فتوى الجفري في الثورات مصدر لتهديد الأمن القومي والديني والسياسي لدولة الإمارات
إن شأن الفتوى في الدين عظيم، والتساهل فيها أو القول فيها بلا علم ولا مراعاة لشروطها وضوابطها من شأنه أن يؤدي إلى نتائج وخيمة، والعالم الرباني هو الذي يحرص على مراعاة المقاصد الشرعية، ويسعى إلى تحقيق أكبر قدر من المصالح وتقليل أكبر قدر من المفاسد، وينظر بعين البصيرة والنظر الثاقب إلى مآلات الأمور وعواقبها، ويجتهد في انتقاء أصلح الألفاظ للمخاطبين بما يحقِّق لهم الخير في عاجلهم وآجلهم، مع التمسك بالدليل، وصحة الاستنباط، ورصانة الفكر، وسلامة الذهن والتيقظ، والحرص على التجرد بحيث لا يتأثر بأي توجهات حزبية صوفية كانت أو غيرها.
ومع ما جرى ويجري الآن في بعض البلدان وفي خضم المشاكل والفتن التي تسود بعض المجتمعات الإسلامية التي اجتاحتها الثورات والاضطرابات؛ أعطت هذه الأحداث رؤية واضحة من خلال واقعها المرِّ وأعطت قناعة لا شك فيها للعلماء وكثير من العامة ومؤيدي تلك الثورات بأنها ليست الطريق الصحيح لمعالجة الأمور والارتقاء بالأحوال وتصحيح المواقف، بل أثبت الواقع الصريح أنها ضرر ومفسدة وبلية، وشهد شاهد واضح على ذلك من خلال النتائج المريرة لتلك الثورات، حيث سُفكت الدماء، وانتُهكت الأعراض، واعتُديت على الممتلكات، وضاع اقتصاد الدولة المسلمة، وعاش المجتمع في دوامات من الصدامات والأزمات.
فهذه كلها من شأنها أن تعطي رؤية أكثر وضوحا للعالم الرباني تدفعه بقوة وحزم ورحمة وبصيرة إلى تكريس ونشر فتاوى صحيحة حكيمة تسدُّ ذرائع الفتن وأسبابها وتنصبُّ في تحقيق المقاصد الشرعية من حفظ الدماء والأعراض والأنفس وغيرها.
ومن المؤسف أننا لم نجد في هذا الصدد شيئا يُذكر لعلي الجفري، بل وجدنا منه أشياء تتضمن تلميحات غربية ومريبة، وتلاعبا بالألفاظ فتارةً مع وتارةً ضد، مع سفسطة وتهرب وتفنن في نشر التصوف بزخرف من القول، وتجميل الفكر الشيعي كما بينا بعض ذلك في الحلقة الرابعة من مقال (الأبعاد السياسية للطاعنين في معاوية رضي الله تعالى عنه) في هذه المدونة.
فلم يكن للجفري دور يُذكر عندما قام الثوريون والمشغبون من الإخوان المسلمين والليبراليين بحملة عدائية شرسة ضد الدولة في الداخل والخارج بالتعاون مع مشبوهين في دول أوروبية وفي الخليج وفي مصر وغيرها لبث الفتن والاستعداء على دولة الإمارات وزعزعة أمنها وتفريق صفها وتشويه صورتها والمساس بوحدتها.
ماذا كان موقف الجفري إزاء هذه الحملات الشرسة؟
ما الدور الذي أداه في نصرة هذا البلد الذي أكرمه؟
لم يكن منه تجاه هذا الإكرام إلا السكوت المزري والمواقف السلبية والتهرب وكأنه لا يهمه ما يكون.
وما الذي يهمُّ الجفري وهو من أتباع المدرسة الصوفية الحضرمية التي صرح كبراؤها بأن موقفهم من الحكومات القائمة اليوم هو هذا الموقف السلبي، وأنهم لن ينصروا أيًّا من هذه الحكومات، وأنهم سيتذرعون في الانصراف عن نصرة هذه الحكومات وتأييدها بالانشغال بالدعوة إلى التصوف!
فأي خير يُرجى بعد هذا من الجفري وهو لا ينفع في قليل أو كثير في أوقات تكالب المشغبين وأصحاب الفتن؟!
أليست المواقف تكشف معادن الرجال؟!
لقد كنا نأمل أن يكون للجفري دور يُذكر في صد تلك الحملات العدوانية ضد دولة الإمارات وفي تبصير أتباعه بحيث يزيل عن عقولهم الشُّبَه في هذا الباب، ولكن كما قيل: فاقد الشيء لا يعطيه.
كنا نتمنى من هذا الرجل ما دام أن له أتباعا ومنهم من هم مفتونون بالثورات في هذه الدولة أن يوجههم بالفتاوى الصحيحة التي تحث على الاجتماع ووحدة الصف والالتقاء حول ولاة الأمر والذب عنهم والدفاع عن الوطن ضد المغرضين ودرء الفتن وسد الذرائع وتحقيق المقاصد الشرعية وأن يكرس في ذلك عشرات الفتاوى في تويتر وغيره.
لكننا لم نجد من هذا الرجل ما يسرُّ أبدا، بل وجدنا منه خلاف ذلك، مع عيشه وتمتعه في دولتنا وسعة الصدر الذي وجده والكرم وغض الطرف عن بعض هفواته، فكنا نأمل من هذا الرجل أن يقابل الإحسان بالإحسان وأن يكون له دور بارز في درء الفتنة، غير أننا لم نجد منه إلا ثقافات بعيدة عن روح الشرع ومتطلبات الواقع يحتوي على نوع من المغازلة للاستعمار وأذنابه وللغرب الذين يحاولون فرض دياناتهم وثقافاتهم وأجنداتهم.
ومن ذلك ما وقفنا عليه من الفتوى المريبة التي أصدرها هذا الرجل في الثورات، فبدلا من أن يصدر فتوى واضحة الدلالة تتفق مع مقاصد الشريعة ومع مصالح الدولة إذا به يصدر فتوى بصيغة فيها ما فيها من التلاعب وإباحة الثورة بل وإيجابها، ليتعدى الأمر من سلبية مزرية منحصرة في شخص الجفري إلى تكريس هذه الثقافة ونشرها لتغتال العقول وتهتك الولاءات، حيث سئل الجفري عن الثورة فقال:”ليس هناك حكم مطلق فقد تكون واجبة أو مستحبة أو مباحة أو مكروهة أو محرمة بحسب أهدافها ووسائلها”!
فنقول:
ما المصلحة من هذه الفتوى المريبة وفي مثل هذه الأوقات؟
ولمن هي؟
وهل تتفق مع مقاصد الشريعة ومع مصادر التشريع؟
وهل تتفق مع فتاوى أهل العلم المعتبرين أم أنها تتفق مع أصحاب الأفكار التكفيرية والثورية والسياسية؟
إننا نعتبر أن هذه الثقافة الثورية التي ينشرها الجفري ويروج لها مهددا للأمن الوطني والديني والسياسي لدولة الإمارات العربية المتحدة.
أما تهديدها للأمن الوطني: فلأن المواطنين في دولة الإمارات لا يؤمنون بثقافة الثورات والمظاهرات والخروج على حكامهم؛ لأنهم يعتبرونهم آباء لهم، والعلاقة بينهم وبين حكامهم علاقة وحدوية قل لها نظير، وقد أكدت على هذه العلاقة الوطيدة بين القيادة والشعب المسيرة المشرقة للاتحاد خلال واحد وأربعين سنة وما تكللت بالوفاء والولاء وتقارب القلوب واجتماع الكلمة ووحدة الصف لتشهد للعالم كله بهذا التوافق والتلاقي في أجلى صوره وأسمى معانيه.
وأما تهديدها للجانب الديني: فلأن دولة الإمارات قامت على ثقافة وسطية معتدلة سنية وعلى المذاهب الفقهية الأربعة المعتبرة المالكية والشافعية والحنابلة وقليل من الحنفية، ففتوى الجفري الثورية المغرضة جاءت مصادمة لمصادر الاستدلال عند الفقهاء المعروفين والمنتسبين إلى المذاهب الفقهية المعتبرة، وجاءت مخالفة لروح الفتوى وأسسها وضوابطها، ولقد حذر العلماء من قديم وحديث من فتح أبواب الفتن ولو بشعرة، ولهم ما لهم في ذلك من الكلمات الواضحة الصريحة.
وأما تهديدها للجانب السياسي: فلأن حكامنا هم آل نهيان برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد حفظه الله وإخوانه من آل مكتوم والقواسم والشرقي والنعيمي والمعلا، ويجب لهم في رقابنا شرعا: السمع والطاعة لهم بالمعروف، وترك الخروج عليهم بأي وجه كان من مظاهرات أو ثورات أو غيرها، والاصطفاف معهم ولاء ووفاء ومحبة وتعاونا على كل خير.
فماذا يريد الجفري من فتواه؟!
هل يريد أن ينشر في مجتمعنا قبول فكرة الثورة ضد حكامنا؟
هل يريد أنه لو حصل قصور أن نخرج على ولاة أمرنا ونقول بمثل فتواه؟
هل أصبح الجانب الصوفي يتكلم على لسان الجفري بمثل هذه الفتوى المريبة؟
لقد طغى الجانب المذهبي على هذا الرجل في فتواه المذكورة، فكما أن الشيعة لا يعترفون بحكام دول الخليج فكذلك الصوفية يشاركونهم وبالخصوص صوفية حضرموت.
إننا ندعو اللجان المختصة في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف ودائرة الشؤون الإسلامية والأوقاف في دبي والشارقة والعلماء المأمونين أن يكون لهم موقف من هذه الثقافة المغرضة التي يسلكها هذا الرجل ويروج لها في الدولة؛ حماية لأمننا الوطني والديني والسياسي.
كاتب إماراتي




رد مع اقتباس