بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ؛ نحمده تعالى حمدا يليق بجلاله وجماله وكماله على ما أسبغ علينا من نعم ظاهرة وباطنة ، وما دفع عنّا من نقم ظاهرة وباطنة ، والصلاة والسلام علىأشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الغر الميامين وصحابته والتابعين لهم بإحسان أجمعين إلى يوم الدين .
أما بعد:
هذه بعض السبل الإيمانية والحوافز الربانية تحفز المسلم ، وترغبه في استقبال شهر رمضان استقبالا ربانية ، وتبعث في نفسه الهمة العالية ، والحماس الفياض في عبادة الله تعالى والإقبال عليه بصدق وإخلاص في هذاالشهر الكريم ، ليعيش تغييرا جذريا في ربانية إيمانية متذوقا طعم العبادة وحلاوة الإيمان ليجني بعده الفوز بمرضاة الله والفرح والسرور بفطره ولقائه ..
وأنها والله لنعمة عظيمة لا يحرم فضلها وأجرها إلا الشقي المحروم .

كيف نستقبلرمضان؟
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو : ما هي السبل المفيدة والاستعدادات اللائمة والطرق السليمة لاستقبال هذاالشهر الكريم ؟ والجواب هو : لمّا يعلم المؤمن بأن شهر رمضان شهر الخيرات ، ونزول الرحمات وموسم الطاعات ، فيشمر عن ساعد الجد ليسابق وينافس على الفوز بالجوائز التي رصدها رب البريات حينها ينبغي للمسلم أن لا يفرط في مواسم الطاعات ، وأن يكون منالسابقين الأولين إليها ومن المتنافسين فيها ، المبكرين إليها بهمة عالية لأن سلعة الله غالية ، إنها الجنان العالية ، قال الله تعالى { وفي ذلك فليتنافسالمتنافسون } (المطففين :26).
وما عليه إلا أن يسلك السبل السوية الملائمة لهذا الشهر لكي يصل إلى نهاية السباق مع الأوائل إن لم يكن هو الأول ..
وقال تعالى :{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(25) البقرة .
في الآية بشارة لمن أقبل على الأعمال الصالحة ومن أعظمها الصيام فإنه لا مثل له ، وأنه شهر غنيمة للمؤمن ، على خلاف الفجار والمنافقين الذين يستغلونه في غفلة المؤمنين في الركون إلى الدنيا وزينتها وشهواتها فيخرج رمضان وقد خابوا وخسروا ، فلا تنسى أخي المؤمن أن تذكر هذه الآية من سورة آل عمران لترى فيها كيف تحفزك على الإقبال على ما عند الله من الرضوان والجنان ، والزهد في الدنيا والنسوان .
قال جل وعز :{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ($) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ }(14- 15) آل عمران .
إعلان رباني كوني : يترقب العَالمَ هذه الأيام حدوث تغير عظيم في هذا الكون ، بما سنه الله تعالى من سنة تتجدد كل سنة أخبرنا بها الذي لا ينطق عن الهوى ، وهي : أن أبواب السماء ستفتح ، ويا لها من أبواب !!! متى تفتح ولمن ؟؟ تفتح إذا دخل رمضان ، وتفتح لمن صام وقام إيمانا واحتسابا .
وأن الشياطين ستصفد ويا له من خبر مفرح !!! أن أعداءنا سيهزمون ويسلسلون بأمر رباني وأننا سنرتاح شهرا كاملا منهم نتذوق طعم العبادة وحلاوة الإيمان ...
عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ )) البخاري (1899) ومسلم (1097) وفي رواية عند البخاري (1898): ((إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ))وعند مسلم (1079):((إِذَا كَانَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ )).
قال القاضي عياض في شرحه ، ونقله عنه الحافظ في "الفتح" (4/114): يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته، وأن ذلك كله علامةٌ للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين..
