تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : نقض فساد قولهم : أن الشيخ ربيعا المدخلي مضطرب متناقض في أحكامه



أبو أنس بشير بن سلة الأثري
19-Jan-2014, 01:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد :
فهذه المقالة هي من ضمن السلسلة المتواصلة في نقض الشبه والتشغيبات التي اصطنعها وأحدثها الحزبية من القطبية والسرورية والحدادية والمميعة للطعن في العلامة القدوة الإمام ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ورعاه ـ وللتشكيك في أصول المنهج السلفي الذي يسير عليه أهل الحديث وأهل السنة والجماعة قديما وحديثا ، وهي التي كنت قد عنونت لها فيما سبق بـ (النور الساطع على شبه القاطع وكشف زيف المشغب المعتدي على علم ربيع بن هادي) ، وستخرج بحلتها الجديدة بعنوان (قمع الدجال الطاعن في العلامة ربيع المدخلي والمشغب على أصول المنهج السلفي)
فمما جاء فيه بيان شبهة :( أن الشيخ ربيعا المدخلي مضطرب متناقض في أحكامه )
فلفسادها وعظم جرمها أحببت أن أخصص لها صفحة مستقلة لتنتفع بها الأمة الإسلامية ويعرفوا حقيقة كذب ودجل الحزبية على علماء الأمة الأتقياء النزهاء الذين منّ الله تعالى عليهم بالعقل والثبات والنقاء والصفاء .
فمما قلته مبينا فسادها :
إن هذه الطعنة الخبيثة في العلامة الشيخ ربيع المدخلي التي رجف بها القطبية والسرورية والحدادية والمميعة بجميع مدارسهم وشتى أصنافهم في الأمة الإسلامية ، قد صنعها وأحدثها أهل الكلام والزيغ سابقا وطعنوا بها في السلف الصالح وأهل الحديث ، للتشيغب على منهجهم النبوي والتشكيك في عقيدته وأصوله المستمدة من الكتاب والسنة ، فكم ردوا بها من الحق ، وعطلوا بها من الأسماء والصفات وأهدروا بها من الأحكام الشرعية السلفية ، حتى وصل بهم الأمر إلى اصطناع ووضع أحاديث مكذوبة وموضوعة وآثار مفتعلة وحكايات مصطنعة لتحقيق وإنفاذ ما يردون من هذا الغرض الخبيث ، وأشنع وأقبح من ذلك أنهم امتحنوا الناس بها .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى)(4/ 145)
(( فَتَمْثِيلُ اللَّهِ بِخَلْقِهِ وَالْكَذِبُ عَلَى السَّلَفِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُنْكَرَةِ سَوَاءٌ سُمِّيَ ذَلِكَ حَشْوًا أَوْ لَمْ يُسَمَّ. وَهَذَا يَتَنَاوَلُ كَثِيرًا مِنْ غَالِيَةِ الْمُثْبِتَةِ الَّذِينَ يَرْوُونَ أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةً فِي الصِّفَاتِ مِثْلَ حَدِيثِ " عَرَقِ الْخَيْلِ " و " نُزُولُهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ عَلَى الْجَمَلِ الْأَوْرَقِ حَتَّى يُصَافِحَ الْمُشَاةَ وَيُعَانِقَ الرُّكْبَانَ " " وَتَجَلِّيهِ لِنَبِيِّهِ فِي الْأَرْضِ " أَوْ " رُؤْيَتُهُ لَهُ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ " أَوْ " رُؤْيَتُهُ إيَّاهُ فِي الطَّوَافِ " أَوْ " فِي بَعْضِ سِكَكِ الْمَدِينَةِ " إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ. فَقَدْ رَأَيْت مِنْ ذَلِكَ أُمُورًا مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ وَالْكُفْرَانِ. وَأَحْضَرَ لِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ الْأَجْزَاءِ وَالْكُتُبِ مَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ مِنْ الِافْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ. وَقَدْ وَضَعَ لِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ أَسَانِيدَ؛ حَتَّى إنَّ مِنْهُمْ مَنْ عَمَدَ إلَى كِتَابٍ صَنَّفَهُ " الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ المقدسي " فِيمَا يُمْتَحَنُ بِهِ السُّنِّيُّ مِنْ الْبِدْعِيِّ. فَجَعَلَ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِمَّا أَوْحَاهُ اللَّهُ إلَى نَبِيِّهِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَمْتَحِنَ بِهِ النَّاسَ فَمَنْ أَقَرَّ بِهِ فَهُوَ سُنِّيٌّ وَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ فَهُوَ بِدْعِيٌّ وَزَادُوا فِيهِ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ أَشْيَاءَ لَمْ يَقُلْهَا هُوَ وَلَا عَاقِلٌ. )) ا.هـ
وهكذا لا تزال تلك الفتنة تسري في صفوف المسلمين ويتولد منهم من يحيها ويحمل جراثيمها وفيروساتها إلى المجتمعات المسلمة إما عن قصد أو جهل ، فما مقولة (أن الشيخ ربيعا المدخلي مضطرب متناقض في أحكامه) ، إلا من هذا القبيل والفساد ، فما أراد منها أصحابها إلا التشغيب على المنهج السلفي الذي يسير عليه الإمام ، والتشكيك في أصوله ، ورد انتقادات الشيخ في الجماعات والأفراد المبنية على البراهين المقنعة والأدلة الساطعة وموافقة علماء الأمة الطاهرة له .
فنقض هذه التشغيبة وبيان فسادها وبسط في ردها يحتمل كتابا ، لكن نشير إلى المهم منها .
الوجه الأول : إن من مميزات منهاج النبوة ـ منهج السلف ـ ثبات أهله على الحق وعدم تقلبهم .
أما أهل الأهواء فإن الواحد منهم يُصبح على ملة ويُظهر على ملة ويُمسي على ملة ، وما يزال يتقلب مع الآراء والأهواء لا يثبت على شيء ، لأنه لا شيء ثابت عنده ، وأما أهل السنة فعندهم الكتاب والسنة هما الحق الذي اعتقدوه وعملوا به ودعوا إليه وصبروا على الأذى فيه ، ولا يتركونه بحال أبدا ولا طرفة عين .([1] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=141958#_ftn1))
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى)(4/ 49 ـ 51) : (( أَنَّ مَا عِنْدَ عَوَامِّ الْمُؤْمِنِينَ وَعُلَمَائِهِمْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَالْيَقِينِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالْجَزْمِ الْحَقِّ وَالْقَوْلِ الثَّابِتِ وَالْقَطْعِ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ أَمْرٌ لَا يُنَازِعُ فِيهِ إلَّا مَنْ سَلَبَهُ اللَّهُ الْعَقْلَ وَالدِّينَ...
الْوَجْهُ الثَّانِي:
أَنَّك تَجِدُ أَهْلَ الْكَلَامِ أَكْثَرَ النَّاسِ انْتِقَالًا مِنْ قَوْلٍ إلَى قَوْلٍ وَجَزْمًا بِالْقَوْلِ فِي مَوْضِعٍ وَجَزْمًا بِنَقِيضِهِ وَتَكْفِيرِ قَائِلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهَذَا دَلِيلُ عَدَمِ الْيَقِينِ. فَإِنَّ الْإِيمَانَ كَمَا قَالَ فِيهِ قَيْصَرُ لَمَّا سَأَلَ أَبَا سُفْيَانَ عَمَّنْ أَسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " هَلْ يَرْجِعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ سَخْطَةً لَهُ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إذَا خَالَطَ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ " وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ - عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَوْ غَيْرُهُ -:" مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ ". وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ فَمَا يُعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَلَا صَالِحِ عَامَّتِهِمْ رَجَعَ قَطُّ عَنْ قَوْلِهِ وَاعْتِقَادِهِ بَلْ هُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ صَبْرًا عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ اُمْتُحِنُوا بِأَنْوَاعِ الْمِحَنِ وَفُتِنُوا بِأَنْوَاعِ الْفِتَنِ وَهَذِهِ حَالُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ كَأَهْلِ الْأُخْدُودِ وَنَحْوِهِمْ وَكَسَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ حَتَّى كَانَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: " لَا تَغْبِطُوا أَحَدًا لَمْ يُصِبْهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ بَلَاءٌ ". يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ لَا بُدَّ أَنْ يَبْتَلِيَ الْمُؤْمِنَ فَإِنْ صَبَرَ رَفَعَ دَرَجَتَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}، وَقَالَ تَعَالَى:{وَالْعَصْرِ إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} ...
وَبِالْجُمْلَةِ: فَالثَّبَاتُ وَالِاسْتِقْرَارُ فِي أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ أَضْعَافِ مَا هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ )) ا.هـ
أقول
فهذه الخصلة السلفية من تأملها في منهج الشيخ ربيع المدخلي ودعوته وجدها ظاهرة جلية فيه ،فما انتقده بالأمس في حياة الأئمة العظام على الإخوان والقطبية والسرورية والحدادية والحزبية بجميع أصنافها وتعدد مدارسها هو نفس ما ينتقده اليوم على من سار على أصولهم المحدثة من الحدادية الجدد والمميعة الهالكة ، بخلاف ما عليه خصومه ومنهم الحلبي الضائع المائع فالتلون والتقلب هو من أبرز سماته وأظهر علاماته ، ولك يا أيها القارئ الكريم أن تنظر في مواقفه الجديدة من نظرته في ردود الشيخ ربيع المدخلي على سيد قطب بأنها ردود فيها شدة وأنها سطحية بعدما كان يثني عليها ويعتز بها ويعترف بالاستفادة منها ، ودفاعه عن عدنان العرعور والمغراوي وغيرهما من الحزبية بعدما كان يصوب ردود ربيع المدخلي فيهم !!
فما الذي غيّره إن لم يكن هذا منه إلا التلون والتقلب والاضطراب في الدين الذي ذمه سلف الأمة ورمى به الشيخ ربيع بن هادي المدخلي!
الوجه الثاني : إن من أصول وقواعد أهل السنة والجماعة الدوران مع الحق حيث كان وحيث بان
فالعالم والحاكم السني يقضي ويحكم بنحو ما سمع ووصله من الحق ووقف عليه من الكلام ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّار» متفق عليه ، وقوله صلى الله عليه وسلم:" إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر " متفق عليه .
فبناء على ذلك تختلف أحكام العالم الواحد ومواقفه من الجماعات والأفراد والدعاة والرواة وتتعدد أقواله في المسائل الحديثية والفقهية والقضايا المستجدة وما ذاك إلا لتحريه الحق في هذه الأحكام والقضايا والمسائل وكينونته مع الحق حيث كان، فيأتي من يريد الفتنة أو من يجهل ذلك فيحكم على هذا العالم بالتناقض والاضطراب !
قال العلامة ربيع المدخلي في (براءة الأُمنَاء ممَّا يَـبـهـتُهم به أهلُ المَهَانَة والخِيَانة الجُهلاَء) : ((فقد يُخطِئُ العالِمُ في فهم كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام العلماء فلا يصفون فهمه إلاَّ بالخطإِ ويعتقدون أنَّ له أجراً واحداً نظير اجتهاده فإن أصاب الحقَّ فله أجران ...
فحال شيخ الإسلام كحال العلماء من الصحابة-رضوان الله عليهم- وغيرهم يُبدي رأيه في مسألة ثم يُغيِّر رأيه في موقف آخر وفتوى أخرى .
فيثاب على اجتهاده في الحالين فله أجران فيما أصاب فيه الحقَّ ,وله أجر واحد فيما أخطأ فيه ويعذره الله تعالى في خطئه كما في حديث عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر " متفق عليه .
وكم للأئمة غيره من أقوال مختلفة في مسائل، فقد يكون للعالم في المسألة قولان ،وقد يكون له أقوال ،وكتب العلم مليئة بهذا ؛ فالشافعي له مذهبان قديم وجديد ولأحمد أقوال في مسائل كثيرة معروفة ومدونة ولأبي يعلى كتاب في هذا .
بل قد يكون للإمام أحمد في قضية واحدة خمسة أقوال، وكل ذلك دليل على خوفه من
الله وعلى تحرِّيه للحقِّ ،فتحريه للحقِّ لا يمنعه أن يُخالف اليوم ما قاله بالأمس إذا تبيَّن له أنَّ قوله الأول خطأ . )) ا.هـ
وقال حفظه الله في (النصر العزيز ) منتقدا عبدالرحمن عبدالخالق فيما نسبه إلى الإمام ابن باز ـ رحمه الله ـ من أنه يدافع عن جماعة التبليغ ويثني عليهم : ((إن الشيخ ابن باز سلفي وإمام في السلفية وموقفه من البدع وأهلها موقف سلفي وموقفه من تفرق الأمة وتحزبها سلفي...
فإن حصل منه لين موقف من جماعة التبليغ فإن لذلك أسبابه من ذلك ما أشار إليه الشيخ حفظه اللـه بقوله : "والناس فيهم بين قادح ومادح" .
ومعروف مكر أهل البدع ومنهم جماعة التبليغ فقد جندوا من يخدمهم عند الشيخ ابن باز ممن يلبس لباس السلفية فيطنب في مدحهم ويسهل لجماعاتهم ووفودهم الدخول على الشيخ ابن باز فتتظاهر هذه الجماعات والوفود من مشارق الأرض ومغاربها بالسلفية فيصورون له أعمالهم في صورة أعمال سلفية عظيمة، ويبالغون فيها وينفخون فيها بكل ما أوتوا من خيالات كاذبة ، كل ذلك باسم الإسلام فيذكرون أعداداً عظيمة من الكفار قد أسلموا على أيديهم، وفساق تابوا على أيديهم و. .و. . و . .بصفة دائمة، والسلفيون لا يتكلمون فيهم عند الشيخ إلا لماما، ولا عتب على الشيخ إذا تعاطف معهم بعض تعاطف بسبب ما قدموه له على الوجه الذي شرحناه فهذا رسول اللـه صلى الله عليه وسلم يقول : " إنما أنا بشر إنه يأتيني الخصم ، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ، فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها" وفي لفظ " فاقضي له على نحو مما أسمع " متفق عليه .
فإذا كان هذا حال رسول اللـه صلى الله عليه وسلم فكيف بغيره ؟!
فإذا كان الشيخ ابن باز قد قضى في جماعة التبليغ على نحو مما يسمع وصدق من زكاهم بناء على ظاهر حالهم فيعذر ، ولكن من خالطهم وعرف حقيقتهم عن كثب أو درس مؤلفات شيوخهم فعرف ما فيها من ضلالاتهم لا يجوز له السكوت عنهم بل عليه أن يحذر منهم كما حذر رسول اللـه r من أهل البدع وحذر منهم السلف الصالح )) ا.هـ
وقال في ( منهج الإمام مسلم في ترتيب كتابه الصحيح) : ((والذي يحكم في قضية لا يجوز له أن يحكم إلا في حدود علمه، وعلى نحو مما يقرأ ويسمع على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار " .
والشاهد منه " إنما أنا بشر " إلى قوله : " فأقضي على نحو ما أسمع " فعلى أي شخص تولى الفصل في قضية أن يحكم بعلم، وعليه أن يتحرى الوسائل التي توصله إلى العلم بجوانب تلك القضية .
فإذا توفرت له الوسائل التي توجب عليه أن يفصل فيها وجب عليه أن يفصل فيها في ضوء تلك المعلومات .
فإن لم يحكم بالحق الذي يعلمه بل حكم بما لا يعلم كان جائرًا ظالمًا من أهل النار، وإن حكم فيها بدون تحر وبجهل كان جائرًا ظالمًا من أهل النار .
وإن حكم بما يعلم في ضوء الأدلة التي يسمعها ويقرؤها كان عدلاً مستقيماً منصفاً من أهل الجنة ))
وقال الإمام الترمذي ـ رحمه الله ـ في ( العلل)(2/ 558) : (( وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال كما اختلفوا في سوى ذلك من العلم.))
فبناء على هذا التقرير والتوضيح نزن ونعرض مواقف وكلام وأحكام الشيخ ربيع المدخلي فيما تكلم وحكم عليه في القضايا والأشخاص ، لا أن نأتي جزافا وندعي ونحكم عليها بأنها متناقضة ومضطربة !
فالشيخ ربيع المدخلي مثله كمثل غيره من أئمة السنة والحديث فهو يحكم بنحو ما يسمع ويقف ويطلع عليه من الكلام والأقوال والأحداث
فمثلا مما أدعي أنه تناقض واضطرب فيه أنه يمنع من الأخذ والنقل عن أهل البدع ، وهو مع ذلك يستشهد وينقل من كلامهم في تقرير العلم كما نقل عن سيد قطب .
فهذه واحدة مما أزبد وأرغد بها المميعة على الشيخ ربيع المدخلي وحكموا عليه بسببها بالتناقض كما هو حالهم في مقالهم (الوجه الآخر لموقف الشيخ ربيع المدخلي من أهل الأهواء والبدع : اضطراب أم تلاعب ؟!!! ) ، مع أن الشيخ ـ حفظه الله ورعاه ـ دفع ما يوهم تناقضها في كتابه (انقضاض الشهب السلفية على أوكار عدنان الخلفية) ، حيث قال : ((والمسلم إنما عليه أن يحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما هو قطعة من النار ".
فإذا كان أعلم الخلق وسيد الرسل يحكم على نحو مما يسمع، وقد يكون الواقع في الباطن بخلافه، فماذا عسى أن يكون غيره؟
إنه لا مؤاخذة عليّ فيما علقته في ذلك الوقت على كلام سيد قطب الذي يظهر لأي مسلم أنه حق وصواب وموافق لمنهج الأنبياء ومنهج السلف الصالح.
ثم لماَّ تبين لي من دراسة عقائد سيد قطب، ومن تفسيره الفاسد لدعوات الأنبياء، التي أخبرنا الله عنها في الكتاب العزيز، ومن تفسيره الفاسد لكلمة " لا إله إلا الله " التي جاء بها الرسل جميعاً، وتبين لي مخالفاته الكثيرة والعميقة، شمّرتُ عن ساعد الجد لبيان ما عنده من الضلالات.
فبدأت بحذف هذا التعليق، لأنه مبني على ظاهر كلامه، وقد تبين لي أنه لا يقصد بما يسميه العقيدة الإسلامية الصحيحة عقيدة الأنبياء وعقيدة السلف الصالح.
وإنما يقصد ما يراه هو صحيحاً من تعطيل صفات الله، وما يعتقده هو صحيحاً من تفسيره " لا إله إلا الله " بالحاكمية، والاستعلاء، والسيطرة، والخلق، إلى آخر تفسيراته الفاسدة.
حذفتُ هذا التعليق من أجل هذا وغيره من أول فرصة سنحت لي في الطبعة الثانية لكتابي " منهج الأنبياء " عام 1414 هـ. ))
وأيضا مما أدعي على الشيخ أنه تناقض واضطرب فيه أنه ينهي عن تعامل وتعاون مع أهل البدع وهو قد مشى وانخرط في صفوفهم ودخل معهم !
فهذا من أوهى الشبه وأضعف الأسلحة التي يتشبث بها أهل الضلال والتمييع والحزبية للتشغيب على الشيخ ربيع المدخلي ، ولا يتمسك بها إلا من أفلس عن الحجج والبراهين من أمثال الحلبي ومن كان على شاكلته ، ويكفي في نقضها وردها نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة الدالة والحاثة على هجر أهل البدع والتحذير منهم ومنابذتهم ، فكفى كل مسلم حجة في نقض هذه الشبهة هذه المصادر الثلاثة .
وأيضا مما ينقض ويدمر فساد هذه التشغيبة البائرة أن تعرف يا أيها القارئ الكريم أن دخول الشيخ ربيع المدخلي مع الإخوان المسلمين ما كان إلا لنصحهم ودعوتهم إلى رحاب المنهاج النبوي ، وليخبر بدعتهم ويعرف أخلاقهم ومنهجهم الذي يسيرون عليه، فكانت مخالطته لهم أضر ما يكون عليهم ، وخير للأمة الإسلامية وشبابها ، حيث أنه عرف تفاصيل ما عندهم من الفساد والبلاوي التي لا يعرفها إلا من خالطهم وعاشرهم ، فكانت النتيجة بعد غربلة ما عندهم ، أنه أظهر وبيّن باطلهم وحصد ضلالهم وكشف حيلهم ، فانتفعت الأمة الإسلامية بكتاباته في الإخوان المسلمين ورموزهم أيما انتفاع وسد أعظم ثغرة من ثغور المسلمين ، كما شهد له بذلك أئمة الإسلام .
قال الإمام مقبل الوادعي ـ رحمه الله ـ : ((الشيخ ربيع له خبرة بمعرفة الواقع لأنه عاش مع الإخوان المفلسين زمناً طويلاً والحمد لله هو أحسن من يعالجون الأمور وينكر على المبتدعة ابتداعهم فأسال الله أن يحفظه)).
وقال (( مِنْ أبصر الناس بالجماعات وبدخن الجماعات في هذا العصر الأخ الشيخ ربيع بن هادي -حفظه الله- ))
وقال : (( الشيخ ربيع بن هادي المدخلي فهو آية من آيات الله في معرفة الحزبيين لكن لا كآيات إيران الدجالين )) ([2] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=141958#_ftn2))
فحق أن يلقب الشيخ ربيع بن هادي المدخلي بيحيى بن معين هذا الزمان ([3] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=141958#_ftn3)) لخبرته بالجماعات الحزبية ودعاتها وما اكتسب هذه الخبرة إلا بدخوله معهم ومخالطته لهم وجمعه ما عندهم من الأخبار صحيحها وضعيفها وغربلتها ، كما هو شأن الإمام يحيى بن معين أنه كان يجمع الأخبار صحيحها وضعيفها ليعرفها ويميزها كما ذكر ذلك عنه الإمام ابن حجر ـ رحمه الله ـ في ( تهذيب التهذيب)( 1 / 56 ) ، فيما نقله عن الخليلي أنه حكى في " الإرشاد " بسند صحيح ، أن أحمد قال ليحيى بن معين ، وهو يكتب عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبان نسخة : تكتب هذه وأنت تعلم أن أبان كذاب ؟ فقال : يرحمك الله يا أبا عبد الله ، أكتبها وأحفظها حتى إذا جاء كذاب يرويها عن معمر, عن ثابت ، عن أنس ، أقول له : كذبت إنما هو أبان. )) ا.هـ
وهذا العمل لا يقوم به الشباب الذين نهى الشيخ عن مجالستهم واختلاطهم لأهل البدع ، إنما يقوم به الجهابذة الذين رسخت أقدامهم في السنة من أمثال ابن باز والألباني وابن عثيمين وربيع المدخلي والفوزان والنجمي ومقبل الوادعي ومن كان في طبقتهم وإمامتهم .
فبهذا تبين أنه لا تعارض ولا تناقض بين مخالطة الشيخ ربيع المدخلي للإخوان لدعوتهم ومعرفة ما عندهم من الفساد والشر وبين نهيه للشباب والعامة من جلوسهم إلى أهل البدع ومخالطتهم لهم والأخذ عنهم ، وإلا حكمنا على أئمة الحديث ومنهم يحيى بن معين بالتناقض والتعارض .
وقد أحسن وكفى وشفى العلامة الفقيه المبجل زيد بن محمد بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ في نقض هذه الفرية التي رمي بها الشيخ ، حيث قال في كتابه القيم (الإرهاب وآثاره السيئة على الأفراد والأمم)(ص 73 ـ 75): (( أقول لمحمد سرور : لقد اعتبرت دخول ([4] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=141958#_ftn4)) الشيخ ربيع بن هادي المدخلي في صفوف الإخوان المسلمون برهة من الزمن ثم تركه لهم وتخليه عنهم وعن منهجهم عيبا من عيوبه ، وفرصة سنحت لك ولأمثالك من العاجزين عن الحجج المعقولة والمنقولة لتنتقدوه ، فأين حجتك الشرعية على أن من وقع في خطأ ما بمفرده أو مع جماعة ما بحسن نية أو غير ذلك ثم ترك الخطأ جملة وتفصيلا احتسابا لوجه الله رجاء رحمته سبحانه وخشية عقابه ، ثم حذر منه المسلمون ، أنه ارتكب محظورا يصح أن يلام عليه ؟ ! بل إنه يجب أن يشكر على تقديمه الهدى على الضلال وإيثاره الحق على الباطل والتماسه رضا الله بسخط الناس .
أين الفهم يا سرور للنصوص التي تدل على ان الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ، وأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ؟ !....
والخلاصة : أنه تخلى عنهم وعن منهجهم وبيّن سلبيته التي لا تطيق أحد من الدعاة إلى الله على منهج السلف أن يطبق واحد منها .
وإذا كان الأمر كذلك فإنني أسأل محمد سرور : هل عابه أحد من العلماء السلفيين على خروجه من حزب الإخوان المسلمون ، أو لامه منهم لائم ؟ كلا .
وإذن لماذا وجه اللوم الشديد بأسلوب التهكم والسخرية إلى الشيخ ربيع بن هادي عمير المدخلي ، لأنه خرج من صفوف الإخوان لما رأى فيهم مثل ما رأى محمد سرور أو أعظم ، ثم بين خطر تنظيمهم السري لا سيما في الدول التي تحكم بشرع الله الكريم وتنصر منهج السلف الصالحين ، وخرج منهم مثل ما خرج محمد سرور ؟ !
ولكن إلى أين خرج محمد سرور ؟ وإلى أين خرج الشيخ ربيع المدخلي ؟
وبالرجوع إلى مؤلفات كل واحد منهما تظهر الحقيقة جلية ، ويتضح المنهج تماما ))
وأيضا مما يؤكد من المنع والنهي عن مخالطة أهل البدع والتعامل معهم والتقارب إليهم ما بان وظهر من الفساد الوخيم من مخالطتهم السابقة لأهل السنة وتسلطهم على عقول الشباب السلفي في عقر دارهم لما فتحت البلاد السنية أبوابها لهم فخانوها .
قال العلامة ربيع المدخلي : ((الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله , لما فتحت المعاهد والجامعة الإسلامية وكلية الشريعة في وقته في الرياض , احتاج إلى بعض أهل البدع فجاء بهم فما كان يضعهم إلا في اللغة وما حولها فقط وما يستطيع أحد يتنفس وكان إذا تحرك أحدهم ينبس بكلمة من البدع , يطرده فإذا احتجنا إلى هذا النوع ممن لا يدعوا إلى بدعته وصممنا ووطنا أنفسنا أنه إذا خالف ودعا إلى بدعته يطرد فلا بأس ، أما أن نتخذه إماماً وقديساً وداعياً و..و... الخ
ومع ذلك , مع تحكم الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله فقد خان أهل البدع خانوا الأمانة التي ائتمنوا عليها فدسوا بدعهم , وأفكارهم الثورية التخريبية , في كثير من الشباب فحيث تجلى لنا خطرهم , وظهرت آثارهم الخبيثة .
