تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : معنى الحديث (زادك الله حرصا ، و لا تعد " ) للشيخ الالباني رحمه الله



أبو خالد الوليد خالد الصبحي
24-Apr-2013, 06:46 PM
معنى الحديث (زادك الله حرصا ، و لا تعد " )

و القصد من ذكره هنا أن ظاهره يدل على أنه لا يجوز الركوع دون الصف ثم المشي
إليه ، على خلاف ما دل عليه الحديث السابق ، فكيف التوفيق بينهما ؟ فأقول :
إن هذا الحديث لا يدل على ما ذكر ، إلا بطريق الاستنباط لا النص ، فإن قوله صلى
الله عليه وسلم : " لا تعد " يحتمل أنه نهاه عن كل ما ثبت أنه في هذه الحادثة ،
و قد تبين لنا بعد التتبع أنها تتضمن ثلاثة أمور :
الأول : اعتداده بالركعة التي إنما أدرك منها ركوعها فقط .
الثاني : إسراعه في المشي ، كما في رواية لأحمد ( 5 / 42 ) من طريق أخرى عن
أبي بكرة أنه جاء و النبي صلى الله عليه وسلم راكع ، فسمع النبي صلى الله عليه
وسلم صوت نعل أبي بكرة و هو يحضر ( أي يعدو ) يريد أن يدرك الركعة ، فلما انصرف
النبي صلى الله عليه وسلم قال : من الساعي ؟ قال أبو بكرة : أنا . قال : فذكره
و إسناده حسن في المتابعات ، و قد رواه ابن السكن في " صحيحه " نحوه و فيه
قوله : " انطلقت أسعى ... " و أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من الساعي
... " و يشهد لهذه الرواية رواية الطحاوي من الطريق الأولى بلفظ .
" جئت و رسول الله صلى الله عليه وسلم راكع ، و قد حفزني النفس فركعت دون الصف
.. " الحديث . و إسناده صحيح ، فإن قوله " حفزني النفس " معناه اشتد ، من الحفز
و هو الحث و الإعجال ، و ذلك كناية عن العدو .
الثالث : ركوعه دون الصف ثم مشيه إليه .
و إذا تبين لنا ما سبق ، فهل قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تعد " نهي عن هذه
الأمور الثلاثة جميعها أم عن بعضها . ذلك ما أريد البحث فيه و تحقيق الكلام
عليه فأقول :
أما الأمر الأول ، فالظاهر أنه لا يدخل في النهي ، لأنه لو كان نهاه عنه لأمره
بإعادة الصلاة لكونها خداجا ناقصة الركعة ، فإذ لم يأمره بذلك دل على صحتها ،
و على عدم شمول النهي الاعتداد بالركعة بإدراك ركوعها ، و قول الصنعاني في
" سبل السلام " ( 2 / 23 ) :
" لعله صلى الله عليه وسلم لم يأمره لأنه كان جاهلا للحكم ، و الجهل عذر " .
فبعيد جدا ، إذ قد ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة أمره صلى الله عليه
وسلم للمسيء صلاته بإعادتها ثلاث مرات مع أنه كان جاهلا أيضا فكيف يأمره
بالإعادة و هو لم يفوت ركعة من صلاته و إنما الاطمئنان فيها ، و لا يأمر
أبا بكرة بإعادة الصلاة و قد فوت على نفسه ركعة ، لو كانت لا تدرك بالركوع ،
ثم كيف يعقل أن يكون ذلك منهيا و قد فعله كبار الصحابة ، كما تقدم في الحديث
الذي قبله ؟ ! فلذلك فإننا نقطع أن هذا الأمر الأول لا يدخل في قوله صلى الله
عليه وسلم " لا تعد " .
و أما الأمر الثاني ، فلا نشك في دخوله في النهي لما سبق ذكره من الروايات
و لأنه لا معارض له ، بل هناك ما يشهد له ، و هو حديث أبي هريرة مرفوعا :
" إذا أتيم الصلاة فلا تأتوها و أنتم تسعون ، و أتوها و عليكم السكينة
و الوقار " الحديث متفق عليه .
و أما الأمر الثالث ، فهو موضع نظر و تأمل ، و ذلك لأن ظاهر رواية أبي داود هذه
: " أيكم الذي ركع دون الصف ، ثم مشى إلى الصف ، مع قوله له :
" لا تعد " ، يدل بإطلاقه على أنه قد يشمل هذا الأمر ، و إن كان ليس نصا في ذلك
لاحتمال أنه يعني شيئا آخر غير هذا مما فعل ، و ليس يعني نهيه عن كل ما فعل ،
بدليل أنه لم يعن الأمر الأول كما سبق تقريره . فكذلك يحتمل أنه لم يعن هذا
الأمر الثالث أيضا . و هذا و إن كان خلاف الظاهر ، فإن العلماء كثيرا ما يضطرون
لترك ما دل عليه ظاهر النص لمخالفته لنص آخر هو في دلالته نص قاطع ، مثل ترك
مفهوم النص لمنطوق نص آخر ، و ترك العام للخاص ، و نحو ذلك ، و أنا أرى أن ما
نحن فيه الآن من هذا القبيل ، فإن ظاهر هذا الحديث من حيث شموله للركوع دون
الصف مخالف لخصوص ما دل عليه حديث عبد الله بن الزبير دلالة صريحة قاطعة ،
و إذا كان الأمر كذلك فلابد حينئذ من ترجيح أحد الدليلين على الآخر ، و لا يشك
عالم أن النص الصريح أرجح عند التعارض من دلالة ظاهر نص ما ، لأن هذا دلالته
على وجه الاحتمال بخلاف الذي قبله ، و قد ذكروا في وجوه الترجيح بين الأحاديث
أن يكون الحكم الذي تضمنه أحد الحديثين منطوقا به و ما تضمنه الحديث الآخر يكون
محتملا . و مما لا شك فيه أيضا أن دلالة هذا الحديث في هذه المسألة ليست قاطعة
بل محتملة ، بخلاف دلالة حديث ابن الزبير المتقدم فإن دلالته عليها قاطعة ،
فكان ذلك من أسباب ترجيحه على هذا الحديث .
و ثمة أسباب أخرى تؤكد الترجيح المذكور :
أولا : خطبة ابن الزبير بحديثه على المنبر في أكبر جمع يخطب عليهم في المسجد
الحرام و إعلانه عليه أن ذلك من السنة دون أن يعارضه أحد .
ثانيا : عمل كبار الصحابة به كأبي بكر و ابن مسعود و زيد بن ثابت كما تقدم