فما السبل الصحيحة والوسائل المفيدة النافعة التي ينبغي أن يحرص عليه المؤمن وهو على عتبة دخول شهر رمضان لتفتح له أبوا السماء والرحمة والجنة وتغلق دونه أبواب النّار ولا تصل إليه الشياطين بالأذى؟
1 - السبيل الأولى :الدعاء بأنيبلغك الله شهر رمضان وأنت في صحةوعافية ، حتى تنشط في عبادة الله تعالى ، من صيام وقيام وذكر ..
فقد أمر الله بالدعاء ووعد بالإجابة : {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }(60)غافر.
وقد روي عن أنس بنمالك – رضي الله عنه – أنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال((اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان ))رواه أحمدوالطبراني – لطائف المعارف. والحديث سنده ضعيف أنظر تخريج المشكاة (1369).
قال الحافظ ابن رجب – رحمه الله - في لطائف المعارف (1/209):بعض السلف كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم .
خرج عمر بن عبد العزيز رحمه الله في يوم عيد فطر فقال في خطبته: أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يوما وقمتم ثلاثين ليلة وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم ، كان بعض السلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر فيقال له: إنه يوم فرح وسرور فيقول: صدقتم ولكني عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملا فلا أدري أيقبله مني أم لا؟.انتهى كلامه .

وقال معلى بن الفضل : كانوا يدعون الله ستة أشهر: أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر: أن يتقبله منهم.
وقال يحيى بن أبي كثير: كان من دعائهم: «اللهم سلِّمني إلى رمضان وسلم لي رمضان، وتسلَّمه مني متقبلا» .
وَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ بن مَرَوَانَ: (كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ عِنْدَ حُضُورِ شَهْرِ رَمَضَانَ: اللَّهُمَّ قَدْ أَظَلَّنَا شَهْرُ رَمَضَانَ وَحَضرَ فَسَلِّمْهُ لَنَا وَسَلِّمْنَا لَهُ، وَارْزُقْنَا صِيَامَهُ وَقِيامَهُ، وَارْزُقْنَا فِيهِ الجِدَّ وَالاجْتِهَادَ وَالنَّشَاطَ، وَأَعِذْْنَا فِيهِ مِنْ الفِتَنِ» .وظائف رمضان (1/74) وموارد الظمآن لدروس الزمان .(1/338).
فإذا أهل هلال شهر رمضان وأنت حي ترزق فادع اللهبهذا الدعاء الوارد عن نبيك صلى الله عليه وسلم : ( الله أكبر اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ، والتوفيقلما تحب وترضى ، ربي وربك الله ) رواه الترمذي والدارمي وصححه ابن حبان.
وقال الشيخ الألباني في صحيح الجامع (حسن) [حم ت ك] عن طلحة. الصحيحة (1816).وقال في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان : صحيح لغيره .وقال في تخريج الكلم الطيب (162) صحيح بشواهده .
2 - السبيل الثانية: الحمد والشكر لله تعالى على أن أبقاك حيا ، وبلغك شهر رمضان وأنت صحيح معافى ، فهذه نعمة عظيمة تستوجب الشكر لله تعالى ، فكم من قريب ، أو صاحب أو خل ، أو جار ، أو محبوب صام معنا العام الماضي وهذه السنة افتقدناه ونحن أخرنا لنزداد فضلا من الله ، وثوابا على الطاعات ومنها رمضان ..
قال تعالى :{فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) النحل .
وقال سبحانه وتعالى :{ ... فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ } (152) البقرة .
وقال سبحانه وتعالى :{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }(7)إبراهيم.
وفي جامع معمر بن راشد (19574) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، مَا شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لَا يَحْمَدُهُ)).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ كَالصَّائِمِ الصَّابِرِ)) جامع معمر بن راشد (10/424) تحقيق الأعظمي .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ " قَالَ عَفَّانُ: " يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ حَمَلْتُكَ عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ، وَزَوَّجْتُكَ النِّسَاءَ، وَجَعَلْتُكَ تَرْبَعُ، وَتَرْأَسُ، فَأَيْنَ شُكْرُ ذَلِكَ؟)) مسند أحمد( 10378)ومسلم (16) (2968) .
وعَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»مسلم (2969).
قال النووي - رحمه الله- في كتاب الأذكار (1/297)(بابُ استحباب حمد الله تعالى والثناء عليه عندَ البِشارةِ بما يَسُرُّه).
اعلم أنه يُستحبّ لمن تجدّدتْ له نعمةٌ ظاهرة، أو اندفعتْ عنه نقمةٌ ظاهرة أن يسجد شكراً لله تعالى، وأن يحمدَ الله تعالى، أو يثني عليه بما هو أهله، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة مشهورة.انتهى كلامه .
وإن من أكبر نعم الله العظيمة على العبد التي تسره ويفرح لها أن دخل عليه شهر رمضان وهو حي يرزق ، صحيح معافى ، وذلك توفيق من الله ومنة عظيمة منه سبحانه تستحق الشكر والثناء على الله المنعم المتفضل بها، لذلك ينبغي للمؤمن أن يحمد الله حمد طيبا مباركا فيه ويشكره بصدق وإخلاص .
3- السبيل الثالثة:الفرحوالابتهاج والسرور ، فإنه من أعظم الخصال التي تدخل على المؤمن الفرح والسرور والابتهاج والحبور أنه بلغ شهر الصيام وبقي حيا وهو خال من العلل والعوائق التي تمنعه من الصيام ..
قال تعالى :{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }(58) يونس .
وقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يبشر أصحابه بمجيء شهررمضان ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِأَصْحَابِهِ يُبَشِّرُهُمْ: "قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ؛ مَنْ حُرِمَ خَيْرُهَا فَقَدْ حُرِمَ". )) أخرجه أحمد.
قال الشيخ الألباني في التعليق على تمام المنة (1/395): صحيح لغيره ، وهو مخرج في الصحيحة برقم (1307).
قال الحافظ ابن رجب في لطائف المعارف (1/148) : هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان ؛ كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران ، كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشياطين من أين يشبه هذا الزمان زمان؟! وفي حديث آخر: (( أتاكم رمضان سيد الشهور فمرحبا به وأهلا )).*
جاء شهر الصيام بالبركات ... فأكرم به من زائر هو آت.
وقد كان سلفنا الصالح من صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم - والتابعين لهم بإحسان يهتمون بشهررمضان اهتماما بالغا، ويفرحون بقدومه ، وأي فرح أعظم من الإخبار بقربرمضان موسم الخيرات وتنزل الرحمات ، وفتح أبواب الجنّات وغلق أبواب النيران ، وتصفيد الشياطين لا يفرح بهذا إلا مؤمن ، ولا يحزن ويغتم لدخوله إلا فاجر زنيم ومنافق لئيم .
4 - السبيل الرابعة: الإعداد وحسن العزموالتدبير المسبق للاستفادة من رمضان..
فالمؤمن العاقل هو من ينظم حياته ، ويقسم وقته ويجعل لكل مقام مقال ولكل حادثة حديث من الطاعة والعبادة ، فإذا دخل رمضان يجعله شهر كسب للحسنات وتكفير السيئات بالأعمال الصالحات ، والزيادة من الدرجات في أعلى الجنات ، وأن يكون همه أكبر وأكثر في مرضاة الله ، لا كما يفعله تجار الدنيا وأبناؤها الذين يحرصون الحرص الشديد على جعل شهر الصيام شهرَ كسب للدرهم والدينار ، شهرَ ربح للمال ، ويغفلون عن طاعة الرحمن ؛ فيخرج رمضان وما ازدادوا إلا بعد منه سبحانه .
