأخرجه عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ (2045)، ولفظه: «إنَّ الله وضع عن أمتي...»، وصححه ابن حبان (7219)، وصححه الحاكم (2/198) على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. [123] سبق تخريجه ص(225). [124] سبق تخريجه ص(231). [125] أخرجه البخاري في الحدود باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت (6824) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ. [126] سبق تخريجه ص(225). [127] سبق تخريجه ص(231). [128] سبق تخريجه ص(225). [129] سبق تخريجه ص(212). [130] سبق تخريجه ص(51). [131] أخرجه البخاري في الحدود/ باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت (6824)، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقد مر تخريجه ص(258). [132] أبو داود (3843) في الحدود/ باب رجم ماعز بن مالك، عن أبي هريرة رضي الله عنه. [133] أخرجه أبو داود في الحدود باب رجم ماعز بن مالك ـ رضي الله عنه ـ (4428)، وصححه ابن حبان (4383) ط. الأفكار الدولية. [134] أخرجه أحمد (5/216)، وأبو داود في الحدود باب رجم ماعز بن مالك (4419) عن نعيم بن هزال ـ رضي الله عنه ـ قال الحافظ في التلخيص (4/58): «إسناده حسن». [135] جاء ذلك عن عمر وأبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ فيما رواه عبد الرزاق (18919)، ورواه ابن أبي شيبة عن عمر ـ رضي الله عنه ـ (28579) ط. الحوت، وجاء عن علي رضي الله عنه، كما في مسند أبي يعلى (328) ط، حسين سليم أسد. [136] أخرجه الإمام أحمد (4/126)، وأبو داود في السنة باب لزوم السنة (4606)، والترمذي في العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة (1676)، وابن ماجه في المقدمة باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين (42) عن العرباض بن سارية ـ رضي الله عنه ـ قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (5)، والحاكم (1/96). [137] سبق تخريجه ص(225). [138] أخرجه أبو داود في الحدود/ باب رجم ماعز بن مالك (3836)، وأحمد (5/216 ـ 217) عن نعيم بن هزال رضي الله عنه. ورواه الترمذي مختصراً في الحدود/ باب ما جاء في درء الحد... (1348)، عن أبي هريرة رضي الله عنه وحسّنه. [139] أخرجه الإمام أحمد (4/321)، والنسائي في الصوم باب قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان (4/133)، والدارقطني (2/167) عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وصححه في الإرواء (909). [140] سبق تخريجه ص(249). [141] سبق تخريجه ص(209).

    هذه ملفات رفعتها على موقع نور اليقين
    حمل من هنا


    http://www.up.noor-alyaqeen.com/ucp.php?go=fileuser



  2. #2

    افتراضي رد: بَابُ حَدِّ الزِّنَا.. الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-

    جزاك الله خيراً

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    4,966

    افتراضي رد: بَابُ حَدِّ الزِّنَا.. الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-

    وإياك أخي العزيز

    هذه ملفات رفعتها على موقع نور اليقين
    حمل من هنا


    http://www.up.noor-alyaqeen.com/ucp.php?go=fileuser




معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 21 (0 من الأعضاء و 21 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. [فتاوى] من فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في طلب العلم
    بواسطة أبو عمار ياسر المسلم في المنتدى المنبــر الإسلامي العــام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 30-Aug-2016, 01:00 AM
  2. [فوائد مستخلصة] فقه حديث من فطر صائما كان له مثل أجره ..الشيخ الفقيه محمد بن صالح بن محمد العثيمين رحمه الله تعالى.
    بواسطة أبو عبد المصور مصطفى في المنتدى المنبــر الإسلامي العــام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10-Jun-2015, 01:29 AM
  3. الإجماع..الشيخ محمد بن صالح العثيمين-رحمه الله
    بواسطة أبو عبد المصور مصطفى في المنتدى منبر الفقه وأصوله
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06-Oct-2014, 11:51 PM
  4. مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 13-Feb-2012, 10:14 AM
  5. مكتبة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
    بواسطة عماد المهاجر في المنتدى منبر تقنية المعلومات
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 10-Mar-2011, 10:06 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •