النصيحة لعامة الإخوان
لكف لسان
العدوان


إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أنْ لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيْبًا﴾ [النساء: 1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
أمَّا بعد: فإنَّ أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
أما بعد:
قال صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"[1]
قال الحافظ ابن رجب في شرح حديث: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه": "وهذا الحديث أصلٌ عظيم من أصول الأدب، وقد حكى الإمام أبو عَمرو بن الصلاح عن أبي محمد بن أبي زيد ـ إمام المالكية في زمانه ـ أنَّه قال: جماعُ آداب الخير وأزمته تتفرَّع من أربعة أحاديث: قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وقوله للذي اختصر له في الوصيَّة: (لا تغضب)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن يُحبُّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه".[2]
قال شيخنا عبد المحسن العباد:
'' وأوصي بالاشتغال بما يعني عمّا لا يعني؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ''من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه'' تقدم تخريجه.[3]
فمن هذه الوصاية كتبت هذه الرسالة الوجيزة المبنية على النصوص الشرعية، والمؤيدة بالآثار ،لأوضح فيها المعنى الحقيقي للسلفية وأ رد على من يطعن و يعتدي عليها فهذه الظاهرة انتشرت بشكل مريع و تعتبر من الآفات اللسانية المائعةفالناس يسبون و يشتمون السلفيين بعذر أو بغير عذر ، و أبين فيها أن أخطاء بعض السلفيين أو المقلدين للسلفية لا يعد حجة للقدح في دعوتنا ، فهذا الأمر أدى إلى تفاقم الوضع و تعدى حتى لسب علماء ها و هذا مما لا ينبغي السكوت عنه فلا بد من و ضع حد لهذا العدوان ، و لهذا سميت رسالتي بـ " النصيحة لعامة الإخوان لكف لسان العدوان " لاجتناب ما نهانا عنه رسولنا صلى الله عليه و سلم و إتباعه فيما أمرنا به ، و إن المسلم هو من سلم منه أخاه المسلم كما روى البخاري في صحيحه (10) عن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "المسلمُ مَن سلم المسلمون من لسانه ويده"، ورواه مسلم في صحيحه (64) ولفظه: أنَّ رجلاً سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ المسلمين خيرٌ؟ قال: "مَن سلم المسلمون من لسانه ويده".
وروى مسلمٌ أيضاً من حديث جابر (65) بلفظ حديث عبد الله بن عمرو عند البخاري.
قال الحافظ في شرح الحديث: "والحديث عامٌّ بالنسبة إلى اللسان دون اليد؛ لأنَّ اللسانَ يمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بعد، بخلاف اليد، نعم! يمكن أن تشارك اللسان في ذلك بالكتابة، وإنَّ أثرها في ذلك لعظيم".
و جاء في رياض الصالحين: ''عن عبد الله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "المسلمُ مَن سلم المسلمون من لسانه ويده ، و المهاجر ما هجر ما نهى الله عنه '' متفق عليه .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:'' المسلمُ مَن سلم المسلمون من لسانه ويده '' : (سلم المسلمون من لسانه فلا يسبهم ،و لا يلعنهم ، و لا يغتابهم ، و لا ينم بينهم ، و لا يسعى بينهم بأي نوع من أنواع الشر و الفساد ، فهو قد كف ّ لسانه ، و كفُ اللسان من أشد ما يكون على الإنسان ، و هو من الأمور التي تصعب على المرء و ربما يستسهل إطلاق لسانه) .انتهى .[4]
و مع هذا فقد ابتلينا في هذا الزمان بألسنة لا يسلم منها أحد ، ألسنة عدوانية لا تلتزم الصمت تنطق بلا ترقب و لا مراعاة لأعراض الناس ، قال ا بن حبان: "الواجبُ على العاقل أن يلزم الصمتَ إلى أن يلزمه التكلُّمُ، فما أكثرَ مَن ندم إذا نطق، وأقلَّ من يندم إذا سكت، وأطول الناس شقاءً وأعظمهم بلاءً من ابتُلي بلسانٍ مطلقٍ، وفؤادٍ مطبقٍ".[5]
وقال أيضاً: "الواجبُ على العاقل أن يُنصف أذنيه من فيه، ويعلم أنَّه إنَّما جُعلت له أذنان وفم واحدٌ ليسمع أكثر مِمَّا يقول؛ لأنَّه إذا قال ربَّما ندم، وإن لَم يقل لَم يندم، وهو على ردِّ ما لَم يقل أقدر منه على ردِّ ما قال، والكلمةُ إذا تكلَّم بها ملكَتْه، وإن لَم يتكلَّم بها ملكها".[6]
وقال أيضاً: "لسانُ العاقل يكون وراء قلبه، فإذا أراد القولَ رجع إلى القلب، فإن كان له قال، وإلاَّ فلا، والجاهلُ قلبُه في طرفلسانه، ما أتى على لسانه تكلَّم به، وما عقل دينَه من لَم يحفظ لسانه".[7]
و قال عبد الله بن عون البصري : ( ثلاث أرضاها لنفسي و لإخواني : أن ينظر هذا الرجل المسلم القرآن فيتعلمه و يقرأه و يتدبره و ينظر فيه . و الثانية أن ينظر ذاك الأثر و السنة فيسأل عنه و يتبعه جهده . و الثالثة أن يدع هؤلاء الناس إلا من خير )[8]
و جاء عنه بلفظ : ( ذكر الله دواء و ذكر الناس داء ) . و قبل هذا جاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال : ( عليكم بذكر الله فإنه شفاء ، و إياكم و ذكر الناس فإنه داء ) .[9]
قال الحسن البصري : (( إني أطمعت نفسي في جوار الله فطمعت ، و أطمعت نفسي في الحور العين فطمعت ، و أطمعت نفسي في السلامة من الناس فلم تطمع . إني لما رأيت الناس لا يرضون عن خالقهم علمت أنهم لا يرضون عن مخلوق مثلهم )[10]
و عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ العبدَ ليتكلَّم بالكلمة ما يتبيَّن ما فيها، يهوي بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب".[11]
وفي آخر حديث وصيّة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لمعاذ ، قال صلى الله عليه وسلم: "وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم أو على مناخِرهم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم"، قاله جواباً لقول معاذ رضي الله عنه: "يا نبيَّ الله! وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلَّم به؟".[12]
قال الحافظ ابن رجب: "والمرادُ بحصائد الألسنة: جزاءُ الكلام المحرَّم وعقوباته؛ فإنَّ الإنسانَ يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيِّئات، ثم يحصد يوم القيامة ما زرع، فمَن زرع خيراً مِن قولٍ أو عملٍ حَصَد الكرامة، ومن زرع شراًّ من قولٍ أو عملٍ حصد غداً الندامة".[13]
قلت : أيحب أن يكون أحدكم في النار بسبب لسانه؟
السب و الشتم من الأمور المنكرة :
كما هو معلوم أن سب و شتم المسلمين من الأمور المنكرة و قد ثبتت أحاديث تنهى عن السب و الشتم و لهذا أقول : كفاكم تهورا و امسكوا ألسنتكم و اهتموا بشؤون أنفسكم اجتنبوا أعراض المسلمين ، ففي الصحيحين أن الرسول صلى الله عليه و سلم قال : " سباب المسلم فسوق و قتاله كفر ".[14]
قال ابن حجر في شرح هذا الحديث : ( ... و هذا يقتضي أن من قال لآخر أنت فاسق أو قال له أنت كافر فإن كان ليس كما قال كان هو المستحق للوصف المذكور ، و أنه إذا كان كما قال لم يرجع عليه شيء لكونه صدق فيما قال ، و لكن لا يلزم من كونه لا يصير بذلك فاسقا ولا كافرا أن لا يكون آثما في صورة قوله له أنت فاسق بل في هذه الصورة تفصيل : إن قصد نصحه أو نصح غيره ببيان حاله جاز ، و إن قصد تعييره و شهرته بذلك , محض أذاه لم يجز ، لأنه مأمور بالستر عليه و تعليمه و عظته بالحسنى "[15]
قال البخاري رحمه الله تعالى : حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن الحسين عن عبد الله بن بريدة حدثني يحي بن يعمر أن أبا الأسود الديلي حدثه عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه و سلم يقول : "" لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ، و لا يرميه بالكفر ، إلا ارتدت عليه ، إن لم يكن صاحبه كذلك "
و في الحديث الذي يليه قال : حدثنا محمد بن سنان فليح بن سليمان حدثنا هلال بن علي عن أنس قال : " لم يكن رسول الله صلى الله عليه و سلم فاحشا و لا لعانا و سبابا "[16]
و قال : حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي حدثنا الأعمش قال حدثنا عدي بن ثابت قال سمعت سليمان ابن صرد رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال : " استب رجلان عن النبي صلى الله عليه و سلم ، فغضب أحدهما فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه و تغير ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : إني أعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد ، فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي صلى الله عليه و سلم و قال : تعوذ بالله من الشيطان ، فقال أترى بي بأس ، أمجنون أنا ؟ اذهب "[17]
و في الحديث الذي بعده :قال : حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل عن حميد قال: قال أنس : حدثني عبادة بن الصامت قال : " خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم ليخبر الناس بليلة القدر ، فتلاحى رجلان من المسلمين ، قال النبي صلى الله عليه و سلم : خرجت لأخبركم فتلاحى فلان و فلان ، و إنها رفعت ، و عسى أن يكون خير لكم ، فالتمسوها في التاسعة و السابعة و الخامسة "
وروى ابن رجب قصة فيها فائدة عظيمة من تمسك بها صان نفسه من التعرض لأعراض المسلمين ، أنه لما ركب ابن سيرين الدَين و حُبس به قال : " إني أعرف الذّنب الذي أصابني هذا ، عيًرت رجلا منذ أربعين سنة ، فقلت له يا مفلس " .[18] فتأمل يرحمك الله كلمة قالها منذ أربعين سنة و لم ينساها رحمه الله و هذا ما دل إلا على عدم غفلة السلف علىأنفسهم ، فما بالك على الذي يقذف كل يوم كلمات تسيء للسلفيين و التي هي أقبح و أشر من ( مفلس) ؟
هذا و الأحاديث كثيرة في هذا الباب ، فكيف يسب المسلم أخاه و الإسلام ينفى هذا الفعل الذميم ؟ ، و هذا من جهل المسلمين في هذا الزمان فلو كانوا متمسكين بدينهم و كانوا متفقهين لما فاتتهم هذه الأحاديث ، فلتحذروا يا عباد الله فالأمر ليس هيّنا حتى بين العوام فكيف بمن سب عالما من علماء السلف أتدرون ماذايقول رسول الله صلى الله عليه و سلم فيمن سب عالما ؟" مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ..."[19]
قال الشيخ صالح بن عثيمين رحمه الله : '' فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ '' يعني أعلنت عليه الحرب ، فالذي يعادي أولياء الله محارب لله –عز وجل – نسأل الله العافية ، و من حارب الله فهو مهزوم مخذول لا تقوم له قائمة . ''[20]
وقال ابن عساكر"أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة"
و هذه عبرة لكل من يقدح في العلماء السلفيين ، حيث أصبح الجهال في هذا الزمان لا يحترمون علمائنا و رموهم بأقبح الأسماء و أبشع الصفات ، و الرسول توعد من يعادي أحد من علماء السنة بحرب منه أفلا تعقلون ؟
الابتعاد عن التجسس و التنقيب عن عيوب الناس :
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا} ( الحجرات 12)
قال العلامة عبد المحسن العباد : ((ففي هذه الآية الكريمة الأمر باجتناب كثير من الظنِّ، وأنَّ منه إثماً، والنهي عن التجسُّس، والتجسُّسُ هو التنقيب عن عيوب الناس، وهو إنَّما يحصل تَبَعاً لإساءة الظنِّ.))[21]
وقال صلى الله عليه وسلم: "إيَّاكم والظنَّ؛ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عبادَ الله إخواناً"[22]
وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ولا تظنَّنَّ بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلاَّ خيراً، وأنت تجد لها في الخير مَحملاً".[23]
وقال بكر بن عبد الله المزني كما في ترجمته من تهذيب التهذيب: "إيَّاك من الكلام ما إن أصبتَ فيه لَم تُؤجَر، وإن أخطأت فيه أثمت، وهو سوء الظنِّ بأخيك".
و على المسلم الحق ألا يتسرع في الحكم لعل ذاك المخطئ له عذره '' و لذلك يحذر من إصدار الأحكام هكذا جامدة من غير تبين من غير بحث عن المخارج و لذلك يقول أبو قلابة رحمة الله عليه : " إذا رأيت من أخيك تصرفا يغضبك فقل لعل له كذا و كذا،ابحث له عن المخارج فإن ما وجدت مخرجا له قل لعله له عذرا يعلمه و أنا لا أعلمه [24]" تأملوا هذه الكلمة التي هي خرجت من صدر سليم من المسلمين ، لا تسارع ، تراه يفعل شيئا تسارع تحكم عليه ، ثم تشنع به مشرقا و مغربا ، ثم تبث هذه المثلبة في كل الناس ، هذا غلط ، التمس له كما قال عمر ابن الخطاب " التمس لأخيك سبعين عذرا "[25]. قال الله تعالى :'' يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ''( الحجرات 12). تأملوا هذه الآية ما أبلغها ، اجتنب كثيرا من الظن لماذا؟ لأن بعضه إثم ، فكيف لو كان كله إثما ؟ تترك الكثير خشية الوقوع في القليل ، هذا سدا للذريعة ، لأن أعراض المسلمين مصونة ، إذا هذا هو خبر هؤلاء السلف كأبي قلابة رحمة الله عليه . إذا ما فهمت تصرف قل يمكن هو له عذر في نفسه أنا ما دخلت في قلبه يعلم هو أمرا و أنا أجهله ، هذه هي سلامة الصدور بارك الله فيكم كما قال تعالى : '' وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ'' ( الحشر 10). ما يكون لك غل في صدرك على إخوانك بل تعتذر لهم ما أطقت ذلك ووجدت له سبيلا إلى أن تنغلق و تنسد أمامك الأبواب'' .[26]
وانظر لهذا الأثر الذي ذكره ابن كثير- رحمه الله – فلم أرى أثرا جميلا مثله : (( قال سفيان بن حسين: "ذكرت رجلاً بسوء عند إياس بن معاوية، فنظر في وجهي، وقال: أغزوتَ الرومَ؟ قلت: لا، قال: فالسِّند والهند والترك؟ قلت: لا، قال: أفَتسلَم منك الروم والسِّند والهند والترك، ولم يسلَمْ منك أخوك المسلم؟! قال: فلَم أعُد بعدها".[27]
قلت : لم أرى ردا أعجبني مثل هذا القول و هذا لا يدل إلا على ذكاء إياس بن معاوية فلاحظ كيف كان جوابه و طبقه على مفتوني هذا الزمان ، تسلم منهم الدول الكافرة مثل أمريكا و تسلم منهم فرنسا التي أصبحت قدوة الجزائريين و لا يسلم منهم المسلم ؟. فاللهم سلم سلم .
