بارك الله في الجميع على مرورهم ، وجزكم الله خيرا على تعليقاتكم ، وأخص بالذكر الأخ أبا معاذ - وفقه الله - الذي علق على الموضوع في سحاب على تعليقه الطيب ، ولكن يبدوا أنه ما فهم قصدي ، فأنا لم أقل أنه لا ينبغي الهدم مع القدرة واستئذان أولياء الأمور ، فذلك أمر مشروع ، مادام ولي الأمر هو من أمر به ، أو رب الأسرة بعد أذن ولي الأمر ، لذلك قدمت شكر السلفيين لأولياء الأمور في ليبيا ونسأل الله تعالى أن يحذو حذوهم غيرهم في بلاد الإسلام التي فيها القباب الأضرحة التي تعبد من دون الله ..كان قصدي أنه لا ينبغي أن نهمل الجانب العقدي ،كما فعله بعض الشباب المتهور في بلادنا أيام ، بل ينبغي أن نأخذ الأمر بجدية من الجانبين الجانب التطبيقي العملي والجانب العلمي الدعوي ، مع الرجوع للأولياء الأمور علماء وحكاما، فلا يحسن بنا أن نتحمس للهدم وننسى الدعوة إلى تحقيق التوحيد واقتلاع جذور الشرك من قلوب أولئك الذي وقعوا في شرك القبور ، ودعاء الأموات ، واعلم رحمك الله أن القدرة على تغيير المنكر تختلف من شخص لآخر لذلك علق النبي صلى الله عليه وسلم تغيير المنكر على اليد واللسان والقلب ، بقوله :<< مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ>> مسلم 186 ومسند لحمد (3/10). فتغيير المنكر باليد لا يكون إلى لولاة الأمور ، ولمن ولاه الله شيئا من المسئولية سواء كانت أسرة أو مؤسسة إلى أن تصل إلى رئيس الدولة وإمامها ، لقول عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :<< كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ - وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ>>. البخاري (893 )ومسلم (4828).فالنبي صلى الله عليه وسلم حدد المسؤوليات وحمل كل مسئول مسئولية من تولاهم ، وحمل مسئولية ولاة الأمور بالدرجة الأولى أن يتركوا الحبل على الغالب لأولئك الذين يزعمون أنهم لهم القدرة في حدود مواقعهم ومراكزهم فقال : مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا.البخاري ( 2493) وأخرجه بلفظ آخر برقم( 2686) حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الشَّعْبِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَثَلُ الْمُدْهِنِ فِي حُدُودِ اللهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا مَثَلُ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَةً فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلاَهَا فَكَانَ الَّذِي فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلاَهَا فَتَأَذَّوْا بِهِ فَأَخَذَ فَأْسًا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ فَأَتَوْهُ فَقَالُوا مَا لَكَ قَالَ تَأَذَّيْتُمْ بِي ، وَلاَ بُدَّ لِي مِنَ الْمَاءِ فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ ، وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ>>. ومسند أحمد (4/268). وأما تغيير المنكر باللسان فهو للعلماء وطلبة العلم ، فقد اخذ الله تعالى عليهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه ، وهو أيضا للعوام في الأمور الواضحة العامة ،المعلومة ، وتغيير المنكر بالقلب فهو لضعاف الإيمان من كل جنس .. وقولك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن له القدرة على الهدم غير صحيح ، بل كان باستطاعته أن يهدم هبل وغيره من الأصنام التي حوله ، وأن يفعلها كما فعلها أبوه إبراهيم من قبله وحاجهم بها ، أضف إلى ذلك أنهم عرضوا عليه الملك والسلطان فرفضه فلو كان يريد القدرة والقوة لملكها بذلك ، وأيضا قد كان مؤيدا بالوحي والملائكة والله عاصمه من أعدائه ، ومستجيب له دعاءه ، لا يخيبه ولا يرده ، فعنَ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ ، أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُون. أخرجه البخاري برقم (3612) وفي باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر برقم (6943) وأحمد (5/111).هذه هي العجلة التي أفسدت على كثير من الشباب دينهم ودعوتهم في التغيير ، وهذا هو التسرع الذي أفسد على كثير من الدعاة والجماعات دعوتهم وقديما قيل : من تعجل شيئا قبل أوانه عقب بحرمانه ..