مسألة : حكم إرسال الأضاحي إلى أماكن آخر
1 ـ سئل الإمام في الرسالة التالية : فضيلة الشيخ/محمد بن صالح العثيمين- حفظه الله-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد
هذه الرسالة المرفقة وردتنا اليوم 6/11/1410هـ من لجنة الإغاثة في خارج المملكة بدون توضيح معها، والظاهر أنهم يريدون منا نشرها بين الناس لدعم مشروع الأضحية، أي جمع الأموال باسم قيمة الأضاحي؛ لتؤمن وتذبح هناك وتوزع على المهاجرين من الأفغان، والسؤال هو: هل ترون فضيلتكم جواز هذا العمل ببعث قيمة الأضاحي إلى هذه اللجنة لتتولى شراء ذبائح الأضاحي وذبحها وتوزيعها على مخيمات المهاجرين من الأفغان؟ وفقكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب : بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لا أرى جواز بعث قيمة الأضاحي إلى هذه اللجنة لتتولى شراء الأضاحي في بلد آخر، لأن هذا يؤدي إلى تعطيل شعيرة الأضاحي في البلاد الإسلامية، والشرع الحكيم له نظر في أن تنتشر شعائر
الإسلام في بلاد الإسلام، ولهذا شرع للحجاج الهدي، وشرع لغيرهم الأضاحي في بلادهم؟ ولأن إرسال قيمة الأضحية إلى بلاد أخرى؛ ليضحي بها يعطل قول الله عز وجل:{فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}
وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب الآكل من الأضحية بنفسه، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذبح أضحيته بنفسه .
وأما توكيله علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يذبح بقية هديه في منى، فلأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ لأن ما أهداه النبي - صلى الله عليه وسلم - مئة بعير، والناس في حاجة إلى تفرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يؤخذ من كل بعير قطعة، فجعلت في قدر وطبخت، فأكل من لحمها وشرب من مرقها، وهذا يدل على تأكد أكل الإنسان مما تقرب إلى الله بذبحه، وهذا يفوت إذا أرسلت القيمة إلى بلد آخر، ولأن الأضاحي إذا كانت وصايا فإن الموصين يحبون أن يضحي بها ذريتهم ويذكروهم بها، وهذا يفوت بإرسال القيمة إلى بلاد أخرى.
وبناء على ما سبق فلا أرى نشر الدعاية لإرسال قيمة الأضحية إلى بلاد أخرى، والله الموفق.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 7/11/1410هـ. )) ([1]) 2 ـ وقال في (لقاء الباب المفتوح)(24/ 34) لما سئل هل الأفضل في هذا الزمان دفع الأضاحي إلى البلاد الفقيرة أم ذبحها هنا؟
فأجاب ـ رحمه الله ـ : (( هذا سؤال مهم وهو دفع قيمة الأضاحي إلى بلاد فقيرة ليُضَحَّى بها هناك، فإن بعض الناس يفعل هذا، بل يزيد على ذلك أنه يضع دعايةً في الصحف أو غير الصحف لحث الناس على بعث الأضاحي إلى بلاد أخرى، وهذا يصدر في الغالب عن جهل بمقاصد الشريعة، وعن جهل بالحكم الشرعي.
المقصود بالأضحية: المقصود الأول: هو التقرب إلى الله تعالى بذبحها: فإن الذبح من أكبر العبادات، بل قرنه الله عزَّ وجلَّ بالصلاة: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}[الكوثر:2] ، {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:162] على القول بأن النسك هنا: الذبح.
فالذبح نفسه عبادة؛ لا يمكن أبداً أن تحصل هذه العبادة إذا ما أرسلت الدراهم إلى بلاد أخرى ثمناً لأضحيةٍ، وذُبِحَت هذه الأضحيةُ عنك، وقد قال الله تعالى في كتابه: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج:37] .
المقصود الثاني: أن الإنسان إذا أرسلها إلى بلاد أخرى فإنه يفوته ذكرُ اسمِ الله عليها: وقد قال الله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ} [الحج:34] فجعل ذكرَ اسمِ الله عِلَّةً لهذه المناسك التي جعلها الله عزَّ وجلَّ، وهذا الذكر سيفوته إن كان الذبح هناك، وربما يذبحها من لا يسمِّي أصلاً.
المقصود الثالث: أنه إذا أرسلها إلى الخارج يفوته الأكل منها: وقد قال الله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28] والأمر بالأكل منها للوجوب على رأي كثير من العلماء، فإذا أرسلتَها إلى الخارج فاتك القيام بهذا الأمر، سواء كان واجباً أم مستحباً.
المقصود الرابع: أنه إذا أرسلها إلى الخارج خَفِيَت الشعيرةُ العظيمة التي جعلها الله تعالى في بلاد المسلمين عوضاً عن الشعيرة العظيمة التي جعلها الله تعالى في مكة، فالشعيرة التي تكون في مكة هي: الهدي، والشعيرة التي تكون في بلاد المسلمين الأخرى هي: الأضحية، فالله سبحانه وتعالى جعل هذه الشعائر؛ ذبح الهدي في مكة، وذبح الأضحية في البلاد الأخرى لِتُقام الشعائر في بلاد الإسلام كلها، ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى لمن أراد الأضحية شيئاً من خصائص الإحرام، كتجنب الأخذ من الشعر مثلاً.
المقصود الخامس: أن هذه الشعيرة ربما تموت بالنسبة لأبنائنا وبناتنا: فإذا كانت الأضحية في البيت فإن الأهل كلهم يشعرون بها، ويشعرون أنهم على طاعة، فإذا أُرْسِلَت دراهم فما الذي يُدْرِيهم بها، فتفوت هذه الشعيرة.
فنقول: من الخطأ الواضح أن ترسَل قيم الأضاحي إلى خارج البلاد ليُضَحَّى بها هناك؛ لأن كل هذه المصالح وربما أشياء أخرى لا تحضرني الآن كلها تفوت بهذا الأمر.
المقصود السادس: أن الناس يبدءون ينظرون إلى الأضحية نظرةً ماديةً فقط، وهي: إطعام الجائع: وهذا أيضاً ضرر، وقد قال الله تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج:37] وإذا كنت صادقاً في أن تتعبد لله في الأضحية، وأن تنفع إخوانك المسلمين فضحِّ في بلدك، وأرسل الدراهم والأطعمة والأكسية إلى البلاد الأخرى.
ما الذي يمنعك؟! لهذا أرجو منكم -بارك الله فيكم- أن تبينوا للناس أن هذا خطأ، وأن لا يصرفوا قيمة ضحاياهم إلى البلاد الأخرى، بل يضحوا في بيوتهم.
ولا يرد على هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام وكَّلَ علي بن أبي طالب في ذبح هديه، أو أنه بعث بالهدي من المدينة إلى مكة؛ لأن بعثَه بالهدي من المدينة إلى مكة ضروري، إذْ لا هدي إلا في مكة، فلو ذبحه في المدينة لم يكن هدياً.
وأما توكيل علي بن أبي طالب فالرسول عليه الصلاة والسلام وكَّله؛ لأنه مشغول بأمور الناس، فالناس في حاجة إلى أن يتفرغ لهم، ومع ذلك أمَرَ مِن كل بعير بقطعة، فجُعِلَت في قدر فطُبِخَت، فأكل من لحمها وشرب من مرقها؛ فهو لم يترك الأكل منها.
فنرجو -بارك الله فيكم- أن تحرصوا على توعية الناس، وأن تقولوا: إن المسألة ليست مسألة أن الفقير ينتفع من اللحم، بل أهمُّ شيء هو التقرُّب إلى الله في الذبح الذي جعله الله قرين الصلاة، وأنت لا تُمْنَع من نفع إخوانك، فتُرسل لهم دراهم، لا مانع من ذلك .
نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم، وإلى اللقاء القادم إن شاء الله. )) ا.هـ
3 ـ سئل الشيخ : أرجو أن توضحوا لنا عما كثر الكلام فيه من إرسال قيمة الأضاحي إلى البلاد الإسلامية الفقيرة، ليشترى بها أضحية ويضحي بها هناك، نرجو إفتاءنا بما ترون مأجورين؟
فأجاب : إن إرسال قيمة الأضاحي إلى بلاد أخرى من البلاد الإسلامية ليضحي بها هناك تفوت به مصالح كثيرة منها:
1- ظهور شعائر الله تعالى في البلاد الإسلامية، فإن الناس إذا أرسلوا قيمة ضحاياهم لبلاد أخرى خليت بلادهم من هذه الشعيرة وفات ظهورها في بلادهم، وتعميم ظهور شعائر الله تعالى في بلاد
الإسلام مقصود شرعي؛ ولهذا لما شرع الهدي للحجاج في مكة، شرع لغيرهم الأضاحي في البلاد الأخرى؛ لتظهر شعيرة الذبح في جميع البلاد الإسلامية.
2- مباشرة المضحي ذبح أضحيته بنفسه، فإن المشروع أن يباشر المضحي ذبح أضحيته بنفسه كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك ، فإذا أرسلت القيمة إلى بلاد أخرى فاتت هذه السنة، وقد قال أهل العلم: إن المضحي إذا كان لا يحسن الذبح فالأفضل أن يحضر ذبحها.
3- التعبد لله تعالى بذكر اسمه على الذبيحة، وهذا عبادة أمر الله بها في قوله:{وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَيْهَا صَوَافَّ}، وجعله تعالى الغاية في هذه القربان حيث قال:{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} ، فإذا أرسلت القيمة ليضحي في بلاد أخرى فات على المضحي أن يتعبد لله تعالى بذكر اسمه على أضحيته.
4- التعبد لله تعالى بالأكل من الأضحية، فإن الآكل من الأضحية عبادة أمر الله تعالى بها في قوله:{فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}، وقال: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ}، وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب الآكل منها، فإذا أرسلت القيمة إلى بلاد أخرى ليضحي بها هناك فات هذا التعبد ويكون المضحي آثماً على قول من يقول بوجوب الآكل، ولكن الصحيح: عدم وجوب الآكل، فلا يكون آثماً من لم يأكل، ولكن أكله أفضل.
فهذه المصالح الأربع كلها تفوت بإرسال قيمة الأضاحي إلى بلاد أخرى ليضحي بها هناك.
فإن قال قائل: أليس قد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث بالهدي إلى مكة فيذبح هناك والنبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، وهذا يدل على جواز بعث النسيكة إلى بلد آخر.
الجواب: بلى قد كان ذلك، ولكن الهدي خاص بمكة فلابد من البعث به إليها، بخلاف الأضحية فإنها في كل البلاد فلا حاجة إلى نقلها لبلد آخر بل نقلها يفوت به ما سبق من المصالح.
فإن قائل قائل: أليس قد وكل النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب لينحر ما بقي من هديه في حجة الوداع مع حضور النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا يدل على جواز التوكيل في ذبح النسيكة؟
فالجواب: بلى، ولكن كان ذلك في البلد الذي كان فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والحاجة داعية إليه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد أهدى مئة بعير، ونحر منها ثلاثًا وستين، وأعطى عليّا الباقي لينحره، وكان قد أشركه في هديه، والناس في حاجة إلى تفرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمورهم، وقد أمر النبي من كل بدنة ببضعه، فجعلت في قدر فطبخت، فأكل من لحمها وشرب من مرقها.
