يا صوفية الجزائر يا أسافلة الورى لسنا نقلد مذهبا
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن تبعه، أما بعد:
فإن لأهل الزيغ و البهتان أعاجيب كثيرة لا تعد و لا تحصى ، و من بين الأعاجيب التي صرخوا بها هذه الأيام الحفاظ على المذهب المالكي لأن بعض الشباب حسب ما قالوه أصبح يتبع تيارات أخرى لا علاقة لها بالمذهب ، و لم تأتي هذه الأعجوبة إلا بعد رد الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس و إخوانه من مشايخ السلفية بالجزائر حفظهم الله على ملتقى الشروق الطاعن في السلفية ، و لهذا سنبين لك أخي المسلم مدى بعد هؤلاء عن المذهب المالكي و المذاهب الأخرى عموما و أنهم أهل زيغ و كذب و غش للمسلمين يتبعون أهوائهم ، مقلدة لا علاقة لهم بشيء من الدين ، جهلة همهم إلا الطعن في المنهج الحق ، يتشدقون بالأحاديث الضعيفة و الموضوعة ، قصاص ، معظمهم يتنفس بنفس الخوارج ، على المنابر تسمع العجب من لحن فاحش يخجل منه الصغير فضلا عن الكبير ، و مع هذا يطعنون و يرموننا بالعظائم فإلى الله المشتكى.
التقليد :
قال ابن الهمام في التحرير : التقليد : العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة . و قال القفال : هو قبول قول القائل ، و أنت لا تعلم أين قاله.
و قال الإمام الشوكاني :هو قبول رأي من لا تقوم به الحجة بلا حجة .
و قال في إرشاد الفحول : ''- المسألة الثالثة - اختلفوا في المسائل الشرعية الفرعية ، هل يجوز التقليد فيها أم لا ؟فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز مطلقا . قال القرافي في مذهب مالك و جمهور العلماء على وجوب الإجتهاد و إبطال التقليد . و ادعى ابن حزم الإجماع على النهي عن التقليد.
قال و نقل عن مالك أنه قال : إنما أنا بشر أخطيء و أصيب فانظروا في رأي فما وافق الكتاب و السنة فخذوا به ، و ما لم يوافق فاتركوه .و قال عند موته : وددت أني ضربت بكل مسألة تكلمت فيها برأي سوطا على أنه لا صبر لي على السياط.''
قال ابن حزم : '' فهاهنا مالك ينهى عن التقليد ، و كذلك الشافعي ، و أبو حنيفة.
و قد روى المزني عن الشافعي في أول مختصره أنه لم يزل ينهى عن تقليده و تقليد غيره .'' إ.هـ
قال الإمام الشوكاني : و بهذا تعلم أن المنع من التقليد إن لم يكن إجماعا فهو مذهب الجمهور
و قال الإمام الآمدي : في كتابه الأحكام : و المعتمد في المسألة أن يقال : القول بجواز التقليد حكم شرعي ، و لا بد له من دليل ، و الأصل عدم ذلك الدليل ، فمن ادعاه يحتاج إلى بيانه ، و لا يلزم من جواز ذلك في حق العامي العاجز عن التوصل إلى تحصيل مطلوبه من الحكم جواز ذلك في حق من له أهلية التوصل إلى الحكم و هو قادر عليه ، ووثوقه به أتم مما هو مقلد فيه .إ.هـ.
