تتمة الموضوع .[ج2]
تصحيح بعض المفاهيم :
1 - يعتقد الكثير من الناس أن العدل المطلوب في قوله تعالى :{{ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ..}} هو العدل في كل جوانب الحياة الزوجية من نفقة ومبيت وشهوة وحب ومعاشرة بالمعروف وغير ذلك ، وهذا فهم خاطئ ورأي عاطل ..
والفهم الصحيح أن العدل المطلوب هو في النفقة والمبيت والمعاشرة بالمعروف ، والإحسان ، وإذا أمكن الجماع، فهذا أكمل وأفضل .
قال النووي في المجموع شرح المهذب :[ج16/430] ويستحب لمن قسم أن يسوي بينهن في الاستمتاع ؛ لأنه أكمل في العدل . وفيه أيضا [ج16/433]قال: .. غير أن المستحب أن يساوي بينهن في الوطء لأنه هو المقصود .
فإن لم يمكن التسوية في الوطء لعدم الداعي إليه ، أو عدم الانتشار فهو معذور والجماع غير داخل في العدل للعوارض التي ذكرتها في المرأة ، ولعوارض أخرى خارجة عن طاقته تجعل الرجل يميل إلى إحدى زوجاته...
يبينه قوله تعالى :{{ .. ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ..}} فهذا الميل هو الميل القلبي ، فقد سئل رسول الله عن أحب الناس إليه قال عائشة .. وقد كان يقسم للنسائه بالسوية ويقدم حب عائشة على حبهن ، وقد رفع الله اللوم على الرجل في ذلك ، إن حصل منه ميل ، ونهاه أن يميل كل الميل فيضيع حق الأخريات من زوجاته ، فيذرها معلقة لا هي زوجة ولا هي مطلقة ، والله الذي قال : {{ فإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء فانكحوا .. فواحدة ..}} هو الذي قال :{{ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصمتم فلا تميلوا كل الميل ..}} أي فبعض الميل معفو عنه لكم .
والناظر في الآيتين يظهر له كأن فيهما التعارض إذ يأمرهم بالعدل بقوله :{{ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ..}} ثم يقول لهم :{{ فإن خفتم ألا تعدلوا .. }} أي من أنفسكم بين زوجاتكم.
فيقال : فمن خاف العدل من نفسه مع زوجاته فإنه يخافه مع الزوجة الواحدة ولذلك قال:{{ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم }} فيمكن أن يظلم الواحدة ، ولا يعدل معها كما يمكن أن يعدل بين الزوجات ولا يظلمهن ، لأن مسألة العدل القلبي بالحب والشهوة فوق طاقتكم لأن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء .
قال ابن كثير رحمه الله : عند تفسير قوله تعالى :{{ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ..}} أي لن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه ، فإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة .
وقال أيضا في قوله تعالى :{{ فلا تميلوا كل الميل }} أي فإن ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية {{ فتذروها كالمعلقة }} أي فتبقى هذه الأخرى معلقة .
والأدلة من السنة على أنه لا يجب على الرجل التسوية في الحب والجماع كثيرة منها ما رواه البخاري بسنده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه دخل على حفصة فقال : يا بنية ، لايغرنك هذه التي أعجبها حسنها حب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها – يريد عائشة – فقصصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبسم .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتعذر في مرضه : << أين أنا اليوم ؟ أين أنا غدا ؟>> استبطاء ليوم عائشة ، فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري ودفن في بيتي .رواه البخاري ومسلم .
وعن عائشة رضي لله عنها قالت : أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله ، فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي ، فأذن لها
فقالت : يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة . وأنا ساكتة قالت : فقال لها رسول لله صلى الله عليه وسلم :<< أي بنية ألست تحبين ما أحب >> ؟ فقالت : بلى . قال :<< فأحبي هذه >> قالت : فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعت إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتهن بالذي قالت، وبالذي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلن لها : ما رأيناك أغنيت عنا من شيء ، فارجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولي له : إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة . فقالت فاطمة : والله لا أكلمه فيها أبدا . قالت عائشة : فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش زوج النبي ، وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ، ولم أر امرأة قط خيرا في الدنيا من زينب ، وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم ، وأعظم صدقة وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدَّق به وتقرب به إلى الله تعالى ، وما عدا سورة من حدة كانت فيها تسرع منها الفيئة ، قالت : فاستأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله مع عائشة في مرطها على الحال التي دخلت فاطمة عليها وهو بها ، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يارسول الله ، ‘ن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في بنت أبي قحافة ، قالت : ثم وقعت بي فاستطالت علي ، وانا أرقب رسول الله ، وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها ، قالت : فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر ، قالت : فلما وقعت بها لم أنشبها حين أنحيت عليها ، قالت : فقال رسول الله وتبسم : << إنها ابنة أبي بكر>> رواه مسلم .
وقال ابن القيم رحمه الله : في الزاد [ج5/151]: لا يجب التسوية بين النساء في المحبة فإنها لا تملك ، وكانت عائشة رضي الله عنها أحب نسائه إلأيه ، وأخذ من هذا أنه لا تجب التسوية بينهن في الوطء
لأنه موقوف على المحبة والميل وهي بيد مقلب القلوب ، وفي هذا تفصيل وهو أنه إن تركه لعدم الداعي إليه وعدم الانتشار فهو معذور ، وإن تركه مع الداعي إليه ولكن داعيه إلى الضرة أقوى فهذا مما يدخل تحت قدرته وملكه ، فإن أدى الواجب عليه لم يبق لها حق ولم يلزمه التسوية ، وغن ترك الواجب منه فلها المطالبة به .أهـ .
وقال أحمد شاكر رحمه الله :وهذا العدل المأمور به مما يتغير بتغير الظروف ، مما يذهب ويجيء بما يدخل في نفس المكلف ، ولذلك لايعقل أن يكون شرطا في صحة العقد ، بل هو شرط نفسي متعلق بنفس الملكف المريد للزواج ، فيمكن أن يتصرف فيه في كل وقت بحسب حاله ، فرب رجل عزم على الزواج المتعدد ، وهو مصر في قلبه على عدم العدل ، ثم لم ينفذ ما كان مصرا عليه ، وعدل بين أزواجه فهذا لا يستطيع أحد يعقل التشريع الإسلامي أن يدعي أنه خالف أمر ربه إذ أنه أطاع الله بالعدل ، وعزيمته في قلبه من قبل لا أثر لها في صحة العقد أو بطلانه – بداهة – خصوصا وان النصوص كلها صريحة في أن الله لا يؤاخذ العبد بما حدث به نفسه ما لم يعمل به أو يتكلم .
ورب رجل تزوج زوجة أخرى عازما في نفسه على العدل ، ثم لم يفعل فهذا قد ارتكب الإثم بترك العدل ومخالفة أمر ربه ، ولكن لا يستطيع أحد يعقل الشرائع أن يدعي أن هذا الجور المحرم منه قد أثر على أصل العقد بالزوجة الأخرى ، فنقله من الحل والجواز
وجوب المساواة بين الزوجات في النفقة والقسمة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : مجموع الفتاوى[ج32/270].وأما العدل في النفقة والكسوة فهو السنة أيضا اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان يعدل بين أزواجه في النفقة كما كان يعدل في القسمة { أي المبيت } مع تنازع الناس في القسمة هل كان واجبا عليه أو مستحبا له ؟ كما تنازعوا في العدل في النفقة هل هو واجب أو مستحب ؟ ووجوبه أقوى وأشبه بالكتاب والسنة .
قال القرطبي رحمه الله : تفسير القطبي [ج14/214]. على الرجل أن يعدل بين نسائه لكل واحدة منهن يوما وليلة ، وهذا قول عامة العلماء ، وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك في الليل دون النهار . ولا يسقط حق الزوجة مرضها ولا حيضها ، ويلزمه المقام عندها في يومها وليلتها . وعليه أن يعدل بينهن في مرضه كما يفعل في صحته ، إلا أن يعجز عن الحركة فيقيم حيث غلب عليه المرض .
وقال الإمام مالك كما نقله عنه القرطبي : ويعدل بينهن في النفقة والكسوة إذا كن معتدلات الحال .فأما الحب والبغض فخارجان عن الكسب فلا يتأتى العدل فيهما ، وهو المعنى يقوله صلى الله عليه وسلم :<< اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا املك >> أخرجه النسائي ، وابو داود عن عائشة رضي الله عنها .وهذا الحديث في صحته نظر ، فقد تكلم عليه بعض أهل العلم .
