الباحثة الجزائرية فتيحة بن عبد الله تتبع طريقة الكهان في تفسير القرآن.
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:
فإن ربنا تعالى أبدا شيئا و أخفى أشياءً ، و إن المحفوظين بولاية الإيمان حفظوا ما أبدا و تركوا ما أخفى ، و ذهب آخرون يطلبون علم ما أخفى فهتكوا فهلكوا ، فأداهم الترك لأمره إلى حدود الضلال ، فكانوا زائغين ([1]) ، و كيف لا يكونوا كذلك و نحن في زمن الدعارة الفكرية و النجاسة العقلية ؟ ، أفكار و أبحاث فاجأتنا بما لم نكن نتصوره و ما لم يخطر ببال أحد ، فقد ظهرت علينا باحثة جديدة !! ببحث هو الأول من نوعه في الدول العربية والإسلامية !! كما ذكرت ذلك جريدة الشروق ، و يكمن هذا البحث في إثبات أن عدد الرجال في العالم يفوق عدد النساء على ضوء ما ورد في القرآن الكريم!! و هو وبعكس ما يعتقد عوام الناس!! من أن عدد النساء يفوق عدد الرجال، خاصة عندما يأتي الحديث عن أسباب العنوسة وتعدد الزوجات.
و هذه الباحثة هي فتيحة بن عبد الله، وهي أستاذة محاضرة بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة وهران!! و لا حتى بكلية الشريعة ، و قد صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم كما في الحديث الذي أخرجه أحمد و ابن ماجة و الحاكم في المستدرك و صححه الألباني في الصحيحة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ. قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ)([2]).
و هذه الأستاذة ممن أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و قد ادعت أن هذه النتيجة الذي توصلت إليها عبٌر عنها القرآن الكريم بصفة إعجازية رائعة!!! ، إذ أشار إلى كثرة الرجال بالنسبة للنساء ولم يستعمل لفظ ذكور وإناث، كما جاء في سورة الشورى عندما تكلّم عن هبة المواليد، وهذا ما يظهر الوجه الإعجازي في هذه الآية!!.
و مما قامت به هذه الرويبضة الجديدة حتى وصلت إلى هذا الإعجاز هو إسقاط بين الرقمين(49) و(50) من سورة الشورى، على القانون العالمي الذي اكتشف منذ ثلاثة قرون، حيث يثبت زيادة عدد الرجال على عدد النساء والذي يظهر عند الولادة بقيمة وسطية تعادل 105 ذكر لكل 100 أنثى، ما يقابلها بنسبة مئوية وسطى تساوى 52.2 % للرجال و49.5 % للنساء، وهو نفس رقم الآيتين، ما يثبت للغرب أن القرآن سبقهم إليها وأثبتها منذ 14 قرنا.
و لنرجع لسورة الشورى عند الآيتين و نرى هل ادعاؤها صحيح أم لا ؟
قال تعالى : (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ *) [الشورى:49 -50].
قال ابن كثير في تفسيره : (يخبر تعالى أنه خالق السموات والأرض ومالكهما والمتصرف فيهما، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وأنه يخلق ما يشاء، و ( يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا ) أي: يرزقه البنات فقط -قال البغوي: ومنهم لوط، عليه السلام ( وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ) أي: يرزقه البنين فقط. قال البغوي: كإبراهيم الخليل، عليه السلام -لم يولد له أنثى،. ( أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ) أي: ويعطي من يشاء من الناس الزوجين الذكر والأنثى، أي: من هذا وهذا. قال البغوي: كمحمد، عليه الصلاة والسلام ( وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا ) أي: لا يولد له. قال البغوي: كيحيى وعيسى، عليهما السلام، فجعل الناس أربعة أقسام، منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه من النوعين ذكورا وإناثا، ومنهم من يمنعه هذا وهذا، فيجعله عقيما لا نسل له ولا يولد له، ( إِنَّهُ عَلِيمٌ ) أي: بمن يستحق كل قسم من هذه الأقسام، ( قَدِيرٌ ) أي: على من يشاء، من تفاوت الناس في ذلك).
و قال السعدي رحمه الله تعالى : (هذه الآية فيها الإخبار عن سعة ملكه تعالى، ونفوذ تصرفه في الملك في الخلق لما يشاء، والتدبير لجميع الأمور، حتى إن تدبيره تعالى، من عمومه، أنه يتناول المخلوقة عن الأسباب التي يباشرها العباد، فإن النكاح من الأسباب لولادة الأولاد، فاللّه تعالى هو الذي يعطيهم من الأولاد ما يشاء.
فمن الخلق من يهب له إناثا، ومنهم من يهب له ذكورا، ومنهم من يزوجه، أي: يجمع له ذكورا وإناثا، ومنهم من يجعله عقيما لا يولد له.
( إِنَّهُ عَلِيمٌ ) بكل شيء ( قَدِيرٌ ) على كل شيء، فيتصرف بعلمه وإتقانه الأشياء، وبقدرته في مخلوقاته).
فالآية كما ترى لا تدل على شيء مما وصلت إليه هذه الباحثة الكبيرة !! ولا أدري كيف فهمت هذا الفهم ؟ و انظر إلى تفسير الآية و احكم بنفسك أخي القارئ.
و إني مذكر هذه الدكتورة !! لعل الذكر ينفعها ، بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي عارضته ببحثها العقيم ، قال البخاري رحمه الله تعالى : (حدثنا حفص بن عمر الحوضي حدثنا هشام عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال لأحدثنكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحدثكم به أحد غيري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويكثر الجهل ويكثر الزنا ويكثر شرب الخمر ويقل الرجال ويكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد)([3]).
فأين نضع هذا الحديث ؟ أم أنه ما يعتقده عامة الناس و البخاري بوب له بباب : يقل الرجال و يكثر النساء !! أم أن فهم الدكتورة مع حساباتها الرياضية !! و عواء أعضاء اللجنة التي أمر بإنشائها عبد الله المصلح!! اعترافا ببحثها لجهلهم المركب جعلهم ينسون حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و يرمونه وراء ظهورهم؟ ، ألا تستحون من أنفسكم لتركتم تفسير القرآن بما أثر عن نبينا صلى الله عليه و سلم حتى تستنجدوا بما يشبه الجُمَّل الذي هو حساب عن طريق الحروف ، بحيث يجعل الحرف يمثل عددا معينا !!؟ ألا إنكم قوم لا تعقلون ، تركتم طريق سلفكم الصالح و اتبعتم زخارف الكهان من يهود و نصارى و الله و المستعان.
و يا أستاذتي فإن بحثك يذكرني بما قاله ابن عربي في كتاب الفتوحات المكية ، و انظر أخي المسلم لما اقله و احكم بنفسك :
قال ابن عربي الملحد : (ولقد كنت بمدينة فاس سنة إحدى وتسعين وخمسمائة وعساكر الموحدين قد عبرت إلى الأندلس لقتال العدو حين استفحل أمره على الإسلام فلقيت رجلا من رجال الله ولا أزكي على الله أحدا وكان من أخص أودائي فسألني ما نقول في هذا الجيش هل يفتح له وينصر في هذه السنة أم لا؟
فقلت له ما عندك في ذلك ؟
فقال إن الله قد ذكر ووعد نبيه صلى الله عليه و سلم بهذا الفتح في هذه السنة وبشر نبيه ص بذلك في كتابه الذي أنزله عليه وهو قوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا)[الفتح:01] فموضع البشرى (فَتْحًا مُّبِينًا) من غير تكرار الألف فإنها لإطلاق الوقوف في تمام الآية فانظر أعدادها بحساب الجمل فنظرت فوجدت الفتح يكون في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة ثم جزت إلى الأندلس إلا أن نصر الله جيش المسلمين وفتح الله به قلعة رباح و الأركو وكركوى وما انضاف إلى هذه القلاع من الولايات .
هذا عاينته من الفتح ممن هذه صفته فأخذنا للفاء ثمانين وللتاء أربعمائة وللحاء المهملة ثمانية وللألف واحدا وللميم أربعين وللباء اثنين وللياء عشرة وللنون خمسين والألف قد أخذنا عددها فكان المجموع إحدى وتسعين وخمسمائة كلها سنون من الهجرة إلى هذه السنة فهذا من الفتوح الإلهي لهذا الشخص !!.
وكذلك ما ذكرناه من فتح البيت المقدس فيما اجتمع بالضرب في ألم غلبت الروم مع البضع من السنين المذكور فيه بالحسابين الجمل الصغير والكبير فظهر من ذلك فتح البيت المقدس وقد ذكرناه فيما تقدم من هذا الكتاب في باب الحروف منه وهو أن البضع جعلناه ثمانية لكون فتح مكة كان سنة ثمان ثم أخذنا بالجمل الصغير ألم ثمانية فأسقطنا الواحد لكون الأس يطلب طرحه لصحة العدد في أصل الضرب في الحساب الرومي والفتح إنما كان في الروم الذين كانوا بالبيت المقدس فأضفنا ثمانية البضع إلى ما اجتمع من حروف ألم بعد طرح الواحد للأس فكان خمسة عشر ثم رجعنا إلى الجمل الكبير فضربنا واحدا وسبعين في ثمانية والكل سنون لأنه قال في بضع سنين فكان المجموع ثمانية وستين وخمسمائة فجمعناها إلى الخمسة عشر التي في الجمل الصغير فكان المجموع ثلاثا وثمانين وخمسمائة وفيها كان فتح البيت المقدس...)([4]) إلى آخر هذيانه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : (فلهذا تجد عامة من في دينه فساد يدخل في الأكاذيب الكونية مثل أهل الاتحاد . فإن ابن عربي - في كتاب " عنقاء مغرب " وغيره - أخبر بمستقبلات كثيرة عامتها كذب وكذلك ابن سبعين وكذلك الذين استخرجوا مدة بقاء هذه الأمة من حساب الجمل من حروف المعجم الذي ورثوه من اليهود ومن حركات الكواكب الذي ورثوه من الصابئة ; كما فعل أبو نصر الكندي وغيره من الفلاسفة ; وكما فعل بعض من تكلم في تفسير القرآن من أصحاب الرازي ; ومن تكلم في تأويل وقائع النساك من المائلين إلى التشيع)([5]).
هذا ما استطعت كتابته في هذه العجالة و إلا لوضحت الأمر أكثر و أكثر ، فلضيق الوقت و نيل التعب مني اكتفيت بهذه الأسطر لعل الله ينفع بها قارئها فالله اسأل أن يغفر لي ذنوبي و أن يبصرني بعيوبي وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.
أبو عبد الله بلال القسنطيني الجزائري
دار ابن تيمية للإنتاج و التوزيع
[1] : الإبانة لابن بطة (1/419).
[2] : الصحيحة للألباني رحمه الله (4/508) برقم (1887).
[3] : البخاري : (5231) كتاب النكاح : باب : يقل الرجال و يكثر النساء.
[4] : الفتوحات المكية لابن عربي (3/220) ، قد نقل هذه القصة أبو العباس بن خالد الناصري عن فتوحات مكة في كتاب : الإستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (193/2- 194).
[5] : مجموع الفتاوى لابن تيمية (81/4- 82).
رد: الباحثة الجزائرية فتيحة بن عبد الله تتبع طريقة الكهان في تفسير القرآن.
بارك الله في جهودك يا أبا عبدالله وفقك للمزيد
رد: الباحثة الجزائرية فتيحة بن عبد الله تتبع طريقة الكهان في تفسير القرآن.
جزاك الله خيرا أخي على مرورك