المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إتحاف البررة بحكم الصلاة ذات الركوع والسجود في المقبرة



أبو بكر يوسف لعويسي
20-Feb-2016, 03:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه والصلاة والسلام على المبعوث رحمن للعالمين وعلى آله وصحبه وسلم ، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
وبعد :لقد كثر الخوض في حكم الصلاة عموما في المقبرة بين مبيح أباحة مطلقة وبين مانع منعا باتا ، وتعصب كل فريق لقوله ، وحصل بذلك تفرق وصل إلى حد التهديد بالضرب والتقاطع والتهاجر ، وغير ذلك مما لا يليق بالمسلمين فضلا عن أهل السنة السلفيين ، وكان المفروض النقاش والمحاورة باللطف واللين والحجة والبرهان بالتي هي أحسن للتي هي أقوم ، وأن صاحب الحجة الأقوى هو الذي ينبغي أن يؤخذ بقوله دون تعصب للقول المرجوح مادام قال به بعض السلف، فإن التعصب معيب مذموم ..
وأنه ينبغي على من جانب قوله الصواب أن يشكر ويدعو لمن وُفق للصواب ، وأن يناصره لا لذات الشخص وإنما للحق الذي معه وجاء به ، فإن وُجد من لم يقتنع وهو يرى أن أدلته قوية وأن الخلاف في المسألة قوي ومعتبر فلا يجعل ذلك طعنا فيمن خالفه ، ولا ينبغي لمن سمع مقاله أن يطعن فيه وأن يصفه بما لا يحب هو أن يوصف به ، بهذا الأدب الرفيع يمكن أن نقطع الطريق أمام الشيطان الذي يسعى جاهدا للكيد وإيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين .
حكم الصلاة في المقبرة والحمام :
قالَ البَغوِيُّ في «شَرْحِ السُّنَّةِ» (2/ 411): (اِخْتَلفَ أَهْلُ العِلمِ في الصَّلاةِ في المقبرَةِ وَالحمّامِ: فرُوِيَتِ الكرَاهِيَة ُ فِيْهمَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلف. وَإليْهِ ذهَبَ أَحْمَدُ، وَإسْحَاقُ، وَأَبوْ ثوْرٍ، لِظاهِرِ الحدِيْثِ، وَإنْ كانتِ الترْبة ُ طاهِرَة ً، وَالمكانُ نظِيْفا.
وَقالوْا: قدْ قالَ النَّبيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « اِجْعَلوْا فِي بُيُوْتِكمْ مِنْ صَلاتِكمْ، وَلا تَتَّخِذُوْهَا قبوْرًا ». فدَلَّ عَلى أَنَّ مَحَلَّ القبْرِ ليْسَ بمَحَلٍّ لِلصَّلاة.وَمِنْهُمْ: مَنْ ذهَبَ إلىَ أَنَّ الصَّلاة َ فِيْهمَا جَائِزَة ٌ، إذا صَلى في مَوْضِعٍ نظِيْفٍ مِنْه.وَرُوِيَ: أَنَّ عُمَرَ رَأَى أَنسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلي عِنْدَ قبْرٍ فقالَ: «القبْرَ القبْرَ» (1)، وَلمْ يَأْمُرْهُ باِلإعادَة.وَحُكِيَ عَن ِالحسَن ِ: أَنهُ صَلى في المقابر.وَعَنْ مَالِكٍ: «لا بَأْسَ باِلصَّلاةِ في المقابر») اه.
وقد نقل الخلاف في الصلاة في المقبرة جمع من العلماء والفقهاء، وبعد البحث في أقوالهم تبين لي أنهم اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال ، سأذكرها هاهنا باختصار ودون مناقشة لأقوالهم لأن المقام لا يتسع ثم أذكر ما يناسب حالة مسجدكم حسب ما رأيت وسمعت مدعما بكلام أهل العلم وفتاواهم.
القول الأول: تحريمالصلاة في المقابر مطلقاً، إلا ما ورد الدليل بخصوصه وهو الصلاة على القبر ، أي صلاة الجنازة التي لا ركوع فيها ولا سجود ، وعلى هذا تحمل جميع الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في المقبرة وإلى القبور .وعلل أصحاب هذا القول (المنع ) بمظنة الشرك وسدا لباب ذرائعه ، وردوا على من جعل العلة هي نجاسة المقبرة .
القول الثاني: كراهية الصلاة في المقابر، على خلاف بينهم في المقصود بالكراهة هل التحريم أم التنزيه ، والقول بالكراهة التحريمية يرجع إلى القول الأول ، والجمهور على أنه كراهة تنزيه ، قالوا فإن فعله - صلى الله عليه وسلم - للصلاة على القبر- وصلاة بعض الصحابة في المقبرة يعتبر صارفا للنهي من الكراهة التحريمية إلى التنزيهية ، إذ لو كانت الصلاة محرمة في المقابر مطلقا لما صلّى النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في المقابر الصلاة على المقبور ، أو إلى القبر ، فكيف يستبيح الصلاة في مكان نهى عن الصلاة فيه ، ولصلاها في المصلى كما فعل مع النجاشي .
القول الثالث:
جواز الصلاة في المقابر ، فمنهم من علل للنهي عن الصلاة في المقبرة والحمام بالنجاسة ، فإذا كان المكان نظيفا انتفى المانع وجازت الصلاة ، وقال الشافعي مع هذا تكره الصلاة ، وقال بعضهم أن النهي عنها منسوخ ، بأحاديث استباحة الصلاة في الأرض كلها.
وهي أحاديث صحيحة أصح من الأحاديث الناهية.وإلى هذا ذهب الأخير طائفة من الفقهاء منهم ابن عبد البر ، وأنا أذكر وجهة نظره في حكم الصلاة عموما في المقبرة ، لأنه يعتبر لسان المجيزين فقد ناقش المسألة ورجح ما تبين له الدليل أنه هو الراجح .
قال – رحمه الله - وهو يشرح حديث مالك عن زيد بن أسلم أنه قال : عرس رسول الله- صلى الله عليهوسلم - ليلة بطريق مكة ووكل بلالا أن يوقظهم للصلاة ؛ فرقد بلال ورقدوا حتى استيقظواوقد طلعت الشمس فاستيقظ القوم وقد فزعوا ، فأمرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي ، قال:<<أن هذا واد به شيطان>>فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي ، ثم أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن ينزلوا وأن يتوضئوا وأمر بلالا أن ينادي بالصلاة أو تقام ، فصلى رسول الله بالناس..>>الحديث وهو في الصحيحين.
وبعد أن حكى الخلاف في الصلاة في مثل ذلك الوادي الذي أمرهم النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يخرجوا منه وأنفيه شيطان .
قال: قال أبو عمر:القول المختار عندنا فيهذا الباب أن ذلك الوادي وغيره من بقاع الأرض جائز أن يصلى فيها كلها ، ما لم تكنفيها نجاسة متيقنة تمنع من ذلك ، ولا معنى لاعتلال من اعتل بأن موضع النوم عنالصلاة موضع شيطان ملعون لا يجب أن تقام فيه الصلاة ؛ لأنّا لا نعرف الموضع الذيينفك عن الشياطين ، ولا الموضع الذي تحضره الشياطين .
وكل ما روي في هذا المعنى من النهي عن الصلاة في المقبرة ، وبأرض بابل وفي الحمام ، وفي أعطان الإبل ، والخروج من ذلك الوادي ، وغير ذلك مما في هذا المعنى مما قد تقدم ذكرنا له ، كل ذلك عندنامنسوخ ومدفوع بعموم قوله- r- :<<جعلت لي الأرض كلها مسجداوطهورا>>.
وقوله هذا - صلى الله عليه وسلم - مخبر أن ذلك من فضائله ومما خص به ،وفضائله عند أهل العلم لا يجوز عليها النسخ ولا التبديل ولا النقص ، قال صلى اللهعليه وسلم:<<أوتيت خمسا>>وقد روي<<ست>> وقد روي:<<ثلاث>>و<<أربع>>وهي تنتهي إلى أزيد من سبع، قال فيهن: <<لم يؤتهن أحد قبلي ، بعثت إلى الأحمر والأسود ، ونصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت أمتي خير الأمم ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وجعلت لي الأرضكلها مسجدا وطهورا وأوتيت الشفاعة ، وبعثت بجوامع الكلم ، وبينما أنا نائم أوتيت بمفاتيح كنوز الأرض فوضعت بين يدي ، وأعطيت الكوثر ، وهو خير كثير وعدنيه ربي ، وهو حوضي ترد عليه أمتي يوم القيامة ، آنيته عدد النجوم ، من شرب منه لم يظمأ أبدا ،وختم بي النبيون>>.
وهذه المعاني رواها جماعة من الصحابة ، وهي صحاح كلها ، وإن لم تجتمع بإسناد واحد ، فهي أسانيد صحيحة ثابتة ، وجائز على فضائله الزيادة ، وغير جائز فيها النقصان .
ففضائله - صلى الله عليه وسلم- لم تزل تزداد إلى أن قبضه الله ،فمن ههنا قلنا : أنه لا يجوز عليها النسخ ولا الاستثناء ، ولا النقصان ، وجائز فيهاالزيادة .
وبقوله - صلى الله عليه وسلم- :<<جعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا>>أجزنا الصلاة في المقبرة والحمام ، وفي كل موضع من الأرض إذا كان طاهرا من الأنجاس ؛ لأنه عموم فضيلة لا يجوز عليها الخصوص . ولو صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:<<الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام>>فكيف وفي إسناد هذا الخبر من الضعف ما يمنع الاحتجاج به ؟ فلو صح لكان معناه أن يكون متقدم القوله : << جعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا>>ويكون هذا القول متأخرا عنه فيكون زيادة فيما فضله الله به عليه.
قلت : ومعناه أن يكون الأول منسوخا والثاني ناسخا عنده رحمه الله .
ثم ذكر - رحمه الله - أحاديث تفضيله على سائر الأنبياء وفيها أن الله جعل له الأرض كلها مسجدا وطهورا ، قال -رحمه الله- : فعن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- :<<أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي...>> وفيه<< وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، فأيّما رجل من أمتي أدركتهالصلاة فليصل>>.
ثم بين -رحمه الله- ضعف الحديث الذي فيه النهي عن الصلاة في المقبرة وأرض بابل ، وكذلك أشار إلى ضعف حديث:<<لا يصلي في سبع مواطن ؛ في المزبلة والمجزرة والمقبرة ومحجة الطريقوالحمام ومعاطن الإبل وفوق بيت الله عز وجل>> موسوعة شروح الموطأ [ج2270/-2278]
فقال :فهو حديث ضعيف عند جميعهم. وقد خرجته فيما سبق وأشرت إلى من ضعفه من أهل العلم .
واستدل لجواز الصلاة فيالمقبرة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال لأبي ذر:<< حيثما أدركتك الصلاة فصل ؛ فإن الأرض كلها مسجد>>وهو في البخاري [ح3366] ومسلم [520].
وأن النبي بنى مسجده فوق مقبرة المشركين ولو كان شيئا ممنوعا ما بنى مسجده هناك ، وقد أجازالعلماء الصلاة في الكنيسة إذا بسط فيها ثوب طاهر ..
ومعلوم أن الكنيسة أقرب إلى أن تكون بقعة سخط من المقبرة لأنها بقعة يعصى الله ويُكفر به فيها ، وليس كذلك المقبرة؛ وقد وردت السنة بإباحة اتخاذ البيع والكنائس مساجد .
ثم ذكر قول من قال بكراهة الصلاة في المقبرة ، وذكر الأحاديث التي استدلوا بها صحيحها وضعيفها ثم قال : أماالأحاديث الضعيفة فلا حجة فيها، وأما الصحيح منها فهو محتمل للتأويل أو النسخ ، ولايجوز أن يمتنع من الصلاة في كل موضع طاهر إلا بدليل لا يحتمل تأويلا .
ثم ذكر عن الثوري قوله : إن صلى في المقبرة لم يعد ، وقال الشافعي : إذا صلى أحد في المقبرة في موضع ليس فيه نجاسة أجزأه ، وذكر عن الحسن ابن علي بن أبي طالب أنه صلى في المقبرة ..
ويستدل لمن أجازها بأدلة منها : قوله صلى الله عليه وسلم: << جعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا>> وهو في الصحيحين .
وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر:<< حيثما أدركتك الصلاة فصل ؛ فإن الأرض كلها مسجد>>وهو في البخاري [ح3366] ومسلم [520].
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- :<<أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي...>> وفيه<< وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، فأيّما رجل من أمتي أدركتهالصلاة فليصل>>.
وبما علقه البخاري عن أنس - رضي الله عنه – أنه صلى إلى القبر ، فنهاه عمر فتنحى عن القبر ثم أكمل صلاته .. فلو كان غير جائز لما أكمل صلاته .وكذلك ثبت عن واثلة ابن الأسقع أنه صلى في المقبرة ، ورويت الإباحة عن ابن عمر وأبي هريرة ، وصلى الحسن بن علي في المقبرة ، وكذلك الحسن البصري وزوجة الحسن بن علي كما في البخاري ..وبعض التابعين أيضا .
ويستدل للمانعين بأدلة كثيرة منها :وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْمَقْبَرَةِ وَالصَّلَاةُ إِلَى الْقَبْرِ فَكِلَاهُمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ.
أَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْمَقَابِرِ فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ فِي النَّهْيِ عَنْهَا مِنْهَا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا، وَلَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا - أخرجه البُخَارِيّ (1/468) (1324) ، وَمُسلم (1/376) (529) .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا نَحْوُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه - أخرجه البُخَارِيّ (1/468) (426) ، وَمُسلم (1/376) (530) .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى» - أخرجه البُخَارِيّ (3/1273) (3267) ، وَمُسلم (1/377) (53) .
والنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَلْعَنُ إِلَّا عَلَى فِعْلٍ حَرَامٍ شَدِيدِ الْحُرْمَةِ. وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا. أَلا وَإِن من كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ. ألَّا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ (1/377) (532). ، وَالنَّسَائِيّ فِي "الْكُبْرَى" (6/328) (11123) .
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» أخرجه البُخَارِيّ (1/166) (422) ، وَمُسلم (1/538) (777) .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُبُورَ لَيْسَتْ مَحَلَّ صَلَاةٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْحَدِيثِ صَلُّوا وَلَا تَكُونُوا كَالْأَمْوَاتِ فِي قُبُورِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «إِنَّ مِنْ شَرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» أخرجه أَحْمد (1/405) ، وَقَالَ الأرناؤوط: إِسْنَاده حسن. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا.
وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ لَا مَطْعَنَ فِيهَا، وَهِيَ تَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ. لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ صُلِّيَ فِيهِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ فِي اللُّغَةِ مَكَانُ السُّجُودِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا» أخرجه البُخَارِيّ (1/128) (328) ، وَمُسْلِمٌ (1/370) (521). مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. أَيْ كُلُّ مَكَانٍ مِنْهَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ، ثم استثنى من ذلك المقبرة والحمام .
وَظَاهِرُ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ الْعُمُومُ سَوَاءٌ نُبِشَتِ الْمَقْبَرَةُ وَاخْتَلَطَ تُرَابُهَا بِصَدِيدِ الْأَمْوَاتِ أَوْ لَمْ تُنْبَشْ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ لَيْسَتْ بِنَجَاسَةِ الْمَقَابِرِ كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيَّةُ، بِدَلِيلِ اللَّعْنِ الْوَارِدِ من النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
الراجح من هذه الأقوال :الذي أدين الله به . أن الصلوات غير صلاة الجنائز لا تجوز في المقابر، ولا إلى القبور ، ولا في غيرها من الأماكن التي ورد فيها النهي- وهذا ما أدين الله به - ولا شك في أن أحاديث النهي عن الصلاة في المقبرة ، أو إلى القبور ثابتة صحيحة صريحة لا غموض فيها ، بل ورد لعن من اتخذها مساجد يُصلى فيها الفرض ؛ والتطوع والصلوات ذاتالحاجات ، كما مر معك آنفا ، فالقول بتحريم الصلاة في المقابر وإلى القبور مطلقا، - إلا صلاة الجنازة- هو القول الذي تعضده الأدلة ، وذلك سدا لذريعة الوقوع في الشرك، وحماية لجانب التوحيد، وحتى لا تتخذ القبورمساجد ، أي موضع سجود ، هذه العلة هي المناسبة للأحاديث الواردة في النهي عن ذلك، والمحذّرة مناتخاذها مكاناً للصلاة، وتمشياً مع مقاصد الشريعة في هذا الباب، لأن كل موضع صُليفيه يطلق عليه اسم المسجد، ولأن المسجد في اللغة : هو مكان السجود.
أما مكان الصلاة على الجنائز فلا يطلق عليه اسم مسجد وإنما يسمى مصلى الجنائز .والله أعلى وأعلم.
قال الأمين الشنقيطي في الأضواء : قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ دَلِيلًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدِي قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ النُّصُوصَ صَرِيحَةٌ فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ وَلَعْنِ مَنِ اتَّخَذَ الْمَسَاجِدَ عَلَيْهَا، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ جِدًّا فِي التَّحْرِيمِ.
حكم الصلاة في المسجد الذي قبلته جهة مقبرة:
في هذا المقال سوف نفصل الحكم الشرعي في مسألة الصلاة في مسجد قبلته مقبرة، أو
في قبلته قبور.
فأقول بعد الاستعانة بالله:
لا شك أنه ينبغي أن تبعد المقابر أو القبور عن المساجد، وأن تكون المساجد منفصلة عن المقابر، سداً لذريعة الشرك، وحذراً من اللعنة، إلا أن هذه المسألة بحاجة إلى تفصيل خاصة وقد علمت أنها ملتبسة على بعض إخواننا الدعاة مما قد يترتب عليه تسرعهم في الحكم نتيجة عدم إلمامهم بعموم المسألة. في البداية نتفق جميعاً على حرمة الصلاة في مسجد فيه قبر أو قبور أو أمامه من جهة القبلة ملاصقا للمسجد ليس بينه وبين المسجد طريق ولا فاصل جدار ، ولا يقول بغير هذا إلا من انحرفت عقيدته، وانتكست فطرته، وخالف وصايا النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: (لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها) مسلم(...). صحيح مسلم - (ج 5 / ص 95 – 1614) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لا تصلّوا إلى قبر، ولا تصلوا على قبر) المعجم الكبير للطبراني، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة - (ج 3 / ص 13 - 1016))المعجم الكبير للطبراني - (ج 10 / ص 68 – 11882) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة - مختصرة - (ج 3 / ص 13 - 1016) .
وقال الإمام الشافعي -رحمه الله- في الأم (246): "وأكره أن يبنى على القبر مسجد، وأن يسوى، أو يصلى عليه، وهو غير مسوى، أو يصلى إليه". في كتابه " الأم " (1/ 246) .
والكراهة التي يقصدها الإمام الشافعي هي كراهة تحريم وليس كراهة تنزيه كما ظن بعض من يتساهلون في الأحكام.
إلا أن ما يجب أن يفهمه إخواني الدعاة خاصة من يتعاملون مع هذه المسألة بتشدد مبالغ فيه أن التحريم ليس على كل حال، فهناك حالات تصح فيها الصلاة في المساجد التي حولها أو أمامها مقبرة أو قبور.
قال الشيخ بن باز -رحمه الله-:
وأما عن صحة الصلاة في المسجد الذي بجواره قبر، وهذا القبر ينفصل عن المسجد بجدار ونحوه، فيكون القبر خارج المسجد، فهي جائزة، ولا نعلم لمن حرمها دليلاً إلا سد الذريعة. خصوصاً إذا كان القبر عن يمين أو يسار أو خلف المسجد، ولم يكن في القبلة، فلا بأس بالصلاة فيه لانتفاء شبهة استقبال القبر. لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الصلاة إلى القبور. . (مجموع فتاوى و رسائل الشيخ ابن
باز - المجلد العاشر).
من كلام الشيخ ابن باز يظهر جواز الصلاة في المسجد إن كان يفصله جدار آخر عن
المقبرة، وتتضح المسألة أكثر في جوابه التالي: "إذا كان في قبلة المسجد شيء من القبور فالأحوط أن يكون بين المسجد وبين المقبرة جدار آخر، غير جدار المسجد، أو طريق يفصل بينهما، هذا هو الأحوط والأولى؛ ليكون ذلك أبعد عن استقبالهم للقبور.
أما إن كانت عن يمين المسجد أو عن شماله، أي عن يمين المصلين، أو عن شمالهم فلا يضرهم شيئاً؛ لأنهم لا يستقبلونها، لأن هذا أبعد عن استقبالها وعن شبهة الاستقبال" (مجموع فتاوى و رسائل الشيخ بن باز - المجلد الثالث عشر) .
هنا فصل الشيخ ابن باز رحمة الله تفصيلاً كافياً وشافياً، أن في حالة وجود جدار آخر للمقبرة غير جدار المسجد يكون الأمر خرج من الشبهة، فهو قال (الأحوط) إي كان بدون الجدار جاز ذلك، ولكن بعداً عن الشبهة قال (الأحوط).
سئل الشيخ أيضاً -رحمه الله- عن حكم الصلاة في مسجد بجواره قبر. ونص السؤال: "يوجد لدينا مسجد تقام الصلاة فيه جماعة وجمعة؛ ولكن يوجد قبور حول المسجد في مقدمته ومؤخرته، والفرق بين المسجد والقبور نحو ستة أمتار فقط،علماً أن المسجد بُني قبل وضع القبور، فهل تصح الصلاة في هذا المسجد؟ فأجاب قائلاً: "نعم، تصح الصلاة فيه، ولو كان حوله قبور، إذا كان المسجد قائماً، ووُضعت حوله القبور عن يمينه أو شماله أو أمامه أو خلفه هذا لا يضر، وقد كان الناس فيما مضى يدفنون حول البلاد من الخوف والفتن والحروب، كانوا يدفنون حول مساجدهم،يخرج المسجد ويدفن حول المسجد.......
المقصود أن القبور التي حول المساجد لا تمنع من الصلاة في المساجد، إنما المحرم أن تُبنى المساجد على القبور، وأن تتخذ القبور مساجد، هذا هو الذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم (إذاعة لقرآن 1/51407) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين ..... مقبرة قام الناس وبنوا عندها مسجدا على بعد عشرة أمتار، فما حكم إقامة هذا المسجد؟
فأجاب -رحمه الله-: "إذا كان خارج عن المقبرة، ولم تكن المقبرة بين يدي المصلين، ولم يقصد به التبرك بكونه حول المقبرة بكونه أي المسجد حول المقبرة فهذا لا بأس به، فأما إذا بني في جانب منها أو كانت المقبرة أمامه، أو كان عن عقيدة أن كون المسجد قرب المقبرة أفضل وأكمل فهذا لا يجوز" (فتاوى نور على الدرب: التوحيد والعقيدة ." الشيخ ابن العثيمين رحمه الله).
هنا يوضح الشيخ ابن عثيمين رحمه الله متى تكون الصلاة محرمة في في مسجد بجواره قبر ، وهي حالة وجود المقبرة أمام المسجد ملتصقة به أو بني المسجد على أرض المقبرة ، وبني بنية الاعتقاد أن الصلاة في هذا المسجد أفضل وأكمل أي من أجل التبرك ، أما إذا كان المسجد منفصلا أي خارج أرض المقبرة ، وبينه وبين المقبرة فاصل ولم يكن القصد من بنائه التبرك فلا حرج حينئذ من الصلاة فيه .
وأنبه أن المقصود من عدم جواز الصلاة في مسجد فيه قبر (بين يدي المصلين) أي أمامهم مباشرة، وهذا لا يكون في حالة إن كانت المقبرة مفصولة عن بناء المسجد.
وهذا يُفهم بسهولة من كلام الشيخ ابن عثيمين أعلاه وغيره من العلماء.
كما أنبه أن هناك فرق كبير بين أن تكون المقبرة التي أمام المسجد لولي مزعوم يعظمه الناس ويعتقدون أفضلية الصلاة في ذلك المسجد ،وبين مقبرة لعوام الناس لا يأتي إليها أحد لتعظيم أهلها أو التوسل والاستغاثة بهم.فالأول ينهي عن الصلاة فيه سدا لذريعة الشرك والثاني لا .
نكمل إجابة الشيخين بإجابة الشيخ أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله على سؤال أحد الطلاب من إندونيسيا ، ونص السؤال:
ما حكم الصلاة في المسجد الذي أمامه مقبرة؟
فأجاب رحمه الله : أما بعد: فالصلاة في المسجد الذي أمامه مقبرة خارج جدار المسجد صحيحة، لأنّ النهي عن الصلاة في المسجد الذي فيه مقبرة، كما جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: ((الأرض كلّها مسجد، إلاّ المقبرة والحمّام)).
وفي "صحيح مسلم" من حديث جندب عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال:((ألا وإنّ من كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتّخذوا القبور مساجد، إنّي أنْهاكم عن ذلك)).
وحديث: أنّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((لا تصلّوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها)). فهذا إذا كانت الصلاة إليها بدون حائط أو جدار. أما إذا وجد الجدار أو الحائط وهي خارج المسجد، فالصلاة صحيحة إن شاء الله. (تحفة المجيب ، ط 1/1421،(83-84))
قال الدكتور الشيخ خالد المشيقح الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
نشكر الأخ السائل على هذا السؤال، وقد اطلعت على كلام الشيخ ابن باز وابن عثيمين وكذلك كلام الشيخ مقبل رحمهم الله جميعاً فاتضح من فتاوى هؤلاء العلماء وكلامهم أن الصلاة تصح في المسجد الذي في قبلته مقبرة أو قبور إن كان هناك فاصل غير جدار المسجد، يفصل هذه المقبرة عن المسجد،والذي أراه أن الصلاة في هذا المسجد صحيحة وذلك لأن هذه القبور يفصلها عن المسجد جدار ولانتفاء شبهة استقبال القبر، لكن الأحوط أن يكون بين المسجد وبين هذه القبور جدار آخر، غير جدار المسجد؛ ليكون ذلك أبعد عن استقبالها. والله أعلم.
حكم الصلاة في مسجد بجواره قبر يزار وتنفق له الأموال
يوجد عندنا مسجد بجانبه قبران خارج المسجد، أحدهما يوجد داخل حجرة مبنية له بحجة أنه ولي صالح، ويوجد بداخل الحجرة صندوق مخصص للتبرعات يضع فيه الزوار النقود وتُنفق هذه النقود في ما ينقص المسجد .
السؤال : ما الحكم في إنفاق هذه النقود وما الحكم بالنسبة للصلاة فيه؟؟
الجواب . إذا كان القبر خارج المسجد فلا حرج في الصلاة في المسجد لأنه مستقل حينئذ، الرسول - صلى الله عليه وسلم – نهى عن اتخاذ المساجد على القبور وقال : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فإذا كان القبر خارج ذلك في حجرة خارج المسجد فلا حرج، لكن هذا القبر يجب أن يبعد إلى مقابر المسلمين حتى لا يغلى فيه حتى لا يعبد من دون الله، وهذا الصندوق يجب أن يزال لأن الجهلة يسلمون الأموال تقربا إلى الميت إلى صاحب القبر لأنه بزعمهم ولي، فكونهم يتقربون إليه بالنذور والصدقات هذا شرك أكبر لا يجوز، فالواجب على المسئولين في البلد أن يتصلوا بالعلماء، وأن يزيلوا هذا القبر وينقل رفاته إلى مقابر المسلمين مع المقابر، وتزال هذه الحجرة التي قد يفتن بها الناس، ويزال الصندوق وهذه الأموال التي في الصندوق تصرف في مصارف المسلمين في مصالح المسجد أو مصالح المدارس أو تعطى للفقراء ونحو ذلك لأنها أموال ضائعة ليس لها مالك في الحقيقة وتصرف في المصارف العامة ويزال هذه الصندوق ويخبر الناس أنه لا يجوز التقرب لأهل القبور لا بالذبائح ولا بالنذور ولا يصلى عند القبر ولا يصلى لهم ولا يُدْعَون من دون الله (ولا مع الله )، ولا يستغاث بهم ولا ينذر لهم؛ لأن هذا لا يجوز، النذر لهم شرك بالله ودعاؤهم من دون الله كأن يقول يا سيدي أنا في جوارك، يا سيدي المدد المدد، هذا شرك أكبر من جنس عمل المشركين في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم – من أهل مكة وغيرهم، الميت يُدْعَى له ويُسْتَغفر له ويُتَرحم عليه ولا يدعى من دون الله لا يستغاث به لا ينذر له، لا يذبح له، فمن فعل هذا مع الأموات فقد أشرك قال الله عز وجل:{ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} وقال سبحانه:{ إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر} وقال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال :قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً، يعني مبتدعاً، أو غيره ممن يحدثون حدثاً في الدين ولا ينصرون ولا يجارون، لعن الله من غير في مراسيمه أو حدوده والشاهد لعن الله من ذبح لغير الله، فالذبح لغير الله تقرب إلى غير الله كالصلاة لغير الله فلا يجوز أن يذبح لفلان أو فلان، تقرباً إليه، للميت الفلاني أو الولي الفلاني أو للجن أو للملائكة يتقربون إليهم أو للأنبياء يعبدهم بهذا من دون الله هذا لا يجوز، وجميعها لله وحده، والدعاء كذلك، لا يدعى مع الله أحدٌ. فتاوى الشيخ ابن باز من موقعه .
عندنا مسجد كان به ضريح وعندما تم هدم المسجد وبناؤه من جديد تم إخراج هذا الضريح من حدود المسجد وأصبح منفصلا عنه بالكلية ، وأصبح مدخله من خارج المسجد ولكن جدار هذا الضريح ملتصق بجدار المسجد ، حيث إن لكل منهما جدار مستقل بذاته .
الجواب :الحمد لله :من المعلوم والثابت بالنصوص الشرعية الصحيحة : أن القبر والمسجد لا يجتمعان أبداً في دين الإسلام ، ولقد أحسن القائمون على هذا المسجد بهدمه وإعادة بنائه .وكان الواجب عليهم دفن صاحب القبر في المقبرة مع سائر المسلمين ، لا أن يجعلوا له مكاناً خاصاً قرب المسجد ، حتى لا يعتقد الناس فيه مع مرور الأيام اعتقادات فاسدة .
