المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [بحث] توجيه النبيه إلى أن الرقية الشرعية علم قائم بذاته .



أبو بكر يوسف لعويسي
01-Feb-2016, 12:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
وبعد :
لقد امتنّ الله تعالى على عباده أن أباح لهم العلاج ويسر لهم سبل الاستشفاء من كل الأدواء ، فأنزل لهم قرآنا فيه الشفاء ، وشرع لهم سنة في الدواء ، وما أنزل داء إلا أنزل له الدواء ( الشفاء )علمه من علمه وجهله من جهله .
ففي سلسلة الأحاديث الصحيحة (451) : قال- r- (( ما أنزل الله داء، إلا قد أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله )).أخرجه أحمد (1 / 377، 413، 453)(18456).
وفي صحيح الجامع (1809) «إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله إلا السام وهو الموت» .وقال:(صحيح) [ك] عن أبي سعيد. غاية المرام (292) الصحيحة (451).
فلذلك ينبغي أن يتعلم الطب والتطبيب والعلاج والدواء ، فمن ولج في هذا الباب دون علم فإنه يفسد أكثر مما يصلح ، وكان كمن أراد أن يدخل البحر وهو لا يعرف السباحة ، أو يتعاطى مهنة الكهرباء ولم يتعلمها قط ، فربما ضربه التيار الكهربائي فأرداه قتيلا ، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم قواعد لهذا العلم كما في الحديثين السابقين ، وكقوله صلى الله عليه وسلم :(( من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل )) أي فيما يعلم وإلا فالجاهل لا يستطيع أن ينفع بجهله أحدا ..
والله تعالى أنزل الدواء حيث كان الداء ، فإذا كان داء السحر فهناك دواؤه وكذلك إذا كان دواء الصرع فهناك دواؤه وإذا كان هناك داء العين والعقرب والنملة وغيرها من الأدواء فهناك دواؤه ، فإذا تعاطى جاهل علاجا للنملة ، ولسعة العقرب غير الدواء الذي أنزله الله حيث لم يوافق الداء لم يحصل الشفاء وربما هلك المريض وهكذا ..
الرقية الشرعية علم قائم بذاته ، يعالج بها كثير من الأمراض المتنوعة المعنوية والحسية ومع ذلك فقد يتخلف البرء لأن المعالج ربما جهل الداء فوصف له الدواء الذي لا يوافقه ، وعلى سبيل المثال : مريض بالصرع يعالج بأدعية الكرب والهم والغم والحزن ، أو مجنون يعالج بالعسل والحجامة ، أو مريض بداء البطن يعتقد فيه الراقي أنه مسحور فيرقيه برقية السحر وهكذا..
لذلك ينبغي أن يتعلم الرقية الشرعية وأنواعها وأبوابها وما تعالجه من الأدواء ، ومتى تكون عامة ومتى تكون خاصة ، ومتى تكرر ومتى لا تكرر وهكذا..
لذلك فصل فيها العلماء وبينوا أنواعا منها ففي كتاب الطب من صحيح البخاري (32) باب الرقي بالقرآن والمعوذات،و(33) باب الرُّقَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ،و(34) باب الشُّرُوطِ فِي الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ،و(35) باب رقية العين،و(36) باب العين حق،و(37) باب رقية الحية والعقرب، و(38) باب رُقْيَةِ النَّبِيِّ- r- و(39)وباب النفث في الرقية ، و(40) باب مسح الراقي الوجع بيده اليمنى، و(41)، وباب في المرأة ترقى الرجل،و(42) باب من لم يرق ، و(46) باب الكهانة ، و(47)بَابٌ السِّحْرِ، و(49) باب هَلْ يَسْتَخْرِجُ السِّحْرَ، و(52) باب الدواء بالعجوة للسحر.وغيرها من الأبواب .
وهكذا في سنن أبي داود ( 23)كِتَاب الطِّبِّ (8)بَابٌ فِي السَّعُوطِ (9)بَابٌ فِي النُّشْرَةِ (10) بَابٌ فِي التِّرْيَاقِ ، و(17) بَابٌ فِي تَعْلِيقِ التَّمَائِمِ ، (18)بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّقَى ، و(19) بَابُ كَيْفَ الرُّقَى . وفي سنن الترمذي (29) كتاب الطب عن رسول الله - r- .
باب (14) ما جاء فيكراهية الرقية ، باب (15) ما جاء فيالرخصة في ذلك ، باب (16)ما جاء فيالرقية بالمعوذتين . باب (19) ما جاء أن العين حق والغسل لها، باب(20) ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ، باب (21)ما جاء فيالرقى والأدوية.وفي سنن النسائي كِتَابُ الطِّبِّ (17) وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْمَرِيضِ. و(18) مَوْضِعُ الْيَدِ. (20) دُعَاءُ الْعَائِدِ لِلْمَرِيضِ، و(21) ، وَضُوءُ الْعَائِدِ لِلْمَرِيضِ، و(22) نَضْحُ الْعَائِدِ فِي وَجْهِ الْمَرِيضِ، و(32) ، والْمَرْأَةِ تَرْقِي الرَّجُلَ، و(33) والشَّرْطُ فِي الرُّقْيَةِ، و(34) ذِكْرُ مَا يُرْقَى بِهِ الْمَعْتُوهُ ، و(36) رُقْيَةُ الْحَرْقِ ، و(38) رُقْيَةُ النَّمْلَةِ، و(39) قِرَاءَةُ الْمَرِيضِ عَلَى نَفْسِهِ،و(40) مَسْحُ الرَّاقِي الْوَجَعَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى،و(41) جَمْعُ الرَّاقِي بُزَاقَهُ لِلتَّفْلِ.وفي سنن ابن ماجة (31) كِتَابُ الطِّبِّ ،و(16) بَابُ مَنْ تَطَبَّبَ ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّفهو ضامن و( 28) بَابُ الاِسْتِشْفَاءِ بِالْقُرْآنِ ، و(33) بَابُ مَنِ اسْتَرْقَى مِنَ الْعَيْنِ ،و(36) بَابُ مَا عَوَّذَ بِهِ النَّبِيُّ - r- وَمَا عُوِّذَ بِهِ ، و(39) بَابُ تَعْلِيقِ التَّمَائِمِ ، و(40) بَابُ النُّشْرَةِ و(46) بَابُ الْفَزَعِ وَالأَرَقِ وَمَا يُتَعَوَّذُ مِنْهُ.
وفي صحيح ابن حبان كتاب الرقى والتمائم ،ذكر الأخبار بأن العلة التي خلقها الله جل وعلا إذا عولجت بدواء غير دوائها لم تبرأ حتى تعالج به.
وفيه ذكر الزجر عن الاسترقاء بلفظة مطلقة أضمرت كيفيتها فيها، وذكر التغليظ على من قال بالرقى والتمائم متكلا عليها.
وفيه ذكر الخبر الدال على أن الرقى المنهي عنها إنما هي الرقى التي يخالطها الشرك بالله جل وعلا.
وفيه ذكر استعمال المصطفى - r - الرقية التي أباح استعمال مثلها لأمته - r- وذكر إباحة استرقاء المرء للعلل التي تحدث به بما يبيحه الكتاب والسنة.
وفيه ذكر الخبر المدحض قول من نفي جواز استعمال الرقى للمسلمين، وذكر الخبر المصرح بإباحة الرقية للعليل بغير كتاب الله ما لم يكن شركا، وذكر البيان بأن استرقاء المرء عند وجود العلل من قدر الله .
وفيه ذكر الإباحة للمرء أن يسترقي إذا عانه أخوه المسلم ، وذكر الأمر لمن رأى بأخيه شيئا حسنا أن يبرك له فيه فإن عانه توضأ له .
وفيه ذكر إباحة أخذ الراقي الأجرة على رقيته التي وصفناها، ذكر الإباحة للمرء أخذ الأجرة المشترطة في البداية على الرقي .وهكذا في المستدرك للحاكم كتاب الطب والرقى والتمائم ، وفي الأحكام الشرعية للأشبيلي ، وفي مصنف ابن أبي شيبة ، وفي شرح السنة للبغوي، وفي مشكاة المصابيح وغيرها كثير.. فهذا علم جم قائم بنفسه في أمهات وأصول السنة، ينبغي على من تصدى للرقية أن يفقه كل هذا العلم وغيره مما لم أذكره مما يتعلق الاستشفاء بالقرآن والعلاج بالتعاويذ وغيرها من الأدوية التي جاءت في السنة النبوية. كل في بابه كتعلم الطبيب تماما .
