دحض أساليب وطرق المتسلفة ( أدعياء السلفية ) التي تنخر في الدعوة السلفيةالجزء الأول :
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، وأشهد أن لا إله إلا وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
أمابعد:
فليعلم أهل السنة والجماعة حقاً لا ادعاء أن دعوتهم مستهدفة من أهل الفتن والأهواء وأنهم لا يملون من المكايد والشبه والفتن في أوساط أهل السنة والجماعة وبث أسباب الفرقة فيهم وثل عرش دولتهم .
وليعلموا أن السموم الفتاكة التي أنهكت قوة المسلمين وشلت حركتهم ونزعت بركتهم ليست سيوف الكفر التي اجتمعت على الكيد للإسلام وأهله ودولته وإنما هي بكتيريا الشهوات وفيروسات الشبهات التي تسللت إلى داخل جسم العملاق الإسلامي على فترات بطيئة ، لكنها متوالية وأكيدة المفعول ، فنمت وترعرعت في صفوف الشباب المسلم الطيب ، فوجدتها أرض خصبة سهلة النمو ، مع ما يملك حملة هذه الشبه ودعاتها من المكر والدهاء، وأنهم يعملون بنشاط لا يكلون ولا يملون ولا يفترون في الدعوة إلى ضلالاتهم ومنكراتهم ويقيمون لذلك التجمعات والأحزاب والمؤتمرات والصالونات ولهم في ذلك حيل ومكايد في تمرير باطلهم ومن ذلك أنهم من سنين تلبسوا لباس المنهج السلفي وأنهم ادعوا السلفية ـ بل يدعونها بحماسة وقوة ـ وما ذاك منهم إلا لمخادعة أهل السنة والجماعة ولمعرفتهم أن كثيرا من الناس إنما نظرهم للأشياء يكون قاصرا على الظاهر وأن أبصارهم عن بواطن الأمور محجوبة
ولهذا تراهم يسلكون شتى المسالك لصد أهل الحق ولاسيما الشباب عن منهج الله الحق ، فلهم طرق قد برعوا فيها ، وأساليب قد مهروا فيها ، أساليب وقواعد ومناهج وفتن ومشاكل لا يعرفها الخوارج ولا الروافض ولا أهل البدع في الأزمان الماضية ـ إذا جمعتها ما يبقى من الدين شيئا ـ وربوا عليها شبابهم فتجده لا يعلم كيف يتوضأ ولكنه يجيد عرض الشبه والتشكيك والتشويه والتنفير من الحق وأهله .
ولكن الرغم من مكرهم وكيدهم وخيانتهم للسنة وأهلها أغفلوا حقائق كثيرة لا تسير بتوجيهاتهم ولا تقع في دائرة حساباتهم ، أغفلوا بادئ بدء أن الأمر لله من قبل ومن بعد وليس لهم أو غيرهم من الإنس والجن قال الله تعالى (( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون )) يوسف 21 ، والله سبحانه كتب لهذا الدين البقاء في الأرض رغم كيد الأعداء ومكرهم فأخبر جل في علاه ((يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ )) الصف 8 ـ 9 ، وهذا يقتضي أن يبقى فئام من المسلمين قائمين على أمر الله لا يضرهم لا من خذلهم ولا من خلفهم حتى يأتي الله بأمره ، ولأن هذه الأمة المرحومة لن تجتمع على ضلالة ، وأغفلوا أن هذا الدين هو دين الحق والحق يمكث في الأرض لأنه ينفع الناس ، والبقاء للحق ، ولأنه الأقوى والأصلح للخليقة في كل زمان ومكان ، وأغفلوا بأن الله عز وجل (1) قد أعد الله لحفظ هذا الدين المطهر وصيانته رجالا صنعهم على عينه وأمدهم بشتى المواهب النفسية والعقلية، والذكاء المتوقد، والحفظ المستوعب مما يبهر العقل، ويستنفد العجب، ويجعل في المطلع على أخبارهم وأحوالهم ما يملأ قلبه يقينا بأن هؤلاء العباقرة ما أعدوا هذا الإعداد العجيب إلا لغاية سامية هي إنفاذ وعد الله الكريم (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ).