ولكن بما أن القبر بجانب المسجد ويفصل بينهما جدار ، بل لكل منهما مدخل منفصل ، فلا حرج من الصلاة في هذا المسجد .ولا يشمله النهي الوارد ببناء المساجد على القبور ، فليس في هذه المسألة قبر بني عليه مسجد ، ولا مسجد أدخل فيه قبر .
وقد دُفن النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة ، وكان الفاصل بين قبره وبين المسجد جدار الحجرة .
قال شيخ الإسلام رحمه الله :" وكانت على عهد الخلفاء الراشدين والصحابة حجرته خارجة عن المسجد ، ولم يكن بينهم وبينه إلا الجدار". انتهى من "الرد على الأخنائي" صـ 118.
وقال : " وإن كان المسجد منفصلاً عن القبر ، فحكمه حكم سائر مساجد المسلمين" . انتهى من"مجموع الفتاوى" (31/12) .
وجاء في "الدرر السنية " (5/ 266) :" وأجاب الشيخ محمد ابن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ، والشيخ سليمان بن سحمان : مسجد الطائف الذي في شقه الشمالي قبر ابن عباس رضي الله عنهما ، الصلاة في المسجد، إذا جعُل بين القبر وبين المسجد جدار يُرفَع ، يُخرج القبر عن مسمَّى المسجد ، فلا تكره الصلاة فيه ". انتهى .
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: " إذا كان في قبلة المسجد شيء من القبور فالأحوط أن يكون بين المسجد وبين المقبرة جدار آخر غير جدار المسجد أو طريق يفصل بينهما ، هذا هو الأحوط والأولى ؛ ليكون ذلك أبعد عن استقبالهم للقبور .أما إن كانت عن يمين المسجد أو عن شماله ، أي عن يمين المصلين ، أو عن شمالهم فلا يضرهم شيئا " . انتهى من " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (13 /357).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :" فإذا قال قائل : ما هو الحَدُّ الفاصل في الصلاة إليها؟ قلنا : الجدارُ فاصل ، إلا أن يكون جدارَ المقبرة ، ففي النفس منه شيء ، لكن إذا كان جداراً يحول بينك وبين المقابر ، فهذا لا شَكَّ أنه لا نهي ، كذلك لو كان بينك وبينها شارع فهنا لا نهي ". انتهى من " الشرح الممتع "(2 /254) .وإذا كان الجدار الواحد فاصلاً ، فمن باب أولى إذا كان لكل منهما جدار مستقل .
والحاصل: أن الصلاة بهذا المسجد لا بأس بها نظرا لوجود الجدار الفاصل بين المسجد والقبر ، وأما ما ذكرته للاستدلال على الجواز فلا يظهر لنا وجاهته ، ويشكل عليه القبر الذي يكون داخل المسجد ، وهو ممتهن ، فهل سيقال بتركه نظراً لامتهانه وانتفاء مخافة التعظيم !!إن تحريم بناء المساجد على القبور أو بناء القبور في المساجد جاء مطلقاً في النصوص الشرعية ، فيبقى على إطلاقه حتى يأتي ما يدل على تقييده . والله أعلم .
فتوى أخرى للشيخ ابن عثيمين رحمه الله
يقول يوجد بجوار المسجد مقابر هل يجوز لنا الصلاة فيها علماً بأن الفاصل بين المقبرة والمسجد جدار المسجد فقط وهو تجاه القبلة؟ الشيخ: إذا كانت المقبرة عن يمين مستقبل القبلة أو يساره أو خلفه فلا بأس إلا إذا كان المسجد قد بني في المقبرة فإنه لا يجوز الصلاة فيه بل يجب هدم وترك أرضه يدفن بها وهدمه ليس من مسؤولية أفراد الناس بل من مسؤولية ولاة الأمور بمعنى أنه لو لم يهدم فليس على الناس إثم الإثم على ولي الأمر الذي يستطيع أن يأمر بهدمه فيهدم وأما إذا كانت القبور في القبلة فإن الأمر أشد ولولا جدار المسجد الذي يحول بين المسجد وبين القبور لقلنا إن الصلاة لا تصح بكل حال لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تصلوا إلى القبور) هذا هو جواب هذه المسألة وأكرر أن هدم المسجد فيما إذا وجب هدمه ليس إلى أفراد الشعب ولكنه إلى المسئولين في الحكومة.
نص السؤال : في بلدتنا مسجد يصلي به الناس ، ولكن يوجد أمامه من جهة اليسار قليلًا وعلى بعد مترين غرفة بها قبر وكذلك أمامه من ناحية القبلة مباشرة وعلى بعد عشرة أمتار توجد مقابر فهل يصح الصلاة في هذا المسجد ما دامت المقابر خارجًا وليست منه‏؟‏ أم لا تصح بأي حال ما دامت محيطة به‏؟
‏نص الإجابة : إذا كانت المقابر مفصولة عن المسجد بشارع أو بسور ولم يبن هذا المسجد من أجل المقابر فلا بأس أن يكون المسجد قريبًا من المقبرة إذا لم يوجد مكان بعيد عنها ، أما إذا كان وضع المسجد عند القبور مقصودًا ظنًّا أن في ذلك بركة أو أن ذلك أفضل فهذا لا يجوز؛ لأنه من وسائل الشرك‏ .من فتاوى الشيخ الفوزان .
صال آل الشيخ في شرح الطحاوية:
قال الشيخ صالح آل الشيخ ـ شرح الطحاوية إذا كان القبر في مقبرة مستقلة عن المسجد فإنَّ الصلاة في المسجد جائزة إذا كان في القبلة، لهذا ليس من المعقول أن يتخاصم الإخوة ويفترقوا ويشنعوا على بعضهم البعض في مسائل وسع فيها من هم أعلم منهم، فالتشدد يحسنه كل أحد، لكن النظرة الواسعة الهادئة والتعامل السليم المليء بالمحبة للآخرين لا يحسنه إلا أهل الحكمة والعقول النيّرة، والقلوب الصافية. ونحن بهذا المقال نبتغي توضيح حكم غاب عن كثير من إخواننا الدعاة وطلبة العلم وفقنا الله وإياهم.
والخلاصة : فالذي استخلصته من كلام هؤلاء العلماء ، هو أن الصلاة تجوز في مسجد بجواره عن يمينه أو شماله أو أمامه مقبرة أو قبر بشروط وهي :
أولا : أن يكون القبر خارج المسجد ..
ثانيا : أن يكون المسجد مستقلا عن أرض المقبرة ..
ثالثا : أن يكون بينه وبين القبر أو القبور فاصل من طريق أو جدار غير جدار المسجد .
رابعا : لم يبن هذا المسجد في هذا المكان بقصد التبرك بالضريح وصاحبه ..واعتقاد أفضلية الصلاة فيه على غيره من المساجد . فلا حرج من الصلاة في هذا المسجد .
ولقد زرت مسجدكم واطلعت على واقعه من قرب فرأيت القبر خارج المسجد ، وأنه بعيد عن المسجد مسافة تقدر ب 50 مترا ، وأن بينه وبين المسجد طريقا وفاصلا ناقصا نوعا ما من جهة ساحة المسجد ، وللمسجد مدخل غير المدخل العام الذي يدخل منه المصلون والسكان والزوار والذين يأتون من أجل تعبئة الماء ، وأن المسجد الآن مستقل عن أرض المقبرة فهو تابع للأوقاف التي تشرف عليها الحكومة ، وإن كان بعضكم له تحفظ على هذا الأخير لكن الواقع يشهد أن المسجد الآن مستقل وليس تابعا للمقبرة ولا للضريح ، وأنه لم يبن من أجل التبرك وأفضلية المكان ، لأن هذا المسجد بناه أهل الحي بعد اقتحام المكان ، فلا يكون الاقتحام من أجل التبرك؛ لأن أهل الحي الذين اقتحموا المكان يغلب عليهم السنة وأغلبيتهم يستنكر التبرك وما يجري في الضريح ..
ومن خلال هذا التحري والبحث يقال أنه يجوز الصلاة في هذا المسجد مع السعي لنباء جدار فاصل من أمام المسجد يشمل ساحته من جهة يمين المسجد حتى تغيب رؤية القبر وترتفع الشبهة نهائيا وتطمئن النفس للصلاة دون شبهة .
والذي أنصح به الإمام واللجنة والشباب وأهل الحي الذين اختلفوا في هذه المسألة بأمر مهم يرفع النزاع والخلاف بينهم حتى تجتمع كلمتهم ويسقط الخلاف والنزاع ، وتتآلف القلوب هو بناء جدار فاصل من أمام القبر على طول المسجد وساحته فإن أعوزتهم الحاجة فليجعلوا فاصلا بالزنك وليصلوا في المسجد بدون تحرج .
ثانيا : أنصح الجميع بالتعاون على البر والتقوى ، والحرص الشديد على الأمر بالمعروف وتغيير المنكر الذي يرونه حوله الضريح حتى يغلق أو ينتهي الناس الذين يأتونه من هنا وهناك عن الطقوس التي تقام فيه من الشرك والعياذ بالله .
وصل اللهم على نبيناً محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب :
أبو بكر يوسف لعويسي



الهامش :
(1) - صَحِيْحٌ، عَلقهُ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (1/ 437)، وَرَوَاهُ مَوْصُوْلا ً: أَبوْ بَكرٍ ابْنُ أَبي شيبة َ في «مُصَنَّفِهِ» (2/ 379)، وَعَبْدُ الرَّزّاق ِفي «مُصَنَّفِهِ» أَيْضًا (1/ 404 - 405)، وَأَبوْ بَكرٍ ابْنُ المنذِرِ في «الأَوْسَطِ» (2/ 186) وَالبَيْهَقِيُّ في «سُننِهِ الكبرَى» (2/ 435).

أبو عبد المصور مصطفى الجزائري
28-Sep-2017, 08:50 AM
جزاك الله خيرا شيخنا الفاضل ونفع الله بعلمك .امين