المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلماء أنصح الناس للناس .



أبو هنيدة ياسين الطارفي
25-Nov-2011, 04:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العلماء أنصح الناس للناس
وأرحم الناس بالناس

قال الله تعالى:"ورحمتي وسعت كل شيء"

وكثر خطاب الأنبياء لأقوامهم تذكيراً لهم ونصحاً، ورحمة بهم شفقة، وذلك كما في :

قوله تعالى "أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم"سورتي "الأعراف" الآيات (62-68-79-93) و"هود"الآية (34)

وقوله تعالى:"لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم"

وقوله تعالى:"النبي أولى من المؤمنين من أنفسهم "سورة "الأحزاب" الآية (6) وفي قراءة أبي–رضي الله عنه"وهو أب لهم""طريق الهجرتين" للعلامة ابن القيم ص (37)

وبالغ نبينا–صلى الله عليه وسلم-في النصح كما يصوره القرآن الكريم في قوله تعالى:"فلعل باخع نفسك"سورتي "الكهف" الآية (6) و "الشعراء" الآية (3)

وعن أبي هريرة–رضي الله عنه-قال: قال رسول الله–صلى الله عليه وسلم:"إنما أنا لكم مثل الوالد لولده"وفي لفظ" بمنزلة الوالد، أعلمكم"( )

وعنه أيضاً –رضي الله عنه : قال رسول الله–صلى الله عليه وسلم:"إنما أنا رحمة مهداة"( )

في"صحيح الإمام البخاري" عن جبير بن مطعم–رضي الله عنه-قال: أتت امرأة النبي-صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- فأمرها أن ترجع إليه . قالت:" أرأيت إن جئت ولم أجدك–كأنها تقول: الموت-قال:"إن لم تجديني فأتي أبا بكر"( )

وفي صحيحي"البخاري ومسلم"عن مالك بن الحويرث-رضي الله تعالى عنه-قال: أتينا رسول الله –صلى الله عليه وسلم-ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله–صلى الله عليه وسلم-رحيماً رفيقاً..."( ) الحديث

وعن عكرمة-رحمه الله تعالى-قال:" كان ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما-يضع في رجلي الكبل-القيد من أي شيء كان-ويعلمني القرآن والسنة""سنن الدارمي"(1/145) المقدمة هذا وقد أثمر هذا الحرص من الشيخ على الطالب النجيب حتى آل أمره إلى الإمامة، فقد:

ذكر عنه مؤرخ الإسلام الحافظ شمس الدين الذهبي-رحمه الله تعالى-أنه قال:"طلبت العلم أربعين سنة، وكنت أفتي بالباب، وابن عباس-رضي الله تعالى عنهما-في الدار""سير أعلام البلاء"(5/14)

وفي ذلك يقول المواردي–رحمه الله تعالى:"ومن أدابهم نصح من علموه والرفق بهم وتسهيل السبيل عليهم
وبذل المجهود في رفدهم ومعونتهم، فإن ذلك أعظم لأجرهم وأسنى لذكرهم وأنشر لعلومهم، وأرسخ لمعلومهم""أدب الدنيا والدين"للمواردي ص(113)

ونقل الخطيب البغدادي–رحمه الله تعالى-عن الإمام برهان الدين الزرنوجي في كتابه"تعليم المتعلم" قوله:"كان طلبة العلم في الزمان الأول يفوضون أمرهم إلى أستاذهم ، وكانوا يصلون إلى مقصودهم ومرادهم، والآن يختارون لأنفسهم ولا يحصل مقصودهم من العلم والفقه؛ لأنهم لا يدرون أيّ العلم أنفع بهم، وأيّ: علم يليق بطبيعتهم""مختصر نصيحة أهل الحديث"للخطيب البغدادي ص(162)

وحكي أن الفقيه أبا علي، حسان المهدوي-رحمه الله تعالى-قال : "رحلت إلى سوسة، إلى عبد الحميد-وهو أبو محمد عبد الحميد بن محمد المغربي- للأخذ عنه، فلما لقيته رحّب بي ثم قال لي: من الحق ألا أدخرك نصيحة شيخي الذي أخذت عنه وأفخر به أبي القاسم التونسي السيوري، إلى الأن حي، إنما بيننا وبينه مسيرة كذا، وإن شغلت بالأخذ عني، فغن له منه خير كثير...فشكرته وخرجت إلى السيوري وخرج معي الشيخ مشيعاً، فلما ودعته وجئت لأركب، أخذ بركابي وغلبني على ذلك، وقال لي: أنت تمشي في خير، فمعونتك عليه فيه أجر""ترتيب المدارك"(2/343)

قال الإمام الآجري–رحمه الله تعالى-في "ذكر الأغلوطات وتعقيد المسائل":"وليس هذا طريق ما تقدم من السلف الصالح، ما كان يطلب بعضهم غلط بعض، ولا مرادهم أن يخطيء بعضهم بعضاً، بل كانوا علماء عقلاء يتكلمون في العلم مناصحة وقد نفعهم الله بالعلم""أخلاق العلماء" للآجري ص (87)

قال العلامة المواردي–رحمه الله تعالى : "وينبغي أن يكون للعالم فراسة يتوسم بها المتعلم ليعرف مبلغ طاقته وقدر استحقاقه؛ ليعطيه ما يتحمله بذكائه، أو يضعف عنه ببلادته؛ فإنه أروح للعالم وأنجع للمتعلم"" أدب الدنيا والدين" للمواردي ص (109)

وفي مقدمة"تهذيب الأسماء واللغات" تحدث الإمام النووي–رحمه الله تعالى-عن تراجم العلماء فقال–رحمه الله تعالى :"إنهم أئمتنا وأسلافنا كالوالدين لنا""الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام" ص (199)

وقال في"المجموع" في ترجمة الإمام أبي العباس بن سريج – رحمه الله تعالى : "هو أحد أجدادنا في سلسلة الفقه" "الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام" ص (199)

وعلل ذلك يحي بن معاذ-رحمه الله تعالى : " العلماء أرحم بأمة محمد–صلى الله عليه وسلم-من آبائهم وأمهاتهم. فقيل له: كيف ذلك؟ قال: لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة""مختصر نصيحة أهل الحديث"ص (167) وانظر شرح الكلام في "الإحياء" (1/56)

وقال العلامة السفاريني-رحمه الله تعالى : "وذكربعض الشافعية أن حقه- أي : العالم-آكد من حق الوالد؛ لأنه سبب لتحصيل الحياة الأبدية، والأب سبب لحصول الحياة الفانية، فعلى هذا تجب طاعته( ) وتحرم مخالفته" انظر"غذاء الألباب"للسفاريني(1/338) والنقل عن "أدلة تحريم حلق اللحية" لمحمد بن إسماعيل المقدم ص(108) حاشية .

قال الحافظ ابن كثير– رحمه الله تعالى : "ذكر لي–ابن القلانس-أن السلطان لمّا قدم عليه الشيخ تقي الدين ابن تيمية نهض قائماً للشيخ أول ما رآه، ومشى له إلى طرف الإيوان، واعتنقا هناك هنيهة، ثم أخذه معه ساعة إلى طبقة فيها شباك إلى بستان، فجلسا ساعة يتحدثان، ثم جاء ويد الشيخ في يد السلطان""البداية والنهاية" للحافظ ابن كثير (14/55)

ثم قال الحافظ ابن كثير–رحمه الله تعالى : " وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام لمّا انفرد في ذاك الشباك الذي جلسا فيه، وأن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله من الملك ومبايعة الجاشنكير، وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضاً وأخذ يحثّه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم، وإنما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله ومبايعة الكاشنكير، ففهم الشيخ مراد السلطان فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء وينكر أن ينال أحداً منهم بسوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم…ومازال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح""البداية والنهاية"للحافظ ابن كثير(14/56)

قال العلامة ابن القيم– رحمه الله تعالى- في دلالة المستفتي على غيره وهو موضع خطر جداً، فلينظر الرجل ما يحدث من ذلك فإنه متسبب بدلالته إما على الكذب على الله-سبحانه-ورسوله-صلىالله تعالى عليه وآله وسلم- في أحكامه أو القول عليه بلا علم فهو معين على الإثم والعدوان، وإما معين على البر والتقوى فلينظر الإنسان إلى ما يدلّ عليه وليتق الله ربه"" أعلام الموقعين..."(4/207)

قال أبو إبراهيم المزني – رحمه الله تعالى : "وكنت يوماً عنده-أي: الشافعي-إذ دخل عليه حفص الفرد فسأله عن سؤالات كثيرة فبينما الكلام يجري بينهما، وقد دقّ حتى لا أفهمه إذ التفت إليّ الشافعي مسرعاً فقال: يا مزني، فقلت: لبيك. قال: أتدري ما قال حفص؟ قلت: لا. قال خيراً لك أن لا تدري""طبقات الشافعية"(1/241)والنقل عن حاشية"تذكرة السامع"ص(159)

بل هذا الإمام المزني-رحمه الله تعالى-نفسه يقول : " كنت يوماً عند الشافعي أسائله عن مسائل بلسان أهل الكلام. قال: فجعل يسمع مني وينظر إليّ ثم يجيبني عنها بأخصر جواب، فلما اكتفيت قال لي: يا بني هذا علم إن أنت أصبت فيه لم تؤجر وإن أخطأت فيه كفرت، فهل من علم إن أصبت فيه أجرت، وإن أخطأت فيه لم تأثم؟ قلت: وما هو؟ قال: الفقه. فلزمته وتعلمت منه الفقه ودرست عليه" "طبقات الشافعية"(1/241) والنقل عن حاشية "تذكرة السامع"ص(171)

قال الإمام أبو جعفر – رحمه الله تعالى : " دخلت على أبي عبد الله فقلت: أتوضأ بماء النورة؟ قال: ما أحب ذلك. قلت: أتوضأ بماء الباقلاء؟ قال: ما أحب ذلك .
قلت: أتوضأ بماء الورد؟ قال: ما أحب ذلك. فقمت فتعلق بثوبي ثم قال : إيش تقول إذا دخلت المسجد؟ فسكت. فقال : وإيش تقول إذا خرجت من المسجد؟ فسكتّ. فقال: اذهب فتعلم هذا" "معالم في طريق طلب العلم"للسدحان ص(74)

ونقل الحافظ الذهبي– رحمه الله تعالى- عن الإمام البرزالي - رحمه الله تعالى - أنه لما رأى خطه قال له:"إن خطك يشبه خط المحدثين" قال : فحبب الله إليّ علم الحديث" "معالم في طريق طلب العلم"ص(82)

ومن ذلك أيضاً ما حكي أن محمد بن إسماعيل البخاري – رحمه الله - كان يبدأ بكتاب الصلاة على محمد بن الحسن–رحمه الله تعالى-فقال له: أذهب وتعلم علم الحديث؛ لما رأى ذلك العلم أليق بطبعه، فطلب علم الحديث فصار فيه مقدماً على جميع أئمة الحديث""مختصر نصيحة أهل الحديث"ص (162)

قال يونس بن عبيد – رحمه الله تعالى : "ما رأيت أحداً أنصح للعامة من أيوب والحسن" "سير أعلام النبلاء"للحافظ الذهبي (6/20)

قال علي بن المديني – رحمه الله تعالى : " كان سفيان إذا سئل عن شئ يقول: لا أحسن. فنقول: من نسأل؟ فيقول: سلوا العلماء. وسل الله التوفيق" "سير أعلام النبلاء" للحافظ شمس الدين الذهبي (8/468)

وقال يونس بن عبد الأعلى سمعت الشافعي– رحمهما الله تعالى : " يقول يا يونس الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط" وقال لي: "رضى الناس غاية لا تدرك وليس إلى السلامة منهم سبيل فعليك بما ينفعك فالزمه""سير أعلام النبلاء" للحافظ شمس الدين الذهبي (10/89)

قال يحيى بن معين – رحمه الله تعالى : " ما رأيت على رجل خطأ إلا سترته وأحببت أن أزين أمره وما استقبلت رجلا في وجهه بأمر يكرهه ولكن أبين له خطأه فيما بيني وبينه فإن قبل ذلك وإلا تركته" "سير أعلام النبلاء" للحافظ شمس الدين الذهبي (11/83)

قال مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي –رحمه الله تعالى : " كان زياد معظماً للأحنف، فلما وليّ بعده ابنه عبيد الله تغير أمر الأحنف، وقدم عليه من هو دونه، ثم وفد على معاوية في الأشراف فقال لعبيد الله :"أدخلهم علي على قدر مراتبهم، فأخّر الأحنف، فلما رآه معاوية أكرمه لمكان سيادته، وقال: إلي يا أبا بحر، وأجلسه معه وأعرض عنهم، فأخذوا في شكر عبيد الله ابن زياد، وسكت الأحنف، فقال له: لم لا تتكلم؟ قال: إن تكلمت خالفتهم. قال: أشهدوا أني قد عزلت عبيد الله، فلما خرجوا كان منهم من يروم الإمارة، ثم أتوا معاوية بعد ثلاث، وذكر كل واحد شخصاً وتنازعوا. فقال معاوية: ما تقول يا أبا بحر؟ قال: إن وليت أحداً من أهل بيتك لم تجد مثل عبيد الله، فقال: قد أعدته. فقال: فخلا معاوية بعبيد الله وقال: كيف ضيعت مثل هذا الرجل الذي عزلك وأعادك وهو ساكت!!؟ فلما رجع عبيد الله جعل الأحنف صاحب سره" "سير أعلام النبلاء" للحافظ شمس الدين الذهبي (4/95)

وأختم هذا المقام بما ذكره العلامة ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام–رحمهما الله تعالى-حيث قال:"وما رأيت أحداً قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية–قدس الله روحه-وكان بعض أصحابه الأكابر يقولون:"وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه، وما رأيته يدعوا على أحد منهم قط، وكانوا يدعوا لهم، وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له فنهرني وتنكر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزّاهم وقال:إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا ساعدتكم فيه"ونحو هذا الكلام، فسروا به ودعوا له، وعظموا هذا الحال منه فرحمه الله ورضي عنه" "مدارج السالكين" للعلامة ابن القيم (2/345)

.................................................. .............

منقول مستل: من الشريعة الغراء في بيان العلم و العلماء
الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الحميد حسونة رحمه الله