وقال بعض الحكماء صِفَات أهل الْعدْل
وَلَا يكون العَبْد من أهل الْعدْل إِلَّا بِثَلَاث خِصَال .
1- بِالْعلمِ حَتَّى يعلم مَا لَهُ مِمَّا عَلَيْهِ
2- وبالفعل
3- وبالصبرفمفتاح الْعدْل وأولاه بِالْعَبدِ وأوجبه عَلَيْهِ أن يعرف قدر نَفسه فَلَا يكون لَهَا عِنْده قدر فَوق منزلتها وأن تشّبَه سَرِيرَته عَلَانِيَته
وأحزم النَّاس فِيهِ وأقربهم مِنْهُ مأخذا المراجع لنَفسِهِ فِي كل خطرة تهواها نَفسه أَو تكرهها فَينْظر فِي ذَلِك أن لَو اطلع النَّاس على حَالَته هَذِه فاستحيا أَو كرهها تحول من تِلْكَ الْحَالة إلى حَالَة لَا يستحيا مِنْهَا فَإِن الَّذِي لَا يستحيا مِنْهُ ضد الَّذِي يستحيا مِنْهُ.
أبعد النَّاس من الْعدْل
وَأبْعد النَّاس من الْعدْل أشدهم غَفلَة عَن هَذَا وأقلهم محاسبة لنَفسِهِ وَأبْعد النَّاس من الْعدْل وأطولهم غَفلَة عَن هَذَا أشدهم تهاونا بِهِوَلَو عقلت من الَّذِي تراقب ثمَّ تقطعت أعضاؤك قطعا وَانْشَقَّ قَلْبك أَوْ سحت فِي الأرض لَكُنْت بذلك محموقا.
وفي كتاب المروءة (1/45) 34- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ عَنْ سَفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلّ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ قَالَ إِذَا اسْتَوَتِ السَّرِيرَةُ وَالْعَلَانِيَةُ فَذَلِكَ الْعَدْلُ وَإِذَا كَانَتِ السَّرِيرَةُ أَحْسَنَ مِنَ الْعَلَانِيَةِ فَذَلِكَ الْإِحْسَانُ فَإِذَا كَانَتِ الْعَلَانِيَةُ أَحْسَنَ مِنَ السَّرِيرَةِ فَذَلِكَ الْعُدْوَانُ .
قال الماوردي في أدب الدنيا والدين (1/139): وقال بعض الحكماء: بالعدل والإنصاف تكون مدة الائتلاف. وقال بعض البلغاء: إن العدل ميزان الله الذي وضعه للخلق، ونصبه للحق، فلا تخالفه في ميزانه، ولا تعارضه في سلطانه، واستعن على العدل بخلتين: قلة الطمع، وكثرة الورع.
فإذا كان العدل من إحدى قواعد الدنيا التي لا انتظام لها إلا به، ولا صلاح فيها إلا معه، وجب أن نبدأ بعدل الإنسان في نفسه، ثم بعدله في غيره.
فأما عدله في نفسه فيكون بحملها على المصالح، وكفها عن القبائح، ثم بالوقوف في أحوالها على أعدل الأمرين من تجاوز أو تقصير. فإن التجاوز فيها جور، والتقصير فيها ظلم. ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم، ومن جار عليها فهو على غيره أجور.
وأما عدله في غيره فقد ينقسم حال الإنسان مع غيره على ثلاثة أقسام:
فالقسم الأول: عدل الإنسان فيمن دونه كالسلطان في رعيته، والرئيس مع صحابته، فعدله فيهم يكون بأربعة أشياء:
باتباع الميسور، وحذف المعسور، وترك التسلط بالقوة، وابتغاء الحق في الميسور.
فإن اتباع الميسور أدوم، وحذف المعسور أسلم، وترك التسلط أعطف على المحبة، وابتغاء الحق أبعث على النصرة.
وقال بعض الأدباء: ليس للجائر جار، ولا تعمر له دار.
وقال بعض البلغاء: أقرب الأشياء صرعة الظلوم، وأنفذ السهام دعوة المظلوم.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: عَدْلُ الْإِنْسَانِ مَعَ مَنْ فَوْقَهُ، كَالرَّعِيَّةِ مَعَ سُلْطَانِهَا، وَالصَّحَابَةِ مَعَ رَئِيسِهَا.
فَقَدْ يَكُونُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
بِإِخْلَاصِ الطَّاعَةِ، وَبَذْلِ النُّصْرَةِ، وَصِدْقِ الْوَلَاءِ.
فَإِنَّ إخْلَاصَ الطَّاعَةِ أَجْمَعُ لِلشَّمْلِ، وَبَذْلَ النُّصْرَةِ أَدْفَعُ لِلْوَهَنِ، وَصِدْقَ الْوَلَاءِ أَنْفَى لِسُوءِ الظَّنِّ.
وَهَذِهِ أُمُورٌ إنْ لَمْ تَجْتَمِعْ فِي الْمَرْءِ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ مَنْ كَانَ يَدْفَعُ عَنْهُ وَاضْطُرَّ إلَى اتِّقَاءِ مَنْ يَتَّقِي بِهِ كَمَا قَالَ الْبُحْتُرِيُّ:
مَتَى أَحْوَجْت ذَا كَرَمٍ تَخَطَّى ... إلَيْك بِبَعْضِ أَخْلَاقِ اللِّئَامِ
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : عَدْلُ الْإِنْسَانِ مَعَ أَكْفَائِهِ وَيَكُونُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
بِتَرْكِ الِاسْتِطَالَةِ، وَمُجَانَبَةِ الْإِدْلَالِ، وَكَفِّ الْأَذَى؛ لِأَنَّ تَرْكَ الِاسْتِطَالَةِ آلَفُ، وَمُجَانَبَةَ الْإِدْلَالِ أَعْطَفُ، وَكَفَّ الْأَذَى أَنْصَفُ.
وَهَذِهِ أُمُورٌ إنْ لَمْ تَخْلُصْ فِي الْأَكْفَاءِ أَسْرَعَ فِيهِمْ تَقَاطُعُ الْأَعْدَاءِ فَفَسَدُوا وَأَفْسَدُوا. انتهى كلامه
يتبع إن شاء الله




رد مع اقتباس