فمن الحزم ألا نأخذ عنهم أبداً لأنهم احتجنا إليهم وتعاونا على شيء ، أعانونا على بعض مما نحتاج إليه
خانونا ودسوا سمومهم بدعهم وضلاهم فآثارهم الآن واضحة بادية ، وربما لو أدرك من كان في عهد الشيخ محمد أن الأمور ستؤدي إلى هذا , والله ما كانوا يفعلون هذا ، وما كانوا ليتوسعوا في المدارس حتى يحتاجوا إلى أهل البدع فحصل التوسع وكانت احتياطات كثيرة بقدر وسعهم
ومع هذا فقد خان أهل البدع ودسوا أفكارهم الخبيثة وسربوا كتبهم المدمرة فكان من ثمارها
شر وبيل وخطير يعصف بشباب الأمة وخلافات وعداوات وشنآن وبغضاء وأحقاد لا يعلمهم إلا الله بعد أن كانوا كلهم على قلب رجل واحد فهذه التجربة تكفينا و" السعيد من وعظ بغيره "
و" لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين" )) ا.هـ ([5] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=141958#_ftn5))
فبالله عليكم من خاض هذه التجربة وعرف فسادها وأمراضها وما يترتب عليها من المحن والإحن وتألم منها عن كثب، فحذر شباب الأمة الإسلامية من أن يقعوا فيها وفي شباكها يكون متناقضا مضطربا ؟!
فنترك لك الجواب والحكم يا أيها القارئ الكريم ؟
وأيضا مما أدعي أنه تناقض واضطرب فيه من أنه يذكر رجلا بخير ويثني عليه ، ثم إذ به يرد عليه ويجرحه ويحذر منه !
فكم عج وضج أصحاب القلوب المريضة بهذه الشبهة الواهية وضربوا على ذلك أمثلة بأناس كان الشيخ ربيع المدخلي يثني عليهم ويزكيهم لما كانوا يبدونه من الحق ويظهرونه فلما ظهر منهم التقلب والتلون والانحراف حذر منهم ونصح بابتعاد عنهم ، فيأتي أهل التشغيب والتشويش فيدعُون أن الشيخ ربيعا المدخلي متناقض في أحكامه مضطرب في أقواله ، مع أن المنهج السلفي والكينونة مع الحق يوجب هذا التغير في الحكم على الرجال على حسب ما هم عليه من الحق وبعدهم عنه .
قال الحافظ البيهقي ـ رحمه الله ـ في (دلائل النبوة)(1/ 47)
(( ومن أمعن النظر في اجتهاد أهل الحفظ في معرفة أحوال الرواة، وما يقبل من الأخبار، وما يردّ علم أنهم لم يألوا جهدا في ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ الابن يقدح في أبيه إذا عثر منه على ما يوجب ردّ خبره، والأب في ولده، والأخ في أخيه، لا تأخذه فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، ولا تمنعه في ذلك شجنة رحم ولا صلة مال. والحكايات عنهم في ذلك كثيرة )) ا.هـ
فهذا مما لا يتنازع فيه اثنان ولا يتناطح فيه عنزان ، ولكن أهل الفتن والتشويش تجدهم يشغبون في مسلمات المنهج السلفي وما كان عليه أئمة الحديث قديما وحديثا إرادة الفتنة ونشر البدعة وتفريق الأمة .
ثم لنسلم جدلا أن الشيخ ربيعا المدخلي تضاربت أقواله واختلفت أحكامه في رجل واحد ، فما هو موقف طالب العلم نحو هذا الاختلاف ؟
هل يجتهد في جمع كلام الشيخ ويعرف أخر أقواله في ذلك الرجل وما الصواب منها ، أم أنه يعرض عن ذلك ويحكم عليه بالتناقض والاضطراب ؟
فإن كان الثاني فهذا مما لا يوجبه ويتلاءم مع سنن وقوانين هذا العلم الشريف ـ النقد ـ وآدابه وضوابطه ، بل هو من طرائق أهل الظلم والبغي والجهل ، وإذا كان كذلك فما بقي من إنصاف طالب العلم ونزاهته وتقواه إلا أن يصير إلى جمع كلام الشيخ ويعرف الصواب والحق منه ، فهذا مما ينبغي أن يصير إليه المسلم العاقل التقي المنصف في مثل هذه المسائل والمقامات .
قال الشيخ عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم العبد اللطيف ـ رحمه الله ـ في ( ضوابط الجرح والتعديل)(ص 43 ـ 44 ) : ((وأما إذا تعارض الجرح والتعديل الصادران من إمام واحد، فلذلك حالتان. هما:
الحالة الأولى:
أن يتبين تغيرُ اجتهاد الإمام في الحكم على ذلك الراوي، فالعمل حينئذ على المتأخر من قوليه.
ومن ذلك قول عباس الدُّوري في ترجمة ثواب بن عتبة: ((سمعت يحيى يقول: "شيخ صدق" فإن كُنْتُ كتبتُ عن أبي زكريا (يحيى بن معين) فيه شيئاً، أنه ضعيف، فقد رجع أبو زكريا وهذا هو القول الأخير من قوله)) ([6] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=141958#_ftn6)).
والحالة الثانية:
أن لا يتبين تغيُّرُ اجتهاد الإمام في حكمه على الراوي، فالعمل على الترتيب التالي:
أ ـ يُطْلبُ الجمع بين القولين إن أمكن، كأن يكون التوثيق أو التضعيف نِسْبياً لا مطلقاً، فإن المعدِّل قد يقول: (فلان ثقة) ولا يريد به أنه ممن يُحْتجُّ بحديثه وإنما ذلك على حسب ما هو فيه ووجه السؤال له، فقد يُسألُ عن الرجل الفاضل المتوسط في حديثه فيُقْرَنُ بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان وفلان وفلان؟. فيقول: (فلان ثقة) يريد أنه ليس من نمط من قُرنَ به([7] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=141958#_ftn7))، وقد يُقْرنُ بأوثقَ منه فيقول: (فلان ضعيف) أي بالنسبة لمن قُرِنَ به في السؤال، فإذا سئل عنه بمفرده بيَّن حاله في التوسط.
