الجزء الرابع
من أساليب المشغبة أنه إذا خالف منهج أهل السنة والجماعة في أصل ما مجمع عليه وإنتشرت هذه المخالفة ونشرها في المجتمعات الإسلامية ، فرد عليه وبين خطأه ومخالفته للسنة ثار وإنتفض قائلا متأثرا بما قاله المأربي الضال المضل في كتابه ( ضوابط وأصول التكفير والتفسيق عند أهل السنة والجماعة)
نقول: نعم الواجب شرعًا دعوة الناس إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والشفقة عليهم، والحرص على هدايتهم، والفرح باستقامتهم، والتألم لأعراضهمفأين الحرص على هداية الخلْق أولاً، والسعي في تبليغهم دين الله، وإزالة الشبهات عنهم – لهدايتهم لا للتسرع في إلقاء الأحكام عليهم إن لم ينقادوا إلى فهمكم في مسألة نصيحة الحكام التي لم يخالف فيها الشيخ قيد أنمة منهج السلف-؟
وأين التلطُّف في دعوتهم إلى الحق، وعدم إعانة شياطين الجن والإنس عليهم؟
نعم ما أحد يخالفك في هذا وهذا لا يتعارض مع بيان الأخطاء والمخالفات التي يقع فيها المخالف والذي خالف السنة وخرج بمخالفته عن فهم السلف سواء كان من أهل السنة أو من أهل البدع (( فالله سبحانه أثنى على هذه الأمة وميزها على سائر الأمم لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر قال تعالى:
( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله).
وذم الذين كفروا من بني إسرائيل ولعنهم لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه قال الله تعالى:( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبيس ما كانوا يفعلون).
فهذه شذرات من نصوص القرآن ومن كلام أئمة التفسير
أما السنة فقد كان رسول الله صلى الله وسلم يرد الأخطاء خطأ خطأ والشبهات شبهة شبهة ويقيم الحدود ومن تكرر منه ما يوجب إقامة الحد فقد كرر عليه الحد جلداً أو قطعاً وكان لا يقر على باطل أبداً صلى الله عليه وسلم وهذا كله إلى جانب بيان القرآن للحق بالتفصيل ودحضه للشبه والباطل بالتفصيل.......
ولما وقع الضلال كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بمثل قوله:" افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى إلى ثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال الجماعة" وفي رواية من روايات هذا الحديث " من كان على ما أنا عليه وأصحابي".
ومثل قوله :" لتتبعن سنن من كان قبلكم حذوا القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قيل اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال نعم".
تصدى لهذه الطوائف أفراداً وجماعات أئمة الهدى وأعلام الدجى من صفوة هذه الأمة، فردوا أباطيلهم وضلالاتهم فما جاؤا بضلالة ولا شبهة إلا دحضوها وبينوا زيفها وبينوا الحق بياناً واضحاً تأسياً بالقرآن والسنة في تزييف الباطل وإزهاقه وإظهار الحق.
وقد دونت أعمالهم وجهادهم في إنكار المخالفات وبيان حال أهلها وبيان بُعْدِ هذه المخالفات عن هدي الكتاب والسنة وبيان أحكام هذه المخالفات وأحكام أهلها من تبديع واستنكار.
لقد نهضوا بهذا البيان القائم على النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وحماية لدينهم في عدد من الكتب سواء كانت في مجال العقيدة كما في كتب العقائد، أو الأحكام كما في كتب الفقه وشروح الحديث، وفي باب الرواية ونقل السنة عن رسول الله صلى الله وسلم كما في كتب الرجال والعلل والكتب في ذلك لا تحصى.
وقد يتكلم على الخطأ الواحد عشرات من الأئمة وعلى العقيدة الفاسدة كذلك وفي الراوي عشرات الأئمة وقد يكون للرجل عشرات البدع فيتصدى له أحد العلماء فيفندها واحدة واحدة بالأدلة والبراهين، كما رد شيخ الإسلام ابن تيمية على ابن مطهر الحلي في كتابه " المنهاج" في تسع مجلدات، وكما رد على الرازي في " نقض التأسيس"، الذي يبلغ أربع مجلدات ولاحق الرازي في عدد من المؤلفات، وكما رد على البكري في كتاب "الاستغاثة الكبرى"، وكما رد على الأخنائي في كتابه " الرد على الأخنائي"، وكما رد ابن عبد الهادي على السبكي في كتابه " الصارم المنكي "، وقبلهم رد الإمام عثمان بن سعيد الدارمي على بشر في كتابه " الرد على بشر المريسي".
وقد يكون للطائفة عشرات البدع فيتصدى لها أحد العلماء فلا يترك لها شادة ولا فادة وقد يتصدى لها عدد من العلماء كل يطيل النفس في مناقشة ضلالاتها، والأمثلة على ذلك كبيرة، كما رد الإمام أحمد والإمام الدارمي على الجهمية وكما رد الإمام الشافعي على المعتزلة والروافض الطاعنين في السنة عموما وعلى الطاعنين في أخبار الآحاد خصوصاً في كتابيه " الرسالة" و" جماع العلم"وكما رد البخاري على الجهمية وغيرهم في " خلق أفعال العباد" وكما رد الخلال والآجري وابن بطة واللالكائي وغيرهم من أئمة الإسلام على طوائف أهل البدع.
فكم من إمام تناول عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء والجاحظ والنظام وأمثالهم، وكم من إمام تناول كتبهم وفند ما فيها من الضلالات.
ولم يقف أئمة السنة عند نقد واستنكار ضلالات أهل الضلال بل تجاوزوا ذلك إلى نقد العلماء وعلى رأسهم كبار علماء السنة والحديث في أخطائهم.
فقد انتقد الإمام الليث بن سعد الإمام مالكاً في مسائل مشهورة، بل انتقد الإمام الشافعي شيخه الإمام مالكاً في مسائل كثيرة، وانتقد أحمد إسحاق والشافعي وغيرهما، بل انتقد أبو حاتم وأبو زرعة الإمام البخاري في كتابه "التاريخ" في عشرات الأسماء.
وانتقد الدارقطني الإمامين البخاري ومسلماً في حوالي مأتي حديث، وانتقد البيهقي الطحاوي في كثير من المسائل.
وكما انتقد أبو الحسين بن القطان الفاسي في كتابه " بيان الوهم والإيهام " الذي يبلغ خمس مجلدات، الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه " الأحكام".
كما انتقد أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الدمشقي في كتابه " عجالة الإملاء المتيسرة" في خمس مجلدات، انتقد فيها الحافظ المنذري في كتابه " الترغيب والترهيب"،وهذه أمور لا تحصى .
وهذا المنهج هو الذي عليه أئمة الدين سلفاً وخلفاً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه ا الله ـ ذاكراً من يجوز ذمه من الأنواع، وليس ذلك من الغيبة، كالكافر، والفاجر، والفاسق، والظالم، والغوي، والضال، والحاسد ...
إلى أن قال ":وأما الشخص فيُذكر ما فيه من الشر في مواضع"
وذكر منها : المظلوم يذكر ظالمه بما فيه، وساق الأدلة على ذلك، ثم قال :"ومنها : أن يكون على سبيل النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم، كما في الحديث الصحيح عن فاطمة بنت قيس لما استشارت النبي - صلى الله عليه وسلم - من تنكح ؟ . قالت : إنه خطبني معاوية وأبوجهم، فقال:"أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبوجهم فرجل ضَرَّاب للنساء" .
فكان هذا نصحاً لها وإن تضمن ذكر عيب الخاطب .
وفي معنى هذا نصح الرجل فيمن يعامله، ومن يوكله، ومن يوصي إليه، ومن يستشهده، بل ومن يتحاكم إليه، وأمثال ذلك.
وإذا كان هذا في مصلحة خاصة فكيف بالنصح فيما يتعلق به حقوق عموم المسلمين من الأمراء، والحكام، والشهود، والعمال أهل الديوان وغيرها؛ فلا ريب أن النصح في ذلك أعظم، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "الدين النصيحة، الدين النصيحة "قالوا : لمن يا رسول الله؟. قال:" لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم .
ثم تحدث عن وجوب الكلام في نَقَلَة الحديث، الذين يغلطون، أو يكذبون، وأنه من باب المصالح الدينية العامة والخاصة .
ثم ثنى بالكلام على أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة؛ فقال:" فإن بيان حالهم، وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل : الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك، أو يتكلم في أهل البدع ؟ . فقال : "إذا صام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين".
فتبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم، من جنس الجهاد في سبيل ا الله؛ إذ تطهير سبيل ا الله، ودينه، ومنهاجه، وشرعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك؛ واجب على الكفاية باتفاق المسلمين".
ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً .
وأعداء الدين نوعان : الكفار والمنافقون .
وقد أمر الله بجهاد الطائفتين في قوله :{ جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } في آيتين من القرآن .
فإذا كان أقوام منافقون، يبتدعون بدعاً تخالف الكتاب، ويلبسونها على الناس، ولم تُبَيّن للناس؛ فسد أمر الكتاب، وبدل الدين، كما فسد دين أهل الكتاب قبلنا بما وقع فيه من التبديل الذي لم ينكر على أهله .
وقال ابن القيم - رحمه الله- في مدارج السالكين
معلقاً على قول أبي إسماعيل الأنصاري رحمه الله :" وتخلص من رعونة المعارضات "، قال ابن القيم :" يريد أن هذه الملاحظة تخلص العبد من رعونة معارضة حكم الله الديني والكوني الذي لم يأمر بمعارضته فيستسلم للحكمين فإن ملاحظة عين الجمع تشهده أن الحكمين صدرا عن عزيز حكيم فلا يعارض حكمه برأي ولا عقل ولا ذوق ولا خاطر".
ثم ذكر ما معناه أن أمر الله لا يعارض بالشهوة وخبره بالشك والشبهة وأن المؤمن الواعي يخلص قلبه من هاتين المعارضتين ، وهذا القلب الذي هذا حاله هو القلب السليم الذي لا يفلح إلا من لقي الله به.
ثم قال:" وأما أهل الإلحاد فقالوا المراد بالمعارضات ههنا الإنكار على الخلق فيما يبدو منهم من أحكام البشرية لأن المشاهد لعين الجمع يعلم أن مراد الله من الخلق ما هم عليه فإذا علم ذلك بحقيقة الشهود كانت المعارضات والإنكار عليهم من رعونات الأنفس المحجوبة وقال قدوتهم في ذلك العارف: لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر وهذا عين الاتحاد والإلحاد والانسلاخ من الدين بالكلية وقد أعاذ الله شيخ الإسلام من ذلك وإذا كان الملحد يحمل كلام الله ورسوله ما لا يحتمله فما الظن بكلام مخلوق مثله فيقال إنما بعث الله رسله وأنزل كتبه بالإنكار على الخلق بما هم عليه من أحكام البشرية وغيرها فبهذا أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وانقسمت الدار إلى دار سعادة للمنكرين ودار شقاوة للمنكر عليهم فالطعن في ذلك طعن في الرسل والكتب والتخلص من ذلك انحلال من ربقة الدين ومن تأمل أحوال الرسل مع أممهم وجدهم كانوا قائمين بالإنكار عليهم أشد القيام حتى لقوا الله تعالى وأوصوا من آمن بهم بالإنكار على من خالفهم وأخبر النبي أن المتخلص من مقامات الإنكار الثلاثة ليس معه من الإيمان حبة خردل وبالغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد المبالغة حتى قال إن الناس إذا تركوه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده وأخبر أن تركه يمنع إجابة دعاء الأخيار ويوجب تسلط الأشرار وأخبر أن تركه يوقع المخالفة بين القلوب والوجوه ويحل لعنة الله كما لعن الله بني إسرائيل على تركه فكيف يكون الإنكار من رعونات النفوس وهو مقصود الشريعة وهل الجهاد إلا على أنواع الإنكار وهو جهاد باليد وجهاد أهل العلم إنكار باللسان".
وقال الحافظ ابن رجب ـ رحمه الله ـ :
" اعلم أن ذكر الإنسان بما يكره محرم؛ إذا كان المقصود منه مجرد الذم، والعيب، والنقص.
