أولا : مرحبا بك وحياك الله يا أخانا الفاضل الشيخ أبو فريحان جمال الحارثي ، رفع الله قدرك ، وزادك عزا بتواضعك ...بسم الله الرحمن الرحيم
ثانيا : يعلم الله أني ما دخلت لأقرأ هذا الموضوع ، ولكن دخلت لأستفيد بما علقت عليه يا شيخ جمال ؛ فإذا بي أراك تستفسر ذلك الاستفسار، وتستفتي وأنت أحق من يفتينا ..
وكم كنت أتمنى لو علقتَ بشيء تثمن به الموضوع ، وتزيده قوة بتعليقاتك المفيدة وإرشاداتك النيرة ، تفيدنا بها لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه ..
وعلى كل حال فالكرة في مرماك وننتظر منك الجواب أنت على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -
ثالثا : ما سأذكره هنا ليس من باب الإفتاء ولا جوابا على استفسارك وإنما هو مجرد رأي اقتنعت به ، فإن جئتني بما هو أوضح وأقوى تركته إلى قولك وفقك الله ..
رابعا : لست أدري هل أخي الشيخ الفاضل جمال جادا في سؤاله واستفساره أم هو مجرد تعريض واعتراض على ما جاء في كلام العلماء وبعض طلبة العلم بُجمل ذكرها عن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله – عن عصره ليست هي محل بحث ولا موضع النزاع بيننا..
خامسا : ليعلم أخي أن هناك فرق كبير بين ما قصد إليه العلماء في كلامهم على كرة القدم المنتشرة اليوم في العالم والتي سُيّست ودُولت ، وأخذت هذه المكانة من العالم كما أخذت مكانها من قلوب الشعوب حتى قدمها الكثير منهم على طاعة الله وعبادته فألهتهم عما خلقوا له ، وأوقعت العدواة والبغضاء بينهم ، وبين ما أشار إليه شيخ الإسلام في كلمات تمثيلية ، مثل تمثيله كورية الأفلاك ، والعرش والأرض ، وتمثيل بعض ذلك بالكرة التي يلعب بها الصبيان ..
وإليك البيان : قال- رحمه الله – في الرسالة العرشية (1/37)طبع المكتبة السلفية القاهرة : ((..أنْ يُظَنَّ أَنَّ الْعَرْشَ إذَا كَانَ كُرِّيًّا وَاَللَّهُ فَوْقَهُ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ كُرِّيًّا، ثُمَّ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ إذَا كَانَ كُرِّيًّا فَيَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلَى مَا هُوَ كُرِّيٌّ كَالْفَلَكِ التَّاسِعِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الِاعْتِقَادَيْنِ خَطَأٌ وَضَلَالٌ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ كَوْنِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَمَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَرْشَ كُرِّيٌّ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ التَّاسِعَ أَوْ غَيْرَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ مُشَابِهٌ لِلْأَفْلَاكِ فِي أَشْكَالِهَا، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ مُشَابِهٌ لَهَا فِي أَقْدَارِهَا، وَلَا فِي صِفَاتِهَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا بَلْ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْمَخْلُوقَاتُ عِنْدَهُ ..... وَإِنَّهَا عِنْدَهُ أَصْغَرُ مِنْ الْحِمَّصَةِ وَالْفَلْفَلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فِي يَدِ أَحَدِنَا. فَإِذَا كَانَتْ الْحِمَّصَةُ أَوْ الْفَلْفَلَةُ. بَلْ الدِّرْهَمُ وَالدِّينَارُ. أَوْ الْكُرَةُ الَّتِي يَلْعَبُ بِهَا الصِّبْيَانُ وَنَحْوُ ذَلِكَ ..وأعاد ذلك في مجموع الفتاوى (6/582) ومجموع الرسائل والمسائل (4/135) .
وقال في جامع المسائل لابن تيمية – (3/203):وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنّ الله يقبض الأرض يومَ القيامة، ويطوي السماوات بيمينه ثم يُهزهِز، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ ". وقال ابن عباس : ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بيتهن في يد الرحمن إلا كخردلةٍ في يد أحدكم. وفي حديث آخر: أنه يرميها كما يَرمي الصبيانُ الكرةَ.
وفي مجموع الفتاوى (6/562)قال: (.. مَا يُبَيِّنُ أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَصْغَرُ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَعَ قَبْضِهِ لَهَا إلَّا كَالشَّيْءِ الصَّغِيرِ فِي يَدِ أَحَدِنَا حَتَّى يَدْحُوَهَا كَمَا تُدْحَى الْكُرَةُ ..).
وفيها (6/564) قال : (..وَسَوَاءٌ قُدِّرَ أَنَّ الْعَرْشَ هُوَ مُحِيطٌ بِالْمَخْلُوقَاتِ - كَإِحَاطَةِ الْكُرَةِ بِمَا فِيهَا ..) فكل هذه المواضيع هي مجرد تمثيل وليس فيها الإقرار للعب الكرة أو الكلام عن حكم لعب الكرة وبيان أضرارها أو منافعها ..
وما ذكره الشيخ من لعبٍ فإنما هو تمثيل من باب لعب الصبيان بها ليس إلا ، ثم لم يبين فيها هل تلك الكرة التي يلعب بها الصبيان هي الكرة التي كانت قديما تلعب باليد وتضرب ببعض العصي والأعواد ، وتسمى(( لعبة الطاب )) عند بعض العرب، أو هي التي تعلب بالقدم اليوم والتي استوردت إلينا من الكفار على خلاف في أول من لعبها منهم الصين أم الإنكليز ..
