الأمر الثاني : قد أجاد الشيخ بن حنفية في إراد النصوص الحاثة والدالة على المحبة والمودة والتعاون والمأزرة والائتلاف والإجتماع ونبذ الفرقة والاختلاف ، كيف لا وهي أشرف المقاصد يسعى أهل الإيمان إلى تحقيقها والمحافظة عليها ، بل هي أجل الأعمال ، وأنبل الخصال ، وهي قرة عيون الموحدين ، وبهجة صدور السلفيين ، ولكن نقول : يا بن حنفية على ماذا نجتمع ؟ وعلى ماذا نتحاب ؟ وعلى ماذا نتعاون ؟
هل نجتمع على إماتت عقيدة الولاء والبراء في الله التي ميعتها الجمعيات الحزبية لما قد جمعت في نواديها صنوف من أهل الضلال ؟!! هل نتحاب مع أهل البدع ونجلس إليهم ونسمع لهم ونماشيهم ؟!!
هل نتعاون على هدم أصول السنة المجمع عليها وتشويه سمعة أهلها ؟!! هل نتفق على المعاملة مع البنوك الربوية ونداهن على تصوير ذوات الأرواح ؟!! وإلى غير تلك البلاوي التي تجمعها الجمعيات مما هي ظاهرة البطلان مخالفة ما عليه أهل الحق والإيمان المتمسكون بمحكم القرآن .
يا شيخ بن حنفية إن كنت تريد هذا ، فهذا منك قول وخيم وتلبيس منك شره عظيم .
وما إخالك أنك تريد هذا ، وإن أحسنا فيك الظن فكنت ممن " يقولون أقولا ولا يعلمونها .... ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا "
وذلك أنك قلبت نظرك في أرجاء أمتك الجزائرية ، فرأيت ما أستولى على شبابها من الجهل والضياع والفساد ، مع ما تعج به الأمة من الفتن وشيوع أهل التضليل و الإفساد ، فكبر العلاج عندك وغابت عنك وسائله وضاقت عليك طرقه ، وأصبحت لا ترى العلاج إلا من الوسائل التي أصطنعتها وأخترعتها اليهود من الجمعيات الحزبية وضرورة إلى إنشاء الأحزاب الإسلامية التي عمت وطمت وشاعت وذاعت في هذا الزمان ، حيث أصبحت محطة أنظار دعاة الجماعات الإسلامية الذين أنهكت عاتقهم السياسة و أصبحوا لا يرون الإصلاح إلا من فوق ، مع قلة إعتدادهم بالنصوص و إن أحتاجوا إلى ذكرها ذكروها تعسفا بدون مبالاة لا يهمهم سلامة الدليل ولا صحة الاستدلال .
ومن ذلك قولك في كتابك " هل الحزبية وسيلة للحكم بما أنزل الله " ( 98 ـ 100 ) : (( بلد غير قائم على حكم بما أنزل الله يفتح التعددية الحزبية دون قيود على مضمون البرامج ولا تتوفر فيه إمكانية للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المستوى العام إلا بهذه الوسيلة فقد يقال هذا موضع نظر ....
لكني أعود فأقول : إنني بعد هذا أرى أن الحاكم إذا لم يحكم بما أنزل الله ولم يكن حمله على ذلك ولا خلعه وجرى النظام الذي يشرف عليه على الإذن بتأسيس الأحزاب وكانت برامجها حرة وأقيمت على أسس شرعية ولم تؤسس لمجرد المشاركة في الحكم بغير ما أنزل الله وتعين هذا الأسلوب وسيلة وحيدة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على النطاق العام فإنها مما ينبغي الإقدام عليه للضرورة المرحلية ولا يبعد أن يقال بتعينها والحجة في ذلك أنه في هذه الحالة لا توجد جماعة للمسلمين قائمة بالشرع حتى يزعم أن هذا خروج عليها أو هذا تفريق للدين إلى غير ذلك مما جاء النهي عنه ضمن النصوص المانعة من التفرق والاختلاف وهي الأصل الأصيل في المنع من التحزب لكني أوضح بأنها حالة مفترضة لا أرى أن في الدول الإسلامية ما تنطبق عليه .
وأزيد هذا الأمر وضوحا فأقول : إن حصول الحاكم في الإسلام على الشرعية يتوقف على أمور : ....
وإذا كان جمهور العلماء قد أقروا حكم المتغلب سدا لذريعة الفتنة وحدث بعض التساهل في أهلية الحاكم الذاتية والعلمية مراعاة للأوضاع فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة لتحكيم الشرع فمن لم يحكم الشرع
فلا شرعية لحكمه عندهم ولا انعقاد لبيعته ولا نفوذ لولايته ، لأن تفرق الأمة على الحق أولى من اجتماعها على الباطل ، ولما كانت دول المسلمين ليست متساوية في هذا الأمر الأخير ، وحيث قلنا بأن حكم هذا الحكام غير شرعي ولا معتبر فهو كالعدم وحيث إن الخروج عليه لا يقال به ، إما لكونه لم يظهر عليه الكفر البواح ، وهذا هو الحق ، أولأنه لا جدوى منه للمضار الناشئة عن ذلك كما هو مشاهد معيش لذلك كله فإن تأسيس الأحزاب يكون في هذه الحالة مشروعا إذا أمكن تحقيق المصلحة كما تقدم لا لمجرد المشاركة في الحكم . ))
إلى أن قال في ( ص 103 ) : (( وهناك حالة أخرى وهي ما إذا كان البلد غير مسلم وتوقف دفاع المسلمين عن مصالحهم في غير دار الإسلام على وجود حزب سياسي فهذا والله أعلم لا مانع منه ، أو قل إن المسوغ أقوى من المانع .)) ا.هـ
إن في كلامه هذا خلط وخبط عجيب وتعقيد غريب ، ومجازفة ناشئة عن قلة تأمُّل، وإحاطة بموارد الشريعة ومقاصدها ، وهذا يدل أن الرجل لم يحم حول العلم الموروث ولم يحظ بتقلب في أحضان منهج أهل الحديث ، فيقف على ما كانوا عليه من العقيدة السلفية السليمة والطرق الإصلاحية الصحيحة ، ويتبن ذلك إذا أفرزنا عباراته ووضحنا وجه مجزفاته وفظاعة تخبطاته وهذا ببيان الأمور التالية
الأمر الأول : إن المتأمل والمدقق في كلامه هذا ليقف على رداءة بضاعة الرجل العلمية وسوء تقريره للمسائل العقدية ، وأنه يهرف بما لا يعرف حيث أنه لم يتجاوز بعض الأسطر إذ به يقع في إضطراب عجيب وتذبذب فظيع ، وذلك أنه ذكر في بادئ أمره جواز تأسيس الأحزاب ، بل تعيينها في بلاد الإسلام التي لا يحكم حكامها بما أنزل الله تعالى بحجة أنها وسيلة وحيدة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويتبع هذا التأصيل الفظيع والتقعيد الشنيع قائلا "هذا شيء إفتراضي " ، وما ذاك منه إلا ذر الرماد في أوجه اتباعه ولتخفيف وطاءة الأنكار عليه ، ولكي يبقى له فسحة اللعب بين الحبلين ، ولكن من سوء حظه أنه إنكشف بهلوانه إذ رجف بعد ذلك بما يهدم ما بناه في بادئ أمره متناقضا فيما قرره حيث قال : " وإذا كان جمهور العلماء قد أقروا حكم المتغلب سدا لذريعة الفتنة وحدث بعض التساهل في أهلية الحاكم الذاتية والعلمية مراعاة للأوضاع فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة لتحكيم الشرع فمن لم يحكم الشرع فلا شرعية لحكمه عندهم ولا انعقاد لبيعته ولا نفوذ لولايته .... إما لكونه لم يظهر عليه الكفر البواح ، وهذا هو الحق ، أو لأنه لا جدوى منه للمضار الناشئة عن ذلك كما هو مشاهد معيش لذلك كله فإن تأسيس الأحزاب يكون في هذه الحالة مشروعا إذا أمكن تحقيق المصلحة كما تقدم لا لمجرد المشاركة في الحكم . "، فهذا منه واضح كل الوضوح أنه يريد المجتمعات المسلمة التي حكامها لم يُر منهم الكفر البواح كما هو المشاهد المعيش الذي يراه .
فأين هي مسألة إفتراضية التي يداعيها بن حنفية وهو قد وضح معالم وأسس التي يبنى عليها مسوغات تأسيس الأحزاب !!
والتي منها إذا لم تكن هذه البلاد تحكم بما أنزل الله تعالى ، وأنها ممن تجيز التعددية الحزبية ، وأن كون هذه الأحزاب وسيلة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأنها مما تحقق المصالح للإسلام ، وإلى غير تلك البواعث التي ذكرها مما هي مسوغات على مشروعية إنشاء الأحزاب الإسلامية في منظوره !!!
فتُرى هل لنا الآن بعد هذا التوضيح و البيان منه الدال على قوله بمشروعية إنشاء الأحزاب نأتي ونتعسف ونتكلف في النفي عنه ذلك ؟ ونعتذر له بأعذار باردة عليلة مما قد أوهنتها عباراته الواضحة الظاهرة كل الظهور على تقرير ما يريده من مