مشاهدة النسخة كاملة : عون المعبود في بيان ما جاء من أحكام البيوع وآدابه في الكتاب والسنة
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
05-Mar-2013, 12:33 AM
عون المعبود في بيان ما جاء من أحكام البيوع وآدابه في الكتاب والسنة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
" فإن التفقه في الدين من أفضل الأعمال، وهو علامة الخير: قال صلى الله عليه وسلم: "من يرد به خيراً، يفقهه في الدين" ، وذلك لأن التفقه في الدين يحصل به العلم النافع الذي يقوم عليه العمل الصالح.
قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ} ، فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح.
وقد أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله الزيادة من العلم: قال الله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً}.
قال الحافظ ابن حجر: "وهذا واضح الدلالة في فضل العلم، لأن الله لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الازدياد من شيء، إلا من العلم، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم المجالس التي يتعلم فيها العلم النافع ب "رياض الجنة" ، وأخبر أن العلماء هم ورثة الأنبياء.
ولا شك أن الإنسان قبل أن يقدم على أداء عمل ما، لا بد أن يعرف الطريقة التي يؤدي بها العمل على وجهه الصحيح، حتى يكون هذا العمل صحيحا، مؤديا لنتيجة التي ترجى من ورائه، فكيف يقدم الإنسان على عبادة ربه التي تتوقف عليها نجاته من النار ودخوله الجنة، كيف يقدم على ذلك بدون علم ؟!.
ومن ثم افترق الناس بالنسبة للعلم والعمل ثلاث فرق:
الفريق الأول: الذين جمعوا بين العلم النافع والعمل الصالح، وهؤلاء قد هداهم الله صراط المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
الفريق الثاني: الذين تعلموا النافع ولم يعملوا به، وهؤلاء هم المغضوب عليهم من اليهود ومن نحا نحوهم.
الفريق الثالث: الذين يعلمون بلا علم، وهؤلاء هم أهل الضلال من النصارى ومن نحا نحوهم.
ويشمل هذه الفرق قوله تعالى في سورة الفاتحة التي نقرؤها في كل ركعة من صلواتنا: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}.
قال الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: وأما قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} ، فالمغضوب عليهم هم العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم، والضالون العاملون بلا علم، فالأول صفة اليهود، والثاني صفة النصارى ضالون، ظن الجاهل أن ذلك مخصوص بهم، وهو يقرأ أن ربه فارض عليه أن يدعو بهذا الدعاء، ويتعوذ من طريق هذه الصفات!!، فيا سبحان الله! كيف يعلمه الله ويختار له ويفرض عليه أن يدعو ربه دائما، مع أته لا حذر عليه منه، ولا يتصور أن فعله هذا هو ظن السوء بالله ؟!" انتهى كلام الشيخ رحمه الله.
وهو يبين لنا الحكمة في فريضة قراءة هذه السورة العظيمة سورة الفاتحة في كل ركعة من صلاتنا، فرضها، ونفلها، لما تشمل عليه من الأسرار العظيمة، التي من جملتها هذا الدعاء العظيم: أن يوفقنا الله لسلوك طريق أصحاب العلم النافع والعمل الصالح، الذي هو النجاة في الدنيا والآخرة، وأن يجنبنا طريق الهالكين، الذين فرطوا بالعمل الصالح أو بالعلم النافع.
ثم اعلم أيها القارئ الكريم أن العلم النافع إنما يستمد من الكتاب والسنة، تفهما وتدبراً، مع الاستعانة على ذلك بالمدرسين الناصحين وكتب التفسير وشرح الحديث وكتب الفقه وكتب النحو واللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، فإن هذه الكتب طريق لفهم الكتاب والسنة.
فواجب عليك يا أخي المسلم ليكون عملك صحيحا أن تتعلم ما يستقيم به دينك، من صلاتك وصومك وحجك، وتتعلم أحكام زكاة مالك، وكذلك تتعلم من أحكام المعاملات ما تحتاج إليه، لتأخذ منها ما أباح الله لك، وتتجنب منها ما حرم الله عليك، ليكون كسبك حلالاً، وطعامك حلالاً، لتكون مجاب الدعوة، كل ذلك مما تمس حاجتك إلى تعلمه، وهو ميسور بإذن الله متى ما صحت عزيمتك وصلحت نيتك.
فاحرص على قراءة الكتب النافعة، واتصل بالعلماء، لتسألهم عما أشكل عليك، وتتلقى عنهم أحكام دينك، وكذلك تعنى بحضور الندوات والمحاضرات الدينية التي تقام في المساجد وغيرها، وتستمع إلى البرامج الدينية من الإذاعة، وتقرأ المجلات الدينية والنشرات التي تعني بمسائل الدين، فإذا حرصت وتتبعت هذه الروافد الخيرية، نمت معلوماتك، واستنارت بصيرتك.
ولا تنس يا أخي أن العلم ينمو ويزكو مع العمل، فإذا علمت، زادك علما، كما تقول الحكمة المأثورة: "من عمل بما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم"، ويشهد لذلك قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
والعلم أحق ما تصرف فيه الأوقات، ويتنافس في نيله ذوو العقول، فبه تحيا القلوب وتزكو الأعمال ، ولقد أثنى الله جل ذكره وتقدست أسماؤه على العلماء العاملين، من شأنهم في كتابه المبين ، قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} ، وقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ؛ فبين سبحانه وتعالى ميزة الذين أوتوا العلم المقرون الإيمان، ثم أخبر أنه خبير بما نعمله، ومطلع عليه؛ ليدلنا على أنه لابد من العلم والعمل معا، وأن يكون كل ذلك صادرًا عن الإيمان ومراقبة الله سبحانه.
ونحن عملاً بواجب التعاون على البر والتقوى سنقدم لك بحول الله من خلال "[1] (http://www.al-amen.com/vb/#_ftn1)هذا السفر والسلسلة المتواصلة بإذن الله وتوفيقه وإمداده وعونه بعض المعلومات من الرصيد فقه البيوع الذي استنبطه لنا علماءنا ودونوه في كتبهم، سنقدم لك ما تيسر منه، لعله يكون دافعا لك على الاستفادة والاستزادة من العلم النافع في بابه .
وأعلم رحمك الله يأيها الأخ المسلم ، ما كان قصر نظري لهذا الكتاب الفقهي وشد أنتبه له عن غيره من كتب الفقه ، إلا لحاجة الماسة إليه وخاصة في زماننا هذا الذي أصبح فيه عامة معاملة الخلق فيما بينهم من الشراء والبيع وغيرهما من المعاملات على غير بصيرة وعلى غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد أوردهم هذا الجهل موارد مهلكة مع إغواء الشيطان لهم بحيله الخبيثة من تزيينه وتسهيله عليهم المعاملات المحرمة ما أنزل الله عز وجل بها من سلطان ، وما ذاك إلا لجهلهم بهذا الكتاب العظيم.
وقد اعتنى أئمتنا بهذا الفقه وألحقوه بفقه العبادات لما له من تعلق كبير بمعاملة البشر بعضهم مع البعض ، وحيث أن حاجتهم إليه ضرورية لما له من التعلق بمشربهم وملبسهم ومسكنهم ومركوبهم ومنكحهم وغير ذلك من معاملات التي هي فيما بينهم .
فإذًا فحاجتهم للتفقه فيه والنظر ما جاء فيه من الحلا ل والحرام أشد من حاجتهم إلى الأكل والشرب ، لما يترتب عليه من الأحكام والآداب ومعرفة طرق الكسب الحلال فتؤتى ، ومعرفة طرق الكسب الحرام فتجتنب ، وهل له طريق آخر غير هذا يعرف به ما دخل إلى بطنه من مشرب ومأكل وما كان عليه من ملبس أهو حلال أو حرام إلا بإحكام هذا الباب والتفقه فيه !! ؟
فلعمري أنه فقه نفيس عظيم ينبغي ويتأكد التفقه فيه والتأمل ما جاء فيه من الأحكام والآداب ، ولهذا اعتنت به الشريعة المطهرة ، " فقد جاءت الشريعة الكاملة بحل هذا النوع وإطلاقه للعباد , لاشتماله على المصالح في الضروريات والحاجيات والكماليات , وفسحت للعباد فسحا صلحت به أمورهم وأحوالهم واستقامت معايشهم . وشرطت الشريعة في حل هذه الأشياء الرضا من الطرفين واشتمال العقود على العلم ، ومعرفة المعقود عليه وموضوع العقد ومعرفة ما يترتب عليه من الشروط ، ومنعت من كل ما فيه ضرر وظلم من أقسام الميسر والربا والجهالة ، فمن تأمل المعاملات الشرعية رأى ارتباطها بصلاح الدين والدنيا ، وشهد لله بسعة الرحمة وتمام الحكمة ، حيث أباح سبحانه لعباده جميع الطيبات ، من مكاسب ومطاعم ومشارب ، وطرق المنافع المنظمة المحكمة ...فأن هذه الشريعة جاءت بإصلاح الدين وإصلاح الدنيا ، والجمع بين مصلحة الروح والجسد ، وهذا الأصل في الكتاب والسنة منه شيء كثير ، يحث الله ورسوله على القيام بالأمرين ، وأن كل واحد منهما ممد للآخر ومعين عليه ، والله تعالى خلق الخلق لعبادته والقيام بحقوقه وأدر عليهم الأرزاق ونوع لهم أسباب الرزق وطرق المعيشة ليستعينوا بذلك على عبادته ، وليكون ذلك قياما لداخليتهم وخارجيتهم "( [2] (http://www.al-amen.com/vb/#_ftn2)) .
فمن الآيات الكريمات الدالة على هذا الأصل العظيم ومبينة له والتي تعد من أطول الآيات في القرآن الكريم وقد تضمنت درر نفيسة في معاملة الخلق بعضهم مع البعض ولأهميتها ختمها الله تعالى بتقواه والعلم .
