بسم الله الرحمن الرحيم


جواز تمني الموت تديناً

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد وردني في يوم الإثنين الموافق 8/4/1426هـ سؤال هذا نصه:

هل يأثم الإنسان في تمنيه الموت ؟
وإن كنت لست من أهل الفتيا ولا أدعي ذلك، إلا أنني وجدت في نفسي الرغبة في البحث في هذه المسألة، رغبة في العلم وإفادة إخواني بما وصلت إليه.
فاستعنت بالله وبحثت في المراجع فخرجت بهذا البحث المختصر أسأل الله أن ينفعني بنشري للعلم المؤصل من الكتاب والسنة.

فأقول مستعيناً بالله تعالى وأسأله من فضله:
قال : ( لا تقومُ الساعةُ حتى يمرَّ الرجلُ بقبر الرجلِ، فيقولُ : يا ليتني مكانَه، ما به حبُّ لقاءِ اللهِ عز وجلَّ ). متفق عليه من حديث أبي هريرة .
انظر"الصحيحة"حديث [578] (2/118) .


(( قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ في " الصحيحة " : 2/119 )) :
ومعنى الحديث أنه لا يتمنى الموت تديناً وتقرباً إلى الله وحباً في لقائه، وإنما لما نزل به من البلاء والمحن في أمور دنياه . ففيه إشارة إلى جواز تمني الموت تديناً. ولا ينافيه قوله  : " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به .. " لأنه خاص بما إذا كان التمني لأمر دنيوي كما هو ظاهر .

قال الحافظ :
" ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف .

قال النووي : لا كراهة في ذلك، بل فعله خلائق من السلف منهم عمر ابن الخطاب و ... " . انتهى كلام الألباني.
قال ابن حجر في "الفتح" ( 13/75ـ76):
"قوله: (حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه): أي؛ كنت ميتاً.

قال ابن بطال: تغبط أهل القبور وتمنى الموت عند ظهور الفتن؛ إنما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي والمنكر. انتهى.
وليس هذا عاماً في حق كل أحد وإنما هو خاص بأهل الخير وأما غيرهم فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه ويؤيده ما أخرجه في رواية أبي حازم عن أبي هريرة عند مسلم: (لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول يا ليتني مكان صاحب هذا القبر وليس به الدين إلا البلاء) وذكر الرجل فيه للغالب وإلا فالمرأة يتصور فيها ذلك والسبب في ذلك ما ذكر في رواية أبي حازم انه يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده.
وبهذا جزم القرطبي وذكره عياض احتمالا.
وأغرب بعض شراح المصابيح فقال: المراد بالدين هنا العبادة والمعنى أنه يتمرغ على القبر ويتمنى الموت في حالة ليس المتمرغ فيها من عادته وإنما الحامل عليه البلاء وتعقبه الطيبي بان حمل الدين على حقيقته أولى أي ليس التمني والتمرغ لأمر أصابه من جهة الدين بل من جهة الدنيا.
وقال ابن عبد البر ظن بعضهم أن هذا الحديث معارض للنهي عن تمني الموت وليس كذلك وإنما في هذا أن هذا القدر سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين أو ضعفه أو خوف ذهابه لا لضرر ينزل في الجسم كذا قال.
وكأنه يريد أن النهي عن تمني الموت هو حيث يتعلق بضرر الجسم وأما إذا كان لضرر يتعلق بالدين فلا.
وقد ذكره عياض احتمالا أيضاً.
وقال غيره ليس بين هذا الخبر وحديث النهي عن تمني الموت معارضة لأن النهي صريح وهذا إنما فيه أخبار عن شدة ستحصل ينشأ عنها هذا التمني وليس فيه تعرض لحكمه وإنما سيق للأخبار عما سيقع.
قلت: ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله: (وليس به الدين؛ إنما هو البلاء)، فإنه سيق مساق الذم والإنكار، وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محموداً، ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين؛ عن جماعة من السلف.
قال النووي: لا كراهة في ذلك بل فعله خلائق من السلف منهم: عمر بن الخطاب، وعيسى الغفاري، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم. ثم قال القرطبي: كأن في الحديث إشارة إلى أن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين ويقل الاعتناء بأمره ولا يبقى لأحد اعتناء إلا بأمر دنياه ومعاشه نفسه وما يتعلق به ومن ثم عظم قدر العبادة أيام الفتنة كما أخرج مسلم من حديث معقل بن يسار رفعه العبادة في الهرج (كهجرة إلي).
ويؤخذ من قوله: (حتى يمر الرجل بقبر الرجل)؛ أن التمني المذكور إنما يحصل عند رؤية القبر.
وليس ذلك مراداً، بل فيه إشارة إلى قوة هذا التمني لأن الذي يتمنى الموت بسبب الشدة التي تحصل عنده قد يذهب ذلك التمني أو يخف عند مشاهدة القبر والمقبور فيتذكر هول المقام فيضعف تمنيه فإذا تمادى على ذلك دل على تأكد أمر تلك الشدة عنده حيث لم يصرفه ما شاهده من وحشة القبر وتذكر ما فيه من الأهوال عن استمراره على تمني الموت وقد أخرج الحاكم من طريق أبي سلمة قال عدت أبا هريرة فقلت اللهم اشف أبا هريرة فقال اللهم لا ترجعها إن استطعت يا أبا سلمة فمت، والذي نفسي بيده ليأتين على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر وليأتين أحدهم قبر أخيه فيقول ليتني مكانه وفي كتاب الفتن من رواية عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: يوشك أن تمر الجنازة في السوق على الجماعة فيراها الرجل فيهز رأسه فيقول يا ليتني مكان هذا. قلت يا أبا ذر إن ذلك لمن أمر عظيم؟ قال: أجل". انتهى.