وذكرت من هذه الكتب إلا ما تفرد بتبويبه صاحب الكتاب ولم أكرر ما ذكر في الكتب الأخرى فما ذكره البخاري غير ما بوب عليه أبو داود وهكذا بقية الكتب ، إلا شيئا لا بد منه وفيه زيادة الفائدة .
وفي كتاب الله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ }(57)يونس.قال ابن جرير(15/105 ): وقوله: (وشفاء لما في الصدور) ، يقول: ودواءٌ لما في الصدور من الجهل، يشفي به الله جهلَ الجهال، فيبرئ به داءهم.وقال القرطبي (8/353) أَيْ مِنَ الشَّكِّ وَالنِّفَاقِ وَالْخِلَافِ، وَالشِّقَاقِ.وقال ابن كثير (4/274) من الشبه والشكوك، وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس .
وقال السعدي (1/366){وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ}: وهو هذا القرآن، شفاء لما في الصدور من أمراض الشهوات الصادة عن الانقياد للشرع وأمراض الشبهات، القادحة في العلم اليقيني، فإن ما فيه من المواعظ والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، مما يوجب للعبد الرغبة والرهبة..إلى أن قال :وإذا صح القلب من مرضه، ورفل بأثواب العافية، تبعته الجوارح كلها، فإنها تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده.
قلت: ودليل هذا قوله عليه الصلاة والسلام :(( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله )) متفق عليه .
فإذا مرض القلب مرض الجسد ، فالقلب المريض معنويا مدعاة إلى مرضه حسيا وإذا مرض حسيا ومعنويا تبعته الجوارح ، وعلاج ذلك في كتاب الله ، فهو شفاء للأمراض الحسية والمعنوية .
قال تعالى :{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا } (82) الإسراء.
وليس من شك أن الاستشفاء بالقرآن من أعظم أنواع الشفاء الذي أنزله الله ولا يمكن الاهتداء إليه إلا بتعلمه .
قال القرطبي (10/316-318)اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَوْنِهِ شِفَاءً عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ شِفَاءٌ لِلْقُلُوبِ بِزَوَالِ الْجَهْلِ عَنْهَا وَإِزَالَةِ الرَّيْبِ، وَلِكَشْفِ غِطَاءِ الْقَلْبِ مِنْ مَرَضِ الْجَهْلِ لِفَهْمِ الْمُعْجِزَاتِ وَالْأُمُورِ الدَّالَّةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
الثَّانِي: شِفَاءٌ مِنَ الْأَمْرَاضِ الظَّاهِرَةِ بِالرُّقَى وَالتَّعَوُّذِ وَنَحْوِهِ.
قلت والراجح أنه شفاء لجميع الأدواء ، فيكون شفاء للجهل والشك والنفاق والحسد والبغضاء وكل أمراض القلوب المعنوية والحسية ، وشفاء للأمراض الحسية ، دليل ذلك ما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري وقد مر معنا مرارا أنه رقى سيد الحي بفاتحة الكتاب ، وهي أم القرآن ، فنشط كأن لم يكن به وجع ، وكذلك فعل عم خارجة بن أبي الصلت في رقية المجنون بالفاتحة ثلاثة أيام فبرأ ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بالمعوذين ، ويعوذ بهما أهله وغيرهم .
قال ابن القيم – رحمه الله في الجواب الكافي (1/8): [الْقُرْآنُ شِفَاءٌ]وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ شِفَاءٌ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [سُورَةُ فُصِّلَتْ: 44] وَقَالَ {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 82] .