و قال الشوكاني في إرشاده : و ما أحسن ما حكاه الزركشي في البحر عن المزني أنه قال : يقال لمن حكم بالتقليد : هل لك من حجة ؟؟ فإن قال نعم أبطل التقليد لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد ، و إن قال بغير علم ، قيل له : فلما أرقت الدماء و أبحت الفروج و الأموال ، و قد حرم الله ذلك إلا بحجة ؟ فإن قال : أنا أعلم أني أصبت و إن لم أعرف الحجة لأن معلمي من كبار العلماء . قيل له : تقليد معلم معلمك أولى من تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك ، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عنك. فإن قال نعم ، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه ثم كذلك حتى ينتهي إلى العالم من الصحابة ، فإن أبى ذلك نقض قوله ، و قيل له كيف يجوز تقليد من هو أصغر و أقل علما ، و لا يجوز تقليد من هو أكبر و أغزر علما ؟ و قد روي عن الرسول صلى الله عليه و سلم '' أنه حذر من زلة العالم '' و عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : '' لا يقلدن أحكم دينه رجلا إن آمن آمن ، و و إن كفر كفر ، فإنه لا أسوة في الشر.'' إ.هـ
و قد اتفق العلماء و ذكروا في غير ما كتاب من كتبهم الأصولية و غيرها : '' أن المقلد ليس بعالم ، و لا يجوز أن يولى القضاء و الإفتاء و إنما العالم هو صاحب الحجة و الحجة كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم لا حجة إلا ذلك ، و ما كان من إجماع أو قياس فمرجعه إليهما .([1] )
قال ابن عبد البر في قصيدة يذم فيها التقليد :
يا سائلي عن موضع التقليد *** خُذ عني الجواب بِفهم لُبٍّ حاضر
واصغ إلى قولي ودِن بنصيحتي *** واحفظ علي بوادري ونوادري
لا فرق بين مُقلد وبَهيمة *** تَنقاد بين جَنادل ودَعائر
تَبا لقاضٍ أو لمُفتٍ لا يرى *** عللا ومعنى للمَقال السَائر
فإذا اقتديتَ فالبِكتاب وسُنة المـ *** ـبعوث بالدين الحَنيف الطاهرِ
ثم الصحابة عند عدمك سنة *** فأولئك أهل نُهى وأهل بصائرِ
وكذاك إجماع الذين يلونهم *** من تابعيهم كابرا عن كابر
إجماع أمتنا وقول نبينا *** مثل النصوص لذي الكتاب الزاهر
وكذا المدينة حجة إن أجمعوا *** متتابعين أوائلا بآواخر
وإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد *** ومع الدليل فمل بفهم وافر
وعلى الأصول فقِس فروعك لا تقِس *** فَرعا بفرع كالجهول الحائر
والشر ما فيه -فديتك- أسوة *** فانظر ولا تحفل بزلَّة مَاهر([2])
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : '' وليس على أحدٍ من الناس أن يقلِّد رجلاً بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه ويستحبه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما زال المسلمون يستفتون علماء المسلمين فيقلدون تارة هذا وتارة هذا ، فإذا كان المقلِّد يقلد في مسألة يراها أصلح في دينه أو القول بها أرجح أو نحو ذلك : جاز هذا باتفاق جماهير علماء المسلمين لم يحرم ذلك لا أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد''([3]).
وقال الشيخ العلامة سليمان بن عبد الله رحمه الله : '' بل الفرض والحتم على المؤمن إذا بلغه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلم معنى ذلك ، في أي شيء كان ، أن يعمل به ، ولو خالفه من خالفه ، فبذلك أمرنا ربنا تبارك وتعالى ، ونبينا صلى الله عليه وسلم ، وأجمع على ذلك العلماء قاطبة ، إلا جهال المقلدين وجفاتهم ، ومثل هؤلاء ليسوا من أهل العلم كما حكى الإجماع على أنهم ليسوا من أهل العلم أبو عمر ابن عبد البر وغيره .''([4])
و اعلم رحمك الله أن وصية الأئمة الكبار هي أن يأخذ طلاب العلم من حيث أخذوا ، وأن يضربوا قول أئمتهم عرض الحائط إذا خالف حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، و إليك الدليل ([5]) :
أولا : أبو حنيفة رحمه الله :
قد روى عنه أصحابه أقوالا شتى و عبارات متنوعة ن كلها تؤذي إلى شيء واحد و هو :
وجوب الأخذ بالحديث و ترك تقليد أراء الأئمة المخالفة له :
'' إذا صح الحديث فهو مذهبي ''
'' لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه '' ([6])
و في رواية : '' حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي '' .
زاد في رواية : '' فإننا بشر ، نقول القول اليوم و نرجع عنه غدا"". و في أخرى : "" ويحك يا يعقوب ( هو أبو يوسف) لا تكتب كل ما تسمع مني ، فإني قد أرى الرأي اليوم و أتركه غدا ، و أرى الرأي غدا و أتركه بعد غد ''
'' إذا قلت قولا يخالف كتاب الله و خبر الرسول صلى الله عليه و سلم فاتركوا قولي '' . الفلاني في الإيقاظ
ثانيا : الإمام مالك رحمه الله :
'' إنما أنا بشر أخطئ و أصيب ، فانظروا في رأيي ، فكل ما وافق الكتاب و السنة فخذوه ، و كل ما لم يوافق الكتاب و السنة فاتركوه '' . ([7])
'' ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه و سلم إلا و يؤخذ من قوله و يترك ، إلا النبي صلى الله عليه و سلم '' ([8])
'' قال ابن وهب : سمعت مالكا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء ؟ فقال: ليس ذلك على الناس .قال : فتركته حتى خف الناس فقلت له : عندنا في ذلك سنة ، فقال : و ما هي ؟ قلت حدثنا الليث بن سعد و ابن لهيعة و عمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعارفي عن أبي عبد الرحمان الحبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال : رايت رسول الله صلى الله عليه و سلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه .فقال: إن هذا الحديث حسن ، و ما سمعت به قط إلا الساعة ، ثم سمعته بعد ذلك يسأل ، فيأمر بتخليل الأصابع .
ثالثا : الإمام الشافعي :
'' ما من أحد إلا و تذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه و سلم و تعزب عنه ، فمهما قلت من قول ، أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم خلاف ما قلت ن فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و هو قولي ''
'' أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة رسول الله عليه الصلاة و السلام ، لم يحل لها أن يدعها لقول أحد ''
'' إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و دعوا ما قلت ''
و في رواية : فاتبعوها و لا تلتفتوا إلى قول أحد ''
'' إذا صح الحديث فهو مذهبي ''
'' أنتم ([9]) أعلم بالحديث و الرجال مني ، فإذا كان الحديث الصحيح فأعلموني به أي شيء يكون ، كوفيا أو بصريا أو شاميا ن حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا '' ([10])
'' كل مسالة صح فيها الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت ، فا،ا راجع عنها في حياتي و بعد موتي ''
'' إذا رأيتموني أقول قولا ، و قد صح عن النبي- صلى الله عليه و سلم - خلافه ، فاعلموا أن عقلي قد ذهب ''
'' كل ما قلت فكان عن النبي صلى الله عليه و سلم خلاف قولي مما يصح ، فحديث النبي أولى ، فلا تقلدوني ''
'' كل حديث عن النبي صلى الله عليه و سلم فهو قولي و غن لم تسمعوه مني ''
رابعا : الإمام أحمد بن حنبل :
قال الجوزي : كان ( أي الإمام احمد ) يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريغ و الرأي '' و لذلك قال :
'' لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي و لا الأوزاعي و لا الثوري ، و خذ من حيث أخذوا '' ([11])
و في رواية : '' لا تقلد دينك أحدا من هؤلاء ، ما جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه فخذ به ، ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير '' . و قال مرة '' الإتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم و عن أصحابه ، ثم هو من بعد التابعين مخير ''
قال ألإمام أحمد : '' رأي الأوزاعي ، و رأي مالك ، و رأي أبي حنيفة كله رأي ، و هو عندي سواء ، و إنما الحجة في الآثار ''
و قال : '' من رد حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو على شفا هلكة ''
قال الشيخ الألباني رحمه الله :
تلك هي أقوال الأئمة رضي الله تعالى عنهم في الأمر بالتمسك بالحديث ، و النهي عن تقليدهم دون بصيرة ، و هي من الوضوح و البيان بحيث لا تقبل جدلا و لا تأويلا ، وعليه فإن من تمسك بكل ما ثبت في السنة و لو خالف بعض أقوال الأئمة ، لا يكون مباينا لمذهبهم ، و لا خارجا عن طريقتهم ، بل هو متبع لهم جميعا( تأمل) ، و متمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، و ليس كذلك من ترك السنة الثابتة لمجرد مخالفتها لقولهم ، بل هو بذلك عاص لهم ، و مخالف لأقوالهم المتقدمة ، و الله تعالى يقول : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء :65]
و قال : ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور : 63]([12] )
قال الحافظ بن رجب رحمه الله :
فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول صلى الله عليه و سلم و عرفه أن يبينه للأمة ، و ينصح لهم ، و يأمرهم باتباع أمره ، و إن خالف ذلك رأي عظيم من الأمة ، فإن أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أحق أن يعظم و يقتدى به من رأي أي معظم قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأ ، و من هنا رد الصحابة و من بعدهم على كل مخالف سنة صحيحة ، و ربما أغلظوا في الرد ، لا بغضا له ، بل هو محبوب عندهم معظم في نفوسهم ، لكن رسول الله أحب إليهم ، و أمره فوق أمر كل مخلوق ، فإذا تعارض أمر الرسول و أمر غيره ، فأمر الرسول أولى أن يقدم و يتبع ، و لا يمنع من ذلك تعظيم من خالف أمره و إن كان مغفورا له ، بل ذلك المخالف المغفور له لا يكره أن يخالف أمره إذا ظهر أمر الرسول صلى الله عليه و سلم بخلافه ''([13] )
أقول : هذه أقوال هؤلاء الأئمة أصحاب المذاهب فموتوا بغيظكم فقد ظهر الحق و تبين الأمر أنكم أنتم من خالف المذاهب و خاصة في الجزائر الذين يتشدقون بالمالكية ففي أبسط المثال خالفتم المذهب فهل المالكية يجوزن تقديم زكاة الفطر نقودا أم يقولون لا تجزئ عن صاحبها ؟ أجيبوا إن كنتم صادقين.
نسأل الله تبارك و تعالى أن يقصم ظهوركم , أن يفضحكم في جوف بيوتكم , أن يذلكم كما أذل أهل الزيغ كالجهم و الجعد و غيرهم ، هذا و نسأل الله تبارك و تعالى أن يغر لنا ذنوبنا فما سُلط علينا هؤلاء إلا بذنوبنا فاللهم اغفر لنا و ارحمنا أنت مولانا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
أخوكم
بلال الجزائري
[1] : منقول من الحاكمية و السياسة الشرعية للشيخ عادل السيد حفظه الله
[2] : جامع بيان العلم وفضله (ص: 990) ط. ابن الجوزي.
[3] : مجموع الفتاوى ( 23 / 382 ) .
[4] : تيسير العزيز الحميد ( ص: 546 ) .
[5] : نقلا من مقدمة صفة صلاة النبي للشيخ الألباني رحمه الله.
[6] : بن عابدين في حاشية رسالته '' رسم المفتي '' ، و الشيخ صالح الفلاني '' إيقاظ الهمم''
[7] : الفلاني في الإيقاظ ( ص:50).
[8] : ابن عبد البر في الجامع ( 2/91).
[9] : الخطاب للإمام أحمد رحمه الله ، رواه بن أبي حاتم في آداب الشافعي.
[10] : مقدمة الجرح و التعديل ( 203).
[11] : المناقب ( ص:192).
[12] : صفة صلاة النبي ( ص :53).
[13] : التعليق على إيقاظ الهمم (ص: 93).