فقال الله تعالى في محكم تنزيله : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )) البقرة 282
قال العلامة محمد بن عثيمين ـ رحمه الله ـ في تفسيره لهذه الآية من كتابه" التفسير " (5 / 322) : (( 1 - من فوائد الآية: العناية بما ذُكر من الأحكام؛ وذلك لتصدير الحكم بالنداء، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين؛ لأنه هذا يدل على العناية بهذه الأحكام، وأنها جديرة بالاهتمام بها.
2 - ومنها: أن التزام هذه الأحكام من مقتضى الإيمان ، لأنه لا يوجه الخطاب بوصف إلا لمن كان هذا الوصف سبباً لقبوله ذلك الحكمَ.
3 - ومنها: أن مخالفة هذه الأحكام نقص في الإيمان كأنه قال: { يا أيها الذين آمنوا } لإيمانكم افعلوا كذا، فإن لم تفعلوا فإيمانكم ناقص ، لأن كل من يدَّعي الإيمان، ثم يخالف ما يقتضيه هذا الإيمان فإن دعواه ناقصة إما نقصاً كلياً، أو نقصاً جزئياً.
4 - ومنها: بيان أن الدين الإسلامي كما يعتني بالعبادات - التي هي معاملة الخالق - فإنه يعتني بالمعاملات الدائرة بين المخلوقين.
5 - ومنها: دحر أولئك الذين يقولون: إن الإسلام ما هو إلا أعمال خاصة بعبادة الله عز وجل، وبالأحوال الشخصية، كالمواريث، وما أشبهها ، وأما المعاملات فيجب أن تكون خاضعة للعصر، والحال؛ وعلى هذا فينسلخون من أحكام الإسلام فيما يتعلق بالبيوع، والإجارات وغيرها، إلى الأحكام الوضعية المبنية على الظلم، والجهل
فإن قال قائل: لهم في ذلك شبهة ، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة، ورآهم يلقحون الثمار قال: «لو لم تفعلوا لصلح» فخرج شيصاً - أي فاسداً -؛ فمر بهم فقال: «ما لنخلكم؛ قالوا: قلت كذا، وكذا؛ قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم»؛ قالوا: «والمعاملات من أمور الدنيا، وليست من أمور الآخرة».
فالجواب: أنه لا دليل في هذا الحديث لما ذهبوا إليه ، لأن الحادثة المذكورة من أمور الصنائع التي من يمارسها فهو أدرى بها، وتدرك بالتجارِب؛ وإلا لكان علينا أن نقول: لا بد أن يعلمنا الإسلام كيف نصنع السيارات والمسجلات، والطوب، وكل شيء!!! أما الأحكام - الحلال، والحرام - فهذا مرجعه إلى الشرع ، وقد وفى بكل ما يحتاج الإنسان إليه...
17 - ومنها: أن الإنسان لا يستقل بالعلم ، لقوله تعالى: { كما علمه الله }، حتى في الأمور الحسية التي تدرك عن طريق النظر، أو السمع، أو الشم، لا يستطيع الإنسان أن يعلمها إلا بتعليم الله عز وجل...
51 - ومنها: أن الدِّين الإسلامي شامل للأحكام المتعلقة بعبادة الله عز وجل، والمتعلقة بمعاملة عباد الله؛ لأنه بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى هذه التوجيهات قال تعالى: { ويعلمكم الله }، فيكون في ذلك إبطال لزعم من زعم أن الدين الإسلامي في إصلاح ما بين العبد وبين ربه ، ولا علاقة له بالمعاملة بين الناس....
54 - ومنها: أن العلم من منة الله عز وجل على عباده ، لقوله تعالى: { ويعلمكم الله }، وكما قال تعالى: {لقد منّ الله على المؤمنين إذا بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران: 164] ؛ ولا شك أن العلم من أكبر النعم، حيث قال الله عز وجل: {يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11] ، والعلماء كذلك ورثة الأنبياء، فالعلم أفضل من المال ، ولا مقارنة ، وهو كالجهاد في سبيل الله ، لأن الدِّين الإسلامي لم ينتشر إلا بالعلم، والسلاح ، فالسلاح يذلل العدو، والعلم ينير له الطريق ، ولهذا إذا ذلّ العدو للإسلام، وخضع لأحكامه، وبذل الجزية وجب الكف عنه، ولا يقاتَل ، لكن العلم جهاد يجب أن يكون لكل أحد، ثم الجهاد بالسلاح لا يكون إلا للكافر المعلن كفره، ولا يكون للمنافق ، والجهاد بالعلم يكون لهذا، ولهذا - للمنافق، وللكافر المعلن بكفره ، والعلم أفضل بكثير من المال ، والعلم جهاد في سبيل الله ، ولا سيما في وقتنا الحاضر، فإن الناس قد انفتح بعضهم على بعض، واختلط بعضهم ببعض، وصاروا يأخذون الثقافات من يمين ويسار، واحتاج الناس الآن للعلم الراسخ المبني على الكتاب والسنة حتى لا يقع الناس في ظلمات بعضها فوق بعض ، لذلك تجد رجلاً يمر به حديث، أو حديثان، ثم يقال: أنا ابن جلا، وطلاع الثنايا! من ينال مرتبتي! أنا الذي أفتي بعشرة مذاهب! ثم مع ذلك يندد بمن خالفه - ولو كان من كبار العلماء، وربما يضخم الخطأ الذي يقع منه - ولو كان ممن يشار إليه بالفضل، والعلم، والدِّين؛ وهذه خطيرة جداً؛ لأن العامي وإن كان وثق بشخص لا يهمه هذا الكلام؛ لكن كلما كرر الضرب على الحديد لابد أن يتأثر؛ لذلك نرى أن طلب العلم من أهم الأمور خصوصاً في هذا الوقت )) ا.هـ ([3] (http://www.al-amen.com/vb/#_ftn3) )
فيا أيها الأخ القارئ الكريم ، فإذا عرفت أهمية هذا العلم ، ومدى احتياجك للتفقه فيه والأخذ منه ما يبلغك مرضاة ربك المعبود ، فصابر معنا ووسع بالك إلى أن نختمه ختم الله لي ولك بالحسنة ، فنسأله أن يمدنا وإياك بالعلم النافع، ويوفقنا للعمل الصالح إنه سميع مجيب.
[1] (http://www.al-amen.com/vb/#_ftnref1) مقدمة كتاب " الملخص الفقهي " للعلامة الفقيه المفتي بقية السلف صالح الفوزان حفظه الله ورعاه
[2] (http://www.al-amen.com/vb/#_ftnref2) " الدرة المختصرة في محاسن الدين الإسلامي " ( ص 22 ـ 36 ) للعلامة المفسر الأصولي عبدالرحمن بن ناصر بن سعدي رحمة الله عليه
[3] (http://www.al-amen.com/vb/#_ftnref3) فهذه بعض الفوائد اختصرتها ، وإلا فما ذكره من الفوائد رحمه الله كله دال على هذا الأصل ، وكلها نفيسة ماتعة فليرجع إليها
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
07-Mar-2013, 10:18 PM
الحث على الكسب الحلال والإجمال في طلبه
الشريعة الإسلامية تحث على الكسب الحلال بطرقه المشروعة والاقتصاد فيه ـ حذرا من انشغال به عن أمر الآخرة ـ وتكره البطالة والخمول ، ولذا فضلت اليد العليا على اليد السفلى ، وجعلت المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وما ذاك إلا للحفاظ على النفس من الفقر وذل السؤال ، واحتساب الأجر للإنفاق على العيال وبمن يعول
قال الله تعالى في محكم تنزيله : {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } الجمعة 10
قال العلامة السعدي في "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان " ( ص 825)
(( { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ } لطلب المكاسب والتجارات ولما كان الاشتغال في التجارة ، مظنة الغفلة عن ذكر الله، أمر الله بالإكثار من ذكره ، فقال: { وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا }
أي في حال قيامكم وقعودكم وعلى جنوبكم ، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فإن الإكثار من ذكر الله أكبر أسباب الفلاح.)) ا.هـ
وقال رحمه الله في " تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن " ( ص 137 ) :
(({ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ } لطلب المكاسب المباحة ، { وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } أي : ينبغي للمؤمن الموفق وقت اشتغاله في مكاسب الدنيا أن يقصد بذلك الاستعانة على قيامه بالواجبات ، وأن يكون مستعينا بالله في ذلك ، طالبا لفضله جاعلا الرجاء والطمع في فضل الله نصب عينيه ، فإن التعلق بالله والطمع في فضله من الإيمان ومن العبادات .
ولما كان الاشتغال بالتجارة مظنة الغفلة عن ذكر الله وطاعته أمر الله بالإكثار من ذكره .
فقال : { وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي : في حال قيامكم وقعودكم ، وفي تصرفاتكم وأحوالكم كلها ، فإن ذكر الله طريق الفلاح الذي هو الفوز بالمطلوب ، والنجاة من المرهوب ، ومن المناسب في هذا أن يجعل المعاملة الحسنة والإحسان إلى الخلق نصب عينيه ، فإن هذا من ذكر الله ، فكل ما قرب إلى الله فإنه من ذكره ، وكل أمر يحتسبه العبد فإنه من ذكره ، فإذا نصح في معاملته وترك الغش تقرب في هذه المعاملة إلى الله ؛ لأن الله يحبها ، ولأنها تمنع العبد من المعاملة الضارة ، وكلما سامح أحدا أو حاباه في ثمن أو مثمن أو تيسير أو إنظار أو نحوه فإنه من الإحسان والفضل ، وهو من ذكر الله ، قال تعالى : { وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } [البقرة : 237] )) ا.هـ
و قال سبحانه جل في علاه : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } الملك 15.
قال الإمام الهمام ابن القيم رحمه الله في كتابه الماتع " الفوائد " ( 38 ) عند تفسير هذه الآية
(( .. أمرهم أن يأكلوا من رزقه الذي أودعه فيها فذللها لهم ووطأها وفتق فيها السبل والطرق التي يمشون فيها وأودعها رزقهم فذكر تهيئة المسكن للانتفاع والتقلب فيه بالذهاب والمجيء والأكل مما أودع فيها للساكن ثم نبه بقوله وإليه النشور على أنا في هذا المسكن غير مستوطنين ولا مقيمين بل دخلناه عابري سبيل فلا يحسن ان نتخذه وطنا ومستقرا وإنما دخلناه لنتزود منه إلى دار القرار فهو منزل عبور لا مستقر حبور ومعبر وممر لا وطن ومستقر فتضمنت الآية الدلالة على ربوبيته ووحدانيته وقدرته وحكمته ولطفه والتذكير بنعمه وإحسانه والتحذير من الركون الى الدنيا واتخاذها وطنا ومستقرا بل نسرع فيها السير إلى داره وجنته فالله في ما ضمن هذه الآية من معرفته وتوحيده والتذكير بنعمه والحث على السير إليه والاستعداد للقائه والقدوم عليه والإعلام بأنه سبحانه يطوي هذه الدار كأن لم تكن وانه يحي أهلها بعد ما أماتهم واليه النشور )) ا.هـ
و قال العلامة المفسر عبدالرحمن السعدي رحمه الله في " تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان "
( 838) : (( أي: هو الذي سخر لكم الأرض وذللها، لتدركوا منها كل ما تعلقت به حاجتكم، من غرس وبناء وحرث، وطرق يتوصل بها إلى الأقطار النائية والبلدان الشاسعة، { فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا } أي: لطلب الرزق والمكاسب. )) ا.هـ
وجاء في كتاب " أضواء البيان " (ج 8 / ص 238) للعلامة الأصولي المفسر الأمين الشنقيطي رحمه الله عند تفسير هذه الآية : (( .... وكنت أسمع الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول في هذه الآية إنها من تسخير الله تعالى للأرض أن جعلها كفاتا للإنسان في حياته بتسهيل معيشته منها وحياته على ظهرها فإذا مات كانت له أيضا كفاتا بدفنه فيها.
ويقول: لو شاء الله لجعلها حديدا ونحاسا فلا يستطيع الإنسان أن يحرث فيها ولا يحفر ولا يبني وإذا مات لا يجد مدفنا فيها.
ومما يشير إلى هذه المعاني كلها قوله تعالى {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} لترتبه على ما قبله بالفاء أي بسبب تذليلها بتيسير المشي في أرجائها وطلب الرزق في أنحائها بالتسبب فيها من زراعة وصناعة وتجارة إلخ.
والأمر في قوله تعالى {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} للإباحة ولكن التقديم لهذا الأمر بقوله تعالى {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً} فيه امتنان من الله تعالى على خلقه مما يشعر أن في هذا الأمر مع الإباحة توجيها وحثا للأمة على السعي والعمل والجد والمشي في مناكب الأرض من كل جانب لتسخيرها وتذليلها مما يجعل الأمة أحق بها من غيرها.
كما قال تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}.
وفي قوله {وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماوَاتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} ، وغير ذلك من الآيات.
ومن رأى هذا التسخير اعترف لله بالفضل والقيام لله بالحمد، وتقديم الشكر كما قال تعالى {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، وقوله {وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} أي مع شكر النعمة الاتعاظ والعبرة والاستدلال على كمال القدرة
ومنها المعاد والمنقلب إلى الله تعالى فقوله {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} بعد المشي في مناكب الأرض وتطلب الرزق وما يتضمن من النظر والتأمل في مسببات الأسباب وتسخير الله لها كقوله تعالى {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} بعد ذكر {خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا} ، أي: الأصناف وتسخير الفلك والأنعام والبحر والبر فيه ضمنا إثبات القدرة على البعث فيكون المشي في مناكب الأرض واستخدام مناكبها واستغلال ثرواتها والانتفاع من خيراتها لا لطلب الرزق وحده وإلا لكان يمكن سوقه إليهم ولكن للأخذ بالأسباب أولا وللنظر في المسببات والعبرة بالمخلوقات والتزود لما بعد الممات كما في آية "الجمعة" {فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}أي: عند مشاهدة آيات قدرته وعظيم امتنانه.
وعليه فقد وضع القرآن الأمة الإسلامية في أعز مواضع الغنى والاستغناء والاستثمار والإنتاج فما نقص عليها من أمور دنياها إلا بقدر ما قصرت هي في القيام بهذا العمل وأضاعت من حقها في هذا الوجود.
وقد قال النووي في مقدمة المجموع إن على الأمة الإسلامية أن تعمل على استثمار وإنتاج كل حاجياتها حتى الإبرة لتستغني عن غيرها وإلا احتاجت إلى الغير بقدر ما قصرت في الإنتاج وهذا هو واقع العالم اليوم إذ القدرة الإنتاجية هي المتحكمة وذات السيادة الدولية.
وقد أعطى الله العالم الإسلامي الأولوية في هذا كله فعليهم أن يحتلوا مكانهم ويحافظوا على مكانتهم ويشيدوا كيانهم بالدين والدنيا معا وبالله التوفيق. )) ا.هـ
ومن الأحاديث النبوية الدالة والحاثة على المكاسب الطيبة والمرغبة في أن يكون مكسب و مأكل العبد من عمل يديه يبتغي بذلك وجه الله وأجره العظيم لما هو يقدمه من الخدمة و الإنفاق على العيال والأبوين الشيخين الكبيرين
ما جاء عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال : (( مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلده ونشاطه ، فقالوا : يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان " )) [1]
و عن المقدام بن معديكرب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه الصلاة والسلام كان يأكل من عمل يده )) رواه البخاري وغيره [2]
قال العلامة أبوعبدالله محمد ابن مفلح الحنبلي رحمه الله في كتابه " الآداب الشرعية " ( 3 / 232)
(( فَصْلٌ : الِاتِّسَاعُ فِي الْكَسْبِ الْحَلَالِ وَالْمَبَانِي مَشْرُوعٌ وَلَوْ بِقَصْدِ التَّرَفُّهِ وَالْجَاهِ ، وَالْكَسْبُ وَاجِبٌ لِلنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ .
يُسَنُّ التَّكَسُّبُ وَمَعْرِفَةُ أَحْكَامِهِ حَتَّى مَعَ الْكِفَايَةِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " ، وَقَالَ أَيْضًا فِيهَا يُبَاحُ كَسْبُ الْحَلَالِ لِزِيَادَةِ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالتَّرَفُّهِ وَالتَّنَعُّمِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِيَالِ مَعَ سَلَامَةِ الدِّينِ وَالْعِرْضِ وَالْمُرُوءَةِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ .
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الِاتِّسَاعَ فِي الْمَكَاسِبِ وَالْمَبَانِي مِنْ حِلٍّ إذَا أَدَّى جَمِيعَ حُقُوقِ اللَّهِ قِبَلَهُ مُبَاحٌ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنْ كَارِهٍ وَغَيْرِ كَارِهٍ .
وَقَالَ مَعْرُوفٌ الْكَرْخِيُّ مَنْ اشْتَرَى وَبَاعَ ، وَلَوْ بِرَأْسِ الْمَالِ بُورِكَ فِيهِ كَمَا يُبَارَكُ فِي الزَّرْعِ بِمَاءِ الْمَطَرِ انْتَهَى كَلَامُهُ
وَيَجِبُ عَلَى مَنْ لَا قُوتَ لَهُ ، وَلِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَيُقَدِّمُ الْكَسْبَ لِعِيَالِهِ عَلَى كُلِّ نَفْلٍ وَقَدْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ } كَذَا فِي " الرِّعَايَةِ " ، وَهَذَا الْخَبَرُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي " مُسْلِمٍ " مَعْنَاهُ وَلَهُ التَّكَسُّبُ لِحَاجَةٍ قَدْ تَعْرِضُ لَهُ أَوْ لَهُمْ .
وَتُسَنُّ الصَّدَقَةُ بِمَا فَضَلَ عَنْهُ وَعَنْهُمْ فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ ، وَيُكْرَهُ تَرْكُ التَّكَسُّبِ مَعَ الِاتِّكَالِ عَلَى النَّاسِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَيَجِبُ التَّكَسُّبُ وَلَوْ بِإِيجَارِ نَفْسِهِ لِوَفَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ وَنَذْرٍ وَطَاعَةٍ وَكَفَّارَةٍ وَمُؤْنَةٍ تَلْزَمُهُ ذَكَرَهُ كُلَّهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَهُوَ بِمَعْنَاهُ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ :
إذَا الْمَرْءُ لَمْ يَطْلُبْ مَعَاشًا لِنَفْسِهِ ... شَكَا الْفَقْرَ أَوْ لَامَ الصَّدِيقَ فَأَكْثَرَا
وَصَارَ عَلَى الْأَدْنَيْنِ كَلًّا وَأَوْشَكَتْ ... صِلَاتُ ذَوِي الْقُرْبَى لَهُ أَنْ تَنَكَّرَا
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ مَا مَعْنَاهُ أَقْسِمُ بِاَللَّهِ لَوْ عَبَسَ الزَّمَانُ فِي وَجْهِكَ مَرَّةً لَعَبَسَ فِي وَجْهِكَ أَهْلُكَ وَجِيرَانُكَ ، ثُمَّ حَثَّ عَلَى الْإِمْسَاكِ ....
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى رَحِمَهُ اللَّهُ : وَالْكَسْبُ قَدْ يُفْتَرَضُ فِي نَفَقَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ إذَا لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ حَقِيقَةُ التَّوَكُّل ، فَأَمَّا إذَا وُجِدَ مِنْهُ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ وَهُوَ أَنْ لَا تَسْتَشْرِفَ نَفْسُهُ إلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ لَمْ يُفْتَرَضْ عَلَيْهِ الْكَسْبُ لِنَفْسِهِ ....