و قد وصف العلماء من يتجسس بغير العاقل كما قال بن حبان: "الواجبُ على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه؛ فإنَّ من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنَه ولم يُتعب قلبَه، فكلَّما اطَّلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه، وإنَّ من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه وتعب بدنه وتعذَّر عليه ترك عيوب نفسه".[28]
واعلم أن التجسس من شعب النفاق و حسن الظن من الإيمان''التجسُّس من شعب النفاق، كما أنَّ حسنَ الظنِّ من شعب الإيمان، والعاقل يحسن الظنَّ بإخوانه، وينفرد بغمومه وأحزانه، كما أنَّ الجاهلَ يُسيء الظنَّ بإخوانه، ولا يُفكِّر في جناياته وأشجانه".[29]
قلت : فليعتبر كل معتبر ، و ليهتم كل واحد بعيوبه كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( يبصر أحدكم القذى في عين أخيه ، و ينسى الجدع في عينه )[30]
القذى : هو ما يقع في العين و الماء و الشراب من تراب أو تبن أو وسخ .
قال الشاعر :
قبيح من الإنسان ينسى عيوبه *** و يذكر عيبا في أخيه قد اختفى.
و لو كان ذا عقل لما عاب غيره *** و فيه عيوب لو رآها قد اكتفى .

فيجب علينا يا إخواني إصلاح ذات بيننا أولا كما جاء عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام و الصلاة و الصدقة ؟قالوا : بلى ، يا رسول الله ، قال : إصلاح ذات البين و فساد ذات البين هي الحالقة ).[31]
قلت : فلينتبه كل غافل .
تعريف السلفية:
لغة: قال ابن منظور "والسلف من تقدمك من آبائك وذوى قرابتك الذين هم فوقك فى السن والفضل ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة الزهراء رضى الله عنها "فإنه نعم السلف أنا لك"[32]
اصطلاحاً: قال القلشانى: السلف الصالح، وهو الصدر الأول الراسخون فى العلم، المهتدون بهدي النبى صلى الله عليه وسلم، الحافظون لسنته، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، وانتخبهم لإقامة دينه، ورضيهم أئمة للأمة، وجاهدوا فى سبيل الله حق جهاده، وأفرغوا فى نصح الأمة ونفعهم، وبذلوا فى مرضاة الله أنفسهم. قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه} (التوبة:الآية100)
وقال السمعاني: "السلفي؛ بفتح السين واللام وفي آخرها فاء: هذه النسبة إلى السلف، وانتحال مذاهبهم على ما سعمت منهم"[33]
وقال الإمام الذهبي في ترجمة: الحافظ أحمد بن محمد المعروف بـ أبي طاهر السلفي: "السلفي بفتحتين وهو من كان على مذهب السلف"[34]
الانتساب إلى مذهب السلف:
الانتساب إلى السلف فخر وأي فخر وشرف ناهيك به من شرف، فلفظ السلفية أو السلفي لا يطلق عند علماء السنة والجماعة إلا على سبيل المدح.
قال الإمام الذهبي : "فالذي يحتاج إليه الحافظ أن يكون تقيا ذكيا نحويا لغويا زكيا حييا سلفيا" [35]
السلفية إتباع لكتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم:
و الشيء الغريب أن العوام من الناس يتهجمون على مذهب السلف حتى أصبحت كلمة سلفي عندهم من الألفاظ السيئة و منهم من يستهزأ بالسلفية و يقول : '' فلان السلحفي '' و هذا من السخافة بماكان لأن هؤلاء المساكين لا يعلمون أن هذه الكلمة معناها إتباع كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم على فهم سلف الأمة أي على فهم الصحابة كما قال ابن القيم رحمه الله في نونيته :
العلمُ قال الله قال رسوله ***** قال الصحابة هم أولوا العرفان.
ما العلم نصبُك للخلاف سفاهةً ***** بين الرسول وبين رأي فلان.

ويُروى عن الإمام الذهبي - رحمه الله – بلفظ:
العلم قال الله قال رسوله ***** قال الصحابة ليس بالتمويه.
قال ابن رجب في جامع و الحكم عن عبد الرحمان بن مهدي في الأحاديث الأربع التي عليها مدار الدين:
عمدة الدين عندنا كلمات***** أربع من كلام خير البرية
اتق الشبهات وازهد ودع ما ***** ليس يعنيك واعملن بينة
العلم قال الله قال رسـوله ***** قال الصحابة ليس خُلفٌ فيه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ***** بين الرسول وبين رأي فقيه.

فالصحابة هم خير من فهم الوحيين لأنهم لازموا الرسول و فهموا منه و أقرهم على ذلك . فالعلامة ابن القيم رحمه الله و غيره من العلماء لم يجتهدوا في استنتاج هذه المسألة أو في استنبطها بل هي موجودة في كتاب الله جل و علا حيث قال سبحانه وتعالى "ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا" ( النساء 115). و قال ابن تيميةفي هذه الآية : و قد شهد الله لأصحاب نبيه صلى الله عليه و سلم و من تبعهم بإحسان و بالإيمان ، فاعلم قطعا أنهم المراد بالآية الكريمة ، فقال تعالى : (( والسابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين أتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه و أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم )) ، و قال تعالى : (( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم و أثابهم فتحا قريبا )) .
فحيث تقرر أن من اتبع غير سبيلهم ولاه الله ما تولى و أصلاه جهنم . )) أ.هـ [36]
وقال: رحمه الله تعالى : "فكل من شاق الرسول من بعدما تبين له الهدى، فقد اتبع غير سبيل المؤمنين وكل ما ابتع غير سبيل المؤمنين فقد شاق الرسول من بعدما تبين له الهدي. فإن كان يظن أنه متبع سبيل المؤمنين وهو مخطئ فهو بمنزلة من ظن أنه متبع للرسول وهو مخطئ، وهذه الآية تدل على أن إجماع المؤمنين حجة من جهة أن مخالفتهم مستلزمة مخالفة الرسول، وأن كل ما أجمعوا عليه فلا بد أن يكون فيه نص عن الرسول ...".[37]
و من السنة حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي فإنه من يعيش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ" [38]
و صححه العلامة الألباني –رحمه الله - في صحيح الترغيب و الترهيب : ((عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : و عظنا رسول الله صلى الله عليه و سلم موعظة وجِلت منها القلوب و ذرفت منها العيون ، فقلنا : يا رسول الله كأنها موعظة مودع ، فأوصنا . قال :
أوصيكم بتقوى الله ، و السمع و الطاعة ، و إن تأمر عليكم عبد ، و أنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي ، و سنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، و إياكم و محدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة )).[39]
و الحديث الثاني : عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول اللهصلى الله عليه و سلم : "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل مثلا بمثل حذو النعل بالنعل حتى لو أن فيهم من نكح أمه علانية كان في أمتي من يفعل مثله. إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا واحدة"فقيل يا رسول الله : ما الواحدة ؟.
قال : "ما أنا عليه اليوم وأصحابي".[40]
و توجد رواية أخرى : عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما أنه قال : ألا إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قام فينا فقال : ألا إن من قبلكم من أهل الكتابافترقوا على ثنتين و سبعين ملة و إن هذه الملة ستفترق على ثلاث و سبعين ، ثنتان و سبعون في النار ، و واحدة في الجنة و هي الجماعة "[41]
و هذه أدلة قوية تدل على مدى اتباع الصحابة لأنه من اتبعهم كان من الفرقة الناجية ان شاء الله ، فاتقوا الله يا من يسب السلفية و يتهمها بالإتهامات الباطلة ، فالناس لا يفرقون للأسف يحكمون على كل ملتحي بأنه سلفي و هذا غلط ، فهناك الكثير من أهل البدعأمثال الأشاعرة و المعتزلة و بالأخص جماعة الإخوان المسلمين الذين يتسمون بالسلفية و يقومون بأفعال منكرة و غرضهم في ذلك هو تشويه الوجه الحقيقي لهذه الدعوى ، فالواجب التعقل و التريث، و لا اعني بكلامي أن السلفيين لا يخطئون بل كغيرهم فهم ليسوا بمعصومين و المعصوم هو الرسول صلى الله عليه و سلم ،و لكن ننبه أن هناك من يدعي السلفية و ما هو بسلفي ، كما يقول الشاعر :
و كم من مدع وصلا لليلى *** و ليلى لا تقر لهم بذاك .
معنى السلفية :
تم بيان المعنى الحقيقي للسلفية و هي اتباع الكتاب و السنة على فهم سلف الأمة و سأنقل بعض الشروحات لتوضيح بأن السلفية هي منهج الإسلام.
جاء في إحدى الكلمات الشهرية لفضيلة الشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد عليِّ فركوس -حفظه الله تعالى- و هي موجودة على موقعه تحت عنوان : السلفية منهج الإسلام و ليست دعوة تحزب و تفرق و فساد :
قال :
'' إنّ السلفيةَ تُطلَقُ ويرادُ بها أحد المعنيين:
الأول: مرحلةٌ تاريخيةٌ معيّنةٌ تختصُّ بأهل القرون الثلاثة المفضّلة، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»[42]
وهذه الحِقبة التاريخيةُ لا يصحُّ الانتساب إليها لانتهائها بموت رجالها.
والثاني: الطريقةُ التي كان عليها الصحابةُ والتابعون ومَن تبعهم بإحسان من التمسّك بالكتاب والسُّـنَّة وتقديمهما على ما سواهما، والعمل بهما على مقتضى فهم السلف الصالح، والمراد بهم: الصحابة والتابعون وأتباعهم من أئمّة الهدى ومصابيحِ الدُّجَى، الذين اتفقتِ الأُمَّة على إمامتهم وعدالتهم، وتَلَقَّى المسلمون كلامَهم بالرِّضا والقَبول كالأئمّة الأربعة، والليثِ بنِ سَعْدٍ، والسُّفيانَين، وإبراهيمَ النَّخَعِيِّ، والبخاريِّ، ومسلمٍ وغيرِهم، دون أهلِ الأهواء والبدعِ ممّن رُمي ببدعة أو شهر بلقبٍ غيرِ مرضيٍّ، مثل: الخوارج والروافض والمعتزلة والجبرية وسائر الفرق الضالَّة. وهي بهذا الإطلاق تعدُّ منهاجًا باقيًا إلى قيام الساعة، ويصحّ الانتسابُ إليه إذا ما التُزِمت شروطُهُ وقواعِدُهُ، فالسلفيون هم السائرون على نهجهم المُقْتَفُونَ أثرَهم إلى أن يرث اللهُ الأرضَ ومَن عليها، سواء كانوا فقهاءَ أو محدّثين أو مفسّرين أو غيرَهم، ما دام أنهم قد التزموا بما كان عليه سلفُهم من الاعتقاد الصحيح بالنصّ من الكتاب والسنّة وإجماع الأمّة والتمسّك بموجبها من الأقوال والأعمال لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ»[43]
ومن هذا يتبيّن أنّ السلفيةَ ليست دعوةً طائفيةً أو حزبيةً أو عِرقيةً أو مذهبيةً يُنَزَّل فيها المتبوعُ مَنْزِلةَ المعصوم، ويتخذ سبيلاً لجعله دعوة يدعى إليها، ويوالى ويعادى عليها، وإنما تدعو السلفيةُ إلى التمسُّك بوصية رسولِ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم المتمثِّلة في الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة وما اتفقت عليه الأمّة، فهذه أصولٌ معصومة دون ما سواها.
وهذا المنهج الربانيُّ المتكاملُ ليس من الحزبية الضيّقةِ التي فرّقت الأمّةَ وشتّتت شملَها، وإنما هو الإسلام المصفَّى، والطريقُ القويمُ القاصدُ الموصلُ إلى الله، به بعث اللهُ رسلَه وأنزل به كتبَه، وهو الطريقُ البيِّنةُ معالِمُه، المعصومةُ أصولُه، المأمونةُ عواقِبُه؛ أمّا الطرقُ الأخرى المستفتحة من كلّ باب فمسدودة، وأبوابها مغلقة إلاّ من طريق واحد، فإنه متّصلٌ بالله موصولٌ إليه، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153].
و من الآثار التي تدل على وجوب التمسك بهذا المنهج ما جاء في حديث ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه حيث قال : «خطّ لنا رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم خطَّا ثمّ قال: «هَذَا سَبِيلُ اللهِ» ثم خطّ خطوطًا عن يمينه وشماله، ثمّ قال: «هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾.[44]
وقد جاء عند ابن كثير: «أنّ رجلاً سأل ابنَ مسعود رضي الله عنه: ما الصراطُ المستقيم؟ قال: تَرَكَنَا محمّدٌ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في أدناه وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادٌّ وعن يساره جوادٌّ، ثمّ رجال يدعون من مرَّ بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثمّ قرأ ابن مسعود الآية».[45]
تنبيه : الجوادُّ: جمع جادّة، وهي معظم الطريق، وأصل الكلمة من جدَدَ[46].''[47]
قلت : و نحن برآء من كل حقير انتسب للدعوى السلفية من اجل تشويهها و جعلها فرقا و أحزابا'' ونعتقد أن من سعى إلى إيجاد سلفية حزبية على نمط الجماعات الحزبية الموجودة أنه قد أخطأ وأننا منه برآء فهذه جملة ما نحن عليه''.[48]
و السلفي الحقيقي لا يخاف لومة لائم إن أظهرها فهي الحق و يجب أن ننتسب إليها و هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : (( لا عيب على من أظهر مذهب السلف و انتسب إليه و اعتزى إليه ، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق ، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا ))[49].
قلت : و من كلام شيخ الإسلام يتبن لنا أن هذه الدعوة ليست دعوى باطلة بل دعوة حق كيف لا و الشيخ نفسه ينتسب إليها و يقر على انتسابها .
الأصناف التي تسب السلفية في الجزائر :
هناك عدة أصناف منها المبتدعة و عداؤها واضح اتجاه السلفية و صنف آخر هم عوام الناس من الشباب ذكورهم و إناثهم .
الصنف الأول :هم أصحاب الأهواء من الفرق الضالة نكتفي بذكر أسمائها مثل المعتزلة و الجهمية و القدرية و الروافض و الشيعة [50]و الأشاعرة و الخوارج و الإخوان المسلمون[51] و غيرهم من أهل الزيغ و الضلال.
