المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إسبال الثياب عند المالكية



أبو خالد الوليد خالد الصبحي
06-Feb-2016, 02:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم تسليماً.
روى الإمام مالك في "الموطأ" (2657) عَنْ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ عَنِ الإِزَارِ؟ فَقَالَ: أَنَا أُخْبِرُكَ بِعِلْمٍ ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِزْرَةُ الْمُسْلمِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، لا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ، مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ. لا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَراً».
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر _رحمه الله_ في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (15 / 119 الفاروق) : (ومن أحسن ما روي في ذلك ما رواه سفيان بن عيينة عن حصين عن عمرو بن ميمون قال لما طعن عمر جاء الناس يعودونه فيهم شاب من قريش فلما سلم على عمر أبصر إزاره قد أسبل فدعاه فقال: ارفع إزارك فإنه أنقى[1] لثوبك وأتقى لربك.
قال: فما منعه ما هو فيه أن أمره بطاعة الله).
قلت: وهو عند الإمام البخاري _رحمه الله_ في "الصحيح" (3700) من طريق أبي عوانة عن حصين عن ابن ميمون به بأطول من هذا في قصة قتل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه.
قال الفقيه أبو القاسم ابن الجلاب _رحمه الله_ في "التفريع" (لا يجوز المرء بسراويله ومئزره كعبيه، وينبغي له أن يجعله إلى أنصاف ساقيه).
وقال أبو محمد ابن عبد الحكم _رحمه الله_ في "المختصر الصغير" (ص 516) : (ولبس الرجل إلى أنصاف ساقيه، فإن جاوز إلى كعبيه فهو في ذلك في سعة إن شاء الله، ولا يجاوز ذلك).
روى الحافظ أبو عمر ابن عبد البر _رحمه الله_ في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (15 / 129 الفاروق) قال: (حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير حدثنا هارون بن معروف قال: حدثنا ضمرة قال: حدثنا سعدان بن سالم الأيلي عن يزيد بن أبي سمية قال: سمعت ابن عمر: فيما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإزار فهو في القميص _يعني ما تحت الكعبين من القميص في النار_ كما قال في الإزار).
ثم قال _رحمه الله_ (ص 129 – 131) : (وقد روى أبو خيثمة زهير بن معاوية قال: سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: أدركتهم وقُمُصهم إلى نصف الساق أو قريب من ذلك وكُمُّ أحدهم لا يجاوز يده.
قال أبو عمر: تكميش الإزار إلى نصف الساق، كانت العرب تمدح فاعله، ثم جاء الله بالإسلام فسنه النبي صلى الله عليه وسلم).
ثم ذكر بعض الأشعار في مدح فاعله ثم قال:
(وروي عن عمر بن الخطاب أنه كان يكره فضول الثياب، ويقول: فضول الثياب في النار.
وسئل سالم بن عبد الله بن عمر عما جاء في إسبال الإزار، أذلك في الإزار خاصة؟ فقال: بل في القميص والإزار والرداء والعمامة.
وقال طاوس: الرداء فوق القميص، والقميص فوق الإزار.
وروي عن نافع أنه سئل عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أسفل من الكعبين ففي النار)، من الثياب؟ فقال: وما ذنب الثياب بل هو من القدمين.
قال أبو عمر: لا يجوز للرجل أن يجر ثوباً يلبسه ويكون تحت كعبيه، وأظن الوعيد الشديد ورد فيمن جر ثوبه خيلاء وبطراً والله أعلم).
قال القاضي أبو الوليد الباجي _رحمه الله_ في "المنتقى شرح الموطأ" ( 7 / 226) : (وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ» يُرِيدُ _وَاَللَّهُ أَعْلَمُ_ أَنَّهُ لِبَاسٌ يُوَصِّلُ إلَى النَّارِ.
وَرَوَى أَصْبَغُ أَنَّ نَافِعًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ»، أَذَلِكَ مِنْ الإِزَارِ؟ فَقَالَ: بَلْ مِنْ الرِّجْلَيْنِ.
قَالَ أَصْبَغُ قَالَ بَعْضُهُمْ مَا ذَنْبٌ لإِزَارٍ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: مَعْنَاهُ مَا غَطَّى تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ سَاقَيْهِ بِالإِزَارِ يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ تُصِيبَهُ النَّارُ؛ لأَنَّهُ مِنْ الْخُيَلاءِ.
وَقَالَ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الأَعْشَى وَأَصْبَغُ مِثْلَهُ.
فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ لِهَذَا اللِّبَاسِ ثَلاثَةَ أَحْوَالٍ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ إلَى نِصْفِ السَّاقِ.
وَالْمُبَاحُ أَنْ يَكُونَ إلَى الْكَعْبَيْنِ.
وَالْمَحْظُورُ مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ).
قال القاضي أبو بكر ابن العربيّ _رحمه الله_ في "المسالك في شرح موطأ مالك" ( 7 / 294 - 295) : (الإسبالُ حرامٌ للرِّجال وجائز للنّساء، فهو حرام في الأصل، وعلى كلّ حالٍ يجرُّ إلى الخيلاء، إِلا أنَّه أُذِن للمرأة في إسبال ذراعٍ، وأُذِن للرّجال في الإسبال إلى الكعبين).
ونختم بكلام للعلامة أبي عبدالله الفاسي الشهير بابن الحاج _رحمه الله_ في "المدخل" ( 1 / 130- 131) حيث قال: (روى مالك _رحمه الله_ في "موطئه" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِزْرَةُ الْمُسْلمِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، لا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ، مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ. لا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَراً).
فهذا نص صريح منه صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز للإنسان أن يزيد في ثوبه ما ليس فيه حاجة إليه، إذ أن ما تحت الكعبين ليس للإنسان به حاجة؛ فمنعه منه وأباح ذلك للنساء، فلها أن تجر مُرطها خلفها شبراً أو ذراعاً، للحاجة الداعية إلى ذلك وهي: التستر والإبلاغ فيه، إذ أن المرأة كلها عورة إلا ما استثنى، وذلك فيها بخلاف الرجال، وكره مالك للرجل سَعة الثوب وطوله عليه ذكره ابن يونس.
وقد حكى الإمام أبو بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي _رحمه الله_ في كتاب "سراج الملوك والخلفاء" له قال: (ولما دخل محمد بن واسع _سيد العباد في زمانه رحمه الله_ على بلال بن أبي بردة أمير البصرة وكان ثوبه إلى نصف ساقيه، قال له بلال: ما هذه الشهرة يا ابن واسع؟! فقال له ابن واسع: أنتم شهرتمونا، هكذا كان لباس من مضى، وإنما أنتم طولتم ذيولكم فصارت السنة بينكم بدعة وشهرة) انتهى.
فتوسيع الثوب وكبره وتوسيع الكُمِّ وكبره ليس للرجل به حاجة فيمنع، مثل ما زاد على الكعبين سواءٌ بسواء).
واللّه أعلم، وصلى اللّه على محمد وآله وصحبه وسلم.
ــــــــــــــــ
[1] - وقع عند البخاري (أبقى) بدل (أنقى). قال الحافظ _رحمه الله_ في "مقدمة فتح الباري" (ص 89) : (قَوْله (أبقى لثوبك) كَذَا لأكثرهم من الْبَقَاء، قَالَ الأصيلِيّ: وَيُقَال بالنُّون). وفي الشرح ( 7 / 65 ) قال _رحمه الله_: (قَوْله: (أَنْقَى لِثَوْبِك) بِالنُّونِ ثُمَّ الْقَاف لِلأَكْثَرِ، وَبِالْمُوَحَّدَةِ بَدَل النُّون لِلْكُشْمِيهَنِيّ)، وانظر (10 / 263 – 264 ).