في العوامل المساعدة على تثبيت القرآن وعدم نسيانه

السؤال:
شيخَنا حفظكم اللهُ، ما نصيحتُكم لمن أراد حِفْظَ القرآن الكريم؟ وكيف يستطيع الشخصُ المحافظةَ على ما حفظه منه وعدمَ نسيانه؟ حفظكم اللهُ ورعاكم.
الجواب:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فاعلمْ أنَّ حِفْظَ القرآن الكريم فرضُ كفايةٍ على الأمَّة بالإجماع، وحِفْظَ ما تصحُّ به الصلاةُ مِنَ القرآن فرضُ عينٍ على كلِّ مسلمٍ بالإجماع(١)، وما عدا ذلك فحفظُه مستحبٌّ بالإجماع.
وفي حفظِ كلام الله تعالى فضلٌ عظيمٌ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»(٢)، والتفاضلُ في مراتب الاستحقاق في الإمامة بالناس أو الأولوية في الدفن ونحو ذلك إنما تكون بحفظ القرآن؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ»(٣) أيْ: «أحفظُهم»، وكان يقول: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ»، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ(٤)، وكذلك التفاضلُ في درجات الجنَّة على قدْرِ الحفظ في الدنيا لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا»(٥).
ولا يخفى ما في حفظِ القرآن الكريم مِنْ أهمِّيَّةٍ بالغةٍ لطالبِ العلم وللمتفقِّه؛ فالقرآنُ مصدرُ الأدلَّة يستظهرها الفقيهُ -عند الحاجة- في أحكامه وفتاويه، فمَنْ قَدَرَ على حفظه فهو مِنْ أجلِّ الطاعات والقُرُبات -كما تقدَّم-.
ومِنَ العوامل المساعدة على تثبيت الحفظ وعدم ذهاب العلم ما يلي:
١) شكرُ الله تعالى على نعمة الحفظ، واستعمالُ هذه النعمة في إتمام الحكمة التي شُرِعَتْ مِن أجلها في طاعة الله تعالى، ليكون القرآنُ حجَّةً له لا عليه. قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
٢) إخلاصُ الحفظ لله تعالى، والصدقُ في العملِ بمقتضاه، وعدمُ ربطِ الحفظ بالمطالب الدنيوية، وأنْ لا تُتَقَصَّدَ به المفاخرةُ والمباهاةُ والمقاصدُ السيِّئةُ أو يُستعمَلَ في غير الغرض المطلوب؛ فإنَّ أخْذَ القرآن بهذه النوايا يُوَرِّثُ النفاقَ؛ فقد جاء في الحديث قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَكْثَرُ مُنَافِقِي أُمَّتِي قُرَّاؤُهَا»(٦).
٣) تَعاهُدُ القرآن والإكثارُ مِن تلاوته ومراجعته؛ فإنَّ عدمَ التعاهد سببٌ لضياع الحفظ وذهاب العلم؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم:«تَعَاهَدُوا هَذَا القُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا»(٧)، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ القُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ: إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ»(٨).
٤) أنْ يقومَ به آناءَ الليل والنهار؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ»(٩).
٥) توطيدُ حفظه للقرآن الكريم بفقه المعاني والأحكام للعمل بها والدعوة إليها، مع ملازمته الصبرَ على هذه الطاعات؛ لأنَّ النفس قد تنفر منها لاتِّساع الأسباب وكثرة الأتباع، أو للاستثقال والكسل، أو لملاذِّ الحياة.
٦) أنْ يجتنبَ المعاصِيَ والآثامَ والخِلْطَةَ مع الأشرار ونحوَها؛ لأنها جوانبُ شيطانيَّةٌ مُظْلِمَةٌ للقلب مُنْسِيَةٌ للذِّكر.
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.

الجزائر في: ٢٧ من ذي الحجة ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٣ ديسمبر ٢٠١٠ م


(١) انظر: «مراتب الإجماع» لابن حزم (١٥٦).

(٢) أخرجه البخاري (٥٠٢٧) من حديث عثمان بن عفَّان رضي الله عنه.

(٣) أخرجه مسلم (٦٧٣) من حديث أبي مسعودٍ الأنصاري البدري رضي الله عنه.

(٤) أخرجه البخاري (١٣٤٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(٥) أخرجه أبو داود (١٤٦٤)، والترمذي (٢٩١٤)، من حديث عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما، وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٥/ ٢٨١).

(٦) أخرجه أحمد (٦٦٣٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٣٧٥).

(٧) أخرجه البخاري (٥٠٣٣)، ومسلم (٧٩١)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

(٨) أخرجه البخاري (٥٠٣١)، ومسلم (٧٨٩)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(٩) أخرجه البخاري (٧٥٢٩)، ومسلم (٨١٥)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.