أبو البركات مجد بن مصطفى الحنبلي
22-Apr-2014, 12:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فقه من أراد به خيرا في الدين وشرع أحكام الحلال والحرام في كتابه المبين وأعز العلم ورفع أهله العاملين به المتقين أحمده وأشكره على نعمه التي لا تحصى وإياه استعين وأستغفره وأتوب إليه إن الله يحب التوابين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي مهد قواعد الشرع وبينها أحسن تبيين صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد : -
فقد كنت قد كتبت أوراقاً مسلياً بها على نفسي بعد ضيق أصابني مما رأيت في هذا الزمان من التصدر للفتاوى والردود لمن هو ليس بأهل لذلك فاشتملت تلكم الأوراق على ذكر بعض الأيات والأحاديث والآثار في بيان خطورة الإفتاء بغير علم فأحببت أن أتحف بها إخواني في هذا المنتدى الطيب لكي أدع الناظر فيها عساه أن يجد فائدة أويقييد ملاحظة أو يضيف فائتة آملاً المعاملة بعين الإنصاف لا بعين السخط أو الرضا والاعتساف فقد قال عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب رحمني الله وإياه :-
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ** كما أن عين السخط تبدي المساويا
فإليك ما كتبته :-
يقول الرب تبارك وتعالى في كتابه : ((وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ .مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )) روى يعقوب بن شيبة رحمه الله في المعرفة والتاريخ(1/670)أن رجلاً رأى ربيعة بن عبد الرحمن –رحمه الله- يبكي فقال له : ما يبكيك ؟ فقال : استفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم قال ربيعة : ولبعض من يفتي هاهنا أحق بالسجن من السراق )) ورواه أيضا ابن عبد البر رحمه الله في الجامع وغيره
وما بكاءه رحمه الله إلا لخطر هذا الأمر وعظيم جرمه على المفتي بغير علم ومستفتيه وعلى كل من يثق بمثل هؤلاء المتعالمين وما أحسن ما قاله العلامة القيم ابن القيم رحمه الله فيهم :-
هذا وإنى بعد ممتحن بأر ** بعة وكلهم ذوو أضغان
فظ، غليظ، جاهل متمعلم ** ضخم العمامة واسع الأردان
متفيهق، متضلع بالجهل، ذو ضلع ** وذو جلح من العرفان
مزجى البضاعة فى العلوم وإنه ** زاج من الإيهام والهذيان
من جاهل متطبِّب يفتي الورى ** ويحيل ذاك على قضا الرحمن
ما عنده علم سوى التكفير والتبـ ** ديع والتضليل والبهتان
و لا يحسب من تصدر لهذا الأمر قبل أوانه أنه قد نال الدرجات الرفيعة بل قد سارع بإسقاط نفسه بنفسه ورحم الله قتادة حيث قال : ( من حدث قبل حينه افتضح في حينه ) كما في التعالم وأثره للشيخ بكر أبي زيد رحمه الله (ص10)
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله في كتابه الفقيه والمتفقه(2/350):وقل من حرص على الفتوى , وسابق إليها , وثابر عليها إﻻ قل توفيقه ,واضطرب في أمره , وإذا كان كارهاً لذلك غﯿر مختار لها, ما وجد مندوحة عنه, وقدر أن يحيل باﻷمر فيهاعلى غيره, كانت المعونة له من اﷲ أكثر , والصلاح في فتواه وجوابه أغلب )
وإني ذاكرٌ لك أيها القارئ الكريم –إن شاء الله- في هذه الأوراق بعض الأدلة من الكتاب والسنة في تحريم الفتوى بغير علم وشيئاً يسيراً مما كان عليه حال السلف في ذلك الأمر فأقول مستعيناً بالله تعالى :-
يقول الله تعالى : ((قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ))
قال ابن القيم رحمنا الله وإياه في هذه الآية :
وقد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء ، وجعله من أعظم المحرمات بل جعله في المرتبة العليا منها أ.ه إعلام الموقعين (1/36)
ويقول تعالى : ((وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ))
قال العلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمنا الله وإياه :-
ويشمل ذلك قوله : رأيت ، ولم ير . وسمعت ، ولم يسمع ، وعلمت ، ولم يعلم . ويدخل فيه كل قول بلا علم ، وأن يعمل الإنسان بما لا يعلم ، وقد أشار جل وعلا إلى هذا المعنى في آيات أخر ; كقوله : إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون أ.ه أضواء البيان ( 3/145)
والقول على الله بلا علم يشمل الفتوى بغير علم لأن المفتي موقع عن الله عز وجل فقد قال الإمام ابن القيم :-
وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات أ.ه اعلام الموقعين عن رب العالمين (1/10)
وقال العلامة ابن عثيمين رحمنا الله وإياه :-
معبر عن الله لأنه يتكلم عن أحكام الله في عباد الله ومعبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن العلماء ورثة الأنبياءأ.ه كما في فتاوى نور على الدرب
ويقول تعالى : ((وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ .مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ))
قال الشوكاني رحمه الله :-
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال : قرأت هذه الآية في سورة النحل { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حلال وهذا حَرَامٌ } إلى آخر الآية ، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا
قلت – أي الشوكاني- : صدق رحمه الله ، فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتياً من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو في سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما يقع كثيراً من المؤثرين للرأي المقدّمين له على الرواية ، أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنّة كالمقلدة ، وإنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاويهم ويمنعوا من جهالاتهم ، فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا هدى ولا كتاب منير ، فضلوا وأضلوا ، فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل :
كبهيمة عمياء قاد زمامها ... أعمى على عوج الطريق الجائر
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال : عسى رجل أن يقول : إن الله أمر بكذا ، أو نهى عن كذا ، فيقول الله عزّ وجلّ له : كذبت . أو يقول : إن الله حرّم كذا أو أحلّ كذا ، فيقول الله له : كذبت أ.ه فتح القدير ( 3/201)
ويقول تعالى :((قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ))
قال الإمام الطبراني رحمه الله - في التفسير المنسوب إليه– عند هذه الآية :-
أي ما ظَنُّ الذين يَكْذِبُونَ على اللهِ في التحليل والتحريمِ ماذا يفعلُ بهم يومَ القيامةِ ، أتَظنُّون أن اللهَ لا يعاقبُهم على افترائِهم عليه ؟
وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا ، فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا ))
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((من أفتى بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على الذي أفتاه ...)) رواه ابن ماجه والحاكم وحسنه الألباني في صحيح الجامع رحم الله الجميع برقم (6068)
قال البراء بن عازب رضي الله عنه : لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتوى ) رواه الخطيب في الفقيه والمتفقه
وروى ابن المبارك رحمه الله في الزهد أن ابن عمر رضي الله عنهما سئل عن شيء ثم قال : أتريدون أن تجعلوا ظهورنا جسوراً لكم في جهنم أن تقولوا أفتانا ابن عمر بهذا )
قال عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله : (( أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول )) وفي رواية : (( ما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أخاه كفاه إياه ، ولا يستفتي عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا )) رواه ابن سعد في الطبقات (1/110) ، و الدارمي في سننه (1/53)
وجاء عن الشعبي والحسن وأبي حَصين رحمهم الله أنهم قالوا : (( إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لجمع لها أهل بدر )) ذكره البغوي في شرح السنة (1/305) وغيره عن أبي حَصين الأسدي وقال ابن حمدان الحنبلي رحمه الله في صفة الفتوى والمفتي والمستفتي (ص7) : ونحوه عن الشعبي والحسن
وقال عبد الله بن أحمد كنت أسمع أبي كثﯿراً ﯾسأل عن المسائل فيقول ﻻ أدري وذلك إذا كانت مسألة فيھا اختلاف وكثيراً مما كان ﯾقول سل غيري فإن قيل له من نسأل ﯾقول سلوا العلماء وﻻ ﯾكاد ﯾسمي رجلاً بعينه أ.ه كما في مسائله لأبيه رحمهما الله ص438
وكان نبينا عليه الصلاة والسلام إن سئل عن شيء لا يعلمه قال : ( لا أدري )
فقد روى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ (http://library.islamweb.net/hadith/RawyDetails.php?RawyID=2096)، أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : أَيُّ الْبِلادِ شَرٌّ ؟ قَالَ : " لا أَدْرِي " , فَلَمَّا أَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَا جِبْرِيلُأ َيُّ الْبِلادِ شَرٌّ ؟ قَالَ : لا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّي , فَانْطَلَقَ جِبْرِيلُ فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : " يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ سَأَلْتَنِي : أَيُّ الْبِلادِ شَرٌّ ؟ قُلْتُ : لا أَدْرِي ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَقُلْتُ : أَيُّ الْبِلادِ شَرٌّ ؟ قَالَ : أَسْوَاقُه رواه أحمد وغيره وحسنه الألباني في تحقيقه لصفة الفتوى لابن حمدان رحم الله الجميع
واقتدى به صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام رضي الله عنهم و تابعوهم وتابعوا تابعيهم وإليك بعض الأخبار عنهم
قال الزهري عن خالد بن أسلم أخي زيد بن أسلم رحمة الله عليهما قال : كنا مع ابن عمر فسأله أعرابي أترث العمة ، فقال لا أدري قال : أنت لا تدري قال نعم اذهب إلى العلماء فاسألهم فلما أدبر الرجل قبل ابن عمر يده فقال : ( نعما ما قال أبو عبد الرحمن : سئل عن ما لا يدري ، فقال لا أدري ) كما في الآداب الشرعية لابن مفلح رحمه الله (2/135)
وسئل الشعبي رحمه الله عن مسألة فقال: لا أدري: فقيل له: ألا تستحي مِن قول "لا أدري" وأنت فقيه العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالوا: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) أ.ه ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين (4/218)
قال الهيثم بن جميل رحمه الله : (( شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها : لا أدري )) ذكره القاضي في ترتيب المدارك (1/146) ، والذهبي في سير أعلام النبلاء (8/77)
وقال أحمد في رواية المروذي ( ليس كل شيء ينبغي أن يتكلم فيه وذكر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يسأل فيقول : لا أدري حتى أسأل جبريل ) كما في الآداب الشرعية لابن مفلح (2/132)
و قال أبو بكر الأثرم –رحمه الله- : (( سمعت أحمد بن حنبل يستفتى فيكثر أن يقول : لا أدري ، وذلك بما قد عرف الأقاويل فيه ))ذكره الخطيب في الفقيه والمتفقه (2/174 -175) و ابن حمدان الحنبلي في صفة الفتوى والمفتي( ص 8)
وكذلك قد حذر السلف من ترك ( لا أدري والتكلف في الفتوى )
فقد ذكر ابن عبد البر رحمه الله في الإنتقاء عن محمد بن عجلان أنه قال : (( إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله )) (1/38) ورواه الآجري رحمه الله في اخلاق العلماء ص102
قال ابن الصلاح رحمه الله بعد ذكره لهذا الأثر : هذا إسناد جليل عزيز جدا لاجتماع أئمة المذاهب الثلاثة فيه بعضهم عن بعض أ.ه أدب المفتي والمستفي (1/11)
ومن كان يهوى أن يُرَى متصدرًا **** ويكره (لا أدري) أصيبت مقاتله
و قال ابن جماعة رحمه الله : اعلم أن قول المسئول (لا أدري) لا يضع من قدره كما يظن بعض الجهلة، بل يرفعه؛ لأنه دليل عظيم على عظم محله، وقوة دينه، وتقوى ربه، وطهارة قلبه، وكمال معرفته، وحسن تثبته، وقد روينا ذلك عن جماعة من السلف.وإنما يأنف من قول (لا أدري) من ضعفت ديانته، وقلَّت معرفته؛ لأنه يخاف سقوطه من أعين الحاضرين.
وهذه جهالة ورقة دين، وربما يشهر خطؤه بين الناس، فيقع فيما فرَّ منه، ويتصف عندهم بما احترز عنه أ.ه تذكرة السامع والمتكلم (ص79)
وأما التكلف في الفتوى
فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه : من كان عنده علم فليقل به ، ومن لم يكن عنده علم فليقل : الله أعلم ، فإن الله قال لنبيه : { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ } أ.ه ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين
(2/185)
وكذلك قد ذموا من يفتي الناس على كل ما سئلوا
قال الإمام ابن بطة العكبري الحنبلي رحمنا الله وإياه :-
حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حدثنا أبو خيثمة محمد بن حازم أبو معاوية الضرير حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:((والله إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون )) قال الأعمش: قال لي الحكم: (( لو سمعت هذا الحديث منك قبل اليوم ما كنت أفتي في كثير مما كنت أفتي ))
قال أبو عبد الله: فهذا عبد الله بن مسعود يحلف بالله: إن الذي يفتي الناس في كل ما يسألونه مجنون ولو حلف حالف لبر أو قال لصدق: أن أكثر المفتين في زماننا هذا مجانين لأنك لا تكاد تلقى مسئولا عن مسئلة متلعثما في جوابها ولا متوقفا عنها ولا خائفا لله ولا مراقبا له أن يقول له: من أين قلت بل يخاف ويجزع أن يقال: سئل فلان عن مسئلة فلم يكن عنده فيها جواب, يريد أن يوصف بأن عنده من كل ضيق مخرجا, وفي كل متعلق متهجرا يفتي فيما عيي عنه أهل الفتوى ويعالج ما عجز عن علاجه الأطباء, يخبط العشوة ويركب السهوة1 لا يفكر في عاقبة ولا يعرف العافية, إذا أكثر عليه السائلون وحاقت به الغاشية ولو كان لكل حالف مخرجا عن يمينه ولكل عليل دواء من سقمه لما حنث الحالف ولا وجبت على أحد كفارة ولا طلقت امرأة من زوجها ولا مات عليل إذا هو يعالج وكيف يكون ذلك كذلك؟ وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "الحلف حنث أو مندمة كل حالف حانث أو نادم أ.ه إبطال الحيل (ص66)
هذا وللحديث بقية إن شاء الله
الحمد لله الذي فقه من أراد به خيرا في الدين وشرع أحكام الحلال والحرام في كتابه المبين وأعز العلم ورفع أهله العاملين به المتقين أحمده وأشكره على نعمه التي لا تحصى وإياه استعين وأستغفره وأتوب إليه إن الله يحب التوابين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي مهد قواعد الشرع وبينها أحسن تبيين صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد : -
فقد كنت قد كتبت أوراقاً مسلياً بها على نفسي بعد ضيق أصابني مما رأيت في هذا الزمان من التصدر للفتاوى والردود لمن هو ليس بأهل لذلك فاشتملت تلكم الأوراق على ذكر بعض الأيات والأحاديث والآثار في بيان خطورة الإفتاء بغير علم فأحببت أن أتحف بها إخواني في هذا المنتدى الطيب لكي أدع الناظر فيها عساه أن يجد فائدة أويقييد ملاحظة أو يضيف فائتة آملاً المعاملة بعين الإنصاف لا بعين السخط أو الرضا والاعتساف فقد قال عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب رحمني الله وإياه :-
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ** كما أن عين السخط تبدي المساويا
فإليك ما كتبته :-
يقول الرب تبارك وتعالى في كتابه : ((وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ .مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )) روى يعقوب بن شيبة رحمه الله في المعرفة والتاريخ(1/670)أن رجلاً رأى ربيعة بن عبد الرحمن –رحمه الله- يبكي فقال له : ما يبكيك ؟ فقال : استفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم قال ربيعة : ولبعض من يفتي هاهنا أحق بالسجن من السراق )) ورواه أيضا ابن عبد البر رحمه الله في الجامع وغيره
وما بكاءه رحمه الله إلا لخطر هذا الأمر وعظيم جرمه على المفتي بغير علم ومستفتيه وعلى كل من يثق بمثل هؤلاء المتعالمين وما أحسن ما قاله العلامة القيم ابن القيم رحمه الله فيهم :-
هذا وإنى بعد ممتحن بأر ** بعة وكلهم ذوو أضغان
فظ، غليظ، جاهل متمعلم ** ضخم العمامة واسع الأردان
متفيهق، متضلع بالجهل، ذو ضلع ** وذو جلح من العرفان
مزجى البضاعة فى العلوم وإنه ** زاج من الإيهام والهذيان
من جاهل متطبِّب يفتي الورى ** ويحيل ذاك على قضا الرحمن
ما عنده علم سوى التكفير والتبـ ** ديع والتضليل والبهتان
و لا يحسب من تصدر لهذا الأمر قبل أوانه أنه قد نال الدرجات الرفيعة بل قد سارع بإسقاط نفسه بنفسه ورحم الله قتادة حيث قال : ( من حدث قبل حينه افتضح في حينه ) كما في التعالم وأثره للشيخ بكر أبي زيد رحمه الله (ص10)
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله في كتابه الفقيه والمتفقه(2/350):وقل من حرص على الفتوى , وسابق إليها , وثابر عليها إﻻ قل توفيقه ,واضطرب في أمره , وإذا كان كارهاً لذلك غﯿر مختار لها, ما وجد مندوحة عنه, وقدر أن يحيل باﻷمر فيهاعلى غيره, كانت المعونة له من اﷲ أكثر , والصلاح في فتواه وجوابه أغلب )
وإني ذاكرٌ لك أيها القارئ الكريم –إن شاء الله- في هذه الأوراق بعض الأدلة من الكتاب والسنة في تحريم الفتوى بغير علم وشيئاً يسيراً مما كان عليه حال السلف في ذلك الأمر فأقول مستعيناً بالله تعالى :-
يقول الله تعالى : ((قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ))
قال ابن القيم رحمنا الله وإياه في هذه الآية :
وقد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء ، وجعله من أعظم المحرمات بل جعله في المرتبة العليا منها أ.ه إعلام الموقعين (1/36)
ويقول تعالى : ((وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ))
قال العلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمنا الله وإياه :-
ويشمل ذلك قوله : رأيت ، ولم ير . وسمعت ، ولم يسمع ، وعلمت ، ولم يعلم . ويدخل فيه كل قول بلا علم ، وأن يعمل الإنسان بما لا يعلم ، وقد أشار جل وعلا إلى هذا المعنى في آيات أخر ; كقوله : إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون أ.ه أضواء البيان ( 3/145)
والقول على الله بلا علم يشمل الفتوى بغير علم لأن المفتي موقع عن الله عز وجل فقد قال الإمام ابن القيم :-
وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات أ.ه اعلام الموقعين عن رب العالمين (1/10)
وقال العلامة ابن عثيمين رحمنا الله وإياه :-
معبر عن الله لأنه يتكلم عن أحكام الله في عباد الله ومعبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن العلماء ورثة الأنبياءأ.ه كما في فتاوى نور على الدرب
ويقول تعالى : ((وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ .مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ))
قال الشوكاني رحمه الله :-
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال : قرأت هذه الآية في سورة النحل { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حلال وهذا حَرَامٌ } إلى آخر الآية ، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا
قلت – أي الشوكاني- : صدق رحمه الله ، فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتياً من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو في سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما يقع كثيراً من المؤثرين للرأي المقدّمين له على الرواية ، أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنّة كالمقلدة ، وإنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاويهم ويمنعوا من جهالاتهم ، فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا هدى ولا كتاب منير ، فضلوا وأضلوا ، فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل :
كبهيمة عمياء قاد زمامها ... أعمى على عوج الطريق الجائر
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال : عسى رجل أن يقول : إن الله أمر بكذا ، أو نهى عن كذا ، فيقول الله عزّ وجلّ له : كذبت . أو يقول : إن الله حرّم كذا أو أحلّ كذا ، فيقول الله له : كذبت أ.ه فتح القدير ( 3/201)
