الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:
فالضيافة تعد من الآداب التي حث عليها الإسلام الحنيف ، و هو من علامات الصدق و الإيمان بل هو خلق النبيين و الصديقين ، و إكرام الضيف في الإسلام خلق رفيع و محبب لكل مسلم صادق قوي الإيمان فعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزاعِي رضي الله عنه قَالَ :' سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) ([1]) ، هذا و الأحاديث في حسن الضيافة كثيرة مما يدل على أهمية إكرام الضيف في الإسلام و قد ذكر ربنا تبارك و تعالى قصة من قصص الأنبياء و هي قصة إبراهيم عليه السلام إمام الحنفاء لما جاءه الملكان و كيف عاملهما بحسن خلق و لطافة في القول و لهذا أخي القارئ أنقل لك ما جاء في هذه القصة العظيمة من آداب الضيافة و حسن المعاملة من هذا النبي عليه السلام لتكون لك نورا في حياتك تقتدي به فنسأل الله تبارك و تعالى التوفيق.
آداب الضيافة من سورة الذاريات :
قال تعالى : (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ*إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ([2]) قَوْمٌ مُّنكَرُونَ([3])*فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ*فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ*)[الذاريات : 24-25-26-27].
فهذه الآيات تدل على [مشروعية الضيافة، وأنها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله هذا النبي وأمته، أن يتبعوا ملته، وساقها الله في هذا الموضع، على وجه المدح له والثناء](
[4]).
و في هذه الآيات [انتظمت آداب الضيافة(
[5])؛ ذلك ( أن الضيف يكرم بأنواع الإكرام، بالقول، والفعل، لأن الله وصف أضياف إبراهيم، بأنهم مكرمون، أي: أكرمهم إبراهيم، ووصف الله ما صنع بهم من الضيافة، قولا وفعلا ومكرمون أيضًا عند الله تعالى)([6])، ثم ( جاء بطعامه من حيث لا يشعرون بسرعة فقوله تعالى: ( فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ ) أي: انسل خفية في سرعة ، ولم يمتن عليهم أولا فقال: "نأتيكم بطعام؟" بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل فتي سمين مشوي كما في قوله تعالى : ( فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ) أي: من خيار ماله. وفي الآية الأخرى: (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ) [ هود: 69 ] أي: مشوي على الرَّضف ([7])، فقربه إليهم ، أي: أدناه منهم ، لم يضعه، وقال: اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمرا يشق على سامعه بصيغة الجزم، بل قال: ( أَلا تَأْكُلُونَ ) وهذه تدل على التلطف في العبارة والعرض الحسن أي أنها جاءت على سبيل العرض والتلطف، كما يقول القائل اليوم: إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق، فافعل) ]([8]) و للتبسيط أقول : أنه قربه إليهم في المكان الذي هم فيه، ولم يجعله في موضع، ويقول لهم:" تفضلوا، أو ائتوا إليه " لأن هذا أيسر عليهم وأحسن.([9]) ، [فإن إبراهيم عرض عليهم عرضًا لطيفًا، وقال: (أَلا تَأْكُلُونَ )ولم يقل:" كلوا " ونحوه من الألفاظ، التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال: (أَلا تَأْكُلُونَ ) فينبغي للمقتدي به أن يستعمل من الألفاظ الحسنة، ما هو المناسب واللائق بالحال، كقوله لأضيافه:" ألا تأكلون " أو:"ألا تتفضلون علينا وتشرفوننا وتحسنون إلينا " ونحوه]([10]).
هذه بعض الآداب جمعتها لكم من هذه الآيات فاللهم اجعلنا ممن يقتدي بالأنبياء عليهم السلام و اجعلنا اللهم ممن يكرمون الضيف حتى ننال مرضاتك و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.


أبو عبد الله بلال القسنطيني الجزائري


[1] : مسلم برقم(47) و (48).

[2] : وقوله: ( قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ ) : الرفع أقوى وأثبت من النصب، فرده أفضل من التسليم؛ ولهذا قال تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) [ النساء: 86 ]، فالخليل اختار الأفضل[تفسير ابن كثير (7/420)] ، فقد رد عليهم إبراهيم سلامًا، أكمل من سلامهم وأتم، لأنه أتى به جملة اسمية، دالة على الثبوت والاستقرار.[تفسير السعدي (860) ط.الرسالة)].

[3] : وقوله: ( قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ) : وذلك أن الملائكة وهم: جبريل وإسرافيل وميكائيل قدموا عليه في صور شبان حسان عليهم مهابة عظيمة؛ ولهذا قال: ( قَوْمٌ مُنْكَرُونَ )[ تفسير ابن كثير(7/420)] ، ولم يقل:" أنكرتكم " وبين اللفظين من الفرق، ما لا يخفى.[تفسير السعدي(860) ]

[4] : تفسير السعدي.

[5] : تفسير ابن كثير(7/421)

[6] : تفسير السعدي(860).

[7] : جاء عند الفراهيدي في كتابه العين (7/28) :'' الرضف: حجارة على وجه الأرض قد حميت''. و تكون حميت إما بالشمس و إما بالنار.

[8] : تفسير ابن كثير(7/421) بتصرف.

[9] : تفسير السعدي(860)

[10] : تفسير السعدي (860)