فالكثيرمن الناس وللأسف الشديد حتى بعض المستقيمين على السنة يخططون تخطيطاً دقيقاً وإعدادا جيدا لأمورالدنيا ، ويقبلون عليها مالا يقبلون عليها في غير رمضان ، ولكن قليلون هم الذين يخططون لأمور الآخرة ،ومرضاه الرحمن ، فيخرج رمضان وقد ازدادوا تربية إيمانية وأخلاقية سنية ، من الصبر على الطاعات وترك المنكرات ، والثبات على ذلك حتى الممات .
لذلك تجد هؤلاء يدبرون أمورهم في الطاعة ويرغبون إلى العبادة ، فيضعون برنامجاً عملياً لاغتنام أيام وليالي شهر رمضان المبارك في طاعةالله تعالى بجميع أنواعها ...
5 -السبيل الخامسة:عقد العزم الصادق على اغتنامه وعمارة أوقاته بالأعمال الصالحة ..
فالمؤمن الذي يفرح بدخول شهر رمضان ويسر به ، لا ياتي عليه الهلال إلا وهو قد عقد العزم بصد وإخلاص لاغتنام هذه الفرصة العظيمة وهذا الموسم المهم حتى لا يفوته الخير الذي جعله الله فيه ، وليعلم أن من صدق اللهَ صدقهُ الله وأعانه على الطاعة ويسر له سبل الخير والبر، قال اللهعز وجل { فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم}(محمد:21).
قال الشيخ العلامة السعدي في تفسيره ( 1/788) أي: جاءهم الأمر جد، وأمر محتم، ففي هذه الحال لو صدقوا الله بالاستعانة به، وبذل الجهد في امتثاله {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} أي من حالهم الأولى .
وقال عز وجل :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ }(119)التوبة .
ولتعلم يقينا أن عزمك على الصدق يجعلك ممن يحبهم الله فإن الله يحب التوابيت ويحب المتوكلين ولا يمكن للعبد أن يكون متوكلا حقيقة تائبا إلى الله إلا إذا كان صادقا .
قال الحكمي – رحمه الله - : وتعقد العزم على حسن العمل - - وتخلص القصد لربك الأجل .
6 - السبيل السادسة:العلم والفقه بأحكام رمضان..
المؤمن ينبغي عليه أن يتعلم أحكام العبادة التي يقبل عليها قل مباشرتها ، حتى يعبد الله على علم وبصيرة ، فالعلم شرط لصحة العمل ، وهو أول ما يجب على العامل قال تعالى :{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ }(19)محمد.
وبوب البخاري على الآية باب العلم قبل القول والعمل ثم استشهد بهذه الآية . قال ابن المنير كما في الفتح : أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل فلا يعتبران إلا به ، فهو متقدم عليهما لأنه مصحح للنية المصححة للعمل .
فالذي يعمل بالجهل فيه خصلة من خصال النصارى الضالين ، ولابد له أن يضل لأنه يجهل ما ينبغي عليه ، وعلى أي كيفية يؤتى العمل ، فهو كمن مشي في طريق مظلم لا يرى شيئا ، أو يرى ضبابا أو أشباحا لا يستطيع تمييزها وربما كان في ذلك هلكته ، فاعلم نور يستضيء به أهل السعادة والجهال في الظلم .
فيجب على المؤمن أن لا يعبد إلا الله وأن يعبده على علم ، ولا يعذر بجهل الفرائض التي فرضها الله علىالعباد وهو يستطيع ذلك ، ومن ذلك صوم رمضان فينبغي للمسلم أن يتعلم مسائل الصيام وأحكامه قبل دخول الشهر ، من رؤية الهلال ، وزمن الصوم ، وأركانه ، وشرائطه ، ومفسداته ، ليكون صومه صحيحاً مقبولاً عندالله تعالى، قال سبحانه:{ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } (الأنبياء:7). فلا ينبغي للمسلم أن يعبد الله على جهل ، كمن يمشي مع القطيع وهو يساق إلى حتفه .
السبيل السابعة: استقبال شهر رمضان بالتوبة النصوح ..