قال العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني رحمه الله في التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (ج 1 ص 47 ط مكتبة المعارف):
((وأعداء السنة يتشبثون بذلك في الطعن في السنة كأنهم لا يعلمون أنه لم يزل في أخبار الناس في شؤون دنياهم الصدق والكذب، ولم تكن كثرة الكذب بمانعة من معرفة الصدق إما بيقين وإما بظن غالب يجزم به العقلاء ويبنون عليه أموراً عظاماً، ولم يزل الناس يغشون الأشياء النفيسة ويصنعون ما يشبهها كالذهب والفضة والدر والياقوت والمسك والعنبر والسمن والعسل والحرير والخز وغيرها، ولم يحل ذلك دون معرفة الصحيح، والخالق الذي هيأ لعباده ما يحفظون به مصالح دنياهم هو الذي شرع لهم دين الإسلام وتكفل بحفظه إلى الأبد وعنايته بحفظ الدين أشد وأكد لأنه هو المقصود بالذات من هذه النشأة الدنيا قال الله عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} .
ومن مارس أحوال الرواية وأخبار رواة السنة وأئمتها علم أن عناية الأئمة بحفظها وحراستها ونفي الباطل عنها والكشف عن دخائل الكذابين والمتهمين كانت أضعاف عناية الناس بأخبار دنياهم ومصالحها، وفي (تهذيب التهذيب) ج 1 ص 152: «قال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيد زنديقاً فأراد قتله فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟ فقال له: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك ينخلانها حرفاً حرفاً؟» وقيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة. وتلا قول الله عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} . والذكر يتناول السنة بمعناه إن لم يتناولها بلفظه، بل يتناول العربية وكل ما يتوقف عليه معرفة الحق، فإن المقصود من حفظ القرآن أن تبقى الحجة قائمة والهداية دائمة إلى يوم القيامة لأن محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء، وشريعة خاتمة الشرائع، والله عز وجل إنما خلق لعبادته فلا يقطع عنهم طريق معرفتها، وانقطاع ذلك في هذه الحياة الدنيا وانقطاع لعلة بقائهم فيها. قال العراقي في (شرح ألفيته) ج 1 ص 267: «روينا عن سفيان قال: ما ستر الله أحداً يكذب في الحديث، وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: لو أن رجلا هَمَّ أن يكذب في الحديث لأسقطه الله، وروينا عن ابن المبارك قال: لوهَمَّ رجل في السحر أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون فلان كذاب»)) انتهى
ولهذا على الشباب السلفي خاصة أن لا يغفلوا عن هذا التوجيه وهذا الهدي الحسن وسمت السلف الصالح الذي كانوا عليه في طلبهم للعلم والمنبع الذي يستقون منه دينهم فكانوا على حذر واحتياط من أمر دينهم وكانوا لا يثقون إلا بالثقة وهذا بعد تحريهم وتنقيبهم لأحوال الرواة الذين يؤخذ منهم الدين والعلم وأنهم كانوا أشد مجانبة وحذرا من البدع وأهلها ، بل كانوا أشد التوقي منها كما قال الشاعر :
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ..... ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه
وهذا أمر أساسه في السنة جلي لحديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه:
(كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني)أخرجه البخاري ومسلم.