وهل كان في عهده – رحمه الله - لها أندية رياضية محلية ودولية تخصص لها ميزانيات ضخمة ، يخصص جزء منها إلى أعداء الله من الكفار وفي مقدمتهم اليهود الذين ذكروا في بروتكولات حكماء صهيون هذه الكرة من أجل شغل الشعوب الإسلامية عن دينهم وبأموالهم ؟؟.
وهل كانت تقوم مباريات لكرة القدم تضيع فيها الواجبات من الصلوات الخمس ويفتى فيها للاعبين بالإفطار إذا كانت المقابلة في رمضان ،؟؟
وهل كانت هناك مقابلات في عهده تخلف قتلى ، وخراب ودمار للمنشآت كما هي اليوم ؟؟
وهل كانت هناك مقابلات يكشف فيها العورات ، وتختلط النساء بالرجال ، وتبذر فيها الأموال ويخرج فيها بالصراخ والعويل والألاعب النارية وغير ذلك من المنكرات التي تشاهد وتسمع ؟؟؟
أنا على يقين يا شيخ جمال لو أن شيخ الإسلام ابن تيمية رجع إلى عصرنا ورآى هذه اللعبة اللعينة بهذه المفاسد وغيرها..والتي أصبحت أفيون الشعوب ، وطرق سمعه ما فيها من أضرار لما تردد في ذمها وتحريمها طرفة عين.
أما لعب الصبيان يا شيخ جمال الذي جاء في كلام الشيخ فلهم أن يلعبوا الكرة ولا أحد نازع في ذلك أو منع منه سواء كانت بالرجل أو باليد إذا كانت في حدود المعقول والمشروع ، بأن يكون لعبهم بها مجرد لهو ولعب ليس من ورائه أي قصد إلا لعب ببراءة الأطفال ولا تكن على حساب واجباتهم الدينية والتعليمية التربوية .كما أشار إلى ذلك العلامة الفقيه ابن عثيمين – رحمه الله .
فقد روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم: «أن عائشة رضي الله عنها وجوارٍ كن يلعبن معها يلعبن بالبنات -وهن اللعب- والنبي - صلى الله عليه وسلم - يراهن» فهذا استدل به العلماء أنه يرخص به للصغار ما لا يرخص فيه للكبار.
سابعا : أما ما ذكره شيخ الإسلام على سبيل الجواب في مختصر الفتاوى الكبرى المصرية (ص521 ف 2/ 236) ودرء تعارض العقل والنقل(6/339)ونقله في المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام (4/58) جمعه ورتبه وطبعه على نفقته: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم قائلا : ((ولعب «الكرّة» إذا كان قصد صاحبه المنفعة للخيل والرجال بحيث يستعان بها على الكر والفر والدخول والخروج ونحوه في الجهاد، وغرضه الاستعانة على الجهاد الذي أمر الله بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو حسن. وإن كان في ذلك مضرة بالخيل والرجال فإنه ينهى عنه .
فهذا أنا فهمت منه المنع وليس الجواز إلا في حالة واحدة إذا توفرت شروطها ومن شرطها القصد الذي ذكره شيخ الإسلام فهو غير متوفر في هذه اللعبة اليوم إطلاقا ، فلا يوجد فريق أو لاعب يلعب ذلك من أجل التقوى على الجهاد في سبيل الله ومناهضة العدو بل كلهم يلعب على الشهرة والمال ليس إلا ..
وقد أثبت الواقع أنه إذا اعتدي على دولة لاعبين فإنهم يقفون موقف المتفرج أو يفرون بجلودهم إلى بلدان أخرى ..
ثامنا : شيخ الإسلام يشير إلى نوع من الكرة وهي التي تضرب بالعصي من فوق الخيل يتسابق فريقان أو فارسان بالخيل ولهم عصي أو أعواد خاصة لها رأس غليظ ، فيرمون الكرة ثم يتسابقان أيهما يضربها أو يوصلها إلى الهدف أو قريب منه ، فهذا النوع من الكرة فيه جري وعدو وخيل وضرب بالعصي ، وكر وفر وهذا يساعد على التكوين والتدريب لركوب الخيل والضرب من فوقها على خلاف كرة القدم اليوم ...
ومع أن هذه اللعبة لا يكاد يظهر منها مفاسد قال شيخ الإسلام إن كان القصد منها تدريب الخيل والرجال على الكر والفر والدخول والخروج في صفوف العدو فلا حرج ؛ أما إن لم يكن القصد كذلك فلا فائدة من ورائها؛ أما إذا كانت في مضرة بالخيل والرجال فإنه ينهى عنه ، وفي فهمي أنه منع ذلك من أجل لقوله صلى الله عليه وسلم :(( لا ضرر ولا ضرار )) هذا والعلم عند الله تعالى .
وأخيرا فإن كان هذا الفهم صحيحا فأحمد الله تعالى وأسأله مزيد التوفيق والسداد، وإن كان غير ذلك فأرجو المغفرة منه سبحانه والتقويم من فضيلتكم .
والحمد لله أولا وأخيرا.
وكتب محبكم : أبو بكر يوسف لعويسي .




رد مع اقتباس