فعل المؤمن أن يستقبل رمضان بالعزم على ترك المعاصي والسيئات ، والتوبة الصادقة النصوح بالإقلاع عن جميع الذنوب ،والإنابة إلى الله منها، وعدم العودة إليها ، في كل وقت ، وفي رمضان أعظم وأكثر ؛ لأنه شهر التوبة والغفران؛ شهر الرحمة والعتق ممن النيران ، فمن لم يتب فيه وقد صفدت الشياطين التي كانت تسوف له التوبة فمتى يتوب؟ وإذا فاتته هذه النفحة في هذه المحطة العظيمة في هذا الشهر الكريم فربما لن يدركها أبدا .
ففي البخاري (6308) عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: (( إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ)) فَقَالَ بِهِ هَكَذَا، قَالَ أَبُو شِهَابٍ: بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ. ومسلم (2744).
قال الله تعالى { وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنونلعلكم تفلحون } (النور:31).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ )) البخاري (6307).
وليعلم المؤمن أن الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة عبده فرحا كبيرا ، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا رائعا يبين فيه مدى فرح الله تعالى بتوبة عبده . فإذا علم العبد أن ربه يفرح بتوبته تاب وأناب وجمع بين فرحتين فرحة ربه بتوبته وفرحته بدخول رمضان شهر التوبة والغفران .
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ، سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلاَةٍ)) البخاري (6309).
8- السبيل الثامنة: الاستعداد الروحي والبدني ، وذلك بتزكية النفس بالتوبة ، والعلم النافع ، والعمل الصالح ، ففي هذه الأيام الفاضلة من شهر شعبان يروض المسلم نفسه على الطاعة ، والصبر بأنواعه ، بكثرة الصوم ، وقراءة القرآن في شهر القراء ، والإنفاق مما يحب ، والذكر ، وقراءة سير الصالحين المتقين في رمضان ، وسماع المواعظ ، والرقائق لعله يدرك ركبهم فيكون منهم أو ملحقا بهم ..
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يهيأ نفوس أصحابه لاستغلال هذا الشهر العظيم فيقول في آخر أيام من شعبان : ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ: «أَتَاكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مِرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ ))أخرجه النسائي (2106) ، وأحمد (2/ 230، 385، 425) من طريق أيوب السختياني به.صحيح لغيره صحيح الجامع (2191).
الطريقة التاسعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والدعوة إلى الله ، هذه الشعيرة العظيمة التي كادت أن تفقد في كثير من البلاد الإسلامية ، إلا بقايا من الغرباء النزاع من القبائل الذين يصلحون ما أفسد النّاس ..
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينبغي أن يكون في كل الشهور حسب القدرة والاستطاعة ، وأن يأمر بالمعروف على المعروف ، وأن ينهي عن المنكر بلا منكر ، وخاصة في رمضان حيث تكون الأرض خصبة ، ونفوس النّاس الغفل مهيأة يمكن أن تتقبل النصيحة في المعروف وتنتهي عن المنكر فتستقيم على الجادة ..
والأمر بالمعروف يكون على المراتب الثلاثة المعروفة ، في الأهل والأقارب والجيران ، والأصحاب والخلان ، في البيت ، والمسجد والمدرسة ، والسوق والمجتمع ، بقصد التقليل من الشر الذي يسببه شياطين الإنس والجن الذين لم يطلهم التصفيد، وتكثير الخير والبر الذي وتنميته لأن أسبابه متوفرة فإن رمضان شهر الخيرات والبركات.
وكذلكم الدعوة إلى الله على منهج النبوة ، فإن المكان مكان رمضان وإن الزمان زمان الصيام ، فالنّفوس تعيش تغير كوني يساعد كثيرا على زرع الخير والدعوة إليه على السنة إلى السنة ومنهج السلف على منهج السلف ، مع التبرؤ من الحول والقوة ، والاستعانة بالدعاء ، والتواضع ، وخفض الجناح ، واللين ، والتلطف ، بالمدعوين والحكمة في إيصال الحق لهم ، فإن دعوة هذه أوصافها لا شك أنها تجد آذانا صاغية وقلوبا مفتوحة ، ونفوسا مستجيبة ، ثم لا يكون همه أن يتبعه النّاس على دعوته ، بل يكون همه تبرئة الذمة أمام الله ولو لم يتبعه أحد قدوة بالأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام .
السبيل العاشرة: الاستعداد لاستقبال شهر رمضان بفتح صفحة بيضاء جديدة مشرقة مع :
أ‌- الله سبحانه وتعالى بالتوبة الصادقةوالإنابة ، وأن تشعر بذلك في نفسك وأنك حقا تبت ، وأقلعت عما كنت مبتليا به ..
فتجد آثار ذلك في صقل قلبك وتزكية نفسك ، ودموع عينيك إذا خلوت بربك ، في مسكنة وخوف ورجاء مطمئنا
بذلك قلبك بموعود الله تعالى ، فتحسن ظنك بربك فقد وعد الصائمين باب في الجنة لا يدخله إلا الصائمون ، فلتصم إيمانا واحتسابا ، ولتصم نفسك عن الشهوات والشبهات ، ولتصم جوارك عن تصديق ما تمليه النفس وتزينه.
ب‌ - الرسول - صلى الله عليه وسلم - بطاعته فيما أمر واجتنابما نهى عنه وزجر، والحرص على اتباع سنته علما وعملا، فتعرف كيف كان يصوم ويقوم ويعبد ربه في رمضان ، بعدما كنت من الحريصين على الاقتداء به في غير رمضان .
ت‌- مع الوالدين والأقارب والأرحام ، والزوجة والأولادبالبر والصلة، ودعوتهم إلى الإفطار ومشاركتك في مائدتك ، والتفقد لهم من حين لآخر ولو عن طريق الهاتف حتى تشعرهم أنك معهم وأنك مهتم بهم ، وأنهم موجودون في إحساسك وصيامك ودعائك ، فيبادلونك نفس الشعور وتفوز باستجابة دعوة أحدهم من ورائك .
ث‌- مع المجتمع الذي تعيش فيه حتى تكون عبداً صالحاًونافعاً ، تقدم النفع والخير ، وأن تكون فعالا إيجابيا يظهر ذلك من خلال مخالطتك للكبير والصغير ، وللقريب والبعيد .
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْمُؤْمِنُ يَأْلَفُ وَيُؤْلَفُ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ، وَلَا يُؤْلَفُ، وَخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ)).السلسلة الصحيحة (426).
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعَهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٍ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دِينًا، أَوْ تُطْرَدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلِأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، شَهْرًا، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ، مَلَأَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَلْبَهُ أَمْنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى أَثْبَتَهَا لَهُ أَثْبَتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدَمَهُ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ))((وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل)) . سلسلة الأحاديث الصحيحة (906).وصحيح الجامع (176). هكذا يستقبل المؤمن الذي ينشد باب الريان ومرضاة الرحمن ودخول الجنان شهررمضاناستقبالالأرض القاحلة للمطر ، واستقبال المريض للبرء بعد العلة واستقبال الحبيب للغائبالمنتظر.
اللهم بلغنارمضان، اللهم بلغنا رمضان ، وأعنّا على صيامه وقيامه ، واقبلنا في عبادك الصالحين ، وتقبله منا، إنك أنت السميع العليم ، وصل اللهم على عبد ورسولك خير من صلى وصام ، وعلى آله وصحبه وسلم .
-------------
الهامش :
* لم أجده بهذا واللفظ وإنما أخرجه ابن أبى شيبة (1/477، رقم 5509) ، وعبد الرزاق (4/307، رقم 7894) ، والبيهقى فى شعب الإيمان عن ابن مسعود موقوفًا) بلفظ : (( سيد الشهور شهر رمضان وسيد الأيام يوم الجمعة))وحسنه بعد أهل العلم بشواهده .