قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الحميد بن محمد حسونة-رحمه الله تعالى-

من أدب المجالس توقير رأسها((العلماء الربانيين))

والمقصودكما هو ظاهر :علماء أهل السنة، لا أهل الجهالات والبدع .
...قال العلامة شمس الدين ابن القيم –رحمه الله تعالى:" ... إن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أنيسمى ربانياً حتى يعرف الحق، ويعمل به،ويعلمه، فمن علم وعمل وعلّم، فذلك يدعى عظيما في ملكوت السموات""زادالمعاد..."(3/9) ط.دار الرسالة .

ومن توقير الشيخ :تقبيل يده حال اللقيا، كمظهر من مظاهر التوقيرللعلم، والتقدير لأهله:
وسواء كان التقبيل لليد أو للرأس أو بين العينين أو الكتف أو غير ذلك فالدلالة واضحة،وتعلقه لما نحن بصدده لا يخفى فمن ذلك .
قال العلامة ابن القيم –رحمه الله تعالى: " ولما سأله اليهود عن التسع آيات البيانات،فأخبرهم بها، قبّلوا يده وقالوا: نشهد أنك نبي .
قال: فما يمنعكم أن تتبعوني ؟
قالوا: إن داود –عليه السلام-دعا أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخشى إن اتبعناك أن تقتلنا يهود""مفتاح دار السعادة"للعلامة ابن القيم (1/93).

وقال الحافظ –رحمه الله تعالى-في سياق شرحه لحديث أبي سفيان –رضي الله عنه-مع هرقل :"وفي رواية عبد الله بن شداد عن أبي سفيان ،قال هرقل :لوعلمت أنه هو لمشيت إليه حتى أقبل رأسه،وأغسل قدميه"انظر"فتح الباري شرح صحيح البخاري"للحافظ ابن حجر (1/37)

وفي"صحيح البخاري"من حديث أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- قالت: " فجاءأبو بكر، فكشف عن رسول اللهوقبله""صحيح البخاري"برقم(3667)كتاب فضائل الصحابة"بابفضل أبي بكر بعد النبي –صلى الله عليه وسلم-وفيه قصة .
وعن ابن عمر –رضي الله عنهما-قال: "قبّلنا يد النبي –صلى الله عليه وسلم" "مصنف ابن أبي شيبة"(8/561-562) كتاب الأدب ، و"الجامع"للخطيب(1/189)
وعن تميم بن سلمة –رحمه الله تعالى-قال: " أن أبا عبيدة قبّل يد عمر"
قال تميم :"والقبلة سنة ""مصنف ابن أبي شيبة"(8/561-562) انظرأيضاً "السنن الكبرى"للبيهقي(7/101)
وعن سفيان بن عيينة، عن مالك، عن طلحة –رحمهم الله تعالى-قال: " قبّل خيثمة يدي"
قال مالك :"وقبّل طلحة يدي""مصنف ابن أبي شيبة"(8/561-562)

قال إبراهيم بن الأشعث –رحمه الله تعالى: "رأيت سفيان بن عيينه يقبّل يد الفضيل مرتين""سيرأعلام النبلاء"للحافظ شمس الدين الذهبي (8/438).

وقال موسى بن داود –رحمه الله تعالى :" كنت عند ابن عيينة فجاء حسين الجعفي، فقام سفيان فقبّل يده""سيرأعلام النبلاء"للحافظ شمس الدين الذهبي (9/398)

وفي ترجمة الحافظ المقرئ حسين بن علي الجُعفيت:203هـ قال خطيب أهل السنة ابن قتيبة –رحمه الله تعالى :
" قيل لسفيان بن عيينة :قدم حسين، فوثب وأتى، فقبّل يده .
وقال: قدم رجل أفضل رجل يكون قط .
وقال: عجبت لمن يمرّ بالكوفة، فلم يقبّل بين عيني حسين الجعفي .
وكان سفيان الثوري إذا رآه عانقه"انظر"تذكرةالحفاظ"لمؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي (1/349)و"تهذيب التهذيب"للحافظ ابن حجر (2/358)والنقل عن "العلماء العزاب الذين آثروا العلم على لزواج"لأبيغدة ص(30-31)مكتبةالرشد بالرياض .ط.الثانية1403هـ

قال عاصم بن أبي النجود –رحمه الله تعالى: "ماقدمت على أبي وائل من سفر إلا قبّل كفي""سيرأعلام النبلاء"للحافظ شمس الدين الذهبي (5/257)

وقال أبو حاتم الرازي –رحمه الله تعالى: "مارأيت أحداً أعظم قدراً من أبي مسهر، كنت أراه إذا خرج إلى المسجد، اصطفّ الناس يسلّمون عليه، ويقبلون يده""سيرأعلام النبلاء"للحافظ مؤرخ الإسلام شمس الدين الذهبي (10/228)

قال محمد بن أحمد بن عمر بن عيسى –رحمه الله تعالى-سمعت أبي يقول :" مارأيت مجلساً يجتمع فيه المشايخ ، أنبل من مشايخ اجتمعوا في مسجد بالكوفة في وقت الامتحان – أي:امتحان الناس في فتنة خلق القرآن-فقرأعليهم الكتاب الذي فيه المحنة .
فقال أبو نعيم :" أدركت ثمان مائة شيخ ونيفاً وسبعين شيخاً، منهم الأعمش فما دونه، ما رأيت خلقاً يقول بهذه المقالة –يعني :بخلق القرآن-ولاتكلم أحد بهذه المقالة إلا رمي بالزندقة.
فقام أحمد بن يونس فقبّل رأس أبي نعيم، وقال جزاك الله عن الإسلام خيراً "
وفي رواية "فقام أحمد بن يونس فقبّل رأسه، وكان بينهما شحناء، وقال :جزاك الله من شيخ خيراً""من اقبالإمام أحمد"للإمام أبي الفرج ابن الجوزي ص (395-396)