قَالَ : وَالْكَسْبُ الَّذِي لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّكَاثُرُ ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّوَصُّلُ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِلَةِ الْإِخْوَانِ
أَوْ يَسْتَعِفُّ عَنْ وُجُوهِ النَّاسِ فَهُوَ أَفْضَلُ ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ وَمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ التَّفَرُّغِ
إلَى طَلَبِ الْعِبَادَةِ مِنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنَافِعِ لِلنَّاسِ ، وَخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ
لِلنَّاسِ. انْتَهَى كَلَامُهُ ))
قال العلامة الفقيه عبدالرحمن السعدي رحمه الله في كتابه " بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار " ( ص 68 ـ 77 ) عند شرحه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير . احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز . وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت ، كان كذا وكذا ، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان )) رواه مسلم .
(( .. . وقوله صلى الله عليه وسلم : « احرص على ما ينفعك واستعن بالله » كلام جامع نافع ، محتو على سعادة الدنيا والآخرة .
والأمور النافعة قسمان : أمور دينية ، وأمور دنيوية .
والعبد محتاج إلى الدنيوية كما أنه محتاج إلى الدينية . فمدار سعادته وتوفيقه على الحرص والاجتهاد في الأمور النافعة منهما ، مع الاستعانة بالله تعالى ، فمتى حرص العبد على الأمور النافعة واجتهد فيها ، وسلك أسبابها وطرقها ، واستعان بربه في حصولها وتكميلها كان ذلك كماله ، وعنوان فلاحه .
ومتى فاته واحد من هذه الأمور الثلاثة : فاته من الخير بحسبها ، فمن لم يكن حريصا على الأمور النافعة ، بل كان كسلانا ، لم يدرك شيئا ، فالكسل هو أصل الخيبة والفشل ، فالكسلان لا يدرك خيرا ، ولا ينال مكرمة ، ولا يحظى بدين ولا دنيا ومتى كان حريصا ، ولكن على غير الأمور النافعة :
إما على أمور ضارة ، أو مفوتة للكمال كان ثمرة حرصه الخيبة ، وفوات الخير ، وحصول الشر والضرر ، فكم من حريص على سلوك طرق وأحوال غير نافعة لم يستفد من حرصه إلا التعب والعناء والشقاء .
ثم إذا سلك العبد الطرق النافعة ، وحرص عليها ، واجتهد فيها ، لم تتم له إلا بصدق اللجأ إلى الله ، والاستعانة به على إدراكها وتكميلها وأن لا يتكل على نفسه وحوله وقوته ، بل يكون اعتماده التام بباطنه وظاهره على ربه ، فبذلك تهون عليه المصاعب ، وتتيسر له الأحوال ، وتتم له النتائج والثمرات الطيبة في أمر الدين وأمر الدنيا ، لكنه في هذه الأحوال محتاج - بل مضطر غاية الاضطرار - إلى معرفة الأمور التي ينبغي الحرص عليها ، والجد في طلبها .....
وأما الأمور النافعة في الدنيا : فالعبد لا بد له من طلب الرزق . فينبغي أن يسلك أنفع الأسباب الدنيوية اللائقة بحاله ، وذلك يختلف باختلاف الناس ، ويقصد بكسبه وسعيه القيام بواجب نفسه ، وواجب من يعوله ومن يقوم بمؤنته ، وينوي الكفاف والاستغناء بطلبه عن الخلق ، وكذلك ينوي بسعيه وكسبه تحصيل ما تقوم به العبوديات المالية ، من الزكاة والصدقة ، والنفقات الخيرية الخاصة والعامة مما يتوقف على المال ، ويقصد المكاسب الطيبة ، متجنبا للمكاسب الخبيثة المحرمة ، فمتى كان طلب العبد وسعيه في الدنيا لهذه المقاصد الجليلة ، وسلك أنفع طريق يراه مناسبا لحاله كانت حركاته وسعيه قربة يتقرب إلى الله بها .
ومن تمام ذلك : أن لا يتكل العبد على حوله وقوته وذكائه ومعرفته ، وحذقه بمعرفة الأسباب وإدارتها ، بل يستعين بربه متوكلا عليه ، راجيا منه أن ييسره لأيسر الأمور وأنجحها ، وأقربها تحصيلا لمراده ، ويسأل ربه أن يبارك له في رزقه : فأول بركة الرزق :
أن يكون مؤسسا على التقوى والنية الصالحة .
ومن بركة الرزق : أن يوفق العبد لوضعه في مواضعه الواجبة والمستحبة .
ومن بركة الرزق : أن لا ينسى العبد الفضل في المعاملة ، كما قال تعالى : { وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ }
[ البقرة : 237 ] ، بالتيسير على الموسرين ، وإنظار المعسرين ، والمحاباة عند البيع والشراء ، بما تيسر من قليل أو كثير ، فبذلك ينال العبد خيرا كثيرا .)) ا.هـ
[1] صحيح لغيره " صحيح الترغيب والترهيب " ( 2 / 141 )
[2] صحيح الترغيب والترهيب ( 2 / 140 )
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
07-Mar-2013, 10:19 PM
فإن قيل : فما أطيب المكاسب وأحلُّها ؟
قيل فيها ثلاثة أقوال للفقهاء :
أحدها : أنه كسب التجارة
والثاني : قيام بالصناعات والحرف ونحوها
والثالث : أنه الزراعة لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد ولما فيه من التوكل ولما فيه من النفع العام للآدمي وللدواب ولأنه لا بد فيه في العادة أن يوكل منه بغير عوض [1]
وفوق ذلك كما قال الحافظ ابن حجر[2] والذي رجحه الإمام ابن القيم رحمهما الله : أنه أحله ما كان رزق " رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كسبُ الغانمين وما أُبيح لهم على لسان الشارع، وهذا الكسبُ قد جاء في القرآن مدحُه أكثرَ مِن غيره، وأثنى على أهله ما لم يُثْنَ على غيرهم، ولهذا اختاره الله لخيرِ خلقه، وخاتم أنبيائه ورسله حيث يقولُ: "بُعِثْتُ بالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَى السَّاعَةِ حَتَّي يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وجُعِلَ رِزْقى تَحْتَ ظِلِّ رُمْحى، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ والصَّغَارُ عَلىَ مَنْ خَالَفَ أَمْرِى" ، وهو الرزقُ المأخوذُ بعزة وشرف وقهر لأعداء الله، وجعل أحب شيء إلى الله، فلا يُقاومه كسب غيره." [3]
وإلا فالأمر كما قال العلامة ابن السعدي رحمه الله " أنه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص ، فمنهم من تكون الحراثة والزراعة أفضل في حقه ، ومنهم من يكون البيع والشراء والقيام بالصناعة التي يحسنها أفضل في حقه ." [4]
[1]" فتح الباري " ( 4 / 362 )
[2]" فتح الباري " ( 4 / 362 )
[3]" زاد المعاد ( 4 / 369 )
[4]" بهجة قلوب الأبرار " ( ص 77 )
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
07-Apr-2013, 04:08 PM
ويجمع ذلك ما جاء عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أيُّ الكسب أطيب؟ قال: (( عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور ) ) رواه البزار وصححه الحاكم
فهذا الحديث من جوامع الكلم التي أختص بها النبي صلى الله عليه وسلم ، فيدخل في (( عمل الرجل بيده )) أشياء كثيرة ليس لها حصر ، ويدخل فيه عمل المرأة أيضا بيدها ، لأن الأصل ما ثبت في حق الرجل يثبت في حق المرأة ، وما ثبت في حق المرأة يثبت في حق الرجل إلا ما خص بدليل [1]
وفي هذا الحديث الشريف إشارة إلى نوع من أنواع المكاسب الطيبة ألا وهو التجارة ، فالتجارة من عمل اليد ، وانفعها وأطيبها أن تكون مبرورة وهي ما كانت مبنية على الصدق والنصح والبيان ، فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهم )) متفق عليه
قال العلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله في " بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار " (ص 201 )
(( هذا الحديث أصل في بيان المعاملات النافعة ، والمعاملات الضارة ، وأن الفاصل بين النوعين : الصدق والبيان
فمن صدق في معاملته ، وبين جميع ما تتوقف عليه المعاملة من الأوصاف المقصودة ، ومن العيوب والنقص ، فهذه معاملة نافعة في العاجل بامتثال أمر الله ورسوله ، والسلامة من الإثم ، وبنزول البركة في معاملته ، وفي الآجلة بحصول الثواب ، والسلامة من العقاب .)) ا.هـ
فإذا كانت التجارة بهذه الأهمية وأنها تعد من المعاملات النافعة بين الخلق ، فالمقام يتطلب منا أن نظهر ونبين ما ينفع فيها فيسعى إلى تحصيله ، ويعرف ما يضر منها فيجتنب ، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة أحكامها وفقه آدابها ، و قد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (( لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين )) حسن الإسناد (صحيح وضعيف سنن الترمذي 1 / 487 )
الأصل في البيوع : الحِل لقول الله تعالى : (( وأحل الله البيع )) البقرة 275 ، فكل صورة من صور البيع يدعي أنها حرام فعلى المدعي البينة يعني الدليل [2]
حكمه :
البيع جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع، والنظر الصحيح.
أما الكتاب : فقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] .
وأما السنة : فمثل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً» متفق عليه ، وقوله: «لا يبع أحدكم على بيع بعض» متفق عليه ، والأحاديث في هذا كثيرة.
وأما الإجماع : فمعلوم بالضرورة من دين الإسلام.
وأما النظر الصحيح : فلأن الإنسان يحتاج لما في يد غيره من متاع الدنيا، ولا وسيلة إلى ذلك إلا بالظلم وأخذه منه قهراً، أو بالبيع.