ويقول تعالى :((قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ))
قال الإمام الطبراني رحمه الله - في التفسير المنسوب إليه– عند هذه الآية :-
أي ما ظَنُّ الذين يَكْذِبُونَ على اللهِ في التحليل والتحريمِ ماذا يفعلُ بهم يومَ القيامةِ ، أتَظنُّون أن اللهَ لا يعاقبُهم على افترائِهم عليه ؟
وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا ، فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا ))
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((من أفتى بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على الذي أفتاه ...)) رواه ابن ماجه والحاكم وحسنه الألباني في صحيح الجامع رحم الله الجميع برقم (6068)
قال البراء بن عازب رضي الله عنه : لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتوى ) رواه الخطيب في الفقيه والمتفقه
وروى ابن المبارك رحمه الله في الزهد أن ابن عمر رضي الله عنهما سئل عن شيء ثم قال : أتريدون أن تجعلوا ظهورنا جسوراً لكم في جهنم أن تقولوا أفتانا ابن عمر بهذا )
قال عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله : (( أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول )) وفي رواية : (( ما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أخاه كفاه إياه ، ولا يستفتي عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا )) رواه ابن سعد في الطبقات (1/110) ، و الدارمي في سننه (1/53)
وجاء عن الشعبي والحسن وأبي حَصين رحمهم الله أنهم قالوا : (( إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لجمع لها أهل بدر )) ذكره البغوي في شرح السنة (1/305) وغيره عن أبي حَصين الأسدي وقال ابن حمدان الحنبلي رحمه الله في صفة الفتوى والمفتي والمستفتي (ص7) : ونحوه عن الشعبي والحسن
وقال عبد الله بن أحمد كنت أسمع أبي كثﯿراً ﯾسأل عن المسائل فيقول ﻻ أدري وذلك إذا كانت مسألة فيھا اختلاف وكثيراً مما كان ﯾقول سل غيري فإن قيل له من نسأل ﯾقول سلوا العلماء وﻻ ﯾكاد ﯾسمي رجلاً بعينه أ.ه كما في مسائله لأبيه رحمهما الله ص438
وكان نبينا عليه الصلاة والسلام إن سئل عن شيء لا يعلمه قال : ( لا أدري )
فقد روى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ (http://library.islamweb.net/hadith/RawyDetails.php?RawyID=2096)، أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : أَيُّ الْبِلادِ شَرٌّ ؟ قَالَ : " لا أَدْرِي " , فَلَمَّا أَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَا جِبْرِيلُأ َيُّ الْبِلادِ شَرٌّ ؟ قَالَ : لا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّي , فَانْطَلَقَ جِبْرِيلُ فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : " يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ سَأَلْتَنِي : أَيُّ الْبِلادِ شَرٌّ ؟ قُلْتُ : لا أَدْرِي ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَقُلْتُ : أَيُّ الْبِلادِ شَرٌّ ؟ قَالَ : أَسْوَاقُه رواه أحمد وغيره وحسنه الألباني في تحقيقه لصفة الفتوى لابن حمدان رحم الله الجميع
واقتدى به صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام رضي الله عنهم و تابعوهم وتابعوا تابعيهم وإليك بعض الأخبار عنهم
قال الزهري عن خالد بن أسلم أخي زيد بن أسلم رحمة الله عليهما قال : كنا مع ابن عمر فسأله أعرابي أترث العمة ، فقال لا أدري قال : أنت لا تدري قال نعم اذهب إلى العلماء فاسألهم فلما أدبر الرجل قبل ابن عمر يده فقال : ( نعما ما قال أبو عبد الرحمن : سئل عن ما لا يدري ، فقال لا أدري ) كما في الآداب الشرعية لابن مفلح رحمه الله (2/135)