قال الزرقاني في "شرح الموطأ" (2/123ـ124):
"( مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله قال لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه ) أي ميتا وذلك عند ظهور الفتن وخوف ذهاب الدين لغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي أو ما يقع لبعضهم من المصيبة في نفسه وأهله أو دنياه وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه
وعند مسلم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة مرفوعاً (لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول يا ليتني مكان صاحب هذا القبر وليس به الدِّين إلا البلاء) وعن ابن مسعود قال: "سيأتي عليكم زمان لو وجد أحدكم الموت يباع لاشتراه".
وعليه قول الشاعر وهذا العيش ما لا خير فيه ألا موت يباح فأشتريه.
وسبب ذلك أنه يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده وذكر الرجل للغالب وإلا فالمرأة يمكن أن تتمنى الموت لذلك أيضا لكن لما كان الغالب أن الرجال هم المبتلون بالشدائد والنساء محجبات لا يصلين نار الفتنة خصهم كما قيل كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول. قال الحافظ العراقي: ولا يلزم كونه في كل بلد ولا كل زمن ولا في جميع الناس بل يصدق على اتفاقه للبعض في بعض الأقطار وفي بعض الأزمان وفي تعليق تمنيه بالمرور إشعار بشدة ما نزل بالناس من فساد الحال حالتئذ إذ المرء قد يتمنى الموت من غير استحضار شيء فإذا شاهد الموتى ورأى القبور نشز بطبعه ونفر بسجيته من تمنيه فلقوة الشدة لم يصرفه عنه ما شاهده من وحشة القبور ولا يناقض هذا النهي عن تمني الموت لأن هذا الحديث إخبار عما يكون وليس فيه تعرض لحكم شرعي.
وقال ابن عبد البر لا يعارض هذا قوله لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به وقول خباب بن الأرت لولا أن رسول الله نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به لأنه إخبار بشدة ما ينزل بالناس من فساد الدين لا لضرر يصيب جسمه يحط خطاياه
وقد قال عتيق الغفاري ـ زمن الطاعون ـ: "يا طاعون خذني إليك"، فقيل: ألم يأت النهي عن تمني الموت؟ فقال: سمعت رسول الله يقول: (بادروا بالموت إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم، واستخفافاً بالدم، وقطيعة الرحم، ونساء يتخذون مزامير يقدمون الرجل يغنيهم بالقرآن وإن كان أقلهم فقهاً".
ويوضح ذلك قوله: (وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون)، وقول عمر: "اللهم قد ضعفت قوتي، وكبرت سني، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط". انتهى. وهو ناظر إلى أن المعنى الأول هو المراد بالحديث ورواه الشيخان في الفتن البخاري عن إسماعيل ومسلم عن قتيبة بن سعيد كلاهما عن مالك به". انتهى من شرح الزرقاني.

قال الحافظ العراقي في "طرح التثريب" (3/238ـ 240):
"باب تمنيه لمصيبة الدين عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله  قال لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه فيه
فوائد:

الأولى: أخرجه الشيخان في الفتن من صحيحيهما من هذا الوجه من رواية مالك عن أبي الزناد عن الأعرج وأخرجه مسلم أيضا من رواية أبي حازم عن أبي هريرة بلفظ: (والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على قبر الرجل فيتمرغ عليه ويقول يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر وليس به الدين إلا البلاء).
الثانية: فيه أن من أشراط الساعة التي لا بد من وقوعها مرور الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه وهذا إن لم يكن قد وقع فهو واقع لا محالة وليس يلزم أن يكون في كل البلدان ولا في كل الأزمنة ولا لجميع الناس بل يصدق هذا بأن يتفق لبعضهم في بعض الأقطار وقد ذكر ابن عبد البر والقاضي عياض أن ذلك قد وقع.
الثالثة: يحتمل أن يكون سبب هذا التمني ما يرى من البلاء والمحن والشدائد والفتن فيرى الموت الذي هو أعظم المصائب أهون مما هو فيه فيتمنى المصيبة الهينة في اعتقاده ويحتمل أن يكون سببه ما يرى من تغيير الشريعة وتبديل الدين فيتمنى الموت لسلامة دينه وقد ذكر الاحتمالين القاضي عياض والثاني منهما مردود لقوله في الرواية الأخرى وليس به الدين إلا البلاء أي لا يحمله على ذلك أمر الدين وإنما يحمله عليه البلاء وقد جزم ابن عبد البر بهذا الاحتمال المردود فقال ظن بعض الناس أن هذا الحديث معارض للنهي عن تمني الموت وقال في هذا إباحة تمنيه وليس كما ظن وإنما هذا خبر أن ذلك سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين وضعفه وخوف ذهابه لا لضرر ينزل بالمؤمن في جسمه. ا ه. وقد عرفت أن رواية مسلم من طريق أبي حازم ترده فإن قلت إذا لم يكن كذلك فما الجمع بينه وبين النهي عن تمني الموت قلت لا معارضة بينهما حتى يحتاج إلى جمع لأن هذا الحديث إخبار عن شدة تحصل ينشأ عنها هذا التمني وليس فيه الحكم على هذا التمني بشيء لا بتحريم ولا كراهة ولا إباحة فالحديث إنما سيق للإخبار عما سيقع.
وأما حكم التمني فمأخوذ من حديث آخر وجزم أبو العباس القرطبي بالاحتمال الأول الراجح ثم قال وكأن هذا إشارة إلى أن أكثر الفتن والمشقات والأفكار قد أذهبت الدين من أكثر الناس أو أقلت الاعتناء به فمن يتمسك بالدين عند هجوم الفتن ولذلك عظم قدر العبادة في حالة الفتن حتى قال : (العبادة في الهرج كهجرة إلي). ا ه.

الرابعة: تبويب المصنف رحمه الله على هذا الحديث يحتمل أن يكون موافقة لابن عبد البر والقاضي عياض في أحد احتماليه أن سبب هذا التمني مصيبة الدين وهو حينئذ مردود كما تقدم ويحتمل أنه أخذ من قوله في تلك الرواية التي في مسلم وليس به الدين أنه لو كان به الدين لم يكن مذموما وفيه نظر فإنه ليس في الحديث ما يدل على ذم ذلك ولا مدحه وإنما سبق للإخبار عن الشدائد التي تحصل في آخر الزمان بحيث يصل الحال إلى تمني الموت بسببها وهذا النزاع إنما هو في كيفية الاستنباط في هذا الحديث أما الحكم وهو تمني الموت لمصلحة الدين فلا نزاع فيه وقد ذكره ابن عبد البر عن أبي عبس الغفاري صحابي وعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وسفيان الثوري وقال النووي لا كراهة فيه وقد فعله خلائق من السلف عند خوف الفتنة في دينهم.
الخامسة: قوله: (حتى يمر الرجل بقبر الرجل)؛ الظاهر أن ذكر الرجل في الموضعين خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له فالمرأة في ذلك كالرجل ويحتمل أنه إنما يحصل هذا التمني للرجال خاصة فإنهم الذين يبتلون بالشدائد والمحن ويظهر فيهم ثمرة الفتن بخلاف النساء فإنهن محجوبات في الأغلب لا يصلين نار الفتن قال الشاعر كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول.
السادسة: قد يفهم من الحديث أن هذا التمني لا يعرض للإنسان إلا عند رؤية القبر وذلك قد يدل على خفة هذا التمني وعدم تأكده فلو تأكد لاستحضره من غير رؤية القبر ويحتمل أن يقال هذا أبلغ لأن الإنسان قد يتمنى الموت من غير استحضار لهيئته وصورته فإذا استحضره وتصوره وشاهد الموتى ورأى القبور نفر من هذا الأمر وأحب الحياة ولم يعد يتمنى الموت ولما كان الرجل مستمرا على تمني الموت مع ذلك دل على تأكد هذا الأمر وقوته عنده إذ لم يصرفه عنه ما شاهد من وحشة القبور وفي تلك الرواية التي عند مسلم مبالغة في ذلك الأمر وهو أنه يتمرغ على القبر وذلك يدل على تأكد تمنيه وشدة تعلقه به. والله أعلم." انتهى.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين،،،،،،،،
كتبه
أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي
يوم الثلاثاء 9 / 4 / 1426هـ