والنبي صلى الله عليه وسلم في قوله لخباب : {ولكنكم تستعجلون }}أراد أن يربط الأسباب بالمسببات ، ويوجه أمته إلى الوجهة الصحيحة وهي التربية الصحيحة ، المتمثلة في التخلية والتحلية ، حتى تكون الأمور منضبطة بدقة والأسباب مرتبطة بأسبابها فكان يقتلع الشرك من جذور قلوب الرجال الذين ربى فيهم التوحيد الصحيح الذي خالط سويداء قلوبهم فظهرت ثمرته في تحمل المشاق والصبر ليحملوا عبأ هذا الدين ويضحوا بالغالي والنفيس في سبيل إقامة دين الله حتى يعبد الله وحده لا شريك له ..ثم ينبغي أن فهم جيدا ما هو ضابط القدرة الذي يخول لنا أن نغير المنكر باليد ، كما ينبغي أن نفهم أنه لا يجوز تغيير منكر بمنكر آخر أكبر منه أو مثله ، فإذا ترتبت مفسدة على تغيير المنكر مثل المنكر الذي يراد تغييره أو أكبر منه فهذه القدرة سقطت ولا اعتبار لها شرعا ، فترك المنكر أولى من تغييره بمنكر أكبر منه ، مع القدرة أيضا لأزالته بطريقة أخرى ، وتغير منكر بمنكر مثله هذا تحصيل حاصل فما فائدة تغييره ، نهدم القبور والناس يعبدونها في بيوتهم ، أو يذهبون إلى قبور أخرى ولو كانت بعيده فهم يتحملون المشاق من أجل معبوداتهم الباطلة وينفقون في سبيلها الأموال الطائلة ، على خلافنا لا نتحمل أدنى المشاق من أجل الله تعالى رب العالمين ، ونتسرع ونستعجل الثمرة ...والله تعالى لم يكلفنا فوق طاقتنا ولكنه كلفنا الدعوة إلى دينه والتبليغ عنه في حدود ما تعلمنا وعملنا ، ولا يسألنا يوم القيامة عما وراء ذلك ، قال تعالى : {{وما على الرسول إلا البلاغ }} وقال صلى الله عليه وسلم << بلغوا عني ولو آية ..>> وقال :<< وليبلغ الشاهد الغائب >> إشارة منه إلى حمل هذا الدين الذي تعلمه المرء إلى غيره من الناس ، في حدود علمه ومعرفته واستطاعته ، أما هدم الأضرحة والأصنام التي كانت تعبد من دون الله في عهده صلى الله عليه وسلم فهذا كان بأمره بعد فتح مكة وإقامة دولة التوحيد ، ولا يضر أن يبقى بعض مرضى القلوب بذلك بين الأمة التي تغلل التوحيد في أعماقها فلم يعد لها شأن إلا الدعوة إلى إقامة دينه حتى يئس الشيطان أن يعبد في أرضها في جزيرة العرب ، ولم يمر إلا زمن يسير حتى أسلم الباقية عن طواعية ..أما والحال على ما هي عليه في بلاد الإسلام ومنها ليبيا من الطائفيات والحزبيات ، والصراعات الفكرية من ليبراليين وشيوعيين وعلمانيين وصوفية باطنية وشيعة خفية وبقايا النظام الهالك الذين لا يعنيهم شيء من عقيدة التوحيد إلا محاربتها فهؤلاء حتى لو كانت القدرة وكان ذلك بإذن ولاة الأمور فإنه لا يرضيهم ذلك ، كما لا يرضي أصحاب عباد القبور ، وسيبقى الكثير منهم يحرضون على ذلك ، ويسعون في الأرض بالفساد وإقامة تلك المقامات لو وجدوا إلى ذلك سبيلا ...أما دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بعد إقامة التوحيد وهدمه لتلك الأضرحة والأصنام فإنه لم يفعل ذلك حتى استقام عمود التوحيد في أغلبية قلوب أتباعه، وقد قضى على الشرك بعد فتح مكة ، وقد استجاب من بقي منهم ممن كان يستنكر أثناء الهدم ، ومن لم يستجب فقد أعلنها النبي في حقهم بقول الله تعالى :{{ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)}}.المهم يا إخواني ، ويا أبنائي أن تتسرعوا وتتصرفوا من تلقاء أنفسكم دون الرجوع إلى أهل العلم ، وأولياء أموركم وتعاونوا معهم على الخير و بالمعروف ، وأن تهتموا بالدعوة إلى التوحيد فهي دعوة الأنبياء ، ولا تهتموا بالدعوة إلى تكثير السواد والأنصار دون الاهتمام بالدعوة إلى تصحيح الفهم الخاطئ في الاعتقاد عند الناس ممن يعتقدون في الأموات وأصحاب الأضرحة وغيرهم من أهل الشرك والخرافة والدجل والسحر وغير ذلك من أنواع الكفر ، فتخليص شخص واحد من ذلك خير من الدنيا وما فيها قال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه :<< انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ >>. البخاري (3009) باب فضل من أسلم على يديه رجل.ومسلم (2406) وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ -رضي الله عنه- :<< إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى ..>> البخاري (7372) كتاب التوحيد ما جاء في دُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.ومسلم برقم (19)بلفظ إلى عبادة الله عز وجل .
نسأل الله تعالى أن يبصرنا بالحق وأن يؤيدنا به وأن يوفقنا للعمل به إنه ولي ذلك والقادر عليه .ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم .وكتب :
محب العلم والإنصاف ... على طريقة صالح الأسلاف
أبو بكر يوسف لعويسي