والذي يظهر – والله أعلم – أن القول بالوجوب أقوى وأشبه بالكتاب والسنة كما قال ابن تيمية رحمه الله ، ويؤيد هذا الوعيد الذي جاء في الميل لأحدى الزوجات ، بأن ينفق على هذه دون هذه أو يقسم لواحدة أكثر من الأخرى . لقوله تعالى :{{ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا }} وقال سبحانه :{{ ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون }} .
ولقوله صلى الله عليه وسلم : << من مال لأحدى زوجاته جاء يوم القيامة وشقه مائل>>. أنظر له صحيح الجامع [ح 6391] والأحاديث الصحيحة :[ ح2077] .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أم سليم بعثته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع عليه رطب ، فجعل يقبض قبضته فيبعث بها إلى بعض أزواجه ، ويقبض القبضة ويبعث بها إلى بعض أزواجه ، ثم جلس فأكل بقيته أكل رجل يعلم أنه يشتهيه. رواه أحمد في مسنده . وهو في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين للشيخ مقبل [1/52].
2- ومن المفاهيم الخاطئة ، أن الكثير من النساء تمنع زوجها عن التعدد ، حتى وهي عاجزة عن إعطائه حقه ، وحتى لو كانت مريضة ، فهو يدخل البيت فيجدها في لباس العمل دائما نفس اللباس ،دائما نفس الحالة ، رائحة الثوم والبصل ، والعرق تنبعث منها ، ولا تهتم بنفسها حتى بعد الانتهاء من شغلها ، وإذا جاءت مناسبة لبست أحسن ما تجد ، وتزينت بأجمل الزينة وكأنها ليست تلك الزوجة التي يراها يوميا ، أو رأها أول مرة فطار عقله عليها ، وملكت عليه قلبه ، فأحبها ، فأصبحت زاهدة فيه ، تتزين لغيره خارج البيت، وكأن هناك من ينتظرها ، أو كأنه يوم زفافها ،وبمجرد ما ترجع إلى البيت تعود حليمة إلى عادتها القديمة ،وهو يرى خروجها كذلك ، وربما يعلم أنها تظهر أمام الرجال الأجانب بتلك الزينة ولا يحرك ساكنا ،أما في البيت فكما وصفت ، فالبيت غير منظم ، والصراخ ورفع الصوت ، وعدم اللامبالاة ، وعدم الاهتمام بالزوج، وضرب الأولاد والعجز عن توجيههم وتربيتهم ، واللوم والإلحاح في الطلب من التكاليف للتتزين لغيره ، ويخرج المسكين خارج البيت ، فيرى ما يراه غيره أيضا من الجميلات ، اللواتي تزينّ ،وخرجن لعرض مفاتنهن ، فإذا رجع إلى البيت يرى ما يدفعه إلى النفرة والهروب خارج البيت ، حيث الحرية التي تحل بها الكارثة والدمار ، ونبينا عليه الصلاة والسلام يقول :<< إذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأتي أهله فإن معها الذي معها >> فإلى أين يذهب المسكين والحالة كما وصفت ، وإذا صبر ووطأ على قلبه -كما يقولون- وأتاها فلا يتمتع بها كما يشتهي وربما رجع فوجدها حائض أو مريضة ، أو نفساء ، فينتظر المسكين حتى تنتهي مدة الحيض والنفاس ، والمرض ثم يأتي شهوته ،وقد تضرر بحسبها في نفسه ، لأن تعطيل وظيفة التناسل عند الرجل تسبب له ضررا بالغا في حياته . وقد لا يصبر فيأتي الحرام والعياذ بالله .
3- إعتقاد أن المرأة مظلومة بالتعدد: كلام لأحمد شاكر :
ولقد يعتقد الكثير ممن جهلوا أو تجاهلوا مقاصد الشرع الحكيم أن المرأة مظلومة بالتعدد فسعوا بكل ما أوتوا لأنصافها من هذا الظلم ، حتى انقلبت الموازين وأعطيت المرأة كل شيء حتى جردوا الرجل من جميع حقوقه ، فلا يتسطيع أن يبدي أي اعتراض عليها ، والويل له إن فعل ، فقد قيدوا حريته ومنعوه من التعدد إلا بإذن الأولى ، وعلمها وموافقتها ، وتوقيعها ،حتى توصلوا أن يجبروه على أن يخلي لها البيت إن حصل وطلّقها ،لتأتي برجل آخر يسكن في بيته وملكه ، وهذا ظلم وأي ظلم ،وكل ذلك مخالف لشرع رب العالمين الذي أباح للرجل أن يتزوج من النساء ما شاء إلى الأربع ، دون إذن من زوجاته ولاعلمهن ، ولا موافقتهن أو توقيعهن ، قال تعالى :{{ وإن خفتم أن لاتعدلوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ...}} الآية وهذا الخطاب للرجل ، ولايوجد ما يقيد هذا الخطاب فله أن يتمتع منهن إلى الأربع ،دون قيد المرض أو العقم ،أو غير ذلك مما جعلوه سببا في المنع .
وفي قوله تعالى :{{ ما طاب لكم }} دليل على قصد مجرد التمتع وإشباع الغريزة في نفسه كما يشبع من أكل الطيبات بينه قوله تعالى :{{ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ..}}.
وليس كما يعيبه كثير من الجهال على من يعدد أنه رجل شهواني ، يريدون بذلك أن يبدلوا فطرة الله التي فطر الرجال عليها ، أو أن ينكروا حقائق دفينة في أنفسهم ، مع أن الكثير منهم ربما يأتيها في الحرام والعياذ بالله .
ومن جهة أخرى أباحوا الإختلاط بين الجنسين على أوسع نطاق ، فترى المرأة زوجها وسط نساء أجنبيات ، في جميع مجالات الحياة ، بل تراه يجلس إليهن ويختلي ببعضهن ويمتع بصره بتحقيق النظر فيهمن ،وربما أداه ذلك إلى الوقوع في المحظور ،بل منهن من تقول : أنها ترضى أن يفعل بعلها الفاحشة بعيدا عن عينيها ، ولا ترضاه أن يتزوج بأخرى ، وتشكيه إلى والديه ، وإخوانه وجيرانه ، ولا تترك مجلسا إلا ذمته فيه حتى يكثر عليه الشغب من الجميع فيتراجع عن قراره ، كل هذا غيرة عليه –زعمت- ولا تغار على انتهاكه لحدود الله ، وإذا أراد الحلال ليعف نفسه ويستر امرأة أخرى ، انتفضت ورفضت وغارت ،وصاحت ، وهي تزعم أنها تحب زوجها ، وهذا غير صحيح ، والحقيقة أنها لاتحب زوجها ، وإلا كيف تحرمه من حق أعطاه الله له ، وهو في صالحها ، فالمستفيد الأول من التعدد هو المرأة ، ولو عرفت قيمته ، وما فيه من المصالح والمنافع لها لحرصت عليه كل الحرص ،حتى يعف زوجها ، وتعف أختها ويعف مجتمها .
ومن فوائد التعدد التي تعود على المرأة بالخير والفائدة أن يكون لها من الوقت ما تعبد فيه ربها وتتعلم دينها ، وتربي أبناءها ،وتوافق بين خدمة بيتها ومطالب زوجها ، فالكثير من النساء من يقصرن في خدمة الزوج ومعاشرته كما أمر سبحانه وتعالى ،والكثير منهن من تجهل أوتتجاهل تلك الفوائد،ولا تحب أن يتكلم لها أحد في الموضوع .
ومنها أيضا أن التعدد يدفعها للتنافس والغيرة المحمودة ، والنشاط والرغبة في الزوج والاشتياق إليه والرغبة في لقائه ، مما يجدد في قلبها الحب والمعاشرة الطيبة، وخاصة إذا كان للزوج أربع نسوة ، فقد قسم لها المولى يوما من أربعة أيام مما يفسح لها المجال أن تستعد وتتهيء في شوق وحب إليه ، كالقادم من غيبة،فإن غياب الزوج عنها يوما وليلة مع أخرى لهو أطول عليها من سنة ،فكيف إذا كان عنده ثلاث نسوة ؟ فما أحسن هذا التشريع ، فإذا رأى الزوج تنافس زوجاته وحرصهن على استقباله ، والشوق إليه دفعه ذلك لحبها وإكرامها ومعاشرتها بالإحسان والمعروف ، والقسمة لها بالعدل .
ومنها : أن هذه المرأة التي ترفض التعدد قد يموت عنها زوجها ، أو تطلق ، أو تستحيل هي الحياة بينها وبين زوجها فتطلب الطلاق ،أو تختلع منه ، ثم تطلب زوجا آخر، يمكن أن تكون سعادتها معه فلا تجد ، وتُرفض من المجتمع كما رفضت هي أن يشاركها غيرها من المحرومات ، والجزاء من جنس العمل .
وهذه المرأة إن كرهت التعدد لذاته كتشريع شرعه الله فقد يحبط عملها لقوله تعالى: {{ ذلك بأنهم كرهوا ما انزل الله فأحبط اعمالهم }} ، وإن كرهت ذلك معتقدة أنها مظلومة ، فقد اتهمت ربها الذي شرع ذلك بأنه غير حكيم في تشريعه ذلك ، وإن كرهت ذلك خوفا من ميل زوجها وعدم عدله فقد منعته حقه وتعدت عليه ولم تطعه ما أعطاه الله ،فتكون ظالمة ، وبهذا يتبين أنها لاتحبه ..
والظلم الذي تخاف منه أن يقع عليها مع غيرها فقد يمكن أن يقع منه عليها أكثر وأكثر وهي زوجة واحدة معه ،فكم رأينا وسمعنا عن ظلم الكثير من الرجال الذي اقتصروا على الواحدة ، وهذه المحاكم تشهد بذلك ، بل إن الإحصائيات تقول أن الذين عددوا يقل فيهم الطلاق ويكثر فيهم الانسجام والعدل . فسبحان من يعلم خبايا النفوس !!
الهدف من هذا الزواج أو التعدد.
أ – طاعة الله سبحانه الذي شرع لنا الزواج، وأباح لنا الترابط بهذه العلاقة .وأحياءا لسنة كادت تمون في أمتنا الإسلامية ،والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، والزواج سنة من سننالمرسلين قال تعالى:{{ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية}}.
ب - تحصين النفس وإعفافها من الشهوات المحرمة ،قال عليه الصلاة والسلام>> : من ضمن لي ما بين لحييه ، وما بين فخذيه ضمنت له الجنة<< ولا يمكن أن يضمن العبد ما بين فخذيه إلا بأحد أمرين.
1-الزواج بواحدة أو أكثر إلى الأربع كل بحسب حاله وما يحصنه ،وذلك هو صمام ضمان الفرج، مع غض البصر والابتعاد عن الاختلاط بهن .
2 - سرد الصيام ، حين العزوبة وعدم القدرة على مؤنة الزواج ، أو مقابل التعدد ،وبحجم التعدد لأن قوة الشباب لا يكبحها إلا هذين الأمرين ،وهذا ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلمأمته وخص منهم الشباب ، فقال>>: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء أخرجاه<< وقوله : يا معشر الشباب يشمل ، الشباب المتزوج ، وغير المتزوج ، لأن المتزوج بالواحدة يمكن أن لا تحصنه فلايضمن ما بين فخذيه بذلك ، وكل واحد منا يعرف ما يكفيه من الطعام ،فمن الناس من لايكفيه قرص كسرة ، ومنهم من لا يكفيه قرصان ومنهم من لا يكفيه إلا ثلاثة ، وهكذا...وكل واحد منا يعرف قدر ثلثه ، فواحدة للأكل ، وواحدة للشرب ، وواحدة للتنفس ، وهذا التنويع ينشط شهوة المعدة ، فهي تشتهي الطعام ، والماء ، والنفس ، وكذلكم شهوة الفرج، والاقتصار على واحدة قد يضر ،ووالتعدد يقلل من العنوسة التي بسببها يكون الفساد ،
وبالتعدد يكون بناء الأسر المسلمة، وببنائها يكون بناء المجتمع المسلم الذي ينشدهالإسلام .
ج – والغرض من التعدد تكثير سوادهذه الأمة المحمدية ، لقوله عليه الصلاة والسلام>> : وانكحوا الودود والولود فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة<< وفي رواية>> تناكحوا تناسلوا فإنيمكاثر بكم الأمم يوم القيامة<< وهذا أيضا يشمل المتزوج ، وغير المتزوج ، بلهو توجيه للإكثار من الذرية بالإكثار من الزواج ، ولا يكون ذلك إلا بالتعدد.
ح – تكثير الروابط بين الأسر بالأنساب والتعارف بالمصاهرة، والإحسان في كل ذلك ، قال تعالى :{{ يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثىوجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم }} ولا يكون رباطالتعارف والتقارب والتحاب إلا بالتزويج ، والتعدد ، يؤكد هذا قوله تعالى :{{ وهوالذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا }} فيمكن لرجل واحدبالتعدد أن يكوّن قبيلة، ومنها يتكون الشعب، وتكثر روابط التعارف بالمصاهرة وتحصلبها المناصرة ..
خ - كسر حاجز منع التعدد ،وإحياء هذه السنة في المجتمع . من أجل حماية ما يمكن حمايته من أعراض النساء اللاتيلم يتيسر لهن الزواج، أو تزوجن وانفصلنا بموت أو طلاق أو غير ذلك..قال تعالى: {{فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة..}} وهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وصحابته من بعده .
د – ستر هذه المرأة المقبلة على الزواج ، وحمايتها منالضياع ..وذلك يقلل الفساد في المجتمع .. فإن المرأة إذا دخلت في مرحلة العنوسة ولم تتزوج ، فإنه يصعب عليها أن تبقى بدون زواج ، وهي ترى هذا التفسخ العظيم في المجتمع، فلا شيء يحصنها ، ويعفها إلا الزواج ولو من رجل متزوج ، بل ولو من شيخ مسن .
وأقول هنا والأسى يعتصرني بسبب رفض كثير من الأسر التعدد ، أنه سيأتي على المرأة العانس وقت تبحث فيه عن ربع رجل ، بل عن عشر رجل ولو كان مقوساكالهلال فلا تجده ، وذلك لكثرة النساء قلة الرجال ، والإحصائيات في طريقها إلىتصديق هذا الكلام الذي أخبر بمعناه من لاينطق عن الهوى ، وهو انه سيأتي زمان يكون لخمسين امرأة قيم واحد .
ت – تيسير مؤن الزواج ،سواء تكاليف الزواج من أوله إلى أن يتم أو المهر ، ولا فرق في ذلك بين المقبل على الزواج ابتداء ، أو من يريد أن يعدد ، حتى نكون جميعا قدوة صالحة لغيرنا في هذاالمجتمع الذي كثر فيه الفساد ،وانقلبت فيه المفاهيم ، فأصبح الزواج عقبة كؤود أمام الكثير من الشباب وعبء ثقيل على الكثير من الأسر الصالحة والفقيرة ، لأن غالبية الناس أصبحوا ينظرون إلى الزواج نظرة مادية محضة ، نظرة تباهي وتفاخر ، ورياءيقلدون بعضهم بعضا ، وابتعدوا كثيرا عن منهج الله سبحانه ، فلا بد من تكسير هذه المفاهيم حتى ينتشر هذا الأمر وتصحح هذه المفاهيم .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم>> : إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير<< فالنبي صلى الله عليه وسلم ، لم يفرق في قوله >>: إذا جاءكم من ترضون دينه<< بين متزوج أو أعزب ، فالمهم أنه أقبل علينا يريد الزواج تحصينا لنفسه ، ولغيره والمعيار في قبوله أو رده هو أن نرضى دينه وخلقه فقط ، فإن لم نفعل فقد تسببنا في فساد كبير وعريض نؤاخذ عليه يوم القيامة .فإن صححنا هذه المفاهيموأخذنا بتيسير مؤن الزواج ،فإننا نحقق مقصد من أعظم مقاصد الشرع الحنيف الذي أرادهالرسول ورغب فيه ،وهو القضاء على الفساد الكبير الذي ينتج على رد صاحب الدين والخلق، وأيضا تكثير نسل هذه الأمة بتكثير الذرية ، وتكثير الأنساب والأحباب بالمصاهرةللمناصرة ،وهذا لا يتم إلا بالزواج بالواحدة وبتعدد الزوجات .
فإذا التزمت الزوجةأو الزوجات بهذه الضوابط فإنهن يعشن سعادة ما بعدها سعادة وإن الزوج سيكرمها أويكرمهن ما استطاع، وذلك يسعده هو الآخر ، وهذا ما يدعو إليه ديننا الحنيف .. والله أعلم.
يتبع إن شاء الله ...