المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرقية في الماء بين المانعين والمجيزين والراجح من ذلك



أبو بكر يوسف لعويسي
12-Mar-2016, 07:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد :
حكم الرقية في الماء والنفث فيه وشربه أو المسح به :
إن مسألة الرقية في الماء والنفث فيه بعد القراءة مسألة فيها قولان لأهل العلم ، أباحها قوم ومنها آخرون وإليك تحريرها بالتفصيل. –
1القول الأول للجمهور ، واستدلوا بأحاديث سأذكرها وأذكر غيرها مما فاتهم أو ذكروه لكن ما بلغني ذلك عنهم .
أ - أحاديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم– :
عن عل- رضي الله عنه - قال : لدغت النبي - صلى الله عليه وسلم - عقرب في الصلاة فلما فرغ قال: (( لعن الله العقرب لا تدع مصليا ولا غيره ثم دعا بملح وماء وجعل يمسح عليه ويقرأ..)) (1).
وفي المشكاة قال : فَجعله فِي إِناءٍ ثمَّ جَعَلَ يَصُبُّهُ عَلَى أُصْبُعِهِ حَيْثُ لَدَغَتْهُ وَيَمْسَحُهَا وَيُعَوِّذُهَا بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ.وفي هذه الرقية ، وهي رقية اللسعة من العقرب والحية ذكر استعمال الماء والملح ثم المسح على مكان اللدغة وقراءة المعوذتين .
فهذا دليل على جواز استخدام الماء في الرقية ولو بهذه الطريقة لمن لدغته عقرب أو حية فيجوز للراقي أن يستعمل الملح في الماء ويرقي فيه ويصبه على مكان اللدغة ويسمح به عليه.
ب- رقية النبي- صلى الله عليه وسلم - لثابث بن قيس بن شماس - رضي الله عنه - ؛ وَقَالَ ابْنُ صَالِحٍ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ - عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ - قَالَ أَحْمَدُ - وَهُوَ مَرِيضٌ فَقَالَ : ((اكْشِفِ الْبَأسَ رَبَّ النَّاسِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ))ثُمَّ أَخَذَ تُرَابًا مِنْ بَطْحَانَ فَجَعَلَهُ فِي قَدَحٍ ثُمَّ نَفَثَ عَلَيْهِ بِمَاءٍ وَصَبَّهُ عَلَيْهِ.(2).
وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ الْأَزْدِيِّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي، أَنَّهَا رَأَتْ رَسُولَ اللهِ- صلى الله عليه وسلم - يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَخَلْفَهُ إِنْسَانٌ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُصِيبُوهُ بِالْحِجَارَةِ وَهُوَ يَقُولُ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَإِذَا رَمَيْتُمْ فَارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ ))،ثُمَّ أَقْبَلَ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا ذَاهِبُ الْعَقْلِ فَادْعُ اللهَ لَهُ، قَالَ لَهَا: ((ائْتِينِي بِمَاءٍ ))،فَأَتَتْهُ بِمَاءٍ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ، (( فَتَفَلَ فِيهِ وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ دَعَا فِيهِ))ثُمَّ قَالَ: ((اذْهَبِي فَاغْسِلِيهِ بِهِ وَاسْتَشْفِي اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ))،فَقُلْتُ لَهَا: هَبِي لِي مِنْهُ قَلِيلًا لِابْنِي هَذَا، فَأَخَذْتُ مِنْهُ قَلِيلًا بِأَصَابِعِي فَمَسَحْتُ بِهَا شِقَّةَ ابْنِي فَكَانَ مِنْ أَبَرِّ النَّاسِ، فَسَأَلْتُ الْمَرْأَةَ بَعْدُ: مَا فَعَلَ ابْنُهَا؟ قَالَتْ: بَرِئَ أَحْسَنَ بَرْءٍ )) (3).
وفي البخاري (194) باب صب النبي وضوءه على المغمى عليه وفي باب وضوء العائد للمريض (5676) حدّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بن المِنْكَدِرِ قالَ سَمِيْتُ جابِراً يَقُولُ جاءَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَعُودُني وَأنَا مَرِيضٌ لاَ أعْقلُ فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ علَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ يَا رسولَ اللَّهِ لِمَنِ المِيرَاثُ إنَّمَا يَرِثُنِي كَلاَلَةٌ فَنزلَتْ آيَةُ الفَرَائِضِ.. وأخرجه مسلم في ميراث الكلالة (1616).
قال بدر الدين العيني في عمدة القاري (3/87) بيان استنباط الأحكام : الثَّانِي: فِيهِ رقية الصَّالِحين للْمَاء ومباشرتهم إِيَّاه، وَذَلِكَ مِمَّا يُرْجَى بركته.
الثَّالِث: فِيهِ دَلِيل على أَن بركَة يَد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -تزيل كل عِلّة.
الرَّابِع: فِيهِ أَن مَا يقْرَأ على المَاء مِمَّا ينفع.عمدة القارئ (3/87)ونقله في الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري(3/42).
قلت : إذا ثبت هذا في هذا الحديث المتفق عليه ، وأن وضوء النبي- صلى الله عليه وسلم -مبارك ويتبرك به ، وهو نافع بإذن الله تعالى فكلام الله تعالى من باب أولى وأولى فهو الشفاء والرحمة ، يقرأ في الماء ويتبرك به لا بنفث القارئ .
وفي هذه الأحاديث وغيرها مما رُوي وفيه بعض الضعف مما يدل على أن للمسألة أصل ؛ وأنه يجوز وأقل أحواله أنه مباح إذ لم يرد النهي عنه ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا باس بالرقى لم يكن شركا )) وقال : ((من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل )) ويؤكده ما جاء عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين .
وفتاوى بعض العلماء المتبعين لهم بإحسان. عن الصحابة – رضي الله عنهم -: ففي مصنف ابن أبي شيبة (5/40)(23509) قال حدثنا أبو بكر قال حدثنا هشيم عن مغيرة عن أبي معشر عن عائشة أنها كانت لا ترى بأسا أن يعوذ في الماء ثم يصب على المريض . شرح السنة للبغوي (12/165).
والعلامة المحدث عبد المحسن العباد يصحح هذا الحديث كما في شرحه على حديث ثابت بن شماس في سنن أبي داود وهو فيصل في هذه المسألة.
وجاء جواز ذلك عن ابن عباس – رضي الله عنهما - وسنده ضعيف) ابن أبي شيبة [23508] فيه : محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى : ضعيف.
وعن التابعين : وفي مصنف ابن أبي شيبة : (23510 ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَلَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: (( أَنَّهُمَا لَمْ يَرَيَا بَأْسًا أَنْ يَكْتُبَ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ يُسْقَاهُ صَاحِبُ الْفَزَعِ)).
وفيه :((23511 )) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى، سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ: (( يَكْتُبُ التَّعْوِيذَ لِمَنْ أَتَاهُ)).
قَالَ حَجَّاجٌ: وَسَأَلْتُ عَطَاءً، فَقَالَ: (( مَا سَمِعْنَا بِكَرَاهِيَةٍ إِلَّا مِنْ قِبَلِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ)). فتاوى العلماء .
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية [ج2- ص348]: قال أحمد في رواية مهنا في الرجل يكتب القرآن في إناء ثم يسقيه للمريض، قال: لا بأس .
قال مهنا: قلت له : فيغتسل به ؟ قال: ما سمعت فيه بشيء .
قال الخلال: إنما كره الغسل به لأن العادة أن ماء الغسل يجري في البلاليع والحشوش فوجب أن ينزه ماء القرآن من ذلك ولا يكره شربه لما فيه من الاستشفاء.
وقال صالح (بن أحمد بن حنبل ) : ربما اعتللتُ فيأخذ أبي قدحا فيه ماء فيقرأ عليه ويقول لي اشرب منه واغسل وجهك ويديك .
ونقل عبد الله ( بن أحمد بن حنبل ) أنه رأى أباه يعوذ في الماء ويقرأ عليه ويشربه ويصب على نفسه منه .
وقال يوسف بن موسى إن أبا عبد الله (أحمد بن حنبل ) كان يؤتى بالكوز ونحن بالمسجد فيقرأ عليه ويعوذ .
قال ابن تيمية - رحمه الله - مجموع الفتاوى (19- 64). ويجوز أن يكتب للمصاب وغيره من المرضى شيئا من كتاب الله وذكره بالمداد المباح ويغسل ويسقى كما نص على ذلك أحمد وغيره.انتهى.
وقال ابن القيم - رحمه الله - : (170- 171) ورأى جماعة من السلف أن تكتب له الآيات من القرآن ثم يشربها، قال مجاهد : لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض .
ومثله عن أبي قلابة ويذكر عن ابن عباس : أنه أمر أن يكتب لامرأة تعسر عليها ولادها أثر من القرآن ثم يغسل وتسقى ، وقال أيوب : رأيت أبا قلابة كتب كتابا من القرآن ثم غسله بماء وسقاه رجلا كان به وجع) انتهى.وسنده صحيح مصنف عبد الرزاق (20170).
وقد أفتى بجواز ذلك من المعاصرين الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ عبد العزيز آل الشيخ، وغيرهم رحم الله الأموات منهم وحفظ لنا الأحياء .
توضيح وتصحيح : إن مسألة النفث في الماء ليس من أجل أن يتبرك بنفث الراقي القارئ وإنما من أجل أن يتبرك بالقرآن الذي يحمله النفث إلى الماء فلينتبه لهذا ، وليُعلم ، ويُعلم للناس ويصحح لهم لأن من عقيدتنا أن الرقية لا تؤثر بذاته ولا بذات الراقي وإنما بإذن الله تعالى ومشيئته .
قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - وأما كتابة القرآن بالأوراق ثم توضع في الماء ويشرب الماء أو على إناء ثم يوضع فيه الماء ويرج فيه ثم يشرب أو النفث في الماء بالقرآن ثم يشرب فهذا لا أعلم فيه سنةً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -ولكنه كان من عمل السلف وهو أمرٌ مجرب وحينئذٍ نقول لا بأس به أي لا بأس أن يصنع هذا للمرضى لينتفعوا به ولكن الذي يقرأ في الماء بالنفث أو التفل ينبغي له أن لا يفعل ذلك إذا كان يعلم أن به مرضاً يخشى منه على هذا المريض الذي قرئ له نعم؟مجموع فتاوى ورسائله (1 / 64).
وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم النفث في الماء؟ فأجاب بقوله: النفث في الماء علي قسمين: القسم الأول : أن يراد بهذا النفث التبرك بريق النافث فهذا لا شك أنه حرام ونوع من الشرك، لأن ريق الإنسان ليس سبباً للبركة والشفاء ولا أحد يتبرك بآثاره إلا محمد– صلى الله عليه وسلم - أما غيره فلا يتبرك بآثاره فالنبي - صلى الله عليه وسلم -يتبرك بآثاره في حياته وكذلك بعد مماته إذا بقيت تلك الآثار كما كان عند أم سلمة رضي الله عنها جلجل من فضة فيه شعرات من شعر النبي- صلى الله عليه وسلم -يستشفي بها المرضى فإذا جاء مريض صبت على هذه الشعرات ماء ثم حركته ثم أعطته الماء، لكن غير النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز لأحد أن يتبرك بريقه، أو بعرقه، أو بثوبه، أو بغير ذلك، بل هذا حرام ونوع من الشرك، فإذا كان النفث في الماء من أجل التبرك بريق النافث فإنه حرام ونوع من الشرك وذلك لأن كل من أثبت لشيء سبباً غير شرعي ولا حسي فإنه قد أتى نوعاً من الشرك، لأنه جعل نفسه مسبباً مع الله، وثبوت الأسباب لمسبباتها إنما يتلقى من قبل الشرع فلذلك كل من تمسك بسبب لم يجعله الله سبباً، لا حسّاً ولا شرعاً، فإنه قد أتى نوعاً من الشرك.
القسم الثاني : أن ينفث الإنسان بريق تلا فيه القرآن الكريم مثل أن يقرأ الفاتحة والفاتحة رقية وهي من أعظم ما يرقى به المريض فيقرأ الفاتحة وينفث في الماء فإن هذا لا بأس به وقد فعله بعض السلف وهو مجرب ونافع بإذن الله وقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم - ينفث في يديه عند نومه بقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس فيمسح بها وجهه وما استطاع من جسده صلوات الله وسلامه عليه، والله الموفق. فتاوى الشيخ ابن عثيمين (1/107).
القول الثاني : الكراهة ، والمنع: استدل من منع رقية الماء بحديثين في باب واحد الأول عن أنس وهو لا يصح رفعه للنبي - صلى الله عليه وسلم - كما سيأتي آنفا، والثاني من حديث جابر مرفوعا. عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ النُّشْرَةِ فَقَالَ ((هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)) أخرجه أبو داود [3868] وأحمد [14167] وصححه الألباني في الصحيحة(2760).
وأجاب القرطبي- رحمه الله - عن هذا الحديث في الجامع لأحكام القرآن(10- 264) إن هذا محمول على ما إذا كانت خارجة عما في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -وعلى المداواة المعروفة.والنشرة من جنس الطب فهي غسالة شيء له فضل، فهي كوضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم وعن أبي رجاء عن الحسن قال : سألتُ أنس بن مالك عن النشرة فقال : ذكروا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -(أنها من عمل الشيطان)(4).
وقد قال بهذا القول بعض التابعين وبعض المعاصرين ، فمن التابعين الحسن البصري وإبراهيم النخعي ، حكاه القرطبي عنهما أنظر الجامع لأحكام القرآن [ج10- ص263).
ومن المعاصرين الشيخ حامد الفقي والشيخ الألباني ومحمد أمان الجامي - رحمهم الله - والشيخ ربيع - حفظه الله -. فعن إبراهيم النخعي : أنه سئل عن رجل كان بالكوفة يكتب آيات من القرآن فيسقاه المريض ، فكره ذلك .سنده صحيح مصنف ابن أبي شيبة (23514).
مناقشة من المسألة والراجح في ذلك : أولا :المسألة فقهية بـحثة ، وإن كان لها جانب يتعلق بالعقيدة وهي مسألة التبرك بريق الراقي ، وهذه قد بينها الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - .
ثانيا : المسألة ليست مسألة تعصب للرجال ولا تقليدا لهم ، بل المسألة مسألة فقهية اختلف فيها العلماء، فالواجب على طالب العلم تحريرها تحريرا علميا ثم الأخذ بما ظهر له أنه الصواب الذي تعضده الأدلة.
ثالثا :ليس عند من منعها دليل يمكن الاعتماد عليه ، وحديث جابر هو في النشرة ، وقد عملت ما قاله القرطبي ردا على ذلك ، والأصل أن الرقية في الماء من التداوي المشروع ولا محظور فيها ، فلو كان شيئا ممنوعا لنهى عنه . فلما لم ينه عنه دل على إباحته ، فكيف وقد دل الدليل على فعله في مناسبات متنوعة.
رابعا :الذين أباحوا ذلك وجوزوه يعتمدون على أحاديث وردت عن النبي- صلى الله عليه وسلم -في مناسبات متنوعة تصلح أن تكون مستندا للإباحة ، وكذلك بعض الآثار عن الصحابة ، والتابعين . رضي الله عنهم أجمعين.
خامسا : تمسك الذين منعوا باستصحاب الأصل، بناء على أن الرقية توقيفية ، وإذا كانت كذلك فالأصل عدم ورود الدليل عن النبي- صلى الله عليه وسلم -قولا أو فعلا أو تقريرا لذلك ينهى عنها..
ويجاب عنه من وجوه : أ – أن القول بعدم وروده عن النبي- صلى الله عليه وسلم -غير صحيح ؛ بل ورد عنه- صلى الله عليه وسلم -تعويذه في الماء وعلاجه به في حالات معينة ، كما مر آنفا.

ب : تنزلا معكم أنه لم يرد الأمر به ، وبفعله قولا وفعلا وتقريرا ، فكذلك يقال أنه لم يرد النهي عنه وعن فعله ، والأصل بقاء الشيء على ما كان حتى يرد دليل منع . والأصل في الأشياء الإباحة ، والتداوي مشروع ومباح.
قال السعدي : والأصل في عادتنا الإباحة - - حتى يجئ صارف الإباحة .
ج : يعضد القول بالإباحة والجواز أن النبي- صلى الله عليه وسلم -قعد في هذا الباب قاعدتين عظيمتين هما: الأولى :
قوله : (( من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل)) .
والثانية :((لا بأس بالرقى لم يكن شركا)).
وقد مر معنا في بحث مستقل أن الراجح في الرقية أنها ليست توقيفية ، وإذا كان الأمر كذلك فهذا مما يقوي القول بالجواز.
سادسا: قول المانعين : إذا اختلف السلف وتنازعوا في مسألة فالقاعدة أن نرد الأمر المتنازع فيه إلى الله وإلى الرسول ، كما أمر الله تعالى المؤمنين.
وهذا حق ، وهنا في مسألتنا قد رددنا ذلك إلى الله فوجدنا أن الله تعالى قال لنا: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }وقد آتانا الرسول بذلك كما بينته في الأحاديث الواردة عنه في المسألة آنفا ، هذا أولا .
ثانيا : الوارد عن السلف إباحته وجوازه ، ومن منهجنا الرجوع إلى فهم السلف ، فالأخذ بالجواز أخذ بفهم السلف ، وليس من شك أن أمنّا عائشة رضي الله عنها، أفقه وأعلم بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -فهي أعلم نساء العالمين ، وكم استدركت على الصحابة من علم ، ويعضد قولها ويقويه فتاوى وعمل العلماء السلفيين من بعدها ، فليس من شك أن هذا القول الذي عليه بعض الأدلة من السنة وعليه فتوى أمنا عائشة ، ومجاهد وسعيد بن جبير ، وفتوى الإمام أحمد والخلال ، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، وابن إبراهيم وابن باز وابن عثيمين والفوزان ترجح الكفة إلى الجواز.
مع احترامنا وتقديرنا للعلماء الذين منعوا من ذلك ، فلا ينبغي أن نشنع على من أخذ بقولهم ، ولنعلم أنهم ما فعلوه إلا غيرة على هذا الدين وحماية لجناب التوحيد من كدره ، والسنة من الابتداع حفظهم الله ورحمهم وعفا عنا وعنهم وألحقنا وإياهم بعباده الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

الهوامش: -------------------
1 - الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط (5890) وابن أبي شيبة (23900)وأبو نعيم في "أخبار أصفهان "(2/193)قال الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (5/132) (8445)بتحرير الحافظين الجليلين: العراقي وابن حجر : رواه الطبراني في الصغير وإسناده حسن.وقال الشيخ الألباني صحيح .الصحيحة (548). وتخريج المشكاة (4567)
2 - سنن أبي داود (4/12) (3887)السنن الكبرى للنسائي (9/374) وابن ماجة (4/522) 3473) ) والطبراني في الكبير 1308))قال الشيخ الألباني:( صحيح )انظر حديث رقم :( 1222) في صحيح الجامع .والصحيحة (1418).
3-أخرجه أحمد (27131) قال محققه :حسن لغيره دون قوله : فأتته بماء ..قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل (1/66):قلت: وسنده فيه يزيد بن عطاء ، وهو لين الحديث كما في " التقريب ". قلت : وقوله لين الحديث معناه قابل للتحسين .فمثله لا يترك حديثه البتة .
4- لا يصح مرفوعا، وإنما يصح من قول الحسن، وهو في المستدرك (8292).قال ابن أبي حاتم في العلل [2394] سألتُ أبي عن حديثٍ : رواه أحمد بن أبي شعيب الحراني عن مسكين بن بكير عن شعبة عن أبي رجاء عن الحسن قال سألت أنسا عن النشرة فقال ذكروا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -(أنها من عمل الشيطان) فقال أبي : هذا خطأ إنما هو أبو رجاء قال سألتُ الحسن عن النشرة فق صلى الله عليه وسلم ال ذكروا عن النبي- صلى الله عليه وسلم -فهذا من كلام الحسن وَقِيلِهِ.