لا يكفي في التعبد الاقتصار على معرفة السنة فقط بل لا بد من معرفة ما يناقضها من البدع كما لا يكفي في الإيمان التوحيد دون معرفة الشرك وإلى هذه الحقيقة العظيمة أشار العلي العظيم في قوله(فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله قد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) البقرة 256
وهذا الأمر أصل بعث الرسل لتحقيقه قال تعالى ((ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت )) النحل 36 ،وأكده رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دونه حرم ماله ودمه وحسابه على الله )) أخرجه مسلم ، فلم يكتف الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد بل ضم إليه الكفر بما سواه وذلك يستلزم معرفة الشرك والكفر وإلا وقع فيه من حيث لا يشعر قال الله تعالى (( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون )) يوسف 102
وكذلك القول في السنة والبدعة ولا فرق وهو واضح في وصية رسول الله عليه وسلم (( .... فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة )) حيث أمرهم بالتزام السنة واجتناب البدع ، وهذا أمر مشهود في الواقع فإنه لا تتم معرفة الشيء إلا بنقيضه
قال ابن قتيبة الدينوري رحمه الله في تأويل مختلف الحديث ص 14 ((ولن تكمل الحكمة والقدرة إلا بخلق الشيء وضده ليعرف كل واحد منهما بصاحبه فالنور يعرف بالظلمة والعلم يعرف بالجهل والخير يعرف بالشر والنفع يعرف بالضر والحلو يعرف بالمر لقول الله تبارك وتعالى: (سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون) يس 36 والأزواج الأضداد والأصناف كالذكر والأنثى واليابس والرطب وقال تعالى: (وإنه خلق الزوجين الذكر والأنثى) النجم 45)) انتهى
وهو واضح في الشهادتين (( لا إله إلا الله ن محمد رسول الله )) فالشهادة الأولى سلب وإيجاب ونفي وإثبات سلب الألوهية ونفيها عن غير الله لأنه لا يستحقها وإثباتها لله فهو وحده حق الإله الحق والشهادة الثانية سلب الاتباع لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو المتبوع بحق ، إذن فالشهادة الأولي تعني (( لا معبود بحق إلا الله )) والشهادة الثانية (( لا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ))
قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ: " اخْتِلَافُ النَّاسِ كُلِّهِمْ يَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثَةِ أُصُولٍ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ضِدٌّ، فَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ، وَقَعَ فِي ضِدِّهِ: التَّوْحِيدُ وَضِدُّهُ الشِّرْكُ، وَالسُّنَّةُ وَضِدُّهَا الْبِدْعَةُ، وَالطَّاعَةُ وَضِدُّهَا الْمَعْصِيَةُ ".انتهى ( البدعة وأثرها السيء في الأمة )
ولهذا يا أخوتاه فلنكن على أشد الحذر من أهل البدع وبخاصة من أولئك الذين لبسوا لبوس السلفية وادعوا المنهج السلفي ولهم من الأساليب الخفية التي تقوم على الخبث وعلى الكيد وعلى التخطيط الخفي الذي قد لا نعرف معظمه ولا يظهرون لنا شيئا من هذا إلا أنهم على الحق وأنهم دعاة الحق لكن من سيماهم تعرفونهم ومن هذه السيمات والعلامات التي يعرفون بها تلك القواعد والأصول الفاسدة الكاسدة التي أحدثوها مخالفة لأصول المنهج السلفي والتوجيه النبوي وما كان السلف الصالح من الخيرية والوسطية
ولهذا في سفرنا هذا سنعرج على ذكر بعض قواعد وأصول القوم التي أحدثوها أو أحدثت لهم ليستخدموها ويستعملوها في نشر باطلهم وهز كيان السنة وتمييع الشباب السلفي بها وزعزعت قوتهم وبث الفرقة فيهم بسببها وثل عرش دولتهم ، ثم نذكر من كلام أئمتنا ما ينقض هذه القواعد والأصول الفاسدة الكاسدة بما يفتح الله علينا وما ذلك مني إلا لمساهمة في نشر الخير والسنة وبيان زيف الشبه البدعية الحزبية الدخيلة على الشباب السلفي وما ذاك إلا عونا لإخواننا من أهل السنة في بيان الحق من الباطل وقبل بيان هذه القواعد أود أن انبه على أمور لا بد منها
أولا : هؤلاء الأدعياء المتسلفيين لا يخفى عليكم ماداموا في صفنا السلفي فهم منا ومن جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا فإذا معالجتهم والحذر منهم أشد وأشد وأصعب واخطر من العدو الخارجي
قال العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني في التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (419):
((ومن تأمل حال كثير من علماء المذاهب رأى أن كثيراً منهم قد تكون حالهم عند التحقيق شراً من حال أصبغ وذلك أنهم يظهرون التدين بقبول الحديث وتعظيم (الصحيحين) ويزيد بعضهم حتى من أهل عصرنا هذا فيقول: إن الحديث إذا كان في (الصحيحين) أو أحدهما فهو مقطوع بصحته، فإذا جاءوا إلى حديث مخالف لمذهبهم حرفوه أقبح تحريف، فالرد الصريح أخف ضرراً على المسلمين وأهون مؤنة على أهل العلم والدين من إثارة الشبه والتطويل والتهويل الذي يغتر به كثير من الناس ويضطر العالم إلى صرف وقته في كشف ذلك والله المستعان)) انتهى
رحم الله العلامة المعلمي ، فكيف لو زاد على ما يظهرون من التدين ، تمسحهم بأئمة السنة وظفرهم بالتزكية وتظاهرهم بنصر السنة وأهلها وبكائهم على منهج أهل الحديث ، وانهم قد ضاع في مصرهم وأنه هم المنقذ له والوحيد الحامل له خيانة ومكرا وكيدا بأهل الإسلام ، ولكن عند التحقيق والتدقيق تجد أن أقوالهم وأفعالهم تكذب ذلك وترده كما سنبين ذلك إن شاء الله
وقال العلامة ربيع بن هادي عمير المدخلي حفظه الله في محاضرة (التوحيد يا عباد الله)
قال ابن الجوزي في( الموضوعات- 1/51): قال أبو الوفاء علي بن عقيل الفقيه: قال شيخنا أبو الفضل الهمداني: ( مبتدعة الإسلام، والوضَّاعون للأحاديث أشدُّ من الملحدين؛ لأنَّ الملحدين قصدوا إفساد الدين من الخارج، وهؤلاء قصدوا إفساده من الداخل؛ فهم كأهل بلد سعوا في إفساد أحواله، والملحدون كالمحاصرين من الخارج، فالدخلاء يفتحون الحصن؛ فهم شرٌّ على الإسلام من غير الملابسين له).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (الفتاوى ( 28 / 231 - 232 ) (إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء - أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبارات المخالفة للكتاب والسنة- وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسـدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً)) انتهى
و قال حفظه الله في محاضرة التحْذِيْر مِن الشَّر
((وكثير من أهل الفتن يحرص على أن يفتنك ! سواء كان مسلماً مبتدعاً أو كافراً ضالاً يحرص كل على أن يفتنك ، ويبذل كل ما يستطيع لفتنتك وينحرف بك عن المنهج الصحيح والصراط المستقيم ! كل صاحب مبدأ يخالف هذا القرآن يحاول أن يفتن من استطاع من المسلمين عن دينه وعما في هذا الكتاب من الخير ، وما فيه من التحذير من الشر واحذرهم هذا تحذير انتبهوا من اسم المحاضرة ، أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله والله لو فتنوك في آية واحدة أو حديث واحد خالفته لوقعت في الهلاك ؛ إذا طاوعتهم قالوا سنطيعكم في بعض الأمر ، لا تطع الكفار والمجرمين ولا في شيء خليك مؤمن صادق منقاد لله لا تساوم على شيء من هذا الدين أبداً ، ولو أعطيت الدنيا بحذافيرها ولو أعطيت ملك الدنيا ؛ فإن نهاية ما تناله من هذه الدنيا إذا كان على حساب دينك فمعناه - والعياذ بالله – ما هناك إلا العذاب ينتظرك والشقاء ! فاحذروا أيها المسلمون من فتنة أعداء الله أن يفتنونا عن ديننا ، ومن عنده مخالفة لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فليحتكِّم إلى الله، إلى كتابه إلى سنة نبيه عليه الصلاة السلام (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً) (21) .
قلنا يا إخوة قصص الأنبياء فيه تحذير من الشر نصوص الوعيد فيها تحذير من الشر ، نص الله في آيات كثيرة على شرور اليهود والنصارى والوثنيين والمنافقين ؛ نص الله عليهم ووصفهم بصفات ذميمة لماذا ؟ لنحذرها ونجتنبها ولا نقع في ما وقع فيه هؤلاء الشريريون . يجب أن يكون المؤمن فطناً وأن يكون يقظاً وأن يكون مرهف الحس ، يقف عند كل آية يتأملها ماذا أراد الله بهذه الآية ؟
ويحاول أن يتفقها فيها ، فما وجد من حث على خير أخذ به بحذافيره بقدر ما يستطيع وما وجد فيه من شر حَذِرَه ونفر منه وحاول أن يجعل بينه وبين الشر سدوداً وحواجز وصف الله الكافرين بصفات هي صفاتهم حقاً وصف الله المنافقين بصفات قائمة بهم تخزيهم وأنزل الله في المنافقين آيات في سورة البقرة وفي سورة آل عمران وفي سورة النساء وفي سورة المائدة وفي غيرها من السور ، وفي سورة المجادلة وفي سورة المنافقين ؛ بل سورة كاملة في المنافقين ، وهم أخطر ما يكون على الإسلام ، هذا الذي يندس في صفوف المسلمين ، ويتظاهر بالإسلام وينخر في الأمة وفي صفوفها هذا أخطر من العدو الخارجي ! العدو الخارجي معروف وقد يحذره كثير من الناس ولكن هذا خطير (يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ) )) انتهى
حفظ الله الوالد المجاهد ربيع المدخلي على هذه التوجيهات النيرة والنصائح القيمة
نعم كما قال الشيخ رفع الله قدره ومنزلته في الدنيا والآخرة ، هؤلاء المندسون في صفوف المسلمين ويتظاهرون بالإسلام أشد خطرا من ذاك العدو الخارجي وأشد وأشد ذاك الذي يدعى المنهج السلفي والحديث وأنه من حملته والذابين عنه وعن أهله وعند التحقيق والتنقيب ما تجده إلا مخادعا مفسدا لأصول السنة مميعا مضيعا بتعقيداته الضالة المضلة من انخدع به من شباب الأمة وأحسن فيه الظن لما هو حامله من بعض الحق والسنة ، (( فهؤلاء أحق بالعداوة ممن باين أهل الإسلام في الدار ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها. فإن ضرر هؤلاءِ المخالطين لهم المعاشرين لهم- وهم فى الباطن على خلاف دينهم- أشد عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم، لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أياماً ثم ينقضى ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم فى الديار والمنازل صباحاً ومساءً، يدلون العدو على عوراتهم ويتربصون بهم الدوائر ولا يمكنهم مناجزتهم، فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر، فلهذا قيل: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْوهُمْ} [المنافقون: 4] ، لا على معنى أنه لا عدو لكم سواهم، بل على معنى أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدواً من الكفار المجاهرين .... ولهذا لما ذكر تعالى أقسام الخلق فى أول سورة البقرة فقسمهم إلى مؤمن ظاهراً وباطناً، وكافر ظاهراً وباطناً، ومؤمن فى الظاهر كافر فى الباطن وهم المنافقون، وذكر فى حق المؤمنين ثلاث آيات ، وفى حق الكفار آيتين .
فلما انتهى إلى ذكر المنافقين ذكر فيهم بضع عشرة آية ذمهم فيها غاية الذم وكشف عوراتهم وقبحهم وفضحهم، وأخبر أنهم هم السفهاءُ المفسدون فى الأرض المخادعون المستهزئون المغبونون فى اشترائهم الضلالة بالهدى، وأنهم صم بكم عمى فهم لا يرجعون، وأنهم مرضى القلوب وأن الله يزيدهم مرضاً إلى مرضهم، فلم يدع ذماً ولا عيباً إلا ذمهم به، وهذا يدل على شدة مقته سبحانه لهم، وبغضه إياهم، وعداوته لهم، وأنهم أبغض أعدائه إليه. فظهرت حكمته الباهرة فى تخصص هذه الطبقة بالدرك الأسفل من النارنعوذ بالله من مثل حالهم، ونسأله معافاته ورحمته ... وجملة أمرهم أنهم فى المسلمين كالزغل فى النقود، يروج على أكثر الناس لعدم بصيرتهم بالنقد، ويعرف حاله الناقد البصير من الناس، وقليل ما هم، وليس على الأديان أضرَّ من هذا الضرب من الناس، وإنما تفسد الأديان من قبلهم، ولهذا جلا الله أمرهم فى القرآن، وأوضح أوصافهم وبين أحوالهم وكرر ذكرهم، لشدة المؤنة على الأُمة بهم وعظم البلية عليهم بوجودهم بين أظهرهم وفرط حاجتهم إلى معرفتهم والتحرز من مشابهتهم والإصغاء إليهم، فكم قطعوا على السالكين إلى الله طرق الهدى وسلكوا بهم سبيل الردى!وعدوهم ومنوهم، ولكن وعدوهم الغرور ومنوهم الويل والثبور.
فكم من قتيل، ولكن فى سبيل الشيطان وسليب ولكن للباس التقوى والإيمان. وأسير لا يرجى له الخلاص وفارّ من الله لا إليه، وهيهات ولات حين مناص. صحبتهم توجب العار والشنار، ومودتهم تحل غضب الجبار وتوجب دخول النار من علقت به كلاليب كلبهم ومخاليب رأْيهم مزقت منه ثياب الدين والإيمان وقطعت له مقطعات من البلاءِ والخذلان، فهو يسحب من الحرمان والشقاوة أذيالاً، ويمشى على عقبيه القهقرى إدباراً منه وهو يحسب ذلك إقبالاً.
فهم والله قطاع الطريق، فيا أيها الركب المسافرون إلى منازل السعداء، حذار منهم حذار، هم الجزارون ألسنتهم شفار البلايا ،ففراراً منهم أيها الغنم فراراً.
ومن البلية أنهم الأعداءُ حقاً وليس لنا بد من مصاحبتهم، وخلطتهم أعظم الداءِ وليس بد من مخالطتهم قد جعلوا على أبواب جهنم دعاة إليها فبعداً للمستجيبين، ونصبوا شباكهم حواليها على ما حفت به من الشهوات، فويل للمغترين! نصبوا الشباك ومدوا الأشراك وأذن مؤذنهم: يا شياه الأنعام حى على الهلاك، حى على التباب. فاستبقوا يهرعون إليهم، فأوردوهم حياض العذاب، لا الموارد العذاب.
وساموهم من الخسف والبلاءِ أعظم خطة، وقالوا: ادخلوا باب الهوان صاغرين ولا تقولوا حطة، فليس بيوم حطة! فواعجباً لمن نجا من شراكهم لا من علق، وأنى ينجو من غلبت عليه شقاوته ولها خلق، فحقيق بأهل هذه الطبقة أن يحلو بالمحل الذي أحلهم الله من دار الهوان وأن ينزلوا فى أردئ منازل أهل العناد والكفران.
وبحسب إيمان العبد ومعرفته يكون خوفه أن يكون من أهل هذه الطبقة، ولهذا اشتد خوف سادة الأُمة وسابقوها على أنفسهم أن يكونوا منهم، فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (يا حذيفة، ناشدتك الله، هل سمانى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم؟ فيقول: لا، ولا أُزكى بعدك أحداً) .
يعنى لا أفتح على هذا الباب فى تزكية الناس، وليس معناه أنه لم يبرأْ من النفاق غيرك.
وقال ابن أبى مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله؟ صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبرائيل وميكائيل)) انتهى ( انظر إلى كتاب طريق الهجرتين للعلامة ابن القيم رحمه الله ص 461 إلى 467 ط المكتبة العصرية بيروت )




رد مع اقتباس