وَ " مِنْ " هُنَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ لَا لِلتَّبْعِيضِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ شِفَاءٌ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَهُوَ شِفَاءٌ لِلْقُلُوبِ مِنْ دَاءِ الْجَهْلِ وَالشَّكِّ وَالرَّيْبِ، فَلَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنَ السَّمَاءِ شِفَاءً قَطُّ أَعَمَّ وَلَا أَنْفَعَ وَلَا أَعْظَمَ وَلَا أَشْجَعَ فِي إِزَالَةِ الدَّاءِ مِنَ الْقُرْآن .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُرْقِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ حَتَّى تَجْعَلُوا لِي جُعْلًا، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفُلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ، فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْتَسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقِيَ: لَا نَفْعَلُ حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ - r- فَنَذْكُرُ لَهُ الَّذِي كَانَ، فَنَنْظُرُ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - r- فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ، اقْتَسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا.»
فَقَدْ أَثَّرَ (هَذَا) الدَّوَاءُ فِي هَذَا الدَّاءِ، وَأَزَالَهُ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ أَسْهَلُ دَوَاءٍ وَأَيْسَرُهُ، وَلَوْ أَحْسَنَ الْعَبْدُ التَّدَاوِيَ بِالْفَاتِحَةِ، لَرَأَى لَهَا تَأْثِيرًا عَجِيبًا فِي الشِّفَاءِ.
وَمَكَثْتُ بِمَكَّةَ مُدَّةً يَعْتَرِينِي أَدْوَاءٌ وَلَا أَجِدُ طَبِيبًا وَلَا دَوَاءً، فَكُنْتُ أُعَالِجُ نَفْسِي بِالْفَاتِحَةِ، فَأَرَى لَهَا تَأْثِيرًا عَجِيبًا، فَكُنْتُ أَصِفُ ذَلِكَ لِمَنْ يَشْتَكِي أَلَمًا، وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَبْرَأُ سَرِيعًا.
وَلَكِنْ هَاهُنَا أَمْرٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ، وَهُوَ أَنَّ الْأَذْكَارَ وَالْآيَاتِ وَالْأَدْعِيَةَ الَّتِي يُسْتَشْفَى بِهَا وَيُرْقَى بِهَا، هِيَ فِي نَفْسِهَا نَافِعَةٌ شَافِيَةٌ، وَلَكِنْ تَسْتَدْعِي قَبُولَ الْمَحِلِّ، وَقُوَّةَ هِمَّةِ الْفَاعِلِ وَتَأْثِيرَهُ، فَمَتَى تَخَلَّفَ الشِّفَاءُ كَانَ لِضَعْفِ تَأْثِيرِ الْفَاعِلِ، أَوْ لِعَدَمِ قَبُولِ الْمُنْفَعِلِ، أَوْ لِمَانِعٍ قَوِيٍّ فِيهِ يَمْنَعُ أَنْ يَنْجَعَ فِيهِ الدَّوَاءُ، كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَدْوِيَةِ وَالْأَدْوَاءِ الْحِسِّيَّةِ، فَإِنَّ عَدَمَ تَأْثِيرِهَا قَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ قَبُولِ الطَّبِيعَةِ لِذَلِكَ الدَّوَاءِ..
وَقَدْ يَكُونُ لِمَانِعٍ قَوِيٍّ يَمْنَعُ مِنَ اقْتِضَائِهِ أَثَرَهُ، فَإِنَّ الطَّبِيعَةَ إِذَا أَخَذَتِ الدَّوَاءَ بِقَبُولٍ تَامٍّ كَانَ انْتِفَاعُ الْبَدَنِ بِهِ بِحَسْبِ ذَلِكَ الْقَبُولِ، فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ إِذَا أَخَذَ الرُّقَى وَالتَّعَاوِيذَ بِقَبُولٍ تَامٍّ، وَكَانَ لِلرَّاقِي نَفْسٌ فَعَّالَةٌ وَهِمَّةٌ مُؤَثِّرَةٌ فِي إِزَالَةِ الدَّاءِ.
وقال في الطب النبوي (1/131)وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي «سُنَنِهِ» مِنْ حَدِيثِ علي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :((خَيْرُ الدَّوَاءِ الْقُرْآنُ» «1» .
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ بَعْضَ الْكَلَامِ لَهُ خَوَاصُّ وَمَنَافِعُ مُجَرَّبَةٌ، فَمَا الظَّنُّ بِكَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي فَضْلُهُ عَلَى كُلِّ كَلَامٍ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ الَّذِي هُوَ الشِّفَاءُ التَّامُّ، وَالْعِصْمَةُ النَّافِعَةُ، وَالنُّورُ الْهَادِي، وَالرَّحْمَةُ الْعَامَّةُ، الَّذِي لو أنزل ظل عَلَى جَبَلٍ لَتَصَدَّعَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَجَلَالَتِهِ.وقال (1/266) منه : فَالْقُرْآنُ هُوَ الشِّفَاءُ التَّامُّ مِنْ جَمِيعِ الْأَدْوَاءِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ، وَأَدْوَاءِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَا كُلُّ أَحَدٍ يُؤَهَّلُ وَلَا يُوَفَّقُ لِلِاسْتِشْفَاءِ بِهِ، وَإِذَا أَحْسَنَ الْعَلِيلُ التَّدَاوِيَ بِهِ، وَوَضَعَهُ عَلَى دَائِهِ بِصِدْقٍ وَإِيمَانٍ، وَقَبُولٍ تَامٍّ، وَاعْتِقَادٍ جَازِمٍ، وَاسْتِيفَاءِ شُرُوطِهِ، لَمْ يُقَاوِمْهُ الدَّاءُ أَبَدًا.
وَكَيْفَ تُقَاوِمُ كَلَامَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ الَّذِي لَوْ نَزَلَ عَلَى الْجِبَالِ، لَصَدَّعَهَا، أَوْ عَلَى الْأَرْضِ، لَقَطَّعَهَا، فَمَا مِنْ مَرَضٍ مِنْ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ إِلَّا وَفِي الْقُرْآنِ سَبِيلُ الدِّلَالَةِ عَلَى دَوَائِهِ وَسَبَبِهِ، وَالْحَمِيَّةِ مِنْهُ لِمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ فَهْمًا فِي كِتَابِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى الطِّبِّ بَيَانُ إِرْشَادِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ إِلَى أُصُولِهِ وَمَجَامِعِهِ الَّتِي هِيَ حِفْظُ الصِّحَّةِ وَالْحِمْيَةُ، وَاسْتِفْرَاغُ الْمُؤْذِي، وَالِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ أَفْرَادِ هذه الأنواع.
قلت: الرقية والاستشفاء بالقرآن والتعاويذ الواردة عن نبينا كل في بابه علم قائم بنفسه وصيدلية فيها الشفاء التام ومن لم يقرأ ما كتبه ابن القيم في هذا الباب وغيره من العلماء فيما أشرت إليه من كتب السنة ، ولم يكن متشبعا بالعقيدة الصحيحة ، عالما بمداخل الشيطان ومخارجه ، صحيح المنهج واسع المعرفة بالشبه الخطافة ، فإن لا يجوز له أن يتعاطى الرقية ولا يعتبر من الرقاة الشرعيين فإن مثل هذا يوقعه جهله بهذا الباب في مخالفات جسيمة..أو محدثات تخرجه عن هدي السلف الصالحين .
الرقية أصل من أصول التداوي والتطبيب وهذا الأصل ينبغي أن يتعلم كما يتعلم الطب:
لقد استعملها العرب قبل الإسلام وكانت لبعضهم رقى يرقي بها ويعلاج بها كما في حديث ضماد ، والشفاء بنت معوذ ، وآل عمرو بن حزم ، وعوف بن مالك – رضي الله عنهم – ويزيد بن عمير الأنصاري ، وغيرهم ، وهي من طرق التداوي والعلاج على عهد النبي - r- فقد رقى ورقي له ، وكان صلى الله عليه

وسلم يعالج بها وقد حصل منه أنه رقى كثيرا من المرضى بأنواع من الرقى ، وأمر بالرقية ، وأذن ورخص فيها
وعلمها وأمر بتعليمها .
قال علي بن محمد الخزاعي:(1) قال أبو بكر بن العربي - رحمه الله - في كتبه ( سراج المريدين ) طرق التطبيب أربعة - أي التي كانت معهودة على عهد رسول الله - وهي: 1- الرقية، - 2- وشرطة محجم، - 3- وشربة عسل، -4- ولذعة نار.اه .
وهذه جاءت فيها أدلة منصوص عليها من حديث رسول الله . ولأنها أصلٌ للتداوي والتطبيب للأمراض الجسمانية الحسية والمعنوية ، فهي علم من جهة تعلمها لأن لها مادتها ، وكيفيتها وشروطها وضوابطها وآداب في الراقي والمرقي والزمان والمكان ، وهي عبادة من جهة أنها تعتمد على كتاب الله وما صح من سنة رسوله إن قصد بها القربى ، وكيفية التعامل معها لتعاطيها على سبيل العلاج والنفع المحض ، وعلى سبيل التعبد والاحتساب في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
فقد عدّ شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله – التصدي لها من الجهاد في سبيل الله وقال وهو جهاد الأنبياء والمصلحين لمن صلح قصده لهذا العدو غير المنظور وهو الشيطان الرجيم ، الذي لا يؤثر فيه إلا القرآن والتعاويذ .
قال ابن التين نقلا عن الفتح (ج10 / 205 – 207 ): الرقى بالمعوذات وغيرها من الطب الروحاني ، فإذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشـفـاء بإذن الله تعالى ، فلما عزّ هذا النوع فزع الناس إلى الطب الجسماني وتلك الرقى المنهي عنها التي يستعملها المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له فيأتي بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين ، والاستعانة بهم والتعوذ بمردتهم .
استحباب تعلم الرقية وما يتعلق بها لمتعاطيها ، ولا يبعد أن يقال بالوجوب على من تعينت عليه:
فلابد لمن يتصدى للرقية أن يتعلمها وأن يعلمها وما يتعلق بها كما يتعلم الطبيب الطب ويتعلم المهندس الهندسة ، وكما يتعلم الفقيه الفقه ، لأن النبي - r- علمها بعض أصحابه وأمر بتعليمها بعض من كانت لهم رقى أن يعلموها غيرهم ، وسأذكر الأدلة على ذلك.ولما ذكرته آنفا أيضا من أنها علم قائم بذاته ، ولأن فاقد الشيء لا يعطيه ، ولأنه من مارس فعلا بغير علم أو تكلم في غير فنه أتى بالعجائب والغرائب ، فلا بد أن يعرف أين يستعمل التعاويذ الخاصة بالعين ، والحمى والسحر ، والمس والصرع ، والجنون ، وما يصلح للأمراض العضوية من الأوجاع والآلام ، وما لا يصلح ، وما يصلح للقروح وذات الجنب ، ومتى يصلح له الحجامة ، والعسل ، والكي ، أو الرقية ، فيتعلم الكيفيات التي وردت عن النبي والصحابة وهي كثيرة ولا يتجاوزها ، ومتى يستعمل الأسباب الكونية التي تقوم على الطب الجسماني والتجربة ، وأن يكون ملما ببعض الطب الخاص بالأمراض النفسية ، وأمراض الحسد والحقد وشرورهما ليفرق بينه وبين الإصابة بالعين والسحر والمس والأمراض النفسية والغم والهم والحزن ، بمعنى أن يكون حاذقا بها ؛ لأن النفس لها أحوال وأحوال عجيبة بعضها يحتار فيها الأطباء ، فيعلم في هذه الحالة أنه محتاج إلى رقية عامة من كل أذى ، وأن يتعلم مداخل الشيطان ومخارجه التي يُؤتي منها الرقاة والمشعوذين ، وخاصة في باب الإيمان والتوحيد .وهي أبواب كثيرة فإن الشيطان حريص كل الحرص على الإيقاع بالراقي والمرقي في الشرك ، وما يخل بالتوحيد ، وفي البدعة وما يخل بالإتباع ، ويرضى منهم بأقل شيء ، وربما جاءهما من باب النصيحة وزين لهما الشرك كما اخبرنا الله عنه انه قال لأبينا آدم وحواء :{ وقاسمهما أني لكما لمن الناصحين }وهذه الأدلة على أن النبي- r- علم الرقية بعض أصحابه وأمر تعليمها .
