قال ابن أبي العزِّ الحنفي: «أَوَّل وَاجِبٍ يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، لا النَّظَرُ وَلا القَصْدُ إِلَى النَّظَرِ، وَلا الشَّكُّ، كَمَا هِيَ أَقْوَالٌ لأَرْبَابِ الكَلامِ المَذْمُومِ، بَلْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَا يُؤْمَرُ بهِ العَبْدُ الشَّهَادَتَانِ، وَمُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ لَمْ يُؤْمَرْ بتَجْدِيدِ ذَلِكَ عَقِيبَ بُلُوغِهِ، بَلْ يُؤْمَرُ بالطَّهَارَةِ وَالصَّلاةِ إِذَا بَلَغَ أَوْ مَيَّزَ عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُوجِبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يُخَاطِبَهُ حِينَئِذٍ بتَجْدِيدِ الشَّهَادَتَيْنِ»(13).

هذا؛ وقد خالف أهلُ الكلام المذموم من المعتزلة والأشعريَّة ومن نَحَا نحوَهم هذه الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة، وهذا الإجماع المعلوم، واختلفوا في أوَّل واجبٍ على العبد: هل هو النَّظر والاستدلال المؤدِّي إلى معرفة الله أو المعرفة؟! على قولين.
وقال بعض المعتزلة: أوَّل الواجبات الشَّكُّ(14)!!
ويكفي في ردِّ هذا وإبطاله مخالفتُه للنُّصوص المتقدِّمة وإجماع السَّلف، وكلُّ شرٍّ في ابتداع من خلف.
ويقال لمن زعم أنَّ أوَّلَ واجبٍ على المكلَّف هو النَّظر: بَيِّن - أوَّلا - أنَّه واجب على كلِّ أحد، ثمَّ بَيِّن - ثانيًا - أنَّه أوَّل الواجبات.
وليس في القرآن ما يدلُّ على أنَّ النَّظر أوَّل الواجبات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «والقرآن العزيز ليس فيه أنَّ النَّظر أوَّل الواجبات [بَلْ أَوَّلُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى نَبيِّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ï´؟اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَï´¾ [العلق: 1]، ولَمْ يَقُل اُنْظُرْ وَاسْتَدِلَّ حَتَّى تَعْرِفَ الخَالِقَ، وَكَذَلِكَ هُو - صلَّى الله عليه وسلَّم - أَوَّلُ مَا بَلَّغَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَكَانَ المُبَلَّغُونَ مُخَاطَبينَ بهَذِهِ الآيَةِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَلَمْ يُؤْمَرُوا فِيهَا بالنَّظَرِ وَالاسْتِدْلالِ]، ولا فيه إيجاب النَّظر على كلِّ أحد، وإنَّما فيه الأمر بالنَّظر لبعض النَّاس، وهذا موافق لقول من يقول: إنَّه واجب على من لم يحصل له الإيمان إلاَّ به، بل هو واجب على كلِّ من لا يؤدِّي واجبًا إلاَّ به، وهذا أصحُّ الأقوال، فإن [الإِقْرَارَ والاعْتِرَافَ بالخَالِقِ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ في نُفُوسِ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَا يُفْسِدُ فِطْرَتَه حَتَّى يَحْتَاجَ إلى نَظَرٍ تَحْصُلُ لَهُ بهِ المَعْرِفَةُ].
فقوله تعالى: ï´؟أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَï´¾ [الروم:8].
وهذا بعد قوله: ï´؟وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَï´¾ [الروم:6-7].
ثمَّ قال تعالى: ï´؟أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْï´¾ فالضمير عائد إلى الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون.
وقوله تعالى: ï´؟أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَï´¾ [الأعراف:184-185].
فهذا مذكور بعد قوله: ï´؟وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌï´¾ [الأعراف:182-183](15).
أمَّا السُّنَّة؛ فقد تقدَّم ما هو صريحٌ ظاهرُ الدّلالة مع كون ذلك متواترًا تواترًا معنويًّا، وقد قال النَّوويُّ - رحمه الله - لَمَّا شرح قَوْله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَه إِلاَّ اللَّهُ، وَيُؤْمِنُوا بي وَبمَا جِئْت بِهِ».
قال: «فِيهِ دَلالَة ظَاهِرَة لِمَذْهَبِ المُحَقِّقِينَ وَالجَمَاهِير مِنْ السَّلَف وَالخَلَف أَنَّ الإنْسَان إِذَا اعْتَقَدَ دِين الإسْلام اعْتِقَادًا جَازِمًا لا تَرَدُّد فِيهِ كَفَاهُ ذَلِكَ وَهُوَ مُؤْمِن مِن المُوَحِّدِينَ وَلا يَجِب عَلَيْهِ تَعَلُّم أَدِلَّة المُتَكَلِّمِينَ وَمَعْرِفَة اللَّه تَعَالَى بهَا، خِلافًا لِمَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ شَرْطًا في كَوْنه مِنْ أَهْل القِبْلَة، وَزَعَمَ أَنَّهُ لا يَكُون لَهُ حُكْم المُسْلِمِينَ إِلاَّ بهِ، وَهَذَا المَذْهَب هُوَ قَوْل كَثِيرٍ مِنْ المُعْتَزِلَة وَبَعْض أَصْحَابنَا المُتَكَلِّمِينَ، وَهُوَ خَطَأ ظَاهِر؛ فَإِنَّ المُرَاد التَّصْدِيق الجَازِم، وَقَدْ حَصَلَ، وَلأنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - اكْتَفَى بالتَّصْدِيقِ بمَا جَاءَ بِهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وَلَمْ يَشْتَرِط المَعْرِفَة بالدَّلِيلِ؛ فَقَدْ تَظَاهَرَتْ بهَذَا أَحَادِيث في «الصَّحِيحَيْنِ» يَحْصُل بمَجْمُوعِهَا التَّوَاتُر بأَصْلِهَا وَالعِلْم القَطْعِيُّ»(16).
هذا؛ وقد قال القرطبي - رحمه الله -: «ولو لم يكن في الكلام إلاَّ مسألتان هما من مبادئه لكان حقيقًا بالذَّمِّ:
إحداهما: قول بعضهم: إنَّ أوَّل واجب الشُّكُّ، إذ هو اللاَّزم عن وجوب النَّظر أو القصد إلى النَّظر ...
ثانيتهما: قول جماعة منهم أنَّ من لم يعرف الله بالطُّرق الَّتي رتَّبوها والأبحاث الَّتي حرَّروها لم يصحَّ إيمانه، حتَّى لقد أُورد على بعضهم أنَّ هذا يلزم منه تكفير أبيك وأسلافك وجيرانك، فقال: لا تشنِّع عليَّ بكثرة أهل النَّار»(17).
سبحان الله! جنَّة عرضها السَّماوات والأرض لا يدخلها إلاَّ شِرْذِمَةٌ منَ المتكلِّمين، وهكذا يفعل أهل البدع يبتدعون بدعًا تُخالف الكتاب والسُّنة ويكفِّرون من خالفهم.
ويلزم من هذا القول - كما لا يخفى - تكفيرُ أكابر الصَّحابة المشهود لهم بالجَّنَّة؛ فإنَّ «من نَظَرَ إلى إسلام أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ وطلحة وسعد وعبد الرَّحمن وسائر المهاجرين والأنصار وجميع الوفود الَّذين دخلوا في دين الله أفواجًا؛ عَلِمَ أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - لم يعرفه واحد منهم إلاَّ بتصديق النَّبيِّين بأعلام النُّبوَّة ودلائل الرِّسالة، ولو كان النَّظر عليهم واجبًا ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك من عملهم مشهورًا أو من أخلاقهم معروفًا؛ لاستفاض عنهم ولشهَّروا به كما شهَّروا بالقرآن والرِّوايات»(18).
وروى أبو عبد الرَّحمن السُّلمي بسنده أنَّ رجلاً جاء إلى المُزَنِي يسأله عن شيء من الكلام (أي عِلْمِ الكلام)، فقال: إنِّي أكره هذا، بل أنهى عنه، كما نهى عنه الشَّافعيُّ؛ فإنِّي سمعت الشَّافعيَّ يقول: سُئِلَ مالك عن الكلام والتَّوحيد؟ فقالَ مالك: محالٌ أن يُظنَّ بالنَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه علم أمَّته الاستنجاء ولم يعلِّمهم التَّوحيد، فالتَّوحيد ما قاله النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ»، فما عَصَمَ الدَّم والمالَ، فهو حقيقة التَّوحيد». انتهى(19).
فظهر أنَّ قول من قال: أوَّل الواجبات النَّظرُ، مخالف للكتاب والسُّنَّة وإجماع السَّلف والفطرة.
وبهذا يتبيَّن أنَّ هؤلاء المتكلِّمين لَمَّا أعرضوا عمَّا جاءت به الرُّسل من البيِّنات والهدى، وخاضوا في علم الكلام الَّذي أفسد فطرهم؛ احتاجوا إلى النَّظر لتصحيح إيمانهم الَّذي زعزعته تلك الشُّبهات الكلاميَّة.
ومن ضيَّع الأصول حُرِمَ الوصول، والأصول ما جاء به الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -.
ويتبيَّن - أيضًا - الفرق بين منهج الأنبياء والمرسلين وبين طريقة المتكلِّمين؛ فإنَّ الرُّسل يأمرون بالغايات المطلوبة الَّتي هي أجلُّ الغايات ويذكرون أقوى وأنفع الطُّرق الموصلة إليها، وأهل الكلام الباطل يأمرون بالبدايات والأوائل، وطرقهم الكلاميَّة لا تَروي غليلاً ولا تَشفي عليلاً، بل هي كما قيل:
حُجَج تهافَت كالزُّجاج تخالُها حقًّا وكلُّ كاسِر مكسورُ

ومن هداه الله لفَهم قول أهل السُّنَّة علم أنَّهم جمعوا محاسن الأقوال وأنَّ قولهم هو القول السَّديد الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول: ï´؟وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِï´¾ [الحج:24].
والحمد لله رب العالمين.
فريد نمار
راية الإصلاح