فلهذا كان من الضروري أن يَحِلَّ البيعُ فأحله الله ـ عزّ وجل ـ، وفي حل البيع دليل على شمول الشريعة الإسلامية، وأنها ليست كما قال أعداؤها: لا تنظم إلا المعاملات التي بين الخالق والمخلوق، بل هي تنظم المعاملات بين الخالق والمخلوق، وبين المخلوقين بعضهم مع بعض، وتنظيمها للمعاملة بين المخلوقين بعضهم مع بعض من أهم الأمور، لأنه لولا ذلك لأكل الناس بعضهم بعضاً، واعتدى الناس بعضهم على بعض، فكان من الحكمة ومن مقتضى عدل الله ـ عزّ وجل ـ أن تنظم المعاملات بين الخلق ، لئلا ترجع إلى أهوائهم وعدوانهم، ثم إن أطول آية في كتاب الله هي آية الدين، وهي في المعاملات بين الخلق فكيف يقال: إن الشريعة الإسلامية تنظم المعاملة بين الخالق والمخلوق فقط؟ ولهذا قال رجل من المشركين لسلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ: «علمكم نبيكم حتى الخراءة؟ قال: أجل» أخرجه مسلم ، يعني آداب قضاء الحاجة، ففي السنة آداب قضاء الحاجة، وفي القرآن آداب الجلوس، قال الله تعالى: {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا} [المجادلة: 11] ، وآداب الاستئذان، وآداب الدخول، قال الله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور: 61] ، فالشريعة ـ والحمد لله ـ شاملة لكل شيء، لكن من الأشياء ما تنص عليه الشريعة بعينه، ومن الأشياء ما يكون داخلاً تحت قاعدة عامة من قواعد الشريعة، ولقد أخطأ من قال: إن النصوص لا تفي بعشر ما يحتاج الناس إليه، بل نقول: إن النصوص وافية بكل ما يحتاج الناس إليه، ولكن من الأشياء ما هو منصوص عليه، ومنها ما يدخل تحت القواعد العامة يدركها من رزق علماً وفهماً.[3]
[1] " شرح بلوغ المرام ( 3 / 460 ـ 461 ) للعلامة ابن عثيمين رحمه الله
[2] " شرح بلوغ المرام للعلامة ابن عثيمين رحمه الله " ( 3 / 457 )
[3] " الشرح الممتع على زاد المستقنع " ( 3 / 509 ـ 510 )
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
07-Apr-2013, 04:11 PM
ـ تعريفه
البيع لغة : أخذ شيء وإعطاء شيء مأخوذ من الباع ، لأن كل واحد من المتبايعين يمد باعه للأخذ والإعطاء ، حتى لو كان على سبيل العارية أو الوديعة ، فإذا مددت إليك شيئا أعيرك إياه فهو بيع في اللغة [1]
وشرعاً : معاوضة المال بالمال لغرض التملك .[2]
ما ينعقد به البيع
ينعقد البيع بصيغتين :
1 - قولية : وهي الإيجاب والقبول .
فالإيجاب : هو اللفظ الصادر من البائع ،كأن يقول البائع : بعتك ، أو ملكتك ، أو نحوها .
والقبول : هو اللفظ الصادر من المشتري ، كأن يقول المشتري : ابتعت ، أو قبلت ، أو ما في معنيهما .
2- فعلية : وهي المعاطاة ولها ثلاث صور:
الأولى: أن تكون معاطاة من الجانبين.
الثانية: أن تكون معاطاة من البائع.
والثالثة: أن تكون معاطاة من المشتري.
مثالها من الجانبين: أن يكون هنا أدوية مثلاً قد كتب عليها سعرها، ووضع إلى جانبها وعاء للثمن، فيأتي المشتري، ويضع ثمن هذا الدواء بوعاء الثمن ويأخذ الدواء، هذه معاطاة من الجانبين.
معاطاة من البائع: قال المشتري: أعطني بهذا الدرهم خبزاً، فأخذ البائع كيس الخبز وأعطاه للمشتري، هذه معاطاة من البائع.
معاطاة من المشتري: قال البائع: خذ هذا الكتاب بعشرة فأخذه المشتري، ولم يقل: قبلت، ولكن أعطاه عشرة، فالمعاطاة هنا من المشتري، فالبائع قدر الثمن وأوجب فقال: بعتك هذا الكتاب بعشرة، أو قال: خذ هذا الكتاب بعشرة، فأخذ المشتري، ولم يتكلم وأعطاه العشرة، وهذا يدلنا على أن مسألة المعاملات أمرها سهل يرجع فيه إلى ما تعارفه الناس، والناس كلهم قد تعارفوا على أن هذه المعاطاة تعدّ عقداً واضحاً.
ـ الصيغة التي ينعقد بها البيع
ينعقد بكل لفظ دل عليه عرفاً بإيجاب، وقبول بعده، مثل أن تقول: بعتك هذا الشيء، أعطيتك هذا الشيء، ملكتك هذا الشيء، فالمهم أنه ليس هناك لفظ معين للبيع، فأي لفظ يدل عليه فإنه ينعقد به ، لأن جميع العقود تنعقد بما دل عليه عرفاً، وهذا القول هو الراجح، وهو المتعين، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ ، لأن المعاملات ليست عبادات يتقيد الإنسان فيها بما ورد، بل هي معاملات بين الناس، فما عدّه الناس بيعاً فهو بيع، وما عدّوه رهناً فهو رهن، وما عدّوه وقفاً فهو وقف، وما عدّوه نكاحاً فهو نكاح.
ـ مسألة
القبول يجوز أن يكون عقيب الإيجاب، ويجوز أن يكون متراخياً عنه .
أما كونه جائزاً عقيب الإيجاب فالأمر واضح ، كأن يقول: بعتك هذا بعشرة، ويقول المشتري: قبلت، فالقبول هنا أعقب الإيجاب وهذا لا إشكال فيه .
ويجوز أن يتراخى عن الإيجاب، فيقول: بعتك هذا بعشرة، ثم يسكت المشتري يفكر ، لأن الإنسان قبل أن يبتاع الشيء يجد في نفسه رغبة فيه ، فإذا قال: بعتك، ربما يتريث وتزول هذه الرغبة، وأحب شيء إلى الإنسان ما مُنِعَ .
لكن نقول: إذا تراخى عنه فلا بد من شروط:
الأول: أن يكون في مجلسه.
الثاني: ألا يتشاغلا عنه بما يقطعه.
الثالث: أن يطابق القبول الإيجاب.
أما كونه في المجلس فهو احتراز مما لو كان في غير المجلس، بأن قال: بعتك هذه السلعة بعشرة ثم تفرقا ثم رجع، وقال: قبلت فلا يصح هذا القبول لتغير المجلس.
وكذلك لو تشاغلا بما يقطعه بأن قال: بعتك هذه السيارة بثلاثين ألفاً، فقال: مررت اليوم بالكلية، ووجدت فلاناً ناجحاً، وفلاناً راسباً، وفلاناً مكملاً، وقال: هذه النتيجة ليست بطيبة، ثم قال: قبلت فلا يصح ، لأنه تشاغلَ بما يقطعه، فلا بد إذاً في صحة هذا العقد من أن يعيد البائع الإيجاب حتى يكون القبول عقبه.
وكذلك لا بد أن يطابق القبول الإيجاب كمية وجنساً ونوعاً.
فلو قال: بعتك شرح ابن عقيل بعشرة، فقال: قبلت الروض المربع بعشرة فلا يصح ، لأنه اختلف القبول عن الإيجاب، وكذا لو قال: بعتك شرح ابن عقيل بعشرة، فقال: قبلته بتسعة فلا يصح لعدم المطابقة، ولو قال: قبلته بأحد عشر صح ، لأن ذلك في مصلحة البائع، فيقول: آخذ العشرة والباقي لك، إذا كان لا يريد أن يمن عليه بالزيادة فالظاهر الصحة، وأن الذي لا يصح إذا نقص الثمن عما أوجبه البائع.
فإذا زاد فقد زاده خيراً، وعادة لا يرد البائع الزيادة، هذا هو الغالب." [3]
[1]" رسالة في البيع " ( 218 ) للإمام ابن عثيمين ، و " الشرح الممتع " (3 / 511 )
[2] " رسالة في البيع " ( 218 )
[3] "الشرح الممتع " ( 3 / 515 ـ 518 )
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
11-Apr-2013, 05:42 PM
ـ شروط البيع وهي سبعة [1] :
1- التراضي : يشترط التراضي من البائع والمشتري، ودليل ذلك:
الأول: من القرآن قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] ، ومعنى {تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}: أي تجارة صادرة عن تراضٍ منكم.
الثاني: من السنة قال النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما يروى عنه: «إنما البيع عن تراضٍ»[2] .
الثالث: أن النظر الصحيح يقتضي ذلك أيضاً ، لأننا لو لم نشترط التراضي لأصبح الناس يأكل بعضهم بعضاً، فكل إنسان يرغب في سلعة عند شخص يذهب إليه ويقول له: اشتريتها منك بكذا قهراً عليك، وهذا يؤدي إلى الفوضى والشغب والعداوة والبغضاء.
ومن هذا الباب ذكر الإمام موسى الحجاوي الحنبلي رحمه الله في " زاد المستقنع " ( ص 165 ) أنه " لا يصح البيع من مكره بلا حق "
قال العلامة الفقيه المحقق المدقق محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله في " الشرح الممتع " ( 3 / 520 ) والمكره هو الملجأ إلى البيع، أي: المغصوب على البيع ومن ذلك :
ـ لو أن سلطاناً جائراً أرغم شخصاً على أن يبيع هذه السلعة لفلان فباعها، فإن البيع لا يصح ، لأنها صدرت عن غير تراضٍ .
ـ ومثل ذلك أيضا : ما لو علمت أن هذا البائع باع عليك حياءً وخجلاً، فإنه لا يجوز لك أن تشتري منه ما دمت تعلم أنه لولا الحياء والخجل لم يبع عليك، ولهذا قال العلماء ـ رحمهم الله ـ: يحرم قبول هدية إذا علم أن الرجل أهداها له على سبيل الحياء والخجل ، لأن هذا وإن لم يصرح بأنه غير راضٍ، لكن دلالة الحال على أنه غير راضٍ.