فإن قال قائل: إخواننا في البلاد الإسلامية أو بعضها في حاجة لمثل هذا اللحم؟
فالجواب: أنه بالإمكان أن تدفع حاجتهم بغير ذلك بإرسال الدراهم والثياب والأطعمة والفرش ونحوها، ويحصل جمها المقصود، ولا تفوت المصالح المترتبة على ذبح الضحايا في بلاد المضحين.
هذا ما يتعلق بالجواب وإنما بسطت القول فيه لكثرة السؤال عنه. والله أسأل أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما فيه رضاه ونفع عباده، إنه سميع مجيب الدعوات.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 27/12/1411هـ. )) ([2]) 4 ـ سئل - رحمه الله-: ذكرتم بأنه لا يدفع الإنسان أضحيته لمن في الخارج وأن عليه أن يذبحها بنفسه، فهل الهدي كذلك، فماذا تقولون لبعض الشركات التي تقبل الهدي والأضحية فهل ندفع لهم ذلك؟
فأجاب بقوله: (( أما الأضحية فلا تدفعوها للشركات ضحوا في بلادكم، وأما الهدي فمعلوم أن الذين يذهبون إلى مكة إذا ذبحوا الهدي صعب عليهم أن يفرقوه على مستحقيه فإذا أعطوه من يقبل ذلك فلا بأس، وهؤلاء الذين يتقبلونه بإذن من الحكومة، ويكون قبضهم للهدي كقبض الفقير فيكون الذي يسلمه إلى الحكومة كأنه سلمه إلى الفقير تمامَا ولا حرج فيه للحاجة، ومع ذلك نقول: إذا كنت قادرَا على أن تذبح هديك بنفسك، أو توكل عليه أحدَا في مكة، فلا تعطه الشركات، كلما صار لديك مندوحة عن إعطاء الشركات بالهدي فلا تعطهم.
أما الأضاحي فقد علمتم أنه لا يعطيها أحد إطلاقَا؛ لأن الأضاحي كل إنسان يمكنه أن يضحي في بيته، ويأكل من لحمها ويوزع على حسب الحال. )) ([3]) 5 ـ جاء في (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 78)
(( رسالة : الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فضيلة شيخنا ووالدنا محمد بن صالح العثيمين- حفظه الله ورعاه-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يسر مشروع (الهُدَى للهدي والأضاحي والصدقة والفدى)
التقدم لفضيلتكم بهذا السؤال الهام الذي ينبني على جوابه كل عملنا في هذا المشروع، لنكون على بصيرة شرعية من أمرنا معتبرين هذا العمل مساهمة جادة في تنظيم ذبح النسك، والاستفادة القصوى من لحومها لصالح الفقراء، وعدم تركها للمحارق تخلصًا منها، ولا حول ولا قوة إلا بالته والسؤال هو:
هل يجوز لنا أن نكون وكلاء عن الحاج في شراء وذبح نسكه، وذلك بثمن شامل ومعلوم للحاج، علمًا أننا نبين نوع الذبيحة- النسك- ونعينها لكل حاج باسمه قبل الذبح ويدخل في هذا الثمن
قيمة الذبح والسلخ والتنظيف وتوزيع اللحم على مستحقيه من فقراء الحرم، كما إنه يدخل في القيمة أتعابنا وأتعاب العاملين معنا في المشروع؟
أفتونا مأجورين، وجزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء.
فأجاب : بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
نعم: يجوز لكم ذلك؛ لأنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنه وكَّل علياًّ بن أبي طالب- رضي الله عنه- أن ينحر ما بقي من هديه ، وكان يبعث بالهدي من المدينة إلى - صلى الله عليه وسلم - ويذبح هناك ، لكن الأضاحي دعوها لأهلها يضحون بها في بلادهم في دورهم؛ لأن هذا هو المشروع؛ ولهذا أرى أن يحذف من شعاركم اسم الأضاحي، وفق الله الجميع للهدى والصلاح.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 22/11/1415هـ ))
6 ـ قال في(لقاء الباب المفتوح)(2/ 40) لما سئل : مسألة إرسال الأضحية إلى المجاهدين، البعض يقول: الأفضل أن ترسل إلى المجاهدين وتذبح عندهم، والبعض الآخر يقول: لا بل الأفضل أن تذبح هنا، فما توجيه سماحتكم جزاكم الله خيراً؟
فأجاب : (( القائل: بأن الإرسال إلى هناك أفضل مخطئ في هذا القول؛ لأن الأضحية من شعائر الإسلام الظاهرة، وليس المراد بها شيئاً مادياً وهو الانتفاع باللحم، كما قال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج:37] وأهم مقصود منها: هو التقرب إلى الله بالذبح، حتى تكون شعيرة ونُسُكاً، ودليل ذلك: أن الأضحية لها أحكام خاصة: منها: أن تكون في وقت معين.
ومنها: أن تكون من جنس معين.
ومنها: أن تكون على وصف معين.
ومنها: أن تخلو من العيوب.
ولو كان المقصود مجرد اللحم لجازت في كل وقت، ومن كل جنس، وعلى أي وصف، ومعيبة أو غير معيبة، فمثلاً: الأضحية لا تكون إلا في أيام الذبح، يوم عيد الأضحى وثلاثة أيام بعدهن.
وأيضاً: الأضحية لا بد أن تكون في يوم العيد من بعد الصلاة.
ولا بد أن تكون من جنس معين، وهي بهيمة الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم، فلو ذبحتَ فرساً وتصدقت به على أنه أضحية لم يجزئ.
ولا بد أن تكون من سن معين، وهي: أن تكون جذعة من الضأن، أو ثنياً مما سواه، ولو كان المقصود اللحم لجازت في الفرس، ولجازت بما دون هذا السن.
ولا بد أن تكون سليمة من العيوب التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " أربع لا تُجَوِّز الأضاحي: العوراءُ البَيِّنٌ عَوَرُها، والمريضةُ البَيِّنٌ مَرَضُها، والعرجاءُ البَيِّنٌ ضَلْعُها، والعجفاء -أي: الهزيلة- التي لا تنقي وليس فيها نقي " أي: ليس فيها مخ.
ولو كان المقصود بها اللحم لجازت مع هذا العيب؛ لأن العوراء لا يؤثر عَوَرُها على لحمها.
فإذا علمت ذلك تبين لك أن الأضحية عبادة مشروعة بذاتها، لا أنها مجرد تصدُّق باللحم، وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين شاة اللحم وشاة الأضحية، فقال: " مَن ذبح قبل الصلاة فشاته شاة لحم ولا نسك له" ، وهذا واضح من أنه ليس المقصود به مجرد اللحم، وإذا كان كذلك فإننا نرى أن لا يُبْعَث بالأضاحي إلى أفغانستان، ولا إلى غيرها من البلاد الإسلامية الفقيرة؛ لأن ذلك مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم: فإن مِن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يذبح الإنسان الأضحية بيده، فإن لم يُحسن وكَّل مَن يضحي.
ومِن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يشهد الأضحية.
ومِن هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمر الله به: أن يأكل منها، كما قال تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28] كلوا منها، والأصل في الأمر الوجوب، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى وجوب أكل المضحي من أضحيته، وكيف يتأتى الأكل وهي في الشرق أو في الغرب؟!
ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الأضحية: أن يسمي عليها، فيقول: "باسم الله والله أكبر، هذا منك ولك، عني وعن أهل بيتي "، وكيف يمكن هذا وهي في الشرق أو في الغرب؟! ولا شك أننا لو قلنا بإرسال الأضحية إلى بلاد أخرى لعطلنا البلاد الإسلامية من هذه الشعيرة؛ لأن كل الناس يحبون الأفضل.
فإذا قيل لَهُم: الأفضل أن تبعثوا بأضحياتكم إلى المكان الفلاني، تعطلت البلاد الإسلامية من هذه الشعيرة الإسلامية.
ثم إن الأضاحي من أحكامها: أنه إذا دخل العشر فإن الإنسان يُنْهَى أن يأخذ شيئاً من شعره، أو بشرته، أو ظفره، حتى يضحي، وإذا أرسلتها يميناً أو شمالاً فلا تدري متى يضحون! فهذه الفتوى لا شك أنها خطأ، ومن أراد أن ينفع المسلمين فليفعل؛ لكن بغير الشعيرة الإسلامية، فالشعائر تبقى، ونفع المسلمين يحصل من باب آخر. ))
7 ـ وقال أيضا في (لقاء الباب المفتوح)(88/ 27) لما سئل : فضيلة الشيخ بالنسبة للأضاحي بعض الجهات كهيئة الإغاثة وغيرها، تقول: لدينا مثل القسائم تدفع مبلغاً من المال ونحن نؤدي الأضحية في أي جهة من دول العالم الفقيرة، فهل تنصح بذلك، أم لا؟
فأجاب : أنا أنصح بعدم ذلك، وأقول: إن هذا من الخطأ أن الإنسان يوكل أحداً يضحي عنه؛ لأن هذا فيه عدة محاظير:
المحظور الأول: أن شعيرة النسك في هذا البلد لا تتم إذا أعطينا دراهم يضحى بها في مكان آخر.
وثانياً: أن المقصود بالأضحية التعبد لله بذبحها، وهذا -أيضاً- يفوت إذا ذبحت بمكان آخر، فهو لا يباشر الذبح ولا يحضره.
ثالثاً: أن فيها تركاً لما أمر الله به من الأكل منها، فقد قال الله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28] ، {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج:36] ومعلوم أنها إذا ذبحت في محل آخر فلا يستطيع الأكل منها.
الرابع: أننا لا ندري من الذي يتولى الذبح، قد يتولى الذبح من لا يحسن الذبح، أو من ليس من أهل الذبح، أو من يتهاون في الذبح بترك التسمية -مثلاً- أو ما أشبه ذلك.
الوجه الخامس: أننا لا ندري -أيضاً- هل تذبح في وقتها، أو قبل الوقت، أو يتهاونون في تأخير الذبح.
فيحصل في ذلك هذه المحاذير وربما يحصل غيرها أيضاً.
فالذي أنصح به إخواننا المسلمين ألا يفعلوا ذلك، أي: ألا يعطوا هيئة الإغاثة ولا غيرها شيئاً يشترون به ضحايا في محلات أخرى ويذبحونها.
فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث بالهدي من المدينة إلى مكة؟
الجواب: بلى.
لكن الهدي خاص بـ مكة لا يمكن ذبحه في المدينة وهو هدي يهدى إلى الكعبة، فليس مثل الذي يبعث بدراهمه إلى البوسنة والهرسك والجهات الأخرى ليُضحى بها عنه.
فأنصح إخواننا المسلمين ألا يفعلوا ذلك، وأنصح طلبة العلم -أيضاً- أن يبينوا للعوام؛ لأن كثيراً من الناس يظنون أن الأضاحي ليس المقصود منها إلا اللحم، وهذا خطأ، قال الله تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى} [الحج:37] .
السائل: هل له أن يتصدق يا شيخ! بعد أن يكمل الأضحية يعني: بعد أن يؤدي الأضحية يتصدق بمائة ريال، بمائة وخمسين، بمائتي ريال؟ الشيخ: هذا ليس فيه شيء، يعني: إذا كان يريد أن ينفع الجهة هذه يعطيهم دراهم ويجعل الأضحية عنده في بلده. )) ا.هـ
يتبع إن شاء الله ...
([1]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 61 ـ 62)
([2]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 66 ـ 72)
([3]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 75)