فقد سأل عثمان الدارمي يحيى بن معين عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه. فقال: ((ليس به بأس. قال: قلت: هو أحب إليك أو سعيد المقْبُري؟ فقال: سعيد أوثق والعلاء ضعيف))([8] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=141958#_ftn8)).
فتضعيف ابن معين للعلاء إنما هو بالنسبة لسعيد المقْبُري وليس تضعيفاً مطلقاً([9] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=141958#_ftn9)).
ب ـ إذا لم يمكن الجمع، طُلِب الترجيح بين القولين بالقرائن، كأن يكون بعضُ تلاميذ الإِمام أكثر ملازمة له من بعض، فتقدَّم روايةُ الملازم على رواية غيره، كما هو الشأن في تقديم رواية عباس الدُّوري عن ابن معين لطول ملازمته له([10] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=141958#_ftn10)).
جـ ـ إذا لم توجد قرينة خاصة يرجّح بها فيؤخذ بأقرب القولين إلى أقوال أهل النقد وبالأخص أقوال الأئمة المعتدلين.
د ـ إذا لم يتيسّر ذلك كله فالتوقف حتى يظهر مرجّح. )) ا.هـ
فبناء على هذه القواعد الحديثية نزن كلام الشيخ ربيع المدخلي فيما تكلم فيه على الأشخاص والقضايا والمستجدات ونخرج بنتيجة ، أم أن يأتي من يجازف ويغامر ويحكم عليها بالتعارض والتناقض والاضطراب على حسب ما يمليه عليه هواه ومصلحته ونحلته فهذا مما لا يقبله الشرع ويرفضه العقل الصحيح والفطر السليمة .
الوجه الثالث : إننا إذا قررنا فيما قررناه في الوجهين السابقين هذا لا يعني أننا ندعي في شيخنا وقدوتنا ربيع المدخلي ـ حفظه الله ورعاه ـ العصمة وأنه لا يخطئ أو أنه لا يعثر ، فهذا لا يقول به عاقل أو يتفوه به ممن يحترم المنهج السلفي وعرف أصوله ، فشأن شيخنا ربيع بن هادي المدخلي شأن سلفنا الصالح وأئمة الإسلام وقدوة الأنام قديما وحديثا فما من أحد منهم إلا ويصيب ويخطئ ويعرف ويجهل وتغيب عنه السنة ، ولكنهم" هم أَكْثَرُ النَّاسِ صَوَاباً، وَأَنْدَرُهُمْ خَطَأً، وَأَشَدُّهُم إِنصَافاً، وَأَبْعَدُهُمْ عَنِ التَّحَامُلِ "([11] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=141958#_ftn11))
قال العلامة المعلمي ـ رحمه الله ـ في (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل)(1/ 56)
(( وأئمة العلم متثبتون ولكنهم غير معصومين عن الخطأ )) ا.هـ
فهذا مما يوجب تقديرهم وإجلالهم وتبجيلهم واحترامهم من غير التعصب لهم أو اتباعهم فيما جانبوا فيه الصواب .
قال العلامة محمد بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ في كتابه ( الإقناع بما جاء عن أئمة الدعوة من أقوال في الاتباع)(ص 108) ناقلا عن العلامة الفقيه المحدث الأصولي الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب ـ رحمهم الله ـ في هذا الشأن : (( ولسنا نقول: إن الأئمة على خطأ، بل هم إن شاء الله على هدى من ربهم، وقد قاموا بما أوجب الله عليهم من الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ومتابعته، ولكن العصمة منتفية عن غير الرسول، فهو الذي {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}[سورة النّجم: 3-4] . )) ا.هـ ([12] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=141958#_ftn12))
وقال الشيخ محمد في (ص 109) : (( فاحترامهم شيء ، والغلو فيهم إلى درجة ادعاء العصمة لهم شيء آخر ، فهذا الذي نعتقده ، وندين الله تعالى به .
ومن نسب إلينا غيره ، أو نسبنا إلى غيره فهو مفتر )) ا.هـ
وقال في (ص 114) ناقلا عن الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب قوله في رسالته التي بعث بها إلى الشيخ عبدالعزيز الحصين مجيبا عن المسائل التي سأل عنها حول ( الزكاة والمضاربة والنقود المغشوشة) : ((فينبغي، للمؤمن أن يجعل همه ومقصده معرفة أمر الله ورسوله مسائل الخلاف، والعمل بذلك .
ويحترم أهل العلم ويوقرهم ولو أخطئوا، لكن لا يتخذهم أربابا من دون الله هذا طريق المنعم عليهم. أما اطراح كلامهم وعدم توقيرهم فهو طريق المغضوب عليهم. وأما اتخاذهم أربابا من دون الله، إذا قيل قال الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل هم أعلم منا ، فهذا هو طريق الضالين )) ا.هـ ([13] (http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=141958#_ftn13)) ، والحمد لله رب العالمين