فأما إذا كان فيه مصلحة لعامة المسلمين، أو خاصة لبعضهم، وكان المقصود به تحصيل تلك المصلحة؛ فليس بمحرم، بل مندوب إليه.
وقد قَرَّرَ علماء الحديث هذا في كتبهم في الجرح والتعديل، وذكروا الفرق بين جرح الرواة وبين الغيبة، وردوا على من سوى بينهما من المتعبدين وغيرهم ممن لا يتسع علمه .
ولا فرق بين الطعن في رواة ألفاظ الحديث، ولا التمييز بين ما تُقبل روايته منهم ومن لا تُقبل، وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة، وتأول شيئاً منها على غير تأويله، وتمسك بما لا يتمسك به؛ ليحذر من الاقتداء به فيما أخطأ فيه.
وقد أجمع العلماء على جواز ذلك ـ أيضاً ـ.
ولهذا تجد في كتبهم المصنَّفة في أنواع العلوم الشرعية من : التفسير، وشروح الحديث، والفقه، واختلاف العلماء، وغير ذلك؛ ممتلئة من المناظرات، وردّوا أقوال من تضعف أقواله من أئمة السلف والخلف، من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، ولم يترك ذلك أحد من أهل العلم، ولا ادعى فيه طعناً على من رد عليه قوله، ولا ذماً، ولا نقصاً ... اللهم إلا أن يكون المصنِّف ممن يفحش في الكلام، ويسيء الأدب في العبارة؛ فيُنكَر عليه فحاشته وإساءته، دون أصل رده ومخالفته؛ إقامة بالحجج الشرعية، والأدلة المعتبرة .
وسبب ذلك: أن علماء الدين كلهم مجمعون على قصد إظهار الحق، الذي بعث الله به رسوله- صلى الله عليه وسلم - ، وأن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمته هي العليا.
وكلهم معترفون بأن الإحاطة بالعلم كله من غير شذوذ شيء منه ليس هو مرتبة أحدٍ منهم، ولا ادعاه أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين.
فلهذا كان أئمة السلف المجمع على علمهم وفضلهم، يقبلون الحق ممن أورده عليهم وإن كان صغيراً، ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحق إذا ظهر في غير قولهم، كما قال عمر - رضي الله عنه -في مهور النساء، وردت المرأة بقوله تعالى {وآتيتم إحداهن قنطاراً}. …فرجع عن قوله، وقال :" أصابت امرأة ورجل أخطأ ".
ورُوِيَ عنه أنه قال :" كل أحد أفقه من عمر ".
وكان بعض المشهورين إذا قال في رأيه بشيء يقول : "هذا رأينا؛ فمن جاءنا برأي أحسن منه قبلناه".
وكان الشافعي (150 ـ 204 هـ) يبالغ في هذا المعنى، ويوصي أصحابه باتباع الحق، وقبول السنة إذا ظهرت لهم على خلاف قوله، وأن يُضرب بقوله حينئذٍ الحائط، وكان يقول في كتبه : "لا بد أن يوجد فيها ما يخالف الكتاب أو السنة؛ لأن ا الله تعالى يقول{ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } .
فحينئذٍ فَرَدُّ المقالات الضعيفة، وتبيين الحق في خلافها بالأدلة الشرعية، ليس هو مما يكرهه أولئك العلماء، بل مما يحبونه ويمدحون فاعله، ويثنون عليه؛ فلا يكون داخلاً في باب الغيبة بالكلية.
فلو فُرِضَ أن أحداً يكره إظهار خطئه المخالف للحق؛ فلا عبرة بكراهته لذلك، فإن كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفاً لقول الرجل ليس من الخصال المحمودة.
بل الواجب على المسلم أن يحب ظهور الحق ومعرفة المسلمين له، سواء كان في موافقته أو مخالفته .
وهذا من النصيحة لله، ولكتابه، ورسوله، ودينه، وأئمة المسلمين، وعامتهم، وذلك هو الدين، كما أخبر به النبي- صلى الله عليه وسلم -.
وأما بيان خطأ من أخطأ من العلماء قبله، إذا تأدب في الخطاب، وأحسن الرد والجواب؛ فلا حرج عليه، ولا لوم يتوجه إليه، وإن صدر منه من الاغترار بمقالته فلا حرج عليه .
وقد كان بعض السلف إذا بلغه قول ينكره على قائله يقول : "كَذَبَ فلان" .
ومن هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" كذب أبو السنابل " لَمَّا بلغه أنه أفتى : أن المتوفَّى عنها زوجها إذا كانت حاملاً لا تحل بوضع الحمل، حتى تأتي عليها أربعة أشهر وعشراً .
وقد بالغ الأئمة الورعون في إنكار مقالات ضعيفة لبعض العلماء، وردها أبلغ الرد، كما كان الإمام أحمد ينكر على أبي ثور وغيره مقالات ضعيفة تفردوا بها، ويبالغ في ردها عليهم .
هذا كله حكم الظاهر .
أما في باطن الأمر؛ فإن كان مقصوده في ذلك مجرد تبيين الحق، ولئلا يغتر الناس بمقالات من أخطأ في مقالاته؛ فلا ريب أنه مثاب على قصده، ودخل بفعله هذا بهذه النية في النصح لله، ورسوله، وأئمة المسلمين، وعامتهم .
وسواء كان الذي بين الخطأ صغيراً أم كبيراً، فله أسوة بمن رد من العلماء مقالات "ابن عباس" التي يشذ بها
وأنكرت عليه من العلماء، مثل : المتعة، والصرف، والعمرتين، وغير ذلك .
ثم ذَكَرَ :
أن العلماء ردوا مقالات لمثل : "سعيد بن المسيب"، و"الحسن"، و"عطاء"، و"طاووس"، وعلى غيرهم، ممن أجمع المسلمون على هدايتهم، ودرايتهم، ومحبتهم، والثناء عليهم
ولم يعد أحد منهم مخالفوه في هذه المسائل طعناً في هؤلاء الأئمة، ولا عيباً لهم .
وقد امتلأت كتب أئمة المسلمين من السلف والخلف بتبيين هذه المقالات وما أشبهها، مثل : "كتب الشافعي"، و"إسحاق"، و"أبي عبيد"، و"أبي ثور"، ومن بعدهم من أئمة الفقه والحديث.
وإما مراد الراد بذلك : إظهار العيب على من رَدَّ عليه وتنقصه، وتبيين جهله، وقصوره في العلم، سواء كان رده لذلك في وجه من رَدَّ عليه أو في غيبته، وسواء كان في حياته أو بعد موته، وهذا داخل فيما ذمه الله في كتابه، وتوعد عليه، في الهمز واللمز، ودخل ـ أيضاً ـ في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه؛ لا تؤذوا المسلمين، لا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته" .
وهذا كله في حق العلماء المقتدى بعهم في الدين.
فأما أهل البدع والضلالة، ومن تَشَبَّه بالعلماء وليس منهم ، فيجوز بيان جهلهم، وإظهار عيوبهم، تحذيراً من الاقتداء بهم.
وليس كلامنا الآن في هذا القبيل، والله أعلم.
ومن عُرف منه أنه أراد برده على العلماء النصيحة لله ورسوله؛ فإنه يجب أن يعامل بالإكرام، والاحترام، والتعظيم، كسائر علماء المسلمين الذين سبق ذكرهم، وأمثالهم، ومن تبعهم بإحسان.
ومن عُرف أنه أراد برده عليهم التنقيص، والذم، وإظهار العيب ؛ فإنه يستحق أن يقابل بالعقوبة؛ ليرتدع هو ونظراؤه عن هذه الرذائل المحرمة.
أقول :……
هذا هو منهج الله الذي شرعه في كتبه وعلى ألسنة رسله وهو توضيح دين الله عقيدة وعبادة وأحكاماً بالحجج والبراهين والجد في إبطال ما يضاده في أي جانب من جوانبه دق أو جل مهما كان مصدر هذه المضادة والمخالفة طالحين أو صالحين، ولو كانوا أئمة مجتهدين فكيف بالمبتدعين والضالين الجاهلين الأفاكين .
وعلى هذا المنهج سار علماء الإسلام وأئمته وأعلامه من فجر تأريخ الإسلام إلى يومنا هذا حماية للإسلام وذباً عن حياضه.