عَنْ حَفْصَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ- r - دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا الشِّفَاءُ تَرْقِي مِنَ النَّمْلَةِ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - r- : << عَلِّمِيهَا حَفْصَةَ>>.(3).
وعَنِ عبادة بن الصَّامِتِ ، قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - r - غُدْوَةً وَبِهِ مِنَ الْوَجَعِ مَا يَعْلَمُ اللَّهُ شِدَّتَهُ ، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ الْعَشِيَّةَ وَقَدْ بَرِأَ ، فَقَالَ :<< إِنَّ جِبْرِيلَ رَقَانِي بِرُقْيَةٍ بَرِئْتُ ، أَفَلاَ أُعَلِّمكَهَا يَا ابْنَ الصَّامِتِ ؟ >> قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ : << بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ ، مِنْ حَسَدِ كُلِّ حَاسِدٍ وَعَيْنٍ ، بِاسْمِ اللهِ يَشْفِيكَ >>.(4) .
ومن فقه هذا الحديث ، أن الحسد داء يؤذي قرين العين ، وأن جبريل رقى النبي -r- منه ، وأنه علمها لعبادة بن الصامت ليرقي بها عند الحاجة ، لأنه يستحيل أن يعمله هكذا عبثا، ويستحيل أن يكون عبادة – رضي الله عنه - تعلمها وترك العمل بها إذا دعت الحاجة، فهذا لا يعقل عن الصحابة الذين كانوا أحرص النّاس على العلم والعمل به لمن عرف حال القوم .
وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ - رضي الله عنها - قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - r- << أَلاَ أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ أَوْ فِي الْكَرْبِ ، اللَّهُ رَبِّى لاَ أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا >>(5).
قلت : سبحان الله العظيم ؛ ما أخصر هذه الكلمات التي جمعت التوحيد والإيمان وما أسهلها على اللسان إذا خرجت من الجنان ، وما أثقلها في الميزان ، وما أنفعها إذا قيلت خالصة للرحمن ، وما أعظم تأثيرها على القلوب والأبدان ، وتفريج الكرب مهما كان في كل الأزمان .
أنظر- يا رعاك الله - إليها جملة واحدة (( الله ربي لا أشرك به شيئا )) فيها علم جم عظيم ، فيها إثبات توحيد الربوبية بمراتبه ، وإثبات توحيد الألوهية بأركانه وشروطه ، وإثباتهما يتضمن إثبات توحيد الأسماء والصفات ،وإثبات ذلك يستلزم إخلاص العبادة له وترك عبادة ما سواه ، ويقتضي محبته والتوكل عليه وإخلاص الدين له والبراءة من الشرك وأهله ، وهذا هو سبيل السعادة في الدنيا والآخرة .
وعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ -r- وَهُوَ يُوعَكُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - r - :<< أَلا أُعَلِّمُكَ رُقْيَةً رَقَانِي بِهَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ >>.قَالَ بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ :<< فَعَلَّمَهُ بِسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ وَاللَّهُ يَشْفِيكَ مِنْ كُلِّ دَاءٍ يُؤْذِيكَ خُذْهَا فَلْتُهْنِيكَ >>.
(6).فقوله للشفاء ((علميها حفصة ))، وقوله لعبادة : ((أَفَلاَ أُعَلِّمكَهَا يَا ابْنَ الصَّامِتِ ؟))وقوله لأسماء بنت عميس ((أَلاَ أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ ..)) وقوله لعمار:(( ألا أعلمك ؟ )) فيها دليل قوي على أنه ينبغي لمن يمارس الرقية أن يتعلمها ويتعلم حدودها وأن لا يتجاوزها ويحدث فيها أشياء غير مأثورة ، ومخالفة لما أمر به الشرع أو أقره فالخير كل الخير فيما أمر النبي- r - بتعلمه .
قال ابن القيم – رحمه الله - في زاد المعاد في هدي خير العباد (4/144)وهو يتكلم على الأمور التي ينبغي أن يكون عليها من يتعاطى الطب وعلاج الناس .