وقوله: «فلا يصح من مكره بلا حق»
أفادنا ـ رحمه الله ـ أنه إذا كان مكرهاً بحق فلا بأس؛ لأن هذا إثبات للحق، أي: إذا أكرهنا الإنسان على البيع بحق، فإن هذا إثبات للحق وليس ظلماً ولا عدواناً.
مثال ذلك: شخص رهن بيته لإنسان في دين عليه وحل الدين فطالب الدائن بدينه، ولكن الراهن الذي عليه الدين أبى، ففي هذه الحال يجبر الراهن على بيع بيته؛ لأجل أن يستوفي صاحب الحق حقه فيرغم على ذلك.
مثال آخر: أرض مشتركة بين شخصين وهي أرض صغيرة لا تمكن قسمتها، فطلب أحد الشريكين من الآخر أن تباع فأبى الشريك الآخر، فهنا تُباع الأرض قهراً على من امتنع؛ لأن هذا بحق من أجل دفع الضرر عن شريكه.
فالضابط إذاً: (أنه إذا كان الإكراه بحق فإن البيع يصح ولو كان البائع غير راض بذلك)؛ لأننا هنا لم نرتكب إثماً لا بظلم ولا بغيره فيكون ذلك جائزاً.
مسألة ذكرها في الروض [3] :
إذا أكره على شيء فباع ملكه من أجل دفع ما أكره عليه، بمعنى أنه جاء إنسان ظالم وأكرهه، وقال له: لا بد أن تدفع لي الآن مائة ألف ريال وإلا حبستك، والرجل ليس عنده شيء فباع بيته ليسدد مائة ألف ريال فما حكم بيعه لبيته؟
الجواب: إننا إذا طبقنا مسألتنا هذه على هذا الشرط، فهل هذا الرجل أكره على بيع البيت، أو أكره على دفع المال؟
الجواب: أكره على دفع المال، فجائز أن يذهب إلى شخص يستلف منه أو يستقرض أو يأخذ من الزكاة وما أشبه
ذلك، إذاً فهو لم يكره على بيع البيت فيكون البيع صحيحاً.
بقي أن يقال: هل يكره أن يُشترى منه بيته؛ لأنه مكره على بيعه ولا يرغب أن يخرج عن ملكه؟
الجواب: قال الفقهاء: إنه يكره أن يُشترى منه .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يكره؛ لأننا إذا اشترينا منه فقد أحسنا إليه لدفع ضرورته، والصحيح أن في ذلك تفصيلاً:
إن كان الناس كلهم سيُضربون عن شرائه ويؤدي ذلك إلى أن يتراجع المُكره، فهنا نقول: يحرمُ الشراء منه، ويجب علينا ألا نشتري إذا علمنا أن في ذلك رفعاً للإكراه.
أما إذا كان المُكره لا يمكن أن يتراجع عن إكراهه، فلا وجه لكراهة الشراء منه، بل إن الشراء منه في الواقع إحسان إليه.
[1] "الشرح الممتع " (3 / 520ـ 521 )
[2] أخرجه ابن ماجه في (التجارات/ باب بيع الخيار) (2185)؛ وابن حبان (4967) إحسان؛ والبيهقي (6/17) عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ
[3]"الروض المربع مع حاشية ابن قاسم " (4/332)
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
11-Apr-2013, 05:43 PM
ـ يشترط في كل من العاقدين أن يكون جائز التصرف .
وجائز التصرف من جمع أربعة أوصاف: أن يكون حرّاً، بالغاً، عاقلاً، رشيداً.
فالأول: أن يكون حرّاً، وضده العبد، والعبد لا يصح بيعه ولا شراؤه إلا بإذن سيده؛ ووجه ذلك أن العبد لا يملك، فما في يد العبد ملك لسيده؛ والدليل على هذا، قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً له مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المُبتاع» ، فهنا نقول: العبد لا يصح بيعه إلا بإذن سيده.
الثاني:أن يكون بالغاً، وضد البالغ الصبي.
ولهذا قال المؤلف ـ الحجاوي رحمه الله ـ : «فلا يصح تصرف صبي وسفيه بغير إذن ولي»حتى وإن كان مراهقاً له أربع عشرة سنة، وكان حاذقاً جيداً في البيع والشراء، فإنه لا يصح بيعه؛ لأنه صغير لم يبلغ.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾[النساء: 6] ، فاشترط الله لدفع أموالهم شرطين: بلوغ النكاح وذلك بالبلوغ، والرشد.
الثالث:أن يكون عاقلاً، وضده المجنون، فالمجنون لا يصح تصرفه، ومن ذلك المُهَذْري لا يصح بيعه، فلو أن رجلاً أصيب بالهذرات، أي: هرم وكبر، وجاء إلى إنسان، وقال له: أنا أبيع عليك بيتي وسيارتي فلا يصح البيع منه لفقد العقل، ومن شرط جواز التصرف أن يكون الإنسان عاقلاً.
الرابع:أن يكون رشيداً، والرشيد هو الذي يحسن التصرف في ماله، بحيث لا يبذله في شيء محرم، ولا في شيء لا فائدة منه، كأن يبيع الشيء الذي يساوي مائة بعشرة، أو يشتري ما يساوي عشرة بمائة، فالمهم أنه يحسن التصرف، وضد الرشيد السفيه …
فلا يصح تصرف سفيه بغير إذن وليّ، فإن أذن له فلا بأس.
مسألة :لكن هل يجوز أن يأذن للسفيه أو الصبي إرضاء لهما من غير مراعاة المصلحة المالية؟
الجواب:لا، ولذلك نقول: يحرم على الولي أن يأذن بدون مصلحة؛ لقول الله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ﴾[الأنعام: 24] .(1 )
(1) " الشرح الممتع " ( 3 / 522 ـ 523 )
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
11-Apr-2013, 05:44 PM
الشرط الثاني:أن يكون العاقد جائز التصرف.
قال الفقيه العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :
العاقد هو البائع والمشتري ...
وجائز التصرف من جمع أربعة أوصاف: أن يكون حرّاً، بالغاً، عاقلاً، رشيداً.
فالأول:أن يكون حرّاً، وضده العبد، والعبد لا يصح بيعه ولا شراؤه إلا بإذن سيده؛ ووجه ذلك أن العبد لا يملك، فما في يد العبد ملك لسيده؛ والدليل على هذا، قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً له مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المُبتاع» ، فهنا نقول: العبد لا يصح بيعه إلا بإذن سيده.
الثاني:أن يكون بالغاً، وضد البالغ الصبي.
ولهذا قال المؤلف: «فلا يصح تصرف صبي وسفيه بغير إذن ولي» حتى وإن كان مراهقاً له أربع عشرة سنة، وكان حاذقاً جيداً في البيع والشراء، فإنه لا يصح بيعه؛ لأنه صغير لم يبلغ.
والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6]، فاشترط الله لدفع أموالهم شرطين: بلوغ النكاح وذلك بالبلوغ، والرشد.
الثالث:أن يكون عاقلاً، وضده المجنون، فالمجنون لا يصح تصرفه، ومن ذلك المُهَذْري لا يصح بيعه، فلو أن رجلاً أصيب بالهذرات، أي: هرم وكبر، وجاء إلى إنسان، وقال له: أنا أبيع عليك بيتي وسيارتي فلا يصح البيع منه لفقد العقل، ومن شرط جواز التصرف أن يكون الإنسان عاقلاً.
الرابع:أن يكون رشيداً، والرشيد هو الذي يحسن التصرف في ماله، بحيث لا يبذله في شيء محرم، ولا في شيء لا فائدة منه، كأن يبيع الشيء الذي يساوي مائة بعشرة، أو يشتري ما يساوي عشرة بمائة، فالمهم أنه يحسن التصرف، وضد الرشيد السفيه؛ ولهذا قال المؤلف: «وسفيه» أي ولا يصح تصرف سفيه بغير إذن وليّ، فإن أذن له فلا بأس.(1
)
(1) " الشرح الممتع " ( 3 / 522 ـ 523 )
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
11-Apr-2013, 05:45 PM
الشرط الثالث :أن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة
وهذه تقتضي ثلاثة شروط :
الأول: أن يكون فيها نفع ، فخرج منه محرمة النفع، مثل آلات اللهو، فإنه لا يجوز بيعها؛ لأن منفعتها محرمة، وكذلك الخمر؛ لأن منفعته محرمة.
الثاني: أن يكون النفع مباحاً ، فخرج منه ما لا نفع فيه كالحشرات، فلا يصح بيعها، فلو أن شخصاً جمع صراصر في إناء، وقال لإنسان: أبيع عليك هذه الصراصر فلا يجوز بيعها؛ لأنها ليس فيها نفع، لكن لو جمع جراداً في إناء، وقال: أبيع عليك هذا الجراد فهنا يجوز البيع؛ لأن فيها نفعاً مباحاً؛ إذاً الحشرات لا يجوز بيعها؛ لأنها ليس فيها نفع.
الثالث: أن تكون الإباحة بلا حاجة ، احترازاً مما إذا كانت مباحة النفع لحاجة كالكلب، فالكلب يباح نفعه لكن لا مطلقاً بل لحاجة كالصيد، والحرث والماشية، فلا يصح بيع الكلب، حتى وإن كان كلب صيد، ولو كان معلماً مع أن فيه نفعاً مباحاً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن ثمن الكلب ([1] )
([1]) انظر " الشرح الممتع " ( 3 / 524)
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
30-Aug-2013, 03:17 AM
الشرط الرابع :
من شروط صحة البيع، أن يكون من مالك أو من يقوم مقامه ، والدليل على هذا الشرط: القرآن، والسنة، والنظر الصحيح.
أما القرآن : فقوله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] ، ومعلوم أنه لا يوجد أحد يرضى أن يتصرف غيره في ماله ويبيعه.