ولقد كان من عهود سابقة من يعارض هذا المنهج وعلى رأسهم الصوفية ثم تلقى هذا عنهم غلاتهم وملاحدتهم كما مر بك من كلام الإمام ابن القيم ثم رفع راية هذه المعارضة أهل الفتن والتحزب المقيت في هذا العصر وطوروا هذه المعارضة ودعموها بطرق وأساليب ماكرة لا يعرفها حتى غلاة الصوفية ومنها:
1- الحملات الشعواء بالأكاذيب والشائعات على من يرد ضلالات زعمائهم الباطلة ولو كانت طعناً في الأنبياء أو الصحابة ولو كانت إلحاداً كالحلول ووحدة الوجود وتفننوا جداً في نشر هذه الشائعات والحرب واستخدموا في إشاعتها وتعميمها كل الوسائل والطرق من الأشرطة والكتب إلى شبكات الإنترنيت لتصل لكل أحد.
2- كل هذا لنصرة الباطل وأهله وإسقاط الحق وأهله وإسقاط هذا المنهج العظيم الذي يرفع راية الحق ويسقط راية الباطل ومن هنا ركزوا على إسقاط علمائه لأن بإسقاطهم يسقط المنهج على الطريقة الماسونية " إذا أردت إسقاط فكرة فعليك بإسقاط رجالها".
3- إلباس أنفسهم لباس السلفية والتشبث بهذا الاسم والاستماتة في الذب عمن يلبسه ولو كان عنده أقل نسبة من السلفية يتظاهر بها للخداع والمكر والكيد.
4- دعاوى التأصيل وما أدراك ما دعاوى التأصيل ، إنه القذف بالأصول الباطلة لحماية أهل البدع والمحامات عن بدعهم وضلالاتهم ولضرب أصول أهل السنة وإسكات أهل الحق، ولمخادعة الشباب الغر الذي ينتمي إلى المنهج السلفي ثم الاستيلاء على عقولهم ومشاعرهم ليكونوا في الأخير جنداً لهم يوالون ويعادون من اجلهم ومن أجل أباطيلهم المغلفة بالتأصيل وبالسلفية.
وإني لأدعو أهل السنة علماء ودعاة إلى الحق ناصحين ومؤهلين إلى الاهتمام بهذا المنهج العظيم والنهوض به كما نهض به أسلافهم الكرام؛ لأنه منهج الله ومنهج رسله الكرام ، ومنهج أئمة الإسلام.
وبالنهوض به يظهر دين الله الحق وتكون كلمة الله هي العليا وكلمة أهل الكفر وأهل البدع والضلال هي السفلى
وبإهماله والتقصير فيه ينتفش وينتشر الباطل في مشارق الأرض ومغاربها كما حصل في العصور التي أهمل فيها هذا المنهج أو حصل التقصير فيه والإخلال به ، حتى يأتي الله بمن ينهض بهذا المنهج فيظهر الله بهم الحق كما حصل ذلك بالإمام ابن تيمية وتلاميذه ثم بعد قرون بالإمام محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه، وغبرهم ممن يظهر الله على أيديهم الحق.
واليوم قد استفحل أمر أهل الضلال وأمر أهل الإلحاد وغزوا أهل السنة في عقر دارهم وحققوا كثيراً من أهدافهم في كثير من شباب أهل السنة.
وعليه فلابد من النهوض بهذا المنهج الذي يعلي الحق ويزيل الباطل أو يذله وبه تعود الأمة أو يعود منهم من أراد الله به خيراً إلى الكتاب والسنة وإلى ما كان عليه السلف الصالح
نسأل الله أن يوفق علماء السنة لما يحب ويرضى ولما يقود الأمة إلى شاطئ النجاة، وأن يجمع كلمتهم وكلمة الأمة على الحق، إن ربنا لسميع الدعاء.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً
كتبه : ربيع بن هادي عمير المدخلي
في 17 جمادى الآخرة من عام 1424هـ )) انتهى نقلا من كتاب ( رد كل المنكرات والأخطاء منهج شرعي في كل الرسالات وسار عليه السلف الصالح الأجلاء




رد مع اقتباس