وسئل الشعبي رحمه الله عن مسألة فقال: لا أدري: فقيل له: ألا تستحي مِن قول "لا أدري" وأنت فقيه العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالوا: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) أ.ه ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين (4/218)
قال الهيثم بن جميل رحمه الله : (( شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها : لا أدري )) ذكره القاضي في ترتيب المدارك (1/146) ، والذهبي في سير أعلام النبلاء (8/77)
وقال أحمد في رواية المروذي ( ليس كل شيء ينبغي أن يتكلم فيه وذكر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يسأل فيقول : لا أدري حتى أسأل جبريل ) كما في الآداب الشرعية لابن مفلح (2/132)
و قال أبو بكر الأثرم –رحمه الله- : (( سمعت أحمد بن حنبل يستفتى فيكثر أن يقول : لا أدري ، وذلك بما قد عرف الأقاويل فيه ))ذكره الخطيب في الفقيه والمتفقه (2/174 -175) و ابن حمدان الحنبلي في صفة الفتوى والمفتي( ص 8)
وكذلك قد حذر السلف من ترك ( لا أدري والتكلف في الفتوى )
فقد ذكر ابن عبد البر رحمه الله في الإنتقاء عن محمد بن عجلان أنه قال : (( إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله )) (1/38) ورواه الآجري رحمه الله في اخلاق العلماء ص102
قال ابن الصلاح رحمه الله بعد ذكره لهذا الأثر : هذا إسناد جليل عزيز جدا لاجتماع أئمة المذاهب الثلاثة فيه بعضهم عن بعض أ.ه أدب المفتي والمستفي (1/11)
ومن كان يهوى أن يُرَى متصدرًا **** ويكره (لا أدري) أصيبت مقاتله
و قال ابن جماعة رحمه الله : اعلم أن قول المسئول (لا أدري) لا يضع من قدره كما يظن بعض الجهلة، بل يرفعه؛ لأنه دليل عظيم على عظم محله، وقوة دينه، وتقوى ربه، وطهارة قلبه، وكمال معرفته، وحسن تثبته، وقد روينا ذلك عن جماعة من السلف.وإنما يأنف من قول (لا أدري) من ضعفت ديانته، وقلَّت معرفته؛ لأنه يخاف سقوطه من أعين الحاضرين.
وهذه جهالة ورقة دين، وربما يشهر خطؤه بين الناس، فيقع فيما فرَّ منه، ويتصف عندهم بما احترز عنه أ.ه تذكرة السامع والمتكلم (ص79)
وأما التكلف في الفتوى
فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه : من كان عنده علم فليقل به ، ومن لم يكن عنده علم فليقل : الله أعلم ، فإن الله قال لنبيه : { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ } أ.ه ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين
(2/185)
وكذلك قد ذموا من يفتي الناس على كل ما سئلوا
قال الإمام ابن بطة العكبري الحنبلي رحمنا الله وإياه :-
حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حدثنا أبو خيثمة محمد بن حازم أبو معاوية الضرير حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:((والله إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون )) قال الأعمش: قال لي الحكم: (( لو سمعت هذا الحديث منك قبل اليوم ما كنت أفتي في كثير مما كنت أفتي ))
قال أبو عبد الله: فهذا عبد الله بن مسعود يحلف بالله: إن الذي يفتي الناس في كل ما يسألونه مجنون ولو حلف حالف لبر أو قال لصدق: أن أكثر المفتين في زماننا هذا مجانين لأنك لا تكاد تلقى مسئولا عن مسئلة متلعثما في جوابها ولا متوقفا عنها ولا خائفا لله ولا مراقبا له أن يقول له: من أين قلت بل يخاف ويجزع أن يقال: سئل فلان عن مسئلة فلم يكن عنده فيها جواب, يريد أن يوصف بأن عنده من كل ضيق مخرجا, وفي كل متعلق متهجرا يفتي فيما عيي عنه أهل الفتوى ويعالج ما عجز عن علاجه الأطباء, يخبط العشوة ويركب السهوة1 لا يفكر في عاقبة ولا يعرف العافية, إذا أكثر عليه السائلون وحاقت به الغاشية ولو كان لكل حالف مخرجا عن يمينه ولكل عليل دواء من سقمه لما حنث الحالف ولا وجبت على أحد كفارة ولا طلقت امرأة من زوجها ولا مات عليل إذا هو يعالج وكيف يكون ذلك كذلك؟ وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "الحلف حنث أو مندمة كل حالف حانث أو نادم أ.ه إبطال الحيل (ص66)
هذا وللحديث بقية إن شاء الله