وأما السنة : فقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» ، فنهاه أن يبيع ما ليس عنده، والمراد ما ليس في حوزته أو ما ليس قادراً عليه .
وأما النظر : فلأنه لو جاز أن يبيع الإنسان ما لا يملك لكان في ذلك من العدوان والفوضى ما لا تستقيم معه حياة البشر، فلا يمكن أن يسلط الناس بعضهم على بعض في بيع أموالهم.(1)
(1) (الشرح الممتع ) (8/ 128/ ط : دار ابن الجوزي)
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
30-Aug-2013, 03:18 AM
قوله: «أو من يقوم مقامه» يعني من يقوم مقام المالك وهم أربعة أصناف: الوكيل، والوصي، والولي، والناظر، هؤلاء هم الذين يقومون مقام المالك.
فالوكيل : هو من أُذن له بالتصرف في حال الحياة ، والدليل على ذلك ما أخرجه الإمام البخاري
في صحيحه (4/ 207 / دار طوق النجاة) من طريق شَبِيبُ بْنُ غَرْقَدَةَ قَالَ : سَمِعْتُ الحَيَّ يُحَدِّثُونَ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى
لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ » ([1] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=125813&page=2#_ftn1) )
الوصي : هو من أمر له بالتصرف بعد الموت، مثل أن يوصي شخص بشيء من ماله إلى زيد،
فهذا الموصى إليه يجوز أن يتصرف فيما وصي فيه بما يراه أصلح، وهو ليس بمالك، ولكنه قائم مقام المالك .
الناظر : هو الذي جعل على الوقف، أي: وكل في الوقف، مثل أن يقول رجل: هذا البيت وقف على الفقراء والمساكين، والناظر عليه فلان ابن فلان، فهذا ـ أيضاً ـ يصح تصرفه مع أنه ليس بمالك، لكنه قائم مقام المالك، ونسمي هذا ناظراً، وقد وقف عمر ـ رضي الله عنه ـ ما ملكه في خيبر، وقال: تليه حفصة، ثم ذوو الرأي من آله ، فحفصة جعلها عمر ـ رضي الله عنهما ـ ناظرة على وقفه.([2] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=125813&page=2#_ftn2) )
الولي: هو من يتصرف لغيره بإذن الشارع.
والولاية نوعان: عامة وخاصة.
فالعامة : ولاية الحكام، كالقضاة مثلاً، فإن لهم ولاية عامة على الأموال المجهول مالكها، وعلى أموال اليتامى إذا لم يكن لهم ولي خاص، وعلى غير ذلك.
أما الولاية الخاصة: فهي الولاية على اليتيم من شخص خاص، كولاية العم على ابن أخيه اليتيم، وجعلنا هذا وليّاً ولم نجعله وكيلاً؛ لأنه استفاد تصرفه عن طريق الشرع، والوكيل والوصي والناظر عن الطريق الخاص بالمالك، أما الولي فولايته مستفادة من الشرع.
وعلى هذا، فإذا وكل إنسان إنساناً في بيع شيء فباعه صح، مع أن الوكيل ليس بمالك، ولكنه قائم مقام المالك، لكن يجب على الوكيل أن يتصرف بما يراه أصلح، فإذا كانت السلعة تزيد فإنه لا يبيعها حتى تنتهي الزيادة، بخلاف الذي يتصرف لنفسه فإنه يجوز أن يبيع السلعة بما هو دون، والفرق بينهما أن المتصرف لغيره يجب أن يتصرف بالأحظ، والمتصرف لنفسه يتصرف بما شاء، فمثلاً لو أعطيت هذا الرجل مسجلاً يبيعه، فصار الناس يزيدون في المسجل حتى بلغ مائة أو مائتين، فلا يجوز له أن يبيعه والناس يزيدون فيه حتى يقف السعر، لكن لو باعه مالكه بمائة ريال وهو يساوي مائتين جاز؛ لأن المالك يتصرف لنفسه، وذاك يتصرف لغيره.
وانظر إلى هذه المسألة وهي التصرف للغير بالأحظ، حتى في العبادات، فالإمام يجب أن يصلي بالناس حسب السنة، وغيره يصلي ما شاء، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء» ([3] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=125813&page=2#_ftn3) ) . ([4] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=125813&page=2#_ftn4) )
([1]) قال الإمام الألباني في ( إرواء الغليل ) (5/ 128) : (( صحيح ، أخرجه البخارى (2/414) وأبو داود (3384) وابن ماجه (2402) والشافعى (1333) والبيهقى (6/112) وأحمد (4/375) وابن حزم فى " المحلى " (8/436 , 437) من طريق شبيب بن غرقدة قال: سمعت الحى يتحدثون (وفى رواية: سمع قومه يحدثون) عن عروة البارقى ، فذكره ... ))
([2]) أخرجه أبو داود في الوصايا/ باب ما جاء في الرجل يوقف الوقف (2879) ؛ والبيهقي (6/160) . وإسناده صحيح كما في «الإرواء» (6/30) .
وأصل الحديث متفق عليه من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ دون ذكر من يلي الوقف، أخرجه البخاري في الشروط/ باب الشروط في الوقف (2737) ؛ ومسلم في الوصية/ باب الوقف (1632) .
([3]) أخرجه البخاري في الأذان/ باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء (703) ؛ ومسلم في الصلاة/ باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام (467) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
([4]) ( الشرح الممتع ) (8/ 128 ـ 130)
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
30-Aug-2013, 03:19 AM
الشرط الخامس
يشترط أن يكون المبيع أو الثمن مقدوراً على تسليمه، أي: يقدر على تسليمه، فيكون كل من البائع والمشتري قادراً على تسلم أو تسليم ما انتقل من ملكه أو إلى ملكه، ودليل هذا الشرط ما يلي:
أولاً: قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] ، فبيع ما لا يقدر على تسليمه من الميسر؛ ووجه ذلك أن بيع ما لا يقدر على تسليمه سيكون بأقل من ثمنه الحقيقي؛ لأن المشتري مخاطر قد يحصل عليه وقد لا يحصل، فإذا قدر أن هذا الذي لا يقدر على تسليمه يساوي مائة لو كان مقدوراً على تسليمه، فسيباع إذا كان لا يقدر على تسليمه بخمسين، فيبقى المشتري الآن إما غانماً وإما غارماً، إن قدر عليه فهو غانم، وإن فاته فهو غارم، وهذه هي قاعدة الميسر.
ثانياً: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] ، ووجه الدلالة أن ما يعجز عن تسليمه لا يرضى به الإنسان غالباً، ولا يقدم عليه إلا رجل مخاطر قد يحصل له ذلك، وقد لا يحصل له.
ثالثاً: حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الغرر، أخرجه مسلم ؛ ووجه كونه غرراً أن المعجوز عن تسليمه لا بد أن تنقص قيمته، وحينئذٍ إن تمكن المشتري من تسلُّمِه صار غانماً، وإن لم يتمكن صار غارماً، وهذا هو الضرر.
والذي لا يقدر على تسليمه لا شك أنه غرر، إذ قد يبذل المشتري الثمن ولا يستفيد.
رابعا : عن حكيم بن حزام قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ قال " لا تبع ما ليس عندك "[1] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=125813&page=2#_ftn1)
ووجه الاستدلال أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس داخلا في ملك البائع عند البيع لعدم قدرته على تسليمه بعد العقد .
خامسا : ونستدل عليه ـ أيضاً ـ بالنظر الصحيح، وهو أن المسلمين يجب أن يكونوا قلباً واحداً متآلفين متحابين، وهذا البيع يوجب البغضاء والتنافر؛ وذلك أن المشتري لو حصل عليه لكان في قلب البائع شيء يغبطه ويحسده عليه، ولو لم يقدر عليه لكان في قلب المشتري شيء يغبط البائع ويحسده عليه، وكل ما أدى إلى البغضاء والعداوة فإن الشرع يمنعه منعاً باتّاً؛ لأن الدين الإسلامي مبني على الألفة والمحبة والموالاة بين المسلمين.([2] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=125813&page=2#_ftn2) )
([1]) قال الإمام الألباني في ( إرواء الغليل ) (5/ 132) : أخرجه أبو داود (3503) والنسائى (2/225) والترمذى (1/232) وابن ماجه (2187) وكذا الشافعى (1249) وابن الجارود (602) والدارقطنى (292) والبيهقى (5/267 , 317 , 339) وأحمد (3/401 , 403) والطبرانى فى " المعجم الكبير " (1/152/1) وابن حزم (8/519) من طرق عن حكيم بن حزام بألفاظ متقاربة هذا أحدها وأوله: " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقلت: يأتينى الرجل يسألنى من البيع ما ليس عندى أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ قال ... " فذكره والسياق للترمذى , وقال: " حديث حسن ".
قلت: وإسناده صحيح , وصححه ابن حزم ، وقد استوعبت ألفاظه فى كتابى " أحاديث البيوع وآثاره ".
([2]) (الشرح الممتع ) (8/ 142 ـ 143) ، ( الفقه المالكي وأدلته ) ( 5 / 23)
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
30-Aug-2013, 03:20 AM
الشرط السادس :([1] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=125813&page=2#_ftn1) ) أن يكون المبيع معلوماً برؤية أو صفة عند البائع والمشتري، فلا يكفي علم أحدهما ، فلا بد أن يكون معلوماً عند المتعاقدين ، ودليل هذا الشرط
أولا : حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ : " أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الغرر" ، والمجهول بيعه غرر لا شك.
ثانيا : حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: «قدم النبي صلّى الله عليه وسلّم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» ([2] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=125813&page=2#_ftn2) )، فالعلم بالمسلم فيه هنا بالوصف؛ لأنه يسلف السنة والسنتين في الثمار، وهي لم تخلق الآن، إذاً يكون العلم بالوصف، ولكن لا بد من شرطين:
1 ـ أن يكون الموصوف مما يمكن انضباطه بالصفة.
2 ـ أن يضبط بالصفة.