قال عبد الله بن الإمام أحمد –رحمهما الله تعالى-قال: "رأيت كثيراً من العلماء والفقهاء والمحدثين وبني هاشم وقريش والأنصار يقبّلون أبي،بعضهم يده، وبعضهم رأسه، ويعظمونه تعظيماً لم أرهم يفعلون ذلك بأحد من الفقهاء غيره،ولم أره يشتهي ذلك""سيرأعلام النبلاء"للحافظ شمس الدين الذهبي (11/304)

وقال مهنى –رحمه الله تعالى: "رأيت أبا عبد الله مرات يُقبَّل وجهُه ورأسه،ولا يقول شيئاً، ولا يمتنع .
ورأيت سلمان بن داود الهاشمي يقبل رأسه وجبهته لا يمتنع من ذلك ولا يكرهه""سيرأعلام النبلاء"(11/318)

قال صالح بن الإمام أحمد –رحمه الله تعالى: "…وحضر نحو مئة من بني هاشم ونحن نكفنه –أي :الإمام أحمد – رحمه الله تعالى-وجعلوا يقبلون جبهته حتى رفعناه على السرير""سيرأعلام النبلاء"(11/338)

وقال محمد بن حمدون بن رستم -رحمه الله تعالى: "سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى البخاري فقال :" دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله""سيرأعلام النبلاء"(12/432)

وجاءت الوصيّة في "فتح المغيث"حيث قال : "وسيّده،وقم له(1)إذاقدم عليك، واقضي حوائجه ...وخذبركابه، وقبّل يده، ووقّر مجلسه""فتح المغيث"للعلامةالسخاوي (3/289)بتصر فيسير0

قالالعلامة الألباني-رحمه الله تعالى: "...وأمّــا(تقبيل اليـد )…فـفي الباب أحاديث وأثار كثيرة يدلُّ مجموعهاعلى ثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف، فنرى جــواز (تقبيل يد العـالم )إذاتوفّرت الشـروط الآتية :
1-أنْ لا يتخذ عادةً بحيث يتطبع العالم على مدّ يده إلى تلامذته، ويتطبّع هؤلاء على التبرك بذلك، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم وإنْ قُبلت يده؛ فإنما كان ذلك على الندرة،وما كان كذلك؛ فلا يجوز أن يُجعل سنة مستمرة؛ كما هو معلوم من القواعد الفقهية.
2-أنْ لا يدعو ذلك إلى تكبر العالم على غيره ورؤيته لنفسه؛ كمــا هو الواقع مع بعض المشايخ اليوم .
3-أنْ لا يؤدي ذلك إلى تعطيل سنة معلومة؛ كسنةالمصافحة؛ فإنها مشروعة بفعله صلى الله عليه وسلم وقوله ، وهي سببٌ شرعيّ لتساقط ذنوب المتصافحين؛ كما روي في غير ما حديث واحد؛فلا يجوز إلغاؤها من أجل أمر أحسن أحواله أنـه جائـز"ا.هـ"سلسةالأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها(1/ 300 ـ302)تحت حديث رقم (160)

هذا..ولانزال نرى هذه الصورة حيّة في رياض حلق المشايخ من تقبيل رأس ويد وجبهة ولحيةوكتف تقديراً لهم وتوقيراً واعترافاً لهم بالفضل، وإقراراً لهم بالجميل .

ومن مظاهر توقير الشيخ :حسن مخاطبته.
وقال العلامة ابن جماعة الكناني -رحمه الله تعالى: "وليتحفظ في مخاطبة الشيخ بما يعتاده بعض الناس في كلامه، ولا يليق خطابه به""تذكرةالسامع والمتكلم"لابن جماعة الكناني تحقيق السيد محمد هاشم الندوي

وقال–رحمه الله تعالى-أيضاً: "وينبغي أن لا يقطع على الشيخ كلامه –أي كلام كان-ولايسابقه فيه ولا
يساوقه(2)بل يصبر حتى يفرغ الشيخ من كلامه ثم يتكلم،ولا يتحدث مع غيره والشيخ يتحدث معه أومع جماعة المسجد""تذكرةالسامع"لابن جماعة الكناني ص (159)

قال العلامة السخاوي –رحمه الله تعالى: "واحذر من معارضته، وما يدعو إلى الرفق عليه وردقوله، فما انتفع من فعل ذلك، واعتقد كماله(3)فذلك أعظم سبب لانتفاعك به .
وسيّده،وقم له إذا قدم عليك، واقضي حوائجه كلهاجليلها وحقيرها، وخذ بركابه، وقبّل يده،ووقّر مجلسه، واحتمل غضبه، واصبر على جفائه، وارفق به .
ولاتتثاقل بالتطويل، فيقلل منه، ويملّ من الجلوس، بل تحرّ ما يرضيه فالاضجار، كماقال الخطيب "يغيرالأفهام، ويفسد الأخلاق، ويحيل الطباع""فتح المغيث"للعلامةالسخاوي (3/289)بتصر فيسير
(1)على تفصيل معروف عند أهل العلم

(2)المساوقة : المتابعة . انظر "لسان العرب" لابن منظور (10/166)

(3)أي : الكمال البشري المعتبر شرعاً




من كتاب مجالس العلماء روضة الطالبين ونزهة المتقين
أبوعبد الله محمدبن عبد الحميد بن محمد حسونة
تأسيساًفي :4/1/1997م ببلاد الحرمين
وانتهاءًفي :10/11/1428هـ-20/11/2007م
حلوان– مصر .