السابع عشر: أن يكون له خِبْرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها ، وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان ، فإنَّ انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمرٌ مشهود، والطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح وعلاجهما، كان هو الطبيبَ الكاملَ، والذي لا خِبْرة له بذلك وإن كان حاذقاً في علاج الطبيعة وأحوالِ البدن نصفُ طبيب. وكلُّ طبيب لا يداوي العليل، بتفقُّد قلبه وصلاحه، وتقويةِ روحه وقُواه بالصدقة، وفعل الخير،والإحسان،والإقبال على الله والدار الآخرة، فليس بطبيب، بل متطبِّبٌ قاصر. ومن أعظم علاجات المرض فعلُ الخير والإحسان والذِّكر والدعاء، والتضرع والابتهال إلى الله، والتوبة، ولهذه الأُمور تأثيرٌ في دفع العلل، وحصول الشفاء أعظمُ من الأدوية الطبيعية ، ولكن بحسب استعداد النفس وقبولِها وعقيدتِها في ذلك ونفعه.
تنبيه مهم :هذا لا يعني أنني أدعو إلى تعاطي الرقية والاشتغال بها ، وإنما أردت أن أبين أنه على دخل هذا الميدان ينبغي عليه أن يدخله بسلاح العلم حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها ، وقد كنت خضت غمار هذا البحر مدة ليست بالطويلة ، ثم تركتها إلى الأبد - إن شاء الله – منذ اثنا عشر عاما بالتقريب امتثالا لنصيحة الوالد العلامة ربيع بن هادي ، فقد نصح لي وأبغ في النصيحة – جزاه الله خيرا – فقال : أنصحك أن لا تشتغل بالرقية واشتغل بالعلم ، وبالفعل نفعني الله بتلك النصيحة وسخرت وقتي في العلم والحمد لله ، وأنا بدوري أنصح إخواني طلاب العلم أن لا يشتغلوا بالرقية إلا ما كان لابد منه وأن يشتغلوا بالعلم والجهاد فيه وهذا أفضل والدعوة إليه ، وخاصة في هذا العصر الذي تفشى فيه الجهل ..
وأخير أسأل الله تعالى أن يبارك في الشيخ ربيع وأن يطيل في عمره وأن يمتع الأمة بعلمه وان يرفع قدره في عليين كما لايفوتني أن أشكر كل من أسدى إلي معروفا أو أعانني على حق وأسأله تعالى أن يبارك فيهم وأن يغفر لي ولهم إن ربي سميع قريب مجيب .
------------------
الهوامش :1 - والحديث ضعيف ،أنظر ضعيف ابن ماجة ((3501) وضعيف الجامع (2885) والضعيفة (3093).2
2– تخريج الدلالات السمعية على ما كان على عهد رسول الله e من الحرف والصناعات..(ص666 ).
3 - أخرجه النسائي (7500 )وأحمد (6/286).والحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ،وأخرجه الطبراني في الكبير (18916) وهو في السلسلة الصحيحة (178).4
4- أخرجه النسائي في الكبرى (9/369)(10776) وفي عمل اليوم والليلة (1/552)؛ وأحمد في المسند (5/323)؛ والضياء في الأحاديث المختارة (3/309)؛ وقال محققه عبد الملك بن عبد الله بن دهيش إسناده حسن. قال الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (5/132) (8439) بتحرير الحافظين

الجليلين: العراقي وابن حجر : رواه أحمد وفيه سليمان رجل من أهل الشام ولم يضعفه أحد، وبقية رجاله
رجال الصحيح.
5- قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا هِلاَلٌ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنُ جَعْفَرٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ.أبو داود (ح1527) قال الألباني في صحيح أبي داود (ح1364)(قلت: إسناده صحيح) . أنظر الصحيحة برقم (2755)وصحيح الترغيب (1824).6
6 - أخرجه الطبرانيفي الدعاء برقم (1088) قال حَدَّثَنَا الْمِقْدَامُ بْنُ دَاوُدَ الْمِصْرِيُّ .. قال الهيثمي في المجمع (5/138)رواه الطبراني عن شيخه المقدام بن داود وهو ضعيف وبقية رجاله ثقات .
قلت : ورواه الحاكم أبو عبد الله (5681) قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا الربيع بن سليمان ثنا أسد بن موسى ... به ، وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم ، كما قال الحاكم ووافقه الذهبي .