ثالثا : لما فيه من سد باب العداوة والخصومات والتنازع التي قد تقع بين المتعاملين والمتعاقدين مما هو معلوم ، إذ أن بيع الغرر ، وما كان أمره مجهولا ذريعة لحصول التنازع والعداوة والشحناء بين المسلمين .
مسألة: مما يدخل ويلحق بهذا الشرط بيع الأنموذج : وهو أن يأتي البائع بشيء من البضاعة والسلعة مما يدل على الباقي منها ، مثال ذلك أن يأتي بصاع أو ربع الصاع أو فنجال من البر، ويقول : أبيع عليك مثل هذا الصاع بكذا وكذا، فهذا ضبط بالصفة عن طريق الرؤية، فهذا البيع صحيح؛ لأن العلم مدرك بهذا، وما زال الناس يتعاملون به.
يقول عنه الإمام ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ : أنه يسمى في لغتنا العامية بـ " النمونة "
وهو مما يسمى عندنا في بلاد الجزائر بـ "العَيِّنة "
([1]) (الشرح الممتع ) (8/ 147 ـ 151) ، ( الفقه المالكي وأدلته ) ( 5 / 25)
([2]) أخرجه البخاري في السلم/ باب السلم في كيل معلوم (2240)
ومسلم في المساقاة/ باب السلم (1604) .
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
01-Sep-2013, 02:45 AM
الشرط السابع
يشترط أن يكون الثمن معلوماً كما يشترط أن يكون المبيع معلوما
لما ثبت من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الغرر»
قال الإمام ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ ([1] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=125813&page=2#_ftn1)) : " لأنه أحد العوضين، فاشترط فيه العلم كالعوض الآخر
، وإنما قلت بهذا القياس؛ لأن العوض الآخر قد وردت أحاديث في عين المبيع المجهول كبيع الحمل مثلاً " ا.هـ
فائدة :
قال الشيخ أيضا : قال بعض العلماء: الثمن ما دخلت عليه الباء، فإذا قلت: بعت عليك ثوباً بدرهم فالثمن الدرهم، وإذا قال: بعت عليك درهماً بثوب فالثمن الثوب، وبعت عليك قلماً بساعة، فالثمن الساعة، وبعت ساعة بقلم فالثمن القلم، وهذا هو الأظهر حتى في عرف الناس أن الثمن ما دخلت عليه الباء. ([2] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=125813&page=2#_ftn2))
([1]) (الشرح الممتع )(8/ 169)
([2]) انظر إلى (الشرح الممتع )(8/ 169 ـ 170)
أبو الوليد خالد الصبحي
02-Sep-2013, 09:57 PM
جزيت خيرا
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
12-Sep-2013, 02:36 AM
بارك الله في أخينا الحبيب الفاضل أبي الوليد الصبحي ، وفي جهوده الطيبة ونفع الله به
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
13-Sep-2013, 06:05 PM
باب ما ينهى عنه من البيوع
قبل أن نبدأ في تفصيل وبيان ما جاء في الشريعة من البيوع المحرمة الممنوعة ، ننبه ونذكر بأصل مهم جاءت به الشريعة ، ألا وهو : أن الأصل في المعاملات والعقود الجواز والصحة ، ولا يحرم منها إلا ما ورد الشرع بتحريمه وإبطاله ، وهذا مما يشهد بسعة رحمة الله تعالى ، وتمام حكمته ، حيث أباح سبحانه لعباده جميع الطيبات من مكاسب ومطاعم ومشارب ، وفسح لهم فيها ما تصلح به أمورهم وأحوالهم ، وتستقيم معايشهم .([1] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=125813&page=2#_ftn1))
قال العلامة الزيلعي الحنفي في ( تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق )(4/ 87) : (( وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ حُرْمَةَ الْبَيْعِ أَصْلٌ بَلْ الْأَصْلُ هُوَ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ إذَا ثَبَتَتْ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لَهَا وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ خُلِقَتْ لِلِابْتِذَالِ فَيَكُونُ بَابُ تَحْصِيلِهَا مَفْتُوحًا فَيَجُوزُ مَا لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ عَلَى مَنْعِهِ )) ا.هـ
وقال العلامة الشاطبي في ( الموافقات)(1/ 440) : (( وَمَا كَانَ مِنَ الْعَادِيَّاتِ ... وَالْأَصْلَ فِيهَا الْإِذْنُ حَتَّى يدل الدليل على خلافه )) ا.هـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى)(28/ 386) : (( وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ عَلَى النَّاسِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا إلَّا مَا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى تَحْرِيمِهِ كَمَا لَا يُشَرِّعُ لَهُمْ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَى اللَّهِ إلَّا مَا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى شَرْعِهِ؛ إذْ الدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ )) ا.هـ
وقال الإمام ابن القيم في (إعلام الموقعين)(1/ 259) : (( وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ وَالشُّرُوطِ الصِّحَّةُ إلَّا مَا أَبْطَلَهُ الشَّارِعُ أَوْ نَهَى عَنْهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِبُطْلَانِهَا حُكْمٌ بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّأْثِيمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا تَأْثِيمَ إلَّا مَا أَثَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ فَاعِلَهُ، كَمَا أَنَّهُ لَا وَاجِبَ إلَّا مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ، وَلَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ، وَلَا دِينَ إلَّا مَا شَرَعَهُ، فَالْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ الْبُطْلَانُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْأَمْرِ، وَالْأَصْلُ فِي الْعُقُودِ وَالْمُعَامَلَاتِ الصِّحَّةُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْبُطْلَانِ وَالتَّحْرِيمِ.)) ا.هـ ([2] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=125813&page=2#_ftn2))
فمن هذا الأصل المحكم يتبين أن كل شيء يجوز بيعه وتعاطيه ، إلا ما جاء النص بتحريمه ومنعه ([3] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=125813&page=2#_ftn3)) ، وهو قليل معدود ([4] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=125813&page=2#_ftn4)) ، وقد جمعها أئمة الحديث والفقه في أبواب ، ونبهوا عليها ، وصنفوا في بيانها ليتيسر معرفتها ، والوقوف عليها ، فعلى خطاهم ومنوالهم نستعين بالله تعالى في جمعها وبيانها في هذا المصنف ، ليتيسر على القارئ الكريم اطلاع عليها .
([1]) انظر إلى رسالة ( الدرة المختصرة في محاسن الدين الإسلامي)(ص 23) للإمام السعدي
([2]) انظر إلى كتاب ( الوساطة التجارية في المعاملات المالية)(ص 25 ـ 26) للشيخ عبدالرحمن بن صالح الأطرم
([3]) انظر إلى ( شرح بلوغ المرام)(5/ 184) للعلامة عطية سالم
([4]) انظر إلى ( شرح بلوغ المرام)(3/458) للعلامة ابن عثيمين
أبو يوسف عبدالله الصبحي
15-Sep-2013, 06:42 PM
جزاك الله خيراً
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
18-Sep-2013, 03:59 PM
وأياك أخي الكريم ونشكرك على مرورك
أبو أنس بشير بن سلة الأثري
28-Sep-2013, 01:03 AM
تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ, وَهُوَ بِمَكَّةَ: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ, وَالْمَيْتَةِ, وَالْخِنْزِيرِ, وَالْأَصْنَامِ».
فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ, فَإِنَّهُ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ, وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ, وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ? فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» , ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ, إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ, ثُمَّ بَاعُوهُ, فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَثَمَنَهُ» ([1] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=125813&page=2#_ftn1))
دل الحديثان على تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام .
قال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ مبينا ما اشتمل عليه هذا الحديث من الحكم والمقاصد التي من أجلها حرمت هذه الثلاثة : (( اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْجَوَامِعُ عَلَى تَحْرِيمِ ثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ: مَشَارِبَ تُفْسِدُ الْعُقُولَ، وَمَطَاعِمَ تُفْسِدُ الطِّبَاعَ وَتُغَذِّي غِذَاءً خَبِيثًا؛ وَأَعْيَانٍ تُفْسِدُ الْأَدْيَانَ، وَتَدْعُو إِلَى الْفِتْنَةِ وَالشِّرْكِ.
فَصَانَ بِتَحْرِيمِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ الْعُقُولَ عَمَّا يُزِيلُهَا وَيُفْسِدُهَا .
وَبِالثَّانِي: الْقُلُوبَ عَمَّا يُفْسِدُهَا مِنْ وُصُولِ أَثَرِ الْغِذَاءِ الْخَبِيثِ إِلَيْهَا، وَالْغَاذِي شَبِيهٌ بِالْمُغْتَذِي . وَبِالثَّالِثِ: الْأَدْيَانَ عَمَّا وُضِعَ لِإِفْسَادِهَا.
فَتَضَمَّنَ هَذَا التَّحْرِيمُ صِيَانَةَ الْعُقُولِ وَالْقُلُوبِ وَالْأَدْيَانِ.
وَلَكِنَّ الشَّأْنَ فِي مَعْرِفَةِ حُدُودِ كَلَامِهِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَمَا يَدْخُلُ فِيهِ، وَمَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ، لِتَسْتَبِينَ عُمُومُ كَلِمَاتِهِ وَجَمْعُهَا، وَتَنَاوُلُهَا لِجَمِيعِ الْأَنْوَاعِ الَّتِي شَمِلَهَا عُمُومُ كَلِمَاتِهِ، وَتَأْوِيلُهَا بِجَمِيعِ الْأَنْوَاعِ الَّتِي شَمِلَهَا عُمُومُ لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، وَهَذِهِ خَاصِّيَّةُ الْفَهْمِ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الَّتِي تَفَاوَتَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، وَيُؤْتِيهِ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ. )) ([2] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=125813&page=2#_ftn2))
([1]) صحيح ، انظر إلى (صحيح الجامع الصغير )(1/ 360) للإمام الألباني
([2]) (زاد المعاد)(4/ 345 / ط : دار الإمام مالك )
Powered by vBulletin® Version 4.2.3 Copyright © 2026 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved