الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومَن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدِّين، أما بعد ...بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِـــيمِ
فقد جاء في محكم التنزيل قوله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: 119]، ولقد بَيَّنَ العلامة أبو عبدالله محمد بن أحمد القرطبي رحمه الله تعالى بعضًا من مسائلها قائلًا:
(حَقٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ فَهِمَ عَنِ اللَّهِ وَعَقَلَ عَنْهُ أَنْ يُلَازِمَ الصِّدْقَ فِي الْأَقْوَالِ، وَالْإِخْلَاصَ فِي الْأَعْمَالِ، وَالصَّفَاءَ فِي الْأَحْوَالِ، فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَحِقَ بِالْأَبْرَارِ وَوَصَلَ إِلَى رِضَا الْغَفَّارِ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا».
وَالْكَذِبُ عَلَى الضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ، قَالَصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا»[خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ].
فَالْكَذِبُ عَارٌ وَأَهْلُهُ مَسْلُوبُو الشَّهَادَةِ، وَقَدْ رَدَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَشَهَادَةَ رَجُلٍ فِي كَذِبَةٍ كَذَبَهَا. قَالَ مَعْمَرٌ: لَا أَدْرِي أَكَذَبَ عَلَى اللَّهِ أَوْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِهِ أَوْ كَذَبَ عَلَى أَحَدٍ من الناس. وسُئِل شَرِيكُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِاللَّهِ، رَجُلٌ سَمِعْتُهُ يَكْذِبُ مُتَعَمِّدًا أَأُصَلِّي خَلْفَهُ؟ قَالَ لَا.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "إِنَّ الْكَذِبَ لَا يَصْلُحُ مِنْهُ جِدٌ وَلَا هَزْلٌ، وَلَا أَنْ يَعِدَ أَحَدُكُمْ صَبِيَّهُ شَيْئًا ثُمَّ لَا يُنْجِزُهُ، اقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) هَلْ تَرَوْنَ فِي الْكَذِبِ رُخْصَةً؟".
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْكَاذِبِ فِي حَدِيثِ النَّاسِ وَإِنْ صَدَقَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يُقْبَلُ حَدِيثُهُ.
وَالصَّحِيـــــــــــــحُ: أَنَّ الْكَاذِبَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا خَبَرُهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّ الْقَبُولَ مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ وَوِلَايَةٌ شَرِيفَةٌ؛ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمَنْ كَمُلَتْ خِصَالُهُ، وَلَا خَصْلَةٌ هِيَ أَشَرُّ مِنَ الْكَذِبِ، فَهِيَ تَعْزِلُ الوِلَايَاتِ وَتُبْطِلُ الشَّهَادَاتِ).ا.هـ
[الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان، للقرطبي: 10/ 422-423، ط. الرسالة]




رد مع اقتباس