و غيرهم . فذلك من المرجحات المعروفة في علم الأصول . بخلاف هذا الحديث فإننا
لا نعلم أن أحدا من الصحابة قال بما دل عليه ظاهره في هذه المسألة ، فكان ذلك
كله دليلا قويا على أن دلالته فيها مرجوحة ، و أن حديث ابن الزبير هو الراجح في
الدلالة عليها . و الله أعلم .
و قد قال الصنعاني بعد قول ابن جريج في عقب هذا الحديث :
" و قد رأيت عطاء يصنع ذلك " . قال الصنعاني ( 2 / 24 ) :

" قلت . و كأنه مبني على أن لفظ " و لا تعد " بضم المثناة الفوقية ، من الإعادة
أي زادك الله حرصا على طلب الخير و لا تعد صلاتك فإنها صحيحة و روي بسكون العين
المهملة من العدو ، و تؤيده رواية ابن السكن من حديث أبي بكرة ( ثم ساقها ،
و قد سبق نحوها من رواية أحمد مع الإشارة إلى رواية ابن السكن هذه ، ثم قال )
و الأقرب أن رواية ( لا تعد ) من العود أي لا تعد ساعيا إلى الدخول قبل وصولك
الصف ، فإنه ليس في الكلام ما يشير بفساد صلاته حتى يفتيه صلى الله عليه وسلم

بأن لا يعيدها ، بل قوله " زادك الله حرصا " يشعر بأجزائها ، أو " لا تعد " من
( العدو ) " .


قلت : لو صح هذا اللفظ لكانت دلالة الحديث حينئذ خاصة في النهي عن الإسراع
و لما دخل فيه الركوع خارج الصف ، و لم يوجد بالتالي أي تعارض بينه و بين حديث
ابن الزبير ، و لكن الظاهر أن هذا اللفظ لم يثبت ، فقد وقع في " صحيح البخاري "
و غيره باللفظ المشهور : " لا تعد " . قال الحافظ في " الفتح " ( 2 / 214 ) :

" ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله و ضم العين من العود " .
ثم ذكر هذا اللفظ ، و لكنه رجح ما في البخاري فراجعه إن شئت .
و يتلخص مما تقدم أن هذا النهي لا يشمل الاعتداد بالركعة و لا الركوع دون الصف

و إنما هو خاص بالإسراع لمنافاته للسكينة و الوقار كما تقدم التصريح بذلك من
حديث أبي هريرة ، و بهذا فسره الإمام الشافعي رحمه الله تعالى :
" قوله : لا تعد . يشبه قوله : لا تأتوا الصلاة تسعون " . ذكره البيهقي في

" سننه " ( 2 / 90 ) .
فإن قيل : قد ورد ما يؤيد شمول الحديث للإسراع و يخالف حديث ابن الزبير صراحة
و هو حديث أبي هريرة مرفوعا .

" إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف " .
قلنا : لكنه حديث معلول بعلة خفية ، و ليس هذا مكان بيانها ، فراجع " سلسلة الأحاديث الضعيفة " ( رقم 981 ) .
السلسلة الصحيحة/1/229.