لا تكونوا أبواقا للفتن



الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسّلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدّين، أمّا بعد:
قال سبحانه و تعالى : (الم ، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ )[العنكبوت : 1- 2 - 3] ، إن الله عز وجل يبتلي عباده بما يشاء من الابتلاءات حتى يختبرهم حتى يتبين من يفتتن عند الفتن و من ينجو منها ، و بين الله سبحانه و تعالى في كتابه أن هذه الفتن في الحقيقة خير للمؤمنين لأنها تظهر المؤمن الثابت على إيمانه من غير الثابت أي المتزعزع فيه ، و من منهم يتعامل مع الفتن معاملة شرعية لا معاملة رأي و هوى كما قال : (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ )[الأنفال :37] ، و لهذا يجب أن نثبت عند الفتن و لا نروج لها كما يفعل اليوم السفهاء ، فالإمساك عنها واجب كما قال ابن القيم رحمه الله : '' حيث قال في آخر الباب السبعين ، في نقله معتقد السلف أنهم قالوا : ... '' و الإمساك في الفتنة سنة ماضية واجب احترامها فإن ابتليت فقدم نفسك دون دينك و لا تعن على الفتنة بيد و لا لسان ، و لكن اكفف لسانك و يدك و هواك و الله المعين ''
[1].
وإنه لمن المخزي تتبع أخبار الفتن لأن هذا هو أول طريق للولوج فيها، و يعد الإعلام من أخطر الوسائل التي تؤثر على الناس ، و خاصة إذا كان يبث الفتن و يزينها للمشاهد و يصورها له كأنها جهاد في سبيل الله ، و خاصة أن من يقوم ببث هذه الفتن لا يعرف حلالا و لا حراما و لا يعرف بالعدالة أصلا مع أنهم من بني جلدتنافكيف إذا كانوا كفارا من يهود و نصارى؟ ! لهذا كان من الخطورة بمكان أن يقوم الناس كبارا و صغارا بتتبع الأخبار السياسية المبثوثة على قناة الخنزيرة الصهيونية التي جعلتهم يتخبطون في الفتن و يموجون كما تموج أمواج البحر ، بل جعلتهم يصدقون الغرب الكافر و ينبهرون به أشد الإنبهار و لهذا أذكرهم بقول الله : (يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) [الحجرات:6]،و هذه الآية في شأن مسلم ، فكيف بخبر كافرٍ منافقٍ ؟ فهم لا يريدون إلا الفتنة لنا و صدق عزوجل حين قال فيهم : (يبغونكم الفتنة وفيكم سـَمَّاعون لهم )[التوبة:47].
فليحذر الذين يخالفون أمر الله و ليكفوا عن تتبع السياسة ليلا نهارا و ليهتموا بأمر دينهم ذلكم خير لهم .
و لا تهتم لمن قال من لم يهتم بأمر المسلمين فهو ليس منهم فهو حديث ضعيف و قد روجت له طائفة لا تخفى على ذي لب ، و قد ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة تحت رقم (310) و قال حديث ضعيف جدا و أخرجه الطبراني في " الأوسط " ( 1 / 29 / 1 / 466 / 2 ) من طريق يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث الصنعاني عن أبي عثمان النهدي عن أبي ذر مرفوعا ، وقال : تفرد به يزيد بن ربيعة ، أورده السيوطي في " اللآليء " ( 2/ 317)وسكت عليه .
وأما الهيثمي فقال في " مجمع الزوائد " ( 10 / 248 ) : رواه الطبراني ، وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو متروك ، وأشار المنذري ( 3 / 9)إلى تضعيفه .
قلت : و مع ضعف الحديث سندا فإنه مختل متنا إذ كيف يكون ليس من المسلمين من لم يتكلم في الفتن و الرسول عليه الصلاة و السلام أمرنا بلزوم بيوتنا فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن النبي – عليه السلام– قال :'' كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس ؛ مرجت عهودهم وأماناتهم ، واختلفوا فكانوا هكذا - ؟ ! وشبك بين أصابعه – قال : فبم تأمرني ؟ ! قال : عليك بما تعرف ، ودع ما تنكر ، وعليك بخاصة نفسك ، وإياك و عوامهم '' .
[2]
و قال صلى الله عليه و سلم : '' إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم ، و خفت أماناتهم ، و كانوا هكذا وشبك بين أصابعه فالزم بيتك ، و املك عليك لسانك ، و خذ بما تعرفه ، و دع ما تنكر ، و عليك بأمر خاصة نفسك ، و دع عنك أمر العامة''
[3]
قال صاحب عون المعبود في شرح هذا الحديث :''الزم أمر نفسك واحفظ دينك واترك الناس ولا تتبعهم، وهذا رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كثر الأشرار وضعف الأخيار''.
و من أحسن ما جاء في الكف عن تتبع الأخبار و نشرها ما نقل عن علي رضي الله عنه حيث قال : '' لا تَكُونُوا عُجُلاً مَذاييعَ بُذُرَاً فَإن مِن وَرائِكُم بَلاءً مُبْرَحَاً مُكلحاً وأموراً متماحِلةً رُدُحاً
[4].''
و هذا أثر عظيم يدل على مدى فراسة علي رضي الله عنه و غيره من الصحابة رضوان الله عليهم ، ومن المعروف أن كلام الصحابة داخل في الحديث فقد قال الزبيدي : '' قال شيخُنا : قد تقَرَّرَ أن ما يقولُه الصّحابيُّ ولا سِيَّما ممّا لا مَجالَ للرأيِ فيه من قَبيلِ الحديثِ المَرْفوع ، وكلامُ الصحابةِ رَضِيَ الله تَعالى عنهم داخلٌ في الحديثِ كما عُلِمَ في علومِ الاصْطِلاح.''
[5]
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى :
كأنه كلام أعجمي مع الأسف الشديد لبعدنا عن اللغة العربية ,والمقصود من هذا الكلام العربي الفصيح من علي بن أبي طالب ابن عم النبي صلى الله عليه واله وسلم هو نهي المسلم أن يكون من دأبه المسارعة الى نقل عيوب الناس وإشاعتها بين الناس
لا تَكُونُوا عُجُلاً :جمع عجل ,مستعجل
مَذاييعَ: جمع مذياع والمذياع اليوم معروف ,اصطلاحا ما المراد به ؟لأنه عنده الوسيلة البالغة في إذاعة الأخبار في مختلف أقطار الدنيا ،فعلي رضي الله عنه ينصح المسلمين أن لا يكونوا عجلا في إذاعة الأخبار عن عيوب الناس
بذرا : جمع بذور وهو الذي ينشر السر ولا يستطيع أن يكتمه
لماذايقول علي هذه النصيحة ويوجهها للناس ,قال :
فَإن مِن وَرائِكُم بَلاءً مُبْرَحَاً مُكلحاً[6] :
هذه الكلمات كناية عن أنها كثيرة الضرر والإفساد والإهلاك ,هذا البلاء الذي سيأتي فيما بعد
وأموراً متماحِلةً: وهي الفتن التي يأخذ بعضها برقاب بعض وتستمر
رُدُحا: وهي فتن ثقيلة وثقيلة جدا
[7]
هذا و لينتبه كل غافل فالخطر محدق به و الفتن لا تبقي و لا تذر و الدخول فيها خسارة و ندم فكن مقتدٍ بصحابة رسولنا صلى الله عليه و سلم حين اعتزلوا الفتن فعن مطرف بن عبد الله قال : "لبثت في فتنة ابن الزبير تسعا أو سبعا ما أخبرت فيها بخبر ولا استخبرت فيها عن خبر".
[8] ، وعن شريح قال : "كانت الفتنة سبع سنين: ما خبرت فيها ولا استخبرت، وما سلمت ! قيل: كيف ذاك يا أبا أمية؟ قال: ما التقت فئتان إلا وهواي مع إحداهما ! ".[9]
قلت: هكذا كان السلف رحمهم الله فيا من دخل الفتن سيأتي يوم تندم فيه و تقول يا ليتني لم أبصر شيئا فقد كان من السلف من عمي بصره قبل أن يرى الفتنة ويعلم من أخبارها، فجعل يحمد الله على ذلك فعن سليمان بن يسار : "أن أبا أسيد كانت له صحبة فذهب بصره قبل قتل عثمان، فلما قتل عثمان قال : الحمد لله الذي منَّ عليَّ ببصري في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر بهما إليه، فلما قبض الله نبيه وأراد الفتنة بعباده كـفَّ بصــري".
[10]
و في الأخير أنصح نفسي و إياكم عند وقوع الفتنة بترك تتبع الإعلام و نقل الأخبار و نشرها فهذا هو عين الاهتمام بأمر المسلمين ، لأننا لو سكتنا عنها جميعا لم يجد أصحاب الفتن و زعيمهم الشيطان آذانا صاغية يسوقون من خلالها تحريضاتهم الباطلة ، فنسأل الله أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها و ما بطن وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلّم تسليما.

بلال الجزائري

[1]: حادي الأرواح (ص: 434)

[2]: حسنه الألباني في تخريج المشكاة برقم (5325)

[3]: صحيح الجامع (570)

[4]: رواه البخاري في الأدب المفرد (327) وروى نحوه وكيع في الزهد (270) وابن وضَّاح في البدع (62) وغيرهم بسند صححه الشيخ الألباني – رحمه الله – في تحقيقه للأدب وفي غير رواية البخاري زيادة فيها أنه – رضي الله عنه – قال: ''لا ينجو فيه إلا كل نومة''، وزاد ابن وضاح (63) وغيره: قيل لعلي بن أبي طالب : ما النوَّمة؟ قال: '' الرجل يسكت بالفتنة فلا يبدو منه شيء''.

[5]: تاج العروس (6/306).

[6]:مكلحاً:أي يُكلِحُ الناسَ بشدته يقال: كَلَح الرجل وأكلَحَه الهَمُّ[غريب الحديث لإبن قتيبة( 2/100)] و زاد ابن الأثير في النهاية (4/196) : الكلوح العبوس

[7]: التعليق على الأدب المفرد(صوتي)منقول من شبكة سحاب السلفية.

[8]:رواه ابن سعد بسند جيد (7/143).

[9]:مسائل الإمام أحمد ابن حنبل وإسحاق ابن راهويه (ص:395).

[10]:رواه البخاري في التاريخ الصغير (1/107) والفسوي في المعرفة والتاريخ (1/442) وابن عساكر في تاريخ دمشق (39/472) بإسناد صحيح .