الصنف الثاني :هم عامة الناس من الشباب (الذكور و الإناث) و لست أجاري في العوام و لكن كثر السب و الشتم للسلفية أينما ذهبت من قبلهم ، فالسلفي بين أمرين ، بين محاربة ا÷ل الزيغ و بين حقد العوام و الله المستعان ، و أكثر ما يتصف به هؤلاء هو الجهل و كثرة اللغو و اتباع الفرق الكلامية المذكورة سابقا و اتباع الجهال أمثال القرضاوي و عمرو خالد ، و من بين ما يمتاز به الشباب حب اللهو باسم الترفيه و العيش و حب الجدال حيث أنهم لايقبلون النصوص الشرعية التي تخالف عقولهم الضيقة و يتبعون المتشابه منها و تأويلها حسب أهوائهم و هذا لسبب واحد و هو إعطاء رخص باطلة لمنكراتهم . و لهذا أنقل ما قاله الشاطبي و إن كان لا يقصد به العوام و لكن تنبيها للغافل على خطورة اتباع المتشابه: (( إِنَّ الزَّائِغَ المتّبِعَ لِمَا تَشَابَهَ مِن الدَّلِيلِ لاَ يَزَالُ فِي رَيْبٍ وَشَكٍ؛ إِذِ المتَشَابِهُ لاَ يُعْطِي بَيَانًا شَافِيًا، وَلاَ يَقِفُ مِنْهُ مُتَّبِعُهُ عَلَى حَقِيقَةٍ، فَاتِّبَاعُ الهوَى يُلْجِئُهُ إلى التمَسُك بِه، والنظَرُ فيهِ لا يَتَخَلَّصُ لَهُ، فَهُو عَلَى شَكٍ أَبَدًا، وَبِذَلكَ يُفَارِقُ الرَّاسِخَ في العِلْمِ لأَنَّ جِدَالَهُ إِنِ افْتَقَرَ إِلَيْه فَهُو في مَوَاقِعِ الإشْكَالِ العَارِضِ طَلَبًا لإزَالَتِهِ فَسُرْعَانَ مَا يَزُولُ إِذَا بُيِّنَ لَهُ مَوْضِعُ النَّظَرِ، وَأَمَّا ذُو الزيْغِ فَإِنَّ هَوَاهُ لاَ يُخلِيهِ إِلَى طَرْحِ المتَشَّابِهِ فَلاَ يَزَالُ فِي جِدَالٍ عَلَيْهِ وَطَلَبٍ لِتَأْوِيلِهِ))[52]
الذكور :
وهذا النوع من الشباب المتهور وصفهم الشيخ ابن عثيمين رحمه الله بـ: (( أما النوع الثاني[53] : فشباب منحرف في عقيدته متهور في سلوكه ، مغرور بنفسه ، منغمر في رذائله ، لا يقبل الحق من غيره ، و لا يمتنع عن باطل في نفسه ... شاب عنيد لا يلين للحق و لا يقلع عن الباطل ، شاب لا يبالي بما أضاع من حقوق الله ،و لا من حقوق الآدميين ، ... شاب معجب برأيه كأنما يجري الحق على لسانه ...))[54]
قلت : و قد قيل :
أقيم لإصلاح الورى و هو مائل *** فكيف يقام الظل و العود أعوج.
لماذا يتهجم هؤلاء على السلفية؟ :
أولا : النظرة السيئة التي أخذها شباب الجزائر عن الملتحين خاصة بعد الكارثة التي قام بها الخوارج في الجزائر في مرحلة التسعينات ، فالجرائم التي وقعت في الجزائر باسم الدين و باسم الدعوة السلفية أثرت على الشباب لأن هؤلاء كانوا يحسنون الظن في من ادعى السلفية أمثال الجماعة السلفيةللدعوى و القتال.
و لجهل شباب اليوم ببعض القواعد أصبح في نظرهم أن السلفيين و راء كل ما حدث ، و مما يخفى عليهم أن علماء السلفية هم من أوقفوا ما جرى في الجزائر و لمزيد من التوسع اقرأ كتاب فتاوى العلماء الأكابر فيما أهدر من دماء الجزائر لعبد المالك رمضاني، و مدارك النظر في السياسة و تخليص العباد من وحشية أبي القتاد.
و أقول: كل الفرق التي تقوم بالعمليات التفجيرية و المنتسبة للسلفية لا يمثلون المنهج السلفي إذ '' كل جماعة تعرف برأسها''.
ثانيا :
أخطاء بعض السلفيين يجعلها بعض الناس سببا للقدح في الدعوى و الذي يجب أن يعرف أن كل من أخطأ سواء كان سلفي أو غير سلفي فهو يمثل نفسه لا يمثل الدعوى ككل ، أ إذا أخطأ مسلم نقول العيب في الإسلام ؟ لا و الله بل العيب فيك أخي المسلم ، فهناك من يسعى لإفساد الوجه الحقيق للسلفية و هم الإخوان المفلسون ، فالإخوان هم من وضعوا هذا المقياس ، فالخلق الحسن مطلوب من سائر المسلمين شرعا ، قال تعالى : ((وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)) [فصلت :35]، بعد أن ذكر الله الأخلاق الحسنة أخبر الله أنه ما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ، و النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من خلق حسن )) ، و ما كان من خلق حسن فالسنة أجدر به من غيره ، و أحق به من غيره ، و ما كان من خلق سيء فالمبطلون أحق به ، و لا يبهرك ما تراه من المتحزب مما يسميه بحسن الخلق ، فلو حسن خلقه لرأيت منه التمسك بالحق ، فأحسن خلق و أعظم خلق بعد توحيد الله الإتباع لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، خلق عظيم ، خلق رسول الله صلى الله عليه و سلم القرآن ، أي التمسك به ، و العمل به ، و إن وجد من سلفي خطأ في أخلاقه فهذا لا يحسب على المنهج السلفي و إنما يحسب على ذلك الشخص ، و أيضا تلك الأخلاق المتكلفة من الحزبيين يضلون بها الناس فيأثمون من ورائها ، و يسمونها أخلاقا ، بينما لو خالفته أو ناقشته في منهجه و دعوته و فكره لرأيت منه أسوأ الخلق ، و كم نرى الآن منهم من كذب و تلبيس ، و غش ، و تحقير ، و ازدراء ، و إعراض ، فالحزبية خلق سيء ، و غنما ما يصرف من الأخلاق فيما ترى في الظاهر هو لقصد امتصاص غضبك على انحرافه أو اجتذابك و اختزالك إليه ، فكن من تلك الأخلاق المزيفة على حذر ، و على أهل السنة أن يدعوا الله عز وجل أن يوفقهم لحسن الأعمال و الأخلاق ، فحسن الخلق دعوة ، و دين , وحسن الخلق فيه خير كثير عليك و على الناس ، و لا يوفق له إلا من أراد الله به خيرا ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خيري الدنيا و الآخرة )) ، و الرفق من الخلق الحسن ، و قال عليه الصلاة و السلام : (( حسن الخلق و حسن الجوار يعمران الديار و يزيدان في الأعمار )). و هذا حديث صحيح. ''[55]
ثالثا: الشباب اليوم غارق في المعاصي بل هو من أراد هذا الوضع باسم العيش و إن ناصحتهم في الأمر قالوا مقولتهم المشهورة: ( لن أعيش مرتين) و الجواب بلى ستعيش أكثر من مرة :
دار الدنيا الفانية: والدليل قول الله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾[آل عمران: 185].
دار البرزخ: والدليل قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[المؤمنون: 100].
دار القرار: والدليل قول الله تعالى مخبرا عن مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾[غافر: 39].
و نلاحظأن التلذذ في حب الدنيا ولّد لدى الشباب فكر غريب إذ أصبح هذا النوع يلف و يدور لإيجاد مسوغ لأخطائه فيلجأ إلى أئمة الغدر و السوء فيفتونهم بفتاوى رخيصة تكون مرضية لهم و لكنها مغضبة للرب ، و من أهم علماء الضلال هذا القرضاوي فقد دوخ شبابنا ببلاويه و هو في حد ذاته في حاجة ماسة للنصح و الوعظ لأنه لم يطبق ما قاله في كتابه الحلال و الحرام في الإسلام[56] حيث قال في مقدمته ((النية الحسنة لا تبرر الحرام ، التحايل على الحرام حرام ، ما أدى إلى الحرام فهو حرام ، في الحلال ما يغني عن الحرام .)) و يا ليته طبق ما قال .
و قد رد عليه علماء اليمن أمثال الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله و محمد بن عبد الله الإمام و من السعودية الشيخ العلامة الفوزان حفظه الله و انظر كذلك كشف اللثام عن مخالفة القرضاوي لشريعة الإسلام للعدني و غيرهم .
ولهذا نقول لهؤلاء :
و من جعل الغراب له دليلا** يمر به على جيف الكلاب
و قد حذر الرسول من علماء السوء حيث قال رسول اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: ''إِنَّهَا سَتَأَتْيِ عَلَى النَّاس سِنُين خَدَّاعَة، يُصَدَّق فيها الكاذِب، ويُكَذَّبُ فيها الصادِقُ، ويُؤْتَمَنُ فيها الخَائِنُ، ويُخَوَّنُ فيها الأَمِينُ، ويَنْطِقُ فيها الرُوَيْبِضَةُ، قيل: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قال: السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ العَامَّةِ''[57]
و صدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه القائل : " ثَلَاثٌ يَهْدِمْنَ الدِّينَ :زَلَّةُ الْعَالِمِ, وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْقُرْآنِ, وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ "[58].
و العجب أن هؤلاء الوعاظ الذين يُحسبون من أهل و ما هم كذلك، هم أولى بالنصح ، فكيف يقوم أمثال عمرو خالد بوعظ الناس و هو في حاجة ماسة للإصلاح و خاصة في أمور العقيدة فله أخطاء يشيب منها الرأس كيف لا و هو متأثر بالشعراوي الأشعري العقيدة و الصوفي العبادة و بمحمد الغزالي العقلاني المعتزلي لهذا فعمرو خالد ينطبق عليه قول أبو العتاهية:
وَصَفْتَ التُّقَى حَتَّى كَأَنَّكَ ذُو تُقًى **** وَرِيحُ الْخَطَايَا مِنْ ثِيَابِكَ تَسْطَعُ.[59]
وقال غيرُه:
وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقَى **** طَبِيبٌ يُدَاوِي النَّاسَ وَهْوَ مَرِيضُ.[60]
ولله در من قال:
يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلِّمُ غَيْرَه ُ** هَلاَّ لِنَفْسِكَ كَانَ ذََا التَّعْلِيمُ.
تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ وَذِي** الضَّنَى كَيْمَا يَصِحُّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيمُ
ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا **فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ.
فَهُنَاكَ تُعْذَرُ إِنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى **بِالقَوْلِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ
لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ** عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ[61]

و تتبع هؤلاء العلماء هو ما ولد كره العامة للمنهج السلفي حيث شوهوا وجه الدعوى الحقيقي و أوهموا أن السلفية تعني التشدد و قهر الشباب و قهر للحريات ، و هؤلاء المساكين لا يعلمون أن علمائهم يغشونهم في أمور دينهم ، فكيف يرضى الأب لابنته أن تخرج سافرة أمام الأجانب و أن تقوم ببعض الرياضات التي فيها اختلاط بالرجال؟ ، و كيف يترك الأب أولاده يذهبون لدور السينما و مشاهدة الأفلام التي تخلوا من الحياء ؟ كيف يشجع الأب أولاده على سماع الأغاني ؟, كيف يشجعهم على الرقص بحجة إظهار المواهب ؟ و كيف و كيف ؟ هل هذا هو الإسلام عند القرضاوي و عمرو خالد ؟ إظهار المواهب بالمعاصي؟ أم أنه رقص إسلامي غير عاهر ؟ و غناء إسلامي غير ماجن ؟ و اختلاط إسلامي بريء ؟ لا و الله الإسلام بريء من خزعبلاتهم .
و مما قام به علماء السوء أن كرهوا العامة في سنة نبينا صلى الله عليه و سلم و أدخلوا له فكرة الأخذ بالرأي و العمل بالعقل فلو جاءهم دليل شرعي من الكتاب و السنة أعرضوا عنه ما لم يوافق آرائهم ، و لهذا فالسلفية دعوة إلى الله بكتابه و سنة نبيه ، فهي تحرم ما حرم الله و رسوله و تحل ما أحل الله و رسوله و هذا لا يعجب شبابنا للأسف لأنهم تربوا على إيجاد الرخص و لا يرضون بالحق كما تعلموا الجدال و تقديم العقل على النقل و القول بالرأي و مما لا يعلمه هؤلاء المساكين أن العقل البشري قاصر أمام الكتاب و السنة ، فأحيانا آراءنا تكون مخالفة للشرع بالكلية و الدليل على ذلك ما سنبينه في هذه الآثار حول القولبالرأي ، فعن علي رضي الله عنه قال : ((كنت أرى باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يمسح على ظاهرهما))[62] وجاء بلفظ أبي داود: ((لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، وقد مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهر خفيه)).).
فلو سلمنا لهؤلاء فهل يبقى للإسلام من معنى ؟ الجواب لا و الواقع يثبت ذلك فالبدع منتشرة و لا أحد يتكلم عليها بل و يقرونها ، و لكنهم لا يسكتون عن شيء واحد و هو سب السلفيين و القدح فيهم و في أعراضهم و وصفهم بأبشع الأوصاف . فاللهم سلم سلم .
إبطال شبهة السلفية ليست لحية و قميص:
من المعلوم أن ديننا الحنيف كامل لا نقص فيه إذ أنه بين لنا كل الأمور من عبادات و معاملات و أكل و شرب و حتى المسكن و الملبس و لهذا يعد اللباس الإسلامي من الدين لا كما يظنه البعض أنه متعلق بفترة زمنية معينة فهذا غلط فهو مخالفة للكفار و النبي صلى الله عليه و سلم أمرنا أن نخالفهم في كل شيء ولهذا يجب أن نخالفهم في مظهرنا .و منهم من يقول أن اللحية سنة و ليست بواجب و لهذا سنرد على هذه الشبهة بعدة أدلة تثبت وجوب إعفائها و تحريم حلقها :
وجوب إعفاء اللحية و قص الشوارب :
عن بن عباس رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( قصوا الشوارب وأعفوا اللحى ))[63]
عن رجل من الأنصارعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ''أَعْفُوْا لحَاكُمْ، وَلَاتَشَبَّهُوْا بِاليَهُوْد ِ''.[64]
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه،عَنِ النَّبِيِّ صلى ا لله عليه وسلم قَالَ: ''أَحْفُوْا الشَّوَارِبَ ،وَأَعْفُوْا اللِّحَى ،وَلَا تشَبَّهُوْا بِالْيَهُوْدِ''.[65]
عنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنه،قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم المَجُوْسَ، فَقَالَ:
«إِنَهُمْ يُوَفِّرُوْنَ سِبَالَهُمْ، وَيَحْلِقُوْنَ لِحَاهُمْ، فَخَالِفُوْهُمْ».[66]
"السِّبَال": جمع سَبَلَة بالتحريك: الشَّارِب، كما في "النهاية" لابن الأثير.
قلت : بما أنها مخالفة للكفار فهي أيضا من فطرة الإسلام و الدليل :
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : «مِنْ فِطْرَةِ الإِسْلَامِ: الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، والاِسْتِنَانُ، وَأَخْذُ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحَـى؛ فَإِنَّ المَجُوْسَ تُعْفِيْ شَوَارِبَهَا، وَتُحْفِيْ لِحَاهَا، فَخَالِفُوْهُمْ: خُذُوْا شَوَارِبَكُمْ، وَأَعَفُوْا لِحَاكُمْ».[67]
و عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : «عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْماءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْماءِ».[68] قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ المَضْمَضَةَ. زاد قتيبة: قال وكيع: "انْتِقَاصُ الْماءِ" يَعْنِي: الِاسْتِنْجَاءَ.
و خير دليل على وجوبها أيضا هذا الحديث الذي سنذكره إن شاء الله :
كتب رسول الله صلى الله عليه و سلمإلى كسرى ملك الفرس يدعوه إلى الإسلام، فلما قرأ كتاب رسول الله ه مزَّقه، فأُخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم؛ فدعا عليهم أن يُمَزقُوا كل ممزق، ثم إن كسرى كتب إلى عامله ملك اليمن باذان: أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جَلْدَيْن، فليأتياني به؛ فبعث باذان قهرمانه، وهو: بَابَوَيْه -وكان كاتباً حاسباً بكتاب فارس- وبعث معه رجلاً من الفُرس يقال له: خُرَّخُسرة، وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، وقال لبَابَوَيْه: ائت بلد هذا الرجل، وكلِّمه، وائتني بخبره. فخرجا حتى قدما الطائف، فوجدا رجالاً بِنَخِب من أرض الطائف، فسألاهم عنه، فقالوا: هو بالمدينة، واستبشروا بهما، وفرحوا؛ وقال بعضهم لبعض: أبشروا فقد نَصِب له كسرى ملك الملوك، كفيتم الرجل! فخرجا حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه و سلم، فكلَّمه بابويه، فقال: إن شاهانشاه ملك الملوك كسرى؛ قد كتب إلى الملك باذان، يأمره أن يبعث إليك مَنْ يأتيه بك؛ وقد بعثني إليك لتنطلِق معي؛ فإن فعلت كتب فيك إلى ملك الملوك ينفعك ويكفُّه عنك؛ وإن أبيت فهو ما قد علمت! فهو مُهْلِكُك، ومُهْلِكُ قَوْمَكَ، ومُخَرِّبُ بلادك؛ ودخلا على رسول الله صلى الله عليه و سلم؛ وقد حلقا لحاهما، وأعفيا شواربهما؛ فكره النظر إليهما، ثم أقبل عليهما، فقال: «ويلكما! من أمركما بهذا؟»، قالا: أمرنا بهذا رَبنا -يعنيان كسرى- فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : «لكنَّ ربي قد أمرني بإعفاء لحيتي، وقَصِّ شاربي»، ثم قال لهما: «ارجعا حتى تأتياني غداً»[69]
قلت و الشاهد من الحديث : لكنَّ ربي قد أمرني بإعفاء لحيتي، وقَصِّ شاربي.
تأمل حال النبي صلى الله عليه و سلم لما رائهما من حلاق اللحى أدار وجهه و لم ينظر إليهما فكيف ينظر إلينا يوم القيامة يوم نلقاه على الحوض و نحن بهذا المظهر ؟ فالناس تبعت على ما ماتت عليه كما في الحديث : عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلميَقُولُ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ».[70]
أيرضيك أن يبعثك الله حالقا للحيتك فلا ينظر إليك النبي صلى الله عليه و سلم كما فعل مع الكافر في الحديث؟
و يعد حلق اللحية من تشبه الرجال بالنساء فقد جاء في الحديث : ((عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم الْمتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ.))[71]
و عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه و سلم يَقُولُ:
«لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِالرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ، وَلَا مَنْ تَشَبَّهَ بِالنِّسَاءِ مِنْ الرِّجَالِ».[72]
و مما سبق يظهر لنا أنه لا يجب علينا التشبه بالنساء فاللحية تدل على الرجولة كما يجب علينا كذلك مخالفة الكفار في مظهرهم سواء في إعفاء اللحية أو في اللباس ''فالأصل في العادات من المآكل والمشارب والملابس والذهاب والمجيئ والكلام وسائر التصرُّفات المعتادة الحِلُّ، فلا يحرم منها إلاَّ ما حرَّمه الله ورسوله، إمَّا بنصٍّ صريح أو يدخل في عموم أو قياس صحيح، وإلاَّ فسائر العادات حلال، ، لقوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً}( البقرة: 29)، وغيرهما من النصوص، فالله جلَّ وعلا أمر عباده باللِّباس ولم يُعيِّن نوعاً منه يجب التزامه، وإنَّما الأمر في ذلك عائد إلى عادات الناس وأعرافهم، لكن جاءت الشريعة بجملة من الضوابط والشروط لا بدَّ من مراعاتها في اللباس، وقد بسطها أهل العلم في مؤلفات عديدة.''[73]
و قد حرم الإسلام على المسلم أن يلبس من الثياب ما فيه تشبُّه بالكفار، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلمالنهيُ عن التشبه بهم في أحاديث عديدة، ففي الحديث أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم: قال: (( مَن تشبَّه بقوم فهو منهم ))[74]، وجاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى عليه ثوبين معصفرين فقال: (( إنَّ هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها ))[75]
'' وهذا يدلُّ بالنص الصريح على حرمة التشبه بالكفار في اللباس وفي الهيئة وفي المظهر، كلبس البناطيل الضيِّقة التي تصف العورة وتحجمها، أو لبس الملابس التي تحمل شعارات الكفار كالصليب ونحوه، أو لبس الملابس التي تحمل الصور المحرَّمة لذوات الأرواح، أو لبس شيء من أزيائهم الخاصة ونحو ذلك.''[76]
ويحرم كذلك الإسبال في الثياب لقوله صلى الله عليه وسلم: (( مَن جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ))، رواه البخاري ومسلم(صحيح البخاري [2784]، وصحيح مسلم [2085])، وثبت في صحيح مسلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ثلاثة لا يكلِّمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب عظيم، المسبل إزارَه، والمنَّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ))( صحيح مسلم [106]).
'' ويحرم كذلك لباس الشهرة، وهو كل لبسة يكون بها مشتهراً بين الناس، كالخروج من عادة أهل بلده وعشيرته، فينبغي أن يلبس ما يلبسون لئلاَّ يُشار إليه بالأصابع إلاَّ إذا كانت ألبستهم مخالفة للشريعة فليس له موافقتهم.'' ( عبد الرزاق البدر '' الفتنة في اللباس '' ).
'' وكان أحبَّ الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص كما في حديث أم سلمة في الترمذي وغيره بإسناد جيِّد[77] ، والقميص ثوب مخيط بكُمَّين غير مفرج، وسبب حبِّه صلى الله عليه وسلم للقميص؛ لأنَّه يستر الأعضاء أكثر من الإزار والرداء، ولأنَّه أقل مؤنة وأخف على البدن، وكان صلى الله عليه وسلم يحبُّ اللون الأبيض في الثياب، ففي الترمذي بإسناد صحيح عن ابن عباس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( البسوا من ثيابكم البياض فإنَّها من خير ثيابكم وكفِّنوا فيها موتاكم ))[78] ''[79]
و قد ألف شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله رسالة (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) حيث قال فيها : (الوجه الثامن من الاعتبار: أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة، حتى إن الرجلين إذا كانا في بلد واحدة ثم اجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودة والموالاة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين، أو كانا متهاجرين؛ وذلك لأن الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة، بل لو اجتمع رجلان في سفر أو بلد غريب وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب أو الشعر أو المركوب ونحو ذلك لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما، وكذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضاً ما لا يألفون غيرهم، حتى أن ذلك يكون من المعادات والمحاربة، إما على الملك وإما على الدين، وكذلك تجد الملوك ونحوهم من الرؤساء وإن تباعدت ديارهم وممالكهم بينهم مناسبة تورث مشابهة ورعاية من بعضهم لبعض، وهذا كله بموجب الطباع ومقتضاها، إلا أن يمنع عن ذلك دين أو غرض خاص، فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة فكيف بالمشابهة في أمور دينية فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ، وقال تعالى فيما يذم به أهل الكتاب: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ، فبين سبحانه وتعالى أن الإيمان بالله والنبي وما أُنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان؛ لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم، وقال سبحانه وتعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ، فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يوجد مؤمن يوادُّ كافراً، فمن وادَّ الكفار فليس بمؤمن، فالمشابهة الظاهرة مظنة المودة، فتكون محرمة، كما تقدم تقرير مثل ذلك، واعلم أن وجوه الفساد في مشابهتهم كثيرة، فلنقتصر على ما نبهنا عليه. والله أعلم) انتهى.
و قال أيضا في نفس المصدر : ( المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبا و تشاركا بين المتشابهين يقود إلى موافقة ما في الأخلاق و الأعمال ، و هذا أمر محسوس ، فإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم ، و اللابس لثياب الجند المقاتلة مثلا يجد من نفسه نوع تخلق بأخلاقهم ، و يصير طبعه متقاضيا لذلك إلا أن يمنعه مانع.) انتهى المقصود.
الإناث :
وأما الشابات فحدث و لا حرج كاسيات عاريات ، التبرج و السفور همهم الوحيد ، لا يقبلن النصح ، متكبرات كأن الدنيا خلقت لأجلهن ، مستنكرات للدعوى السلفية ، بارعة في رميها بأبشع الألقاب و وصفها بالتشدد و أنها قيدت حريتها و حرمتها الدنيا و أنها دعوى ليست عادلة . وقد وصفهم النبي صلى الله عليه و سلم بأنهن شر النساء كما جاء في الحديث : (( و شر نسائكم المتبرجات المتخيلات و هن المنافقات ، لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم ))[80]
و قال عبد الرزاق البدر حفظه الله تعالى : ((و شر نسائكم المتبرجات )) أي التي تتبرج بزينتها ، و تخرج بحليتها ، فتخرج متأنقة متجملة متعطرة متحلية متزينة لتكون شرفا للشيطان و غرض له في إفساد المجتمع.))[81]
و قال : ((المتخيلات)) و هذا من الخيلاء و هو الكبر ،و هناك تلازم بين التبرج و الخيلاء ، فالمرأة إذا تبرجت و تزينت و تعطرت و تجملت لن تخرج إلى الشارع و إلى السوق بصفة متطامنة متواضعة لله تعالى ، بل تخرج مختالة متعالية مترفعة فيها الكبر و فيها العجب بنفسها و بهيئتها و مظهرها ؟ فهناك تلازم بين الخيلاء و التبرج ، كما أنه تمة تلازم بين الحشمة و الحياء.))[82].
قلت :تأملي بارك الله فيك.
سبب بغض النساء للسلفيين :
يرجع هذا السبب إلى اتباع علماء السوء كما سبق الذكر و أن دعوتنا لا تقوم على حماية المرأة بل تقيدها و تخلفها ،و لقلة فهم المرأة للشرع الحنيف و بسبب الهجوم الغربي الذي صوب نحو المرأة و شبعها بأفكار لا تمت للإسلام بصلة جعلها تتخيل أن الإسلام ظلمها ، ''و هذا من أعظم العدوان و أ شد الإثم و الهوان أن يقال في شيء من أحكام الله المتعلقة بالمرأة أو غيرها ، أن فيها ظلما ، أو هضما ، أو إجحافا ، أو زللا ، و من قال ذلك أو شيئا منه فما قدر ربه حق قدره ، و لا وقره حق توقيره و الله جل و علا يقول : (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا )[نوح:13 ] أي لا تعاملونه معاملة من توقرونه ، و التوقير : التعظيم ، و من توقيره سبحانه و تعالى أن تُلتزم أحكامه ، و تطاع أوامره ،و يُعتقد أن فيها السلامة و الكمال و الرفعة ، و من اعتقد فيها خلاف ذلك فما أبعده عن الوقار ، و ما أجدره في الدنيا و الآخرة بالخزي و العار''[83]،وقال تعالى : (وَمَارَبُّكَبِظَلَّامٍلِّلْعَبِيدِ)[ فصلت: 46]فكيف يحق للمسلمة الشك في ربها و العياذ بالله و هو الذي حرم الظلم على نفسه ؟
و من هذا التخيل تتوهم المرأة المسلمة أن السلفية تريد حجبها عن الحياة و خاصة في أمور الستر و الحياء فالأمر الأكثر إزعاجا هو أمر الحجاب فقد غرّبها أعداء الإسلام و خُيل لها أن الجلباب المقصود في الشرع ليس الإزار أو الملاءة و إنما هو الحجاب العادي الموجد في هذا الزمان و أن الجلباب يظهر المرأةبمظهر التخلف،
وهذه الأفكار ما هي إلا وسيلة لإفساد المراة المسلمة لأن الكفار يعلمون أن خير وسيلة للسيطرة على المسلمين هي إفساد المرأة و لمن يريد التوسع في هذا الأمر عليه برجوع لكتاب (( الاختلاط أصل الشر في دمار الأمم و الأسر )) للشيخ محمد بن عبد الله الإمام حفظه الله ، و ((مطلب الكرامة في بيان بوائق دعوة المساواة )) لنفس المؤلف و كذلك كتابه (( المؤامرة الكبرى على المرأة المسلمة )) و يعتبر هذا الأخير من خيرة مؤلفاته في هذا الموضوع.
و عليه فمن السخافة أن تجد اليوم مسلمات تتهجمن على النقاب بهذا الشكل و تنكره و تقول فيه ما ذكرناه ، و الغريب أن استدلالهم مبني على وهم منهم ، منبثق من عواطفهم الساذجةدون دليل شرعي يثبت ذلك حيث توصل بهم الأمر إلى أن أنكروا وجود الجلباب في زمن النبي صلى الله عليه و سلم و قالوا فيه أشياء قبيحة و شبهوا المرأة المسلمة ب'' زورو '' لظهور العينين فقط فهل هذا من حسن الأدب أم هو من الجهل و هل هذا هو فهمكم للإسلام أم هذا يعد استهزاءا به ؟ ، أليس هذا من الحماقة بماكان ؟ كيف بنيتن حكما دون دليل شرعي؟و الآية واضحة في معانيها حيث يقول الله سبحانه و تعالى: ((وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )) ( النور 31).
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) : فإن الخمار ما تخمر به المرأة رأسها و تغطيه به ، كالغدقة ، فإذا كانت مأمورة بان تضرب بالخمار على جيبها كانت مأمورة بستر وجهها ، إما لأنه من لازم ذلك أو بالقياس ، فإنه إذا و جب ستر النحر و الصدر ، كان وجوب ستر الوجه من باب أولى ن لأنه موضع الجمال و الفتنة ...))[84]
قلت : ''من المعلوم أن الوجه هو موضع الجمال و الفتنة فالذي يسال عن الجمال لا ينظر إلا للوجه، فلو قلت فلانة جميلة فأنت تقصد جمال وجهها بلا شك[85]''.[86]
و بما أن الشريعة أمرت بستر النحر و الصدر فمن الأحسن ستر الوجه لأنه موضع فتنة كالصدر و النحر .
و قال سبحان و تعالى في موضع آخر : ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا )) ( الأحزاب 59)).
ذكر بن كثير :عن بن عباس رضي الله عنه قال : (( أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب و يبدين عينا واحدة .))[87] .
هذا و عن صح هذا الأثر عن ابن عباس رضي الله عنه ، و لا شك هو ترجمان القرآن فقد كان الرسول صلى الله عليه و سلم يدعو له ويقول : "اللهم علمه الكتاب " وهو حديث صحيح أخرجه الشيخان[88]وغيرهما, فقال أهل العلم الفهم في القرآن : ودعا له رسول الله صلى الله عليه و سلم كذلك، فقال : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"[89]
الدليل الثاني : أن النبي صلى الله عليه و سلم لما أمر بإخراج النساء إلى مصلى العيد : قلن يا رسول الله ، إحدانا لا يكون لها جلباب فقال النبي صلى الله عليه و سلم : (( لتلبسها أختها من جلبابها ))[90]
الدليل الثالث : عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي الفجر ، فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن ثم يرجعن على بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس )) و قالت لو رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم من النساء ما رأينا لمنعهن من المساجد كما منعت بنوا إسرائيل نسائها.[91]
فهؤلاء نساء الصحابة و يجب على المرأة المسلمة ان تقتدي بهن و إلا فقد نقضت قوله تعالى : "ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا".
دليل آخرعن عائشة رضي الله عنها قالت : (( كان الركبان يمرون بنا و نحن محرمات مع الرسول صلى الله عليه و سلم ، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها من رأسها فإذا جاوزنا كشفناه ))[92]
و قال شيخ الإسلام بن تيمية : (( و هذا مما يدل على أن النقاب و القفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن ، و ذلك يقتضي ستر وجوههن و أيديهن ))[93]
و قد يقال أن النساء زمن النبي صلى الله عليه وسلم خرجت دون جلباب ، و الجواب أن هذا حصل قبل نزول آية الحجاب و نقوي كلامنا بقول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى ، حيث قال في الفتوي المطبوعة بعد المجموع: (( قبل ان تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب و كان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه و الكفين ، و حينئذ يجوز النظر إليها ، لأنه يجوز إظهاره ، ثم لما أنزل الله آية الحجاب بقوله ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ )) حجب الرجال عن النساء )) ثم قال : (( و الجلباب هو الملاءة و هو الذي يسميه بن مسعود و غيره الرداء و تسميه العامة الإزار، و الإزار الكبير الذي يغطي رأسها و سائر بدنها )).[94]
و الأدلة في هذا كثيرة و من لديه دليل شرعي يثبت عكس هذا فليتحفنا به و لا نريد دليل عقلي ينافي الشرع و لا نريد حجة مبنية على رخصة عاطفية بل دليل قاطع من الكتاب و السنة و آثار السلف .
شبهة و الرد عليها :
قد يقول قائل إنَّ مفهومَ الحجابِ راجعٌ إلى العُرفِ، والمقصودُ منه تحقيقُ السِّترِ، وعلى هذا، فإنَّ الجلبابَ أوِ الثّوبَ الذي يستوعب جميعَ البدنِ ليس نموذجَ الحجابِ الواجبِ في هذا الزّمانِ، وإنّما فَرَضه عُرْفُ الصّحابةِ، ولسنا مُلْزَمين باتّباعِ أعرافِهم، فلو لَبِسَتِ المرأةُ تَنُّورَةً وقميصًا أو فستانًا أو غيرَ ذلك ممَّا يُعَدُّ ساترًا فإنّها تكون مرتديةً للحجابِ الذي أوجبه اللهُ.
الرد [95]:
فقد اعتمد أصحاب هذا القول في تأسيسِ مفهومِ الحجابِ على السِّترِ المطلقِ وربَطه بعُرْفِ الصّحابةِ رضي الله عنهم، وهذه النّظرةُ التّأسيسيّةُ لا تنتهض للاستدلالِ من جهتين:
الأولى: أنَّ المفهومَ الشّرعيَّ للسّترِ المتوخَّى من وراءِ فرضِ الحجابِ إنّما هو السِّترُ المقيَّدُ بجملةٍ منَ الشّروطِ اللاّزمةِ له، مستوحاةً من نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ حتّى تُضْفِيَ على لباسِ المرأةِ المسلمةِ الصّفةَ الشّرعيّةَ المطلوبةَ، فمِنَ الشّروطِ الشّرعيّةِ التي ينبغي مراعاتُها في لباسِ المرأةِ ما يأتي:
- أن يستوعبَ اللّباسُ جميعَ ما هو عورةٌ من بدنِها فتسترُه عنِ الأجانبِ، ولذلك سُمِّيَ حجابًا لأنّه يحجب شخْصَه أو عيْنَه عنِ الأجانبِ.[96]
وأمَّا محارمُها فلا تكشف المرأةُ لهم سوى مواضعِ الزّينةِ. والاستيعابُ يشمَل:
الخمارَ الذي تُغَطّي به رأسَها وعُنُقَهَا وأُذُنيها وصدْرَها سَدْلاً وإرخاءً وَلَيًّا لقولِه تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31].
الجلبابَ أوِ الرّداءَ أوِ المِلْحفةَ وهو المُلاءة التي تشتمل بها المرأةُ فتلبَسُها فوقَ خِمارِها ودِرعِها أو قميصِها لتغطِّيَ بها جميعَ ما هو عورةٌ من بدنِها من رأسِها إلى قدميها، ويدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأََزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 59].
- أن يكونَ اللّباسُ واسعًا فضفاضًا لئلاًّ يَصِفَ شيئًا من بدنِها، ذلك لأنَّ اللّباسَ الضَّيِّقَ المحجِّمَ لا يحقِّق السَّترَ المطلوبَ شرعًا، فهو يُحدِّد تفاصيلَ الجسمِ ويُبرزه للنّاظرين، وقد ورد النّهيُ الشّرعيُّ عنِ اللّباسِ الضّيِّقِ في حديثِ أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنه، قال: «كَسَانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً كَانَتْ مِمَّا أَهْدَى لَهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «مَا لَكَ لاَ تَلْبَسُ القُبْطِيَّةَ؟» فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ! كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي»، فَقَالَ:«مُرْهَا أَنْ تَجْعَلَ تَحْتَهَا غِلاَلَةً ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا » .
الغلالة: شعار يُلْبَسُ تحت الثّوبِ وتحت الدّرع أيضًا.[97]
- وأن لا يكونَ لباسُ المرأةِ لباسَ شهرةٍ سواء بالنّفيسِ أو الخسيسِ لقولِه صلّى الله عليه وآله وسلّم: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَوْبًا مِثْلَهُ، ثُمَّ تُلْهَبُ فِيهِ النَّارُ»[98]
قال ابن تيميّةَ -رحمه الله-: «وتُكْرَهُ الشُّهرةُ من الثّيابِ، وهو المترفِّعُ الخارجُ عن العادةِ والمنخفِضُ الخارجُ عن العادةِ، فإنَّ السّلفَ كانوا يكرهون الشّهرتين: المترفِّعَ والمنخفِضَ، وفي الحديث: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ». وخيارُ الأمورِ أوساطُها»[99]
- ومن هذا القبيلِ -أيضًا- ألاَّ يكونَ لباسُ المرأةِ زينةً تَلْفِتُ الأنظارَ وتَجْلِبُ الانتباهَ سواء في هيئةِ لباسِها أوِ الألوانِ الفاتحةِ أو البرَّاقةِ اللاّمعةِ، أو المادّةِ المصنوعِ منها، أو النّقوشِ والوشيِ التي عليه، تفاديًا أن تكونَ من المتبرِّجاتِ بزينةٍ. قال الألوسيُّ -رحمه الله- : «ثمَّ اعلمْ أنَّ عندي ممَّا يُلْحَقُ بالزّينةِ المنهيِّ عن إبدائِها ما يلبَسه أكثرُ مُتْرَفَاتِ النّساءِ في زمانِنا فوق ثيابِهنَّ ويتستَّرْنَ به إذا خرجْنَ من بيوتِهنَّ، وهو غطاءٌ منسوجٌ من حريرٍ ذي عدّةِ ألوانٍ، وفيه من النّقوشِ الذّهبيّةِ أو الفضيّةِ ما يَبْهَرُ العيونَ، وأرى أنّ تمكينَ أزواجِهنَّ ونحوِهم لهنَّ من الخروجِ بذلك ومَشْيِهنّ به بين الأجانبِ من قِلَّةِ الغَيْرَةِ، وقد عمَّتْ البلوى بذلك»[100]
- أن لا يكونَ اللّباسُ شبيهًا بلباسِ الرّجلِ فقَدْ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ»[101]
كما «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ المَرْأَةِ وَالمَرْأَةَ تَلْبَسَ لِبْسَةَ الرَّجُلِ»[102]
و«لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَةَ مِنَ النِّسَاءِ»[103]
والمقصودُ بالتّشبُّهِ المنهيِّ عنه بين الرّجالِ والنّساءِ التّشبُّهُ في اللّباسِ والزّينةِ والكلامِ والمشيِ، وهو حرامٌ للقاصدِ المختارِ قولاً واحدًا. قال ابنُ حجرٍ -رحمه الله-: «وتَشَبُّهُ النّساءِ بالرّجالِ والرّجالِ بالنّساءِ مِنْ قاصدٍ مختارٍ حرامٌ اتّفاقًا»[104]
- أن لا يكونَ اللّباسُ شبيهًا بلباسِ أهلِ الكفرِ وأزيائِهم وعاداتِهم لقولِه صلّى الله عليه وآله وسلّم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[105]
فلا يخفى إذا أن مجمل هذه الشروط قد أخذت من النصوص الشرعية الصحيحة التي نبين الستر المطلوب شرعا ، و إطلاق الستر الموجود في أذهان النساء الآن يخالف للنصوص الشرعية و لهذه الشروط و لهذا تعد أفكارهم أفكار مبنية على باطل.
الثانية: ما يقوله أصحاب هذا القول أن مفهوم الحجاب مرتبط بعرف الصحابة يحتاج إلى تفصيل دقيق :
أولا : كان مقصودُه أنَّ هذا اللّباسَ ممَّا اعتاده الصّحابةُ رضي الله عنهم في ألبستِهم وأزيائِهم وعادتِهم :
قال الشيخ فركوس حفظه الله عن هذا القصد : '' لا يُوجَدُ في نفيِه ولا في إثباتِه دليلٌ شرعيٌّ كما هو شأنُ العرفِ في الاصطلاحِ فلا شكَّ في بطلانِ هذا القولِ''.
وهذا القول الذي أبطله الشيخ يردُّه ما تقدَّم بيانُه مِنَ النّصوصِ الشّرعيّةِ والإجماعِ وعملِ الصّحابةِ رضي الله عنهم، فقَدْ ذكرتْ أمُّ سلمةَ رضي الله عنها أنّه: «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 59]، خَرَجَتْ نِسَاءُ الأَنْصَارِ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ مِنَ الأَكْسِيَةِ»[106]
وقالتْ عائشةُ رضي الله عنها: «يَرْحَمُ اللهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ، لَمَّا أنزل اللهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31]، شَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بها»[107]
قال الشيخ فركوس تعقيبا على حديث أم سلمة و حديث عائشة رضي الله عنمها : (( وهذا وغيرُه يدلُّ على أنّهم كانوا في عوائدَ جاريةٍ فانقلبوا -استجابةً لنداءِ الشّرعِ- إلى عوائدَ شرعيّةٍ.))
و هذا ينفي كل الأقوال التي تقول بان الحجاب يتغير بتغير العادات فالملاحظ من الأحاديث أنهم كانوا على عرف معين فلما جاءت النصوص الشرعية استجابوا له دون أي تردد مما يدل على أن العوائد تنفى بالشرع .
ثانيا : إذا كان مقصوده أن الصحابة فرضوه من منطلق عوائد شرعية :
قال الشيخ فركوس : '' إنْ كان المقصودُ أنَّ مفهومَ الحجابِ فَرَضَه عُرْفُ الصّحابةِ رضي الله عنهم مِنْ مُنْطَلَقِ عوائدَ شرعيّةٍ أقرَّها الدّليلُ الشّرعيُّ الصّحيحُ فهذا حقٌّ، لكنْ يجب اتّباعُه في وصْفِه وشرْطِه.''[108]
ما أمرنا النبي صلى الله عليه و سلم فهو واجب و ما نهانا عنه فهو محرم إلا لقرينة :
قد يقول قائل أن الأمر الوارد في الأحاديث السابقة سواء التي تدور حول اللحية أو التي تدور حول الجلباب لا تدل على الوجوب أو التحريم كأحد الكتاب الذين قالوا ((إن الأمر بالشيء لا يقتضي تحريم مخالفته لأمور منها: أن المختار عند الحنفية أن الأمر بالشيء لا يقتضي تحريم ضده))و هذا غلط و قد رد سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه اله على هذا الكاتب حيث قال :
((ليس الأمر كما ذكره، بل الصواب أن الأمر بالشيء إذا ورد مجرداً عما يدل على إرادة الندب فإنه دال على وجوب الامتثال وعلى تحريم المخالفة ما لم يوجد دليل آخر يدل على أن الأمر للندب لا الوجوب، وهذا هو قول جمهور العلماء من الحنفية وغيرهم، وهو مقتضى الأدلة الشرعية)).
و قال الإمام أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي أحد أئمة الحنفية المتوفى سنة 490هـ رحمه الله في كتابه في الأصول في مباحث الأمر ما نصه: (فأما الكلام في موجب الأمر فالمذهب عند جمهور الفقهاء أن موجب مطلقه الإلزام إلا بدليل) انتهى.
وقال الشيخ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة صاحب المغني المتوفى سنة 620هـ رحمه الله في كتابه (روضة الناظر) في مباحث الأمر ما نصه: (مسألة: إذا ورد الأمر متجرداً عن القرائن اقتضى الوجوب في قول الفقهاء وبعض المتكلمين. وقال بعضهم: يقتضي الإباحة؛ لأنها أدنى الدرجات، فهي مستيقنة، فيجب حمله على اليقين. وقال بعض المعتزلة: يقتضي الندب؛ لأنه لا بد من تنزيل الأمر على أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب، وهو طلب الفعل واقتضاؤه وأن فعله خير من تركه، وهذا معلوم. أما لزوم العقاب بتركه فغير معلوم فيتوقف فيه؛ ولأن الأمر طلب والطلب يدل على حسن المطلوب لا غير، والمندوب حسن فيصح طلبه، وما زاد على ذلك درجة لا يدل عليها مطلق الأمر، ولا يلزمه منه؛ ولأن الشارع أمر بالمندوبات والواجبات معاً، فعند وروده يحتمل الأمرين معاً فيحمل على اليقين. وقال الواقفية: هو على الوقف حتى يرد الدليل ببيانه؛ لأن كونه موضوعاً لأحد هذه الأقسام إما أن يعلم بنقل أو عقل ولم يوجد أحدهما فيجب التوقف فيه، ولنا ظواهر الكتاب والسنة والإجماع وقول أهل اللسان.)
و قال سماحة الوالد الشيخ بن باز رحمه الله تعالى : (( قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ حذر الفتنة والعذاب والأليم في مخالفة الأمر، فلولا أنه مقتض للوجوب ما لحقه ذلك، وأيضاً قول الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وقوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ ذمهم على ترك امتثال الأمر، والواجب ما لم يذم بتركه.
ومن السنة ما روى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة فردوا عليه القول فغضب، ثم انطلق حتى دخل على عائشة غضبان، فقالت: ((من أغضبك أغضبه الله، فقال: وما لي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع)) فإن قال قائل : هذا في أمر اقترن به ما دل على الوجوب، فنقول : النبي صلى الله عليه وسلم إنما علل غضبه بتركهم اتباع أمره، ولولا أن أمره للوجوب لما غضب من تركه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة))، والندب غير شاق، فدل على أن أمره اقتضى الوجوب، وقوله عليه السلام لبريرة: ((لو راجعتيه، فقالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال: إنما أنا شافع، فقالت: لا حاجة لي فيه)) وإجابة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم مندوب إليها فدلنا ذلك على أن أمره للإيجاب.
و قد أجمع الصحابة رضي اللهم عنهم على هذا الأمر أي وجوب الطاعة و الامتثال للنبي صلى الله عليه و سلم من غير سؤال فأوجبوا أخذ الجزية من المجوس بقوله: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب))، وغسل الإناء من الولوغ بقوله: ((فيلغسله سبعاً)) والصلاة عند ذكرها بقوله: ((فليصلها إذا ذكرها)) واستدل أبو بكر رضي الله عنه على إيجاب الزكاة بقوله تعالى: (( وءاتوا الزكاة)) .
قال سماحة الوالد بن باز رحمه الله : ((أهل اللغة عقلوا من إطلاق الأمر الوجوب؛ لأن السيد لو أمر عبده فخالفه حسن عندهم لومه وتوبيخه، وحسن العذر في عقوبته بمخالفة الأمر، والواجب ما يعاقب بتركه أو يذم بتركه. فإن قيل: إنما لزمت العقوبة؛ لأن الشريعة أوجبت ذلك؛ قلنا: إنما أوجبت طاعته إذا أتى السيد بما يقتضي الإيجاب، ولو أذن له في الفعل أو حرمه عليه لم يجب عليه؛ ولأن مخالفة الأمر معصية، قال الله تعالى: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وقال: أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي، ويقال: أمرتك فعصيتني. والمعصية موجبة للعقوبة قال الله تعالى: وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا)) انتهى.
وقال العلامة أبو الحسن الآمدي المتوفى سنة 631هـ رحمه الله في كتابه: (الإحكام في أصول الأحكام) لما ذكر اختلاف الناس في مقتضى الأمر ما نصه: ومنهم من قال: (إنه حقيقة في الوجوب مجاز فيما عداه، وهذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه والفقهاء وجماعة من المتكلمين كأبي الحسين البصري وهو قول الجبَّائي في أحد قوليه) انتهى المقصود.
وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة 1250هـ رحمه الله في كتابه: (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول) في مباحث الأمر ما نصه:(الفصل الثالث: اختلف أهل العلم في صيغة "افعل"، هل هي حقيقة في الوجوب أو فيه مع غيره؟ فذهب الجمهور إلى أنها حقيقة في الوجوب فقط، وصححه ابن الحاجب والبيضاوي، قال الرازي: وهو الحق، وذكر الجويني أنه مذهب الشافعي. قيل: وهو الذي أملاه الأشعري على أصحابه) انتهى المقصود.
و قال سماحة الوالد رحمه الله : ((ومن الأدلة الدالة على أن الأمر للوجوب ما لم يوجد دليل يدل على خلاف ذلك أن الله سبحانه وتعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس غضب عليه ولعنه وطرده من رحمته بسبب عصيانه الأمر المجرد وهو قوله سبحانه: اسجدوا لآدم، وقال تعالى موبخاً لإبليس على تخلفه عن الطاعة: مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُك، فدل ذلك على أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب كما يقتضي ذم المخالف وتوبيخه والغضب عليه.)) انتهى.
و قال : ((وأما قوله في تبرير ما ذهب إليه من عدم اقتضاء الأمر الوجوب في قوله صلى الله عليه وسلم: ((قصوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين)) متفق على صحته، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس)) خرجه مسلم في صحيحه ما نصه: ومنها أن الأمر بالشيء إذا اقترن به علة معقولة المعنى - وهي أن الشارع لم يطلبه لذاته بل لمقصد آخر مقترن به عند صدور الأمر إذا انفك عنه هذا المقصد - لم يفد الأمر الوجوب، والأمر بالإعفاء والإحفاء المقصود به مخالفة المجوس.)) انتهى[109]
و من هذه الأقوال يتبين لنا أن ما أمرنا به الرسول صلى الله عليه و سلم فهو واجب سواء كان الأمر بفعل شيء أو اجتناب شيء.
و مما تقدم يعلم أن الدعوى السلفية لم تأتي لظلم الشباب أو ظلم النساء بل جاءت لتحميهم حسب المنطلق الشرعي لا المنطلق العرفي أو العاطفي ، فالإنكار على السلفيين دون حجة واضحة يعد سخافة فكيف يقابل عاقل كل هذه الأدلة الشرعية بالرفض و النكير ثم السب و الشتم ؟ و لهذا فقد تبين مما سبق أن الإسلام جاء ليحي الصنفين الذكر و الأنثى فقد أمرنا بمخالفة الكفار في ظاهرهم حتى لا نكون مثلهم و نهانا عن التشبه بهم لأنه من تشبه بقوم فهو منهم فعَنْ عبد الله بْنِ عُمَرَ رضي الله عنه، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «…مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[110]
و عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه ، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ؛ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ؛ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ».
قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟»[111]
تأملوا هذه الأدلة الشرعية يرحمكم الله، ولهذا انصحأن تنتهجوا منهج السلف فهو الحق و لا تسبوا من انتهجه و كفوا ألسنتكم و من أراد التكلم فلينصح بالتي هي أحسن لا بالسب و الشتم و التنابز بالألقاب بسبب خطأ أو خطأين جاء من بعض الإخوة هداهم الله سواء من السلفيين أو من من الغير السلفيين ، فمن الغريب أنك تجد من يدعي الحضارة و التقدم و الفهم الصحيح و الأخلاق العالية و لكنه في حد ذاته محتاج إلى كف لسانه ، أليس هذا سوء خلق؟ إذ كيف تسلط لسانك و تعمم الحكم و الله تعالى أمرنا بان نكفوا ألسنتنا (( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد )) ، (( وقولوا للناس حسنا )) و كيف تقول ''أنا مستقيم في إيماني ''و لسانك يؤذي من حوله و قد صدق رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم إذ يقول: «لاَ يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلاَ يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ»[112]
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب الوصابي حفظه الله في مقدمة رسالته " وجوب حفظ اللسان" : (( نهاك ( أي الله ) عن بذاءة الكلام : كالسب ، و القذف ، و اللعن ، و الغيبة و النميمة ، و غيرها من الآثام ، فتكون من المفلسين يوم يبعث الأنام .
و لكن السلامة لا يعدلها شيء ، فقل خيرا تغنم ،و اسكت عن شر تسلم ، و لا تكلم بكلام تعتذر منه غدا )).
فالواجب أن نتريث أولا فقد يكون هذا السب من الأمور التي تدخلني النار و العياذ بالله.
و قال تعالى : ((إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ )) ( النور 15).
وقال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ} قال ابن كثير في تفسيره: "وقوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ} أي يُبصر بهما،{وَلِسَاناً}.أي.ينطق به فيعبِّر عمَّا في ضميره، {وَشَفَتَيْنِ} يستعين بهما على الكلام وأكل الطعام، وجمالاً لوجهه وفمه".
و لهذا قال الشيخ عبد المحسن العباد : ''ومن المعلوم أنَّ هذه النعمة إنَّما تكون نعمة حقًّا إذا استُعمل النطق بما هو خير، أمَّا إذا استُعمل بشرٍّ فهو وبالٌ على صاحبه، ويكون مَن فقد هذه النعمة أحسنَ حالاً منه.''[113]
و لهذا يجب حفظ اللسان لما فيه من أذى للناس و لا ننطق إلا في الخير ، قال الله عزَّ وجلَّ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} وقال عزَّ وجلَّ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}
وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً}
وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً؛ يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تتفرَّقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال"[114]
و عن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "المسلمُ مَن سلم المسلمون من لسانه ويده".[115]
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن يضمن لي ما بين لحْيَيْه وما بين رجليه أضمن له الجنَّة"[116]، المراد بما بين اللّحْيَيْن والرِّجْلَين اللسانُ والفرْجُ.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت".[117]
قال النووي في شرح الأربعين في شرح هذا الحديث: "قال الشافعي: معنى الحديث إذا أراد أن يتكلَّم فليُفكِّر، فإن ظهر أنَّه لا ضرر عليه تكلَّم، وإن ظهر أنَّ فيه ضرراً وشكَّ فيه أمسك"، ونقل عن بعضهم أنَّه قال: "لو كنتم تشترون الكاغَد للحفظة لسكتُّم عن كثير من الكلام".
قلت : إن المتأمل في هذه الأدلة لا مجال له أن يتكلم في أعراض الآخرين بالسوء ، فأحيانا نتكلم لغرض النصح فإذ بنا نقدح في عرض المنصوح فتتحول النصيحة إلى غيبة و لهذا حذرنا الرسول صلى الله عليه و سلم من الغيبة حيث جاء عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون ما الغيبةُ؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلم، قال: ذكرُك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لَم يكن فيه فقد بهتَّه".[118]
و لهذا أحذر نفسي و إياكم فقد يكون كلامنا من الغيبة و لكن الشيطان يزينه لنا و يجعله غير ذلك و لقد و جدت في مجموع الفتوى لشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى كلام و الله أرعبني حيث قال : (( فمن الناس يغتاب موافقة لجلسائه و أصحابه و عشائره مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون أو فيه بعض ما يقولون ، لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس و استثقله أهل المجلس و نفروا عنه ، فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة و طيب المصاحبة ،و قد يغضبون و يغضب لغضبهم ، فيخوض معهم ، و منهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى ، تارة في قالب ديانة و صلاح فيقول : ليس لي عادة أن أذكر أحدا إلا بخير ، و لا أحب الغيبة و لا الكذب ، و إنما أخبركم بأحواله ، و يقول : و الله إنه مسكين أو رجل جيد ، و لكن فيه كيت و كيت ، و ربما يقول دعونا منه ، الله يغفر لنا و له ، و إنما قصده استنقاصه و هضم لجانبه ،و يخرجون الغيبة في قوالب صلاح و ديانة يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقا ، و قد رأينا منهم ألوانا كثيرة من هذا و أشباهه ، و منهم من يرفع غيره رياء ، فيرفع نفسه فيقول : لو دعوت البارحة في صلاتي لفلان ، لما بلغني عنه كيت و كيت ، ليرفع نفسه و يضعه عند من يعتقده ، أو يقول : فلان بليد الذهن قليل الفهم و قصده مدح نفسه و إثبات معرفته و أنه أفضل منه ، و منهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين : الغيبة و الحسد . و إذا أثنى عن شخص أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين و صلاح ، أو في قالب حسد و فجور و قدح ، ليسقط ذلك عنه ، و منهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر و لعب ، ليضحك غيره باستهزائه و محاكاته و استصغار المستهزأ به . و منهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب فيقول : تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت و كيت ، و من فلان كيف وقع منه كيت وكيت ، و كيف فعل كيت و كيت ، فيخرج اسمه في معرض تعجبه . و منهممن يخرج الإغتمام فيقول : مسكين فلان ، غمني ما جرى له و ما تم له ، فيظن من يسمعه أنه يغتم له و يتأسف ، و قلبه منطوي على التشفي به ، و لو قدر لزاد على ما به ، و ربما يذكره عند أعدائه ليشتفوا به ، و هذا غيره من أعظم أمرا ض القلوب و المخادعات لله و لخلقه ، و منهم من يظهر الغيبة في قالب غضب و إنكار منكر ، فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول ، و قصده غير ما أظهر . و الله المستعان .))[119]
قلت : الله أكبر إذا كان هذا كله من الغيبة فإن معظم المسلمين في زماننا هذا قد خاب و خسر . فاللهم سلم سلم.
شبهة :
قد يقول قائل انطلاقا من هذه الأدلة أنه لا يجب أن نتكلم في من يظنوهم علماء أمثال القرضاوي و أمثاله ،و الجواب على هذه الشبهة أننا نقول المبتدع و الضال يجب أن يحذر منه و لا تعد غيبة إطلاقا و من يقول أن كلامي فيه رخصة للغيبة أقول له هذا ليس كلامي بل كلام العلماء فعن عن الحسن بن الربيع قال : قال ابن المبارك : (( المعلى بن هلال هو ، إلا أنه إذا جاء الحديث يكذب ، قال : فقال له بعض الصوفية : يا أبا عبد الرحمان تغتاب ؟ فقال : اسكت ، إذا لم نبين ، كيف يعرف الحق من الباطل ؟ ))[120]
و عن محمد بن بندار السباك قال : قلت لأحمد : ( إنه ليشتد علي أن أقول : فلان ضعيف ، فلان كذاب ، فقال أحمد : إذا سكت أنت، و سكت أنا ، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم ؟ )[121] .
و كان شعبة و هو إمام المجرحين يأتي عمران بن حيدر يقول : ( يا عمران ، تعالى حتى نغتاب ساعة في الله عز وجل )[122]
قال الشيخ محمدالبشيرالإبراهيمي_ رحمه الله_على مَن أنكرعلى جمعيته: " ولوأَنصفَ خصومُنا لعلموا أن إنكارنا عليهم هو دليل أخوّتنا لهم،بدليلصدقنا في هذه الأخوة ؛ فلولم يكونوا إخواننا في الدين لما أنكرنا عليهم ما أنكره الدين ، وأن الدين الذي أوجب علينا أن ننكرالمنكر، يوجب عليهم الفيئة إلى الحق ، ويوجب علينا جميعا التحاكم إلى كتاب الله وسنة نبيه والرضا بحكمهما و التسليم لهما والرجوع إلى سبيلهما الجامعة ، وقد دعوناهم إلى هذا ولانزال ندعوهم''[123]
فاعلموا يرحمكم الله أن التحذير من الضلال و من الفساق و الفجرة و غيرهم لا يعد غيبة فإن سكتنا عنهم فمن يحذر منهم و من الذي يمنعهم عن طغيانهم؟.
الخاتمة :
و بما أننا قد أوضحنا ما تدعوا إليه الدعوى السلفية و أبطلنا ما تيسر من شبهات اعتمادا على أقوال العلماء الأفاضل سأختم الموضوع بنقل بعض الآثار عن علماء الجزائر أمثال الشيخ ابن باديس و البشير الإبراهيمي و غيرهم من علماء جمعية العلماء المسلمين رحمهم الله التي تبين انتسابهم للدعوة السلفية حتى نسكت كل ثرثار سب السلفية و نبين له أنه لولا فضل الله على الجزائر أن يسر انتشار السلفية لما وعى الشعب الجزائري فترة الإستدمار ، و لما وصل إلى ما وصل إليه و لا أحد يشك في ذلك و حتى لا أطيل عليكم سأنقل كلامهم مباشرة دون أي تعليق:
جاء في : '' تبرئة الشيخ ابن باديس وأسلاف الجمعية من الانتساب إلى الأشاعرة والصوفية '' المنشورة على موقع الشيخ فركوس حفظه الله ، قسم ردود و تعقيبات ما يلي :
جاء في أصول جمعية العلماء: «الأصل الخامس: سلوك السلف الصالح: "الصحابة والتابعين وأتباع التّابعين" تطبيقٌ صحيحٌ لهدي الإسلام، والأصل السادس: فهومُ السلف الصالح أصدقُ الفهوم لحقائق الإسلام ونصوص الكتاب والسنَّة...»[124]
ومنها أيضًا: «الأصل السابعَ عشرَ: ندعو إلى ما دعا إليه الإسلام وما بيَّنَّاه من الأحكام بالكتاب والسنَّة وهدي السلف الصالح من الأئمَّة، مع الرحمة والإحسان دون عداوةٍ أو عدوانٍ... »[125]
وجاء في تقرير الجمعية لرسالة الشيخ مبارك الميلي المسمَّاة «الشرك ومظاهره» بقلم الكاتب العامِّ للجمعية الشيخ العربي التبسي -رحمه الله-: «فإنَّ الدعوة الإصلاحية التي يقوم بها دعاة الإصلاح في العالم الإسلامي، وتقوم بها جمعية العلماء في القطر الجزائري خاصَّةً تتلخَّص في دعوة المسلمين إلى العلم والعمل بكتاب ربِّهم وسنَّة نبيِّهم، والسير على منهاج سلفهم الصالح في أخلاقهم وعباداتهم القولية والاعتقادية والعملية»[126]
ويقول الشيخ ابن باديس -رحمه الله- في مقام الثناء على الشيخ الطيِّب العقبي -رحمه الله-: «حيَّاك الله وأيَّدك يا سيف السنَّة وعَلَم الموحِّدين، وجزاك الله أحسن الجزاء عن نفسك وعن دينك وعن إخوانك السلفيِّين المصلحين»[127]
وقال الشيخ -رحمه الله-: «هذا هو التعليم الديني السنِّي السلفي، فأين منه تعليمنا نحن اليوم وقبل اليوم؟ بل منذ قرونٍ وقرونٍ؟ فقد حصلْنا على شهادة العالمية من جامع الزيتونة ونحن لم ندرس آيةً واحدةً من كتاب الله ولم يكن عندنا أيُّ شوقٍ أو أدنى رغبةٍ في ذلك، ومِن أين يكون لنا هذا ونحن لم نسمع من شيوخنا يومًا منزلةَ القرآن من تعلُّم الدين والتفقُّه فيه، ولا منزلة السنَّة النبوية من ذلك. هذا في جامع الزيتونة، فدَعْ عنك الحديثَ عن غيره ممَّا هو دونه بعديدِ مراحلَ. فالعلماء إلاَّ قليلٌ منهم أجانبُ أو كالأجانب من الكتاب والسنَّة من العلم فهمًا والتفقُّه فيهما...»[128]
وقال الشيخ البشير الإبراهيمي -رحمه الله- في تقديمه لكتاب «العقائد الإسلامية» للشيخ ابن باديس متحدِّثًا عن العقيدة التي نشأ وشبَّ عليها صاحبه ورفيقه: «والإمام رضي الله عنه كان منذ طلبه للعلم بتونس قبل ذلك -وهو في مقتبل الشباب- ينكر بذوقه ما كان يبني عليه مشائخه من تربية تلامذتهم على طريقة المتكلِّمين في العقائد الإسلامية، ويتمنَّى يوم يُخرجهم على الطريقة القرآنيَّة السلفيَّة في العقائد يوم يصبح معلِّمًا، وقد بلَّغه الله أمنيَّته، فأخرج للأمَّة الجزائريَّة أجيالاً على هذه الطريقة السلفية، قاموا بحمل الأمانة من بعده، ووراءهم أجيالٌ أخرى من العوامِّ الذين سعدوا بحضور دروسه ومجالسه العلمية»[129]
وقال -رحمه الله-: «وهذه دروسٌ من دروسه، ينشرها اليوم في أصل العقيدة الإسلامية بدلائلها من الكتاب والسنَّة الأستاذ محمَّد الصالح رمضان أحد طلاَّبه، فجاءت عقيدةً مُثلى يتعلَّمها الطالب، فيأتي منه مسلمٌ سلفيٌّ موحِّدٌ لربِّه بدلائل القرآن، كأحسنِ ما يكون المسلم السلفي، ويستدلُّ على ما يعتقد في ربِّه بآيةٍ من كلام ربِّه»[130]
وقال -رحمه الله-: ((حتَّى جاءتْ دروس الإمام ابن باديس، فأحيا بها طريق السلف في دروسه، ومنها هذه الدروس، وأكملتْها جمعية العلماء، فمن مبادئها التي عملتْ لها بالفعل لزومُ الرجوع إلى القرآن في كلِّ شيءٍ،لاسيَّما ما يتعلَّق بتوحيد الله،))[131]
وقال -رحمه الله- في حفل ختمِ الشيخ عبد الحميد بن باديس لتفسير القرآن الكريم: «هذا هو اليوم الذي يختم فيه إمامٌ سلفيٌّ تفسيرَ كتاب الله تفسيرًا سلفيًّا ليرجع المسلمون إلى فهمه فهمًا سلفيًّا»[132]
وقال -رحمه الله- في مقالٍ آخرَ: «وأراد الله فحقَّق للأستاذ أمنيَّته مِن ختمِ التفسير، وللأمَّة رجاءَها في تسجيل هذه المفخرة للجزائر، ولأنصار السلفية غرضَهم من تثبيت أركانهم بمدارسة كتاب الله كاملاً»[133]
وقال -رحمه الله- عن الشيخ محمَّد نصيف -رحمه الله-: «أيُّها الإخوان إذا لم يُنصفِ الحجازُ شيخَه ومخلِّدَ مجده ورافعَ رايته أستاذَنا الشيخَ نصيفًا؛ فإنَّ العالَمَ الإسلاميَّ كلَّه يُنصفه، فكلُّنا ألسنةٌ شاهدةٌ بأنه مجموعةُ فضائلَ نَعدُّ منها ولا نعدِّدها، وأنه مجمعٌ يلتقي عنده علماءُ الإسلام وقادتُه وزعماؤُه فيَرِدُون ظِماءً ويصدرون رِواءً، وإنَّني أقولها بصيحةٍ صريحةٍ، وأؤدِّيها شهادةً للحقِّ والتاريخ بأنه محيي السنَّة في الحجاز من يوم كان علماؤه -ومنهم أشياخنا- متهوِّرين في الضلالة، وأنه صنع للسلفيَّة وإحياء آثارها ما تعجز عنه الجمعيَّات بل والحكومات، وأنه أنفق عمره وماله في نصرها ونشرها، في هدوء المخلصين وسكون الحكماء، وسيسجِّل التاريخ العادل آثاره في عقول المسلمين، وسيشكر له اللهُ غزوَه للبدع بجيوش السنن المتمثِّلة في كتبها وعلوم أئمَّتها، وجمعيةُ العلماء نفسُها مَدينةٌ له، فإنَّ الكتب السلفية لم تصلْنا إلاَّ عن يده»[134]
وقال الشيخ مبارك الميلي -رحمه الله- مبيِّنًا أنَّ العقيدة السلفية هي الأصل في أهل المغرب، وإنما دخلتْهم الأشعرية بسبب ابن تومرت: «وكان أهل المغرب سلفيِّين حتَّى رحل ابن تومرت إلى الشرق وعزم على إحداث انقلابٍ بالمغرب سياسيٍّ علميٍّ دينيٍّ، فأخذ بطريقة الأشعري ونصرها، وسمَّى المرابطين السلفيِّين مجسِّمين، ثمَّ انقلابه على يد عبد المؤمن، فتمَّ انتصار الأشاعرة بالمغرب، واحتجبت السلفية بسقوط دولة صنهاجة، فلم ينصرْها بعدهم إلاَّ أفرادٌ قليلون من أهل العلم في أزمنةٍ مختلفةٍ، ولشيخ قسنطينة في القرن الثاني عشر عبد القادر الراشدي أبياتٌ في الانتصار للسلفيّين طَالِعها:
خَبِّرَا عَنِّيَ المُؤَوِّلَ أَنِّي * كَافِرٌ بِالَّذِي قَضَتْهُ العُقُولُ»[135]
وقال -رحمه الله-: «فنحن بالعقيدة السلفيَّة قائلون، ولِما مات عليه الأشعري موافقون»[136]
تنبيه: في الجملة الأخيرة من كلام الشيخ مبارك الميلي -رحمه الله- إشارةٌ إلى ما كان من الإمام أبي الحسن الأشعري في آخر حياته من الرجوع إلى عقيدة السلف، وقد قرّر هذا في كتابه: «الإبانة عن أصول الديانة»، وهو آخر كتبه، ومما قال: «قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها التمسّك بكتاب ربّنا عزّ وجلّ وبسنّة نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمّة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن حنبل -نضّر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به المبتدعين وزيغ الزائغين وشكّ الشاكِّين، فرحمة الله عليه من إمامٍ مقدَّمٍ وجليلٍ معظَّمٍ وكبيرٍ مفخَّمٍ»[137]. وقد كان الإمام أبو الحسن الأشعري في أوّل أمره على مذهب المعتزلة، وبقي على ذلك إلى سنّ الأربعين يقرأ على أبي علي الجبائي، ثم انتقل إلى المذهب الكُلاَّبي وهي مرحلةٌ ثانية مرّ بها -وإليها ينتسب كل من يزعم أنه أشعري-، قبل أن يضع رَحْلَه على متن سفينة السلف مع أهل السنّة والجماعة فيسير على منهج أهل الحديث ويتخلّى عن طريقة ابن كُلاَّب.).
ويُخبر الشيخ أبو يعلى الزواوي -رحمه الله- عن انتسابه إلى السلفية ومتبرِّئا من سواها: «فالجواب عنه أنِّي أعلنتُ عن نفسي أنِّي سلفيٌّ، وأعلنتُ أنِّي تبرَّأتُ ممَّا يخالف الكتاب والسنَّة، ورجعتُ عن كلِّ قولةٍ قلتُها لم يقُلْها السلف الصالح»[138]
وقال -رحمه الله- عن الشيخ ابن باديس: «لمَّا كنتُ كثير الكتابة في جريدة «الشهاب الثاقب»، وعرفتُ بظهر الغيب الأستاذَ الشيخ عبد الحميد بن باديس المشرف على «الشهاب» أنه قطب دائرتنا السلفية»[139]
قال الشيخ العربي التبسي -رحمه الله-: «أمَّا السلفيُّون الذين نجَّاهم الله مما كِدْتُم لهم فهُم قومٌ ما أَتَوْا بجديدٍ وأحدثوا تحريفًا، ولا زعموا لأنفسهم شيئًا ممَّا زعمه شيخكم، وإنما هم قومٌ أمروا بالمعروف ونَهَوْا عن المنكر في حدود الكتاب والسنَّة، وما نقمتم منهم إلاَّ أن آمنوا بالله وكفروا بكم»[140]
و عليه فكل هذه النقولات تدل على انتساب الجمعية للمذهب السلفي فليسكت إذا كل ثرثار ، و مما يثبت أيضا انتسابهم للسلفية ما قاله الشيخ الطيِّب العقبي -رحمه الله- في قصيدته «إلى الدين الخالص»:
«أَيُّهَا السَّائِلُ عَنْ مُعْتَقَدِي **** يَبْتَغِي مِنِّيَ مَا يَحْوِي الفُؤَادْ
إِنَّنِي لَسْتُ بِبِدْعِيٍّ وَلاَ **** خَارِجِيٍّ دَأْبُهُ طُولُ العِنَادْ
يُحْدِثُ البِدْعَةَ فِي أَقْوَامِهِ **** فَتَعُمُّ الأَرْضَ نَجْدًا وَوِهَادْ
لَيْسَ يَرْضَى اللهُ مِنْ ذِي بِدْعَةٍ **** عَمَلاً إِلاَّ إِذَا تَابَ وَهَادْ
لَسْتُ مِمَّنْ يَرْتَضِي فِي دِينِهِ **** مَا يَقُولُ النَّاسُ: زَيْدٌ وَزِيَادْ
بَلْ أَنَا مُتَّبِعٌ نَهْجَ الأُلَى **** صَدَعُوا بِالحَقِّ فِي طُرْقِ الرَّشَادْ
حُجَّتِي القُرْآنُ فِيمَا قُلْتُهُ **** لَيْسَ لِي إِلاَّ عَلَى ذَاكَ اسْتِنَادْ
وَكَذَا مَا سَنَّهُ خَيْرُ الوَرَى **** عُدَّتِي وَهْوَ سِلاَحِي وَالعَتَادْ
وَبِذَا أَدْعُو إِلَى اللهِ وَلِي **** أَجْرُ مَشْكُورٍ عَلَى ذَاكَ الجِهَادْ
مِنْكُمُ لاَ أَسْأَلُ الأَجْرَ وَلاَ **** أَبْتَغِي شُكْرَكُمُ بَلْهَ الوِدَادْ
مَذْهَبِي شَرْعُ النَّبِيِّ المُصْطَفَى**** وَاعْتِقَادِي سَلَفِيٌّ ذُو سَدَادْ
خُطَّتِي عِلْمٌ وَفِكْرٌ نَظَرٌ **** فِي شُؤُونِ الكَوْنِ بَحْثٌ وَاجْتِهَادْ
وَطَرِيقُ الحَقِّ عِنْدِي وَاحِدٌ **** مَشْرَبِي مَشْرَبُ قُرْبٍ لاَ ابْتِعَادْ»

انتهى الموضع و قد وفقني الله عز وجل في جمع الأدلة و ترتيبها و وضعها حسب ما يقتضيه البحث كما وفقني عز وجل على إتمامه و هذا من فضله علي .
سبحانك اللهم و بحمدك لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك.
بلال الجزائري
_عفا الله عنه و عن والديه_
قسنطينة في
شهر شوال 1432هـ
و عدل في 19 جمادى الأولى 1433هـ


[1] : حديث حسن، رواه الترمذي (2317) وغيره.
[2] : جامع العلوم والحكم (1/288).
[3] : رفقا أهل السنة بأهل السنة (ص61).
[4] : شرح رياض الصالحين ( 2/512).
[5] : روضةُ العقلاء (ص:45).
[6] :المصدر السابق (ص:47).
[7]: روضة العقلاء لابن حبان (ص:49).
[8] : علقه البخاري ووصله محمد بن نصر المروزي في '' السنة '' رقم ( 108) ، و اللالكائي في '' شرح اصول الإعتقاد '' رقم ( 36) ، و سنده صحيح .
[9] : أخرجه احمد في الزهد ص ( 151) و هناد بن السري في '' الزهد '' (2/537) . و هو منقطع و كونه منقطعا لا يعني عدم صحة معناه.
[10] : أنظر '' تبيين كذب المفتري '' ص ( 422).
[11] : رواه البخاري في صحيحه (6477) ومسلم في صحيحه (2988)، واللفظُ لمسلم.
[12] : أخرجه الترمذي (2616) وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ".
[13] : جامع العلوم والحكم (2/147).
[14] : انظر الفتح لإبن حجر – باب قول النبي صلى الله عليه و سلم : " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" الحديث رقم (7076) ، ( 13/26). و جاء أيضا نفس الحديث في الفتح (10/464).
[15] : الفتح (10/466).
[16] : الفتح ( 10/464) الحديث رقم ( 6045).
[17] : الفتح الحديث رقم (6048).
[18] : النصيحة ( ص21).
[19] : رواه البخاري في صحيحه (6502) عن أبي هريرة رضي الله.
[20] : شرح رياض الصالحين للإمام النووي رحمه الله ( 2/61).
[21] : رفقا أهل السنة بأهل السنة (ص 24).
[22] : رواه البخاري (6064)، ومسلم (2563).
[23] : ذكره ابن كثير في تفسير سورة الحجرات.
[24] : و الأصل : قال أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي كما في الحلية لأبي نعيم (2/285): "إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له العذر جهدك؛ فإن لم تجد له عذراً فقل في نفسك: لعلَّ لأخي عذراً لا أعلمه".
[25] : هذا الأثر عن عمر بن الخطاب الذي ذكره الشيخ عبد المالك سُئل عنه الشيخ بن باز رحمه الله تعالى فقال : ((لاأعلم له أصلا،والمشروع للمؤمن أن يحترم أخاه إذا اعتذر إليه،ويقبل عذره إذا أمكن ذلك،ويحسن به الظن حيث أمكن ذلك،حرصاً على سلامة القلوب من البغضاء،ورغبةً في جمع الكلمة،والتعاون على الخير،وقد روي عن عمررضي الله عنه أنه قال : (لا تظن بكلمة صدرت من أخيك شرا وأنت تجد لها في الخيرمحملا). ))انتهى .''مجموعفتاوىابنباز" ( 26/365) .و لكن هذا لا يعني أن معنى الأثر لا يصح .
[26] : عبد المالك رمضاني في شرح حديث الخوارج المشهور من كتاب الشريعة للآجري رحمه الله ، و الأصل فيها مرئية قدمت على قناة الشارقة تحت عنوان صفات الخوارج
[27] : البداية والنهاية لابن كثير (13/121).
[28] : روضة العقلاء (ص:131).
[29] : روضة العقلاء (ص:133).
[30] : رواه ابن حبان في صحيحه رقم ( 1848) ، و أبو نعيم في '' حلية الأولياء '' (4/99) و الحديث صححه الألباني في الصحيحة رقم ( 33).
[31] : رواه أبو داود رقم (4919) ، و الترمذي رقم (2509) ، و أحمد ( 2/440) و قال الترمذي : حسن صحيح ، ثم قال : و يروى أنه قال : ( هي الحالقة ، لا أقول تحلق الشعر ، و لكن تحلق الدين ).
[32] : رواه مسلم.
[33] : الأنساب (3/273).
[34] : سير أعلام النبلاء (21/6).
[35] : السير (13/380).
[36] : مجموع الفتوى ( 4/2.1).
[37] : مجموع الفتاوي (7/38).
[38] : أخرجه أبو داود في : (4607) : باب في لزوم السنة، والترمذي في (2681) : باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب، وابن ماجة في (43) : باب : اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين والدرامي في : (96) : باب اتباع السنة، وأحمد (1/95-96) .
[39] : رقم 37 ( 1/123).
[40] : أخرجه الترمذي (4063-4064) : باب افتراق الأمم.
وهذا سند فيه ضعف ولكن للحديث شواهد يرتقي به للحسن. حيث حسنه ابن العربي في " أحكام القرآن" ( 3/432) و العراقي في" تخريج الإحياء (3/284). و صححه الألباني في" صحيح الترمذي".
[41] : رواه أبو داود ( 4597) و غيره و صححه الحاكم (1/128) بل قال إنه حديث كبير في الأصول ، و صححه ابن تيمية في مجموع الفتوى ( 3/345) ، و الشاطبي في الإعتصام ( 1/430) و العراقي في" تخريج الإحياء " (3/199).
[42] : أخرجه البخاري في الشهادات باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد: (2509)، ومسلم في فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين...: (6472)، والترمذي في المناقب باب ما جاء في فضل من رأى النبي وصحبه: (3859)، وابن حبان في صحيحه: (7228)، وأحمد: (5383)، والبزار في مسنده: (1777)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
[43] : أخرجه مسلم في الإمارة باب قوله لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق..: (4920)، والترمذي في «الفتن» باب ما جاء في الأئمة المضلين: (2229)، وأحمد: (21889)، وسعيد بن منصور في سننه: (2372)، من حديث ثوبان رضي الله عنه.
[44] : أخرجه الدارمي في سننه: (206)، وابن حبان في مقدمة صحيحه باب الاعتصام بالسنة وما يتعلق بها نقلاً وأمراً وزجراً: (7)، والحاكم في المستدرك: (3241)، وأحمد: (4131)، والبزار في مسنده: (1718)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. والحديث صححه أحمد شاكر في تحقيقه لمسند أحمد: (6/89)، وحسنه الألباني في المشكاة: (166).
[45] : تفسير ابنِ كثيرٍ (2/191).
[46]:النهايةلابن الأثير(1/313).
[47] : و كلام الشيخ طويل في هذه الكلمة و اكتفيت إلا بهذا الشرح .
[48] : من مقدمة أصول الدعوى السلفية للشيخ عبد السلام بن برجس رحمه الله.
[49] : مجموع الفتاوى ( 4/149).
[50] : الشيعة في الجزائر عددها قليل ظهرت أول فرقة منها في باتنة و الآن انتشرت في كل من تبسة و البويرة و الله المستعان.
[51] :الإخوان هم أخطر الفرق لأنها تضم كل هذه الفرق اعتمادا على قاعدتها المشئومة : نتفق فيما نتفق عليه و نعذر بعضنا فيما نختلف عليه ، و الحزب الإخواني في الجزائر هو الذي كان يقوده محفوظ نحناح.
[52] : الإعتصام (2/ 236).
[53]: بعد ما ذكر نوع من الشباب الصالح.
[54] : من مشكلات الشباب ( ص 16).
[55] : الكنز الثمين في الإجابة عن أسئلة طلبة العلم و الزائرين[5/77-78-79].
[56] : فلو سماه الحلال و الحلال في الإسلام لكان أفضل.
[57] : أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب الفتن، باب شدة الزمان: (4036)، والحاكم في المستدرك: (8564)، وأحمد في مسنده: (7852)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والحديث حسّنه أحمد شاكر في تحقيقه لمسند أحمد: (15/37)، والألباني في السلسلة الصحيحة: (1887)
[58]: أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (979/2)، واللاكلائي في اعتقاد أهل السنة والجماعة، (1869)،(1870).
[59]:تفسير القرطبي (1/ 366)
[60]: المصدر السابق: (1/ 367).
[61]:عابد الهاشمي ، الأدب الإسلامي وتاريخه (2/ 17).
[62]: رواه أحمد (1/95)واللفظ له، وأبو داود برقم (164) والبيهقي (1/292) وهو صحيح.
[63]: أخرجه الطبراني في الأوسط (10/194)(9422).
[64]: أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (4/145-146)(2270).
[65]: أخرجه: الطحاويفي "شرحمعانيالآثار".
[66]: أخرجه ابن حبان رقم: 5452،والبيهقي (1/151)،وفي "الشعب" (5/222) ، قال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحةرقم (2834):( هذا إسنادٌ جيد، رجاله ثقات ).
[67]: أخرجه: ابن حبان (4/23) (1221)، والبخاري في التاريخ الكبير (1/139-140)، رقم: (419) وجوَّد إسناده العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة (7/331-332) برقم: (3123).
[68]: أخرجه: مسلم برقم: (261)، وأحمد (6/137)، وأبو داود برقم: (53)، والترمذي برقم: (2757)، والنسائي (8/126)، وابن ماجه برقم: (293)، وابن خزيمة برقم : (88).
[69]: أخرجه البخاري برقم: (64)و(2781) و(4162) و(6836)، عن ابن عباس رضياللهعنه. و الحديث أخرجه: الطبري في تاريخ الرسل والملوك (2/655-656)، وابن سعد في الطبقات (1/258 و449)، وابن أبي شيبة (5/226)(25502).
قال الشيخ الألباني في تعليقه على فقه السيرةللغزالي، صفحة (389): (أخرجه ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب مرسلاً، وابن سعد في "الطبقات" عن عبيدالله بن عبدالله مرسلاً أيضاً، وسنده صحيح، ووصله ابن بشران في الأماليمن حديث أبي هريرة بسندٍ واهٍ ).
وانظر كذلك الدفاع عن الحديث النبوي للعلامةالألباني ( ص: 50)
[70]: رواه: مسلم رقم:( 2878).
[71]: أخرجه: البخاري رقم: (5546).
[72]: أخرجه: الإمام أحمد في المسند (11/462)(6875). وصححه شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند.
[73]:عبد الرزاق البدر الفتنة في اللباس .
[74]: أخرجه أبو داود في السنن [4031]، وأحمد في المسند (2/50).
[75]: صحيح مسلم [2077].
[76]:عبد الرزاق البدر الفتنة في اللباس.
[77] : سنن الترمذي [4025]، وسنن أبي داود [1762].
[78] : سنن الترمذي [994].
[79]: عبد الرزاق البدر الفتنة في اللباس .
[80]: صححه الألباني في الصحيحة (1849).
[81]: صفة الزوجة الصالحة ( ص30).
[82]: نفس المصدر ( ص 31).
[83]: عبد الرزاق البدر ، تكريم لإسلام للمرأة (ص: 11).
[84]:الحجاب ( ص 7).
[85]: الشيخ ابن عثيمين (نفس المصدر).
[86]: ستر الوجه ليس بواجب بل مستحب كما بينه الشيخ الألباني رحمه الله في الرد المفحم، و لكن من الأحسن ستر الوجه خاصة إذا كانت فتاة جميلة تخشى أن يفتن بها الشباب.
[87]: تفسير ابن كثير ( 3/569).
[88]: أخرجه البخاري في كتاب (فضائل الصحابة)، باب : (ذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) (3756)، وفي كتاب (العلم) باب : قول النبي اللهم علمه الكتاب (75) ومسلم في كتاب فضائل الصحابة (2477) والترمذي في أبواب المناقب. باب (مناقب عبد الله بن العباس رضي الله عنهما) (3833) وأحمد (2397) – (2881).
[89]إسناده صحيح أخرجه الإمام أحمد في المسند (1-266-314-328)، وابن سعد في الطبقات (2/365)، والطبراني في الكبير (10614) والأوسط (4176) والحاكم في المستدرك (3/534)، من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه كان في بيت ميمونة، فوضع للنبي صلى الله عليه و سلم طهورا فقال النبي صلى الله عليه و سلم من وضعه ؟ قيل ابن عباس، فضرب على منكبي وقال : اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل".
[90]: رواه البخاري و مسلم و غيرهما .
[91]: أخرجه البخاري كتاب الصلاة ، باب في كم تصلي المرأة من الثياب رقم ( 372) و مسلم كتاب المساجد باب استحباب التبكير بالصبح رقم ( 645).
[92]: رواه أحمد و بن داود و بن ماجة .
[93]: مجموع الفتوى ( 15/276).
[94]: (2/110) من الفقه و 22 من المجموع.
[95]: نقلا من فتوى الشيخ فركوس بعنوان مفهوم الستر من حجاب المرأة المسلمة.
[96]: التّعريفات الفقهيّةللبركتي: (76).
[97]:مختار الصّحاح للرّازيّ: (479). و الحديث أخرجه أحمد في مسنده: (5/ 205)، والبيهقيّ في السّنن الكبرى: (2/ 234)، من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه. قال الهيثميّ في مجمع الزّوائد (5/ 240): فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات، وحسّنه الألبانيّ في جلباب المرأة المسلمة»: (131).
[98]: أخرجه أبو داود في اللّباس باب في لبس الشّهرة: (4029)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. والحديث حسّنه الألباني في صحيح الجامع (6526).
[99]: مجموع الفتاوى: (22/138).
[100]: روح المعاني للألوسيّ: (18/146).
[101]: أخرجه البخاريّ كتاب اللّباس، باب المتشبّهون بالنّساء والمتشبّهات بالرّجال: (3/ 194)، من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما.
[102]: أخرجه أبو داود كتاب اللّباسباب لباس النّساء: (4098)، وأحمد: (2/ 325)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث صحّحه الألبانيّ في صحيح الجامع: (5095).
[103]:أخرجه أبو داود في اللّباسباب لباس النّساء: (4099)، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث صحّحه الألبانيّ في صحيح الجامع: (5096).
[104]: انظر الفتح لابن حجر (9/ 336).
[105]: أخرجه أبو داود كتاب اللّباس، باب في لباس الشّهرة: (4033)، وأحمد في مسنده: (2/ 50)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. والحديث صحّحه العراقيّ في تخريج الإحياء: (1/ 359)، وحسّنه ابن حجر في فتح الباري (10/ 288)، والألبانيّ في الإرواء: (5/ 109).
[106]: أخرجه أبو داود كتاب اللّباس، باب في قول الله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ﴾: (4101)، من حديث أمّ سلمة رضي الله عنها. والحديث صحّحه الألبانيّ في غاية المرام: (282).
[107]: أخرجه البخاريّ في التّفسيرباب ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (2/ 561)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
[108]: انتهى جواب الشيخ عن هذه الشبهة.
[109]: منقول من موقع الوالد رحمه الله.
[110]: أخرجه: أحمد (9/123)(5114)، وأبو داود (4/391)(4027) طبعة عوامة. قال الشيخ الألباني / في "صحيح سنن أبي داود"، طبعة مكتبة المعارف (2/504) (4031): ( حسنٌ صحيحٌ ).
[111]: أخرجه: البخاري رقم: 3269 و6889، ومسلم رقم: 2669.
[112]:أخرجه أحمد في مسنده: (3/ 198)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. والحديث حسّنه الألباني في السلسلة الصحيحة: (6/ 822)
[113]: رفقا أهل السنة بأهل السنة (ص 12).
[114]: أخرجه مسلم (1715)، وجاءت هذه الثلاثة المكروهة في حديث المغيرة عند البخاري (2408) ومسلم.
[115]: تقدم تخريجه .
[116]: رواه البخاري في صحيحه (6474).
[117]: رواه البخاري في صحيحه (6475) ومسلم في صحيحه (74).
[118]: صحيح مسلم (2589)
[119]: مجموع الفتوى ( 28/238.236).
[120]: أخرجه الخطيب في الكفاية رقم ( 92) و سنده صحيح.
[121]: الكفاية ( 1/178) رقم ( 90) و سنده صحيح.
[122]: الكفاية (1/176 )رقم ( 91) و الأثر حسن .
[123] :آثارالإبراهيمي (1/150).
[124]:من وثائق جمعيّة العلماء المسلمين (17).
[125]:من وثائق جمعيّة العلماء المسلمين (19).
[126]:رسالة الشرك ومظاهره (27).
[127]:آثار ابن باديس (5/435)، جمع وترتيب: عمّار طالبي.
[128]:الشهاب (ج11 م 10/478-481)، وآثار ابن باديس (3/219).
[129]:العقائد الإسلاميّة (20).
[130]:العقائد الإسلاميّة (19).
[131]:العقائد الإسلاميّة (24).
[132]:الآثار (1/362)، ومجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير (453).
[133]:مجالس التّذكير من كلام الحكيم الخبير (453).
[134]:آثاره (4/125).
[135] :تاريخ الجزائر في القديم والحديث (711 ).
[136]:الشرك ومظاهره (26).
[137]:(ص20).
[138]:العدد 90 من الشهاب (2/951)
[139]: العدد 81 من الشّهاب (2/768).
[140]: (المقالات (1/115).