كتبه : بشير بن عبدالقادر بن سلة الجزائري


([1]) انظر كتاب ( دعائم منهاج النبوة)(ص 65 ـ 68) للشيخ المفضال محمد رسلان ـ حفظه الله ورعاه ـ

([2]) ( الثناء البديع من العلماء على الشيخ ربيع)(ص 26 ـ 28 / ط : مكتبة أهل الحديث)

([3]) كما شهد له بذلك العلامة محمد بن عبدالوهاب البنا ـ رحمه الله ـ

([4]) قال الشيخ تعليقا في الهامش : (( المعروف أن دخول الشيخ ربيع في الإخوان أول الأمر كان لغرض شريف وهو ليدعوهم إلى تطبيق المنهج السلفي في الدعوة إلى الله وفي باب الجهاد والولاء والبراء بل وفي كل ما يأتي المكلف وما يذر من أمر الله ونهيه ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم والتأسي به في كل قول وفعل واعتقاد وأدب ))

([5]) ( فتاوى فضيلة الشيخ ربيع المدخلي)(2/54 ـ 55)

([6]) التاريخ 4/272.

([7]) انظر: لسان الميزان 1/17.

([8]) تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي عن أبي زكريا يحيى بن معين ص 173 ـ 174.

([9]) انظر: فتح المغيث 1/377.

([10]) ومن قرائن الترجيح أيضاً: كثرة الناقلين لأحد القولين عن الإمام، وكون أحد القولين أصح إسناداً إلى ذلك الإمام من القول الآخر.


([11]) (سير أعلام النبلاء)(1/ 79)

([12]) انظر (تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد )(ص: 475)

([13]) انظر ( مجموعة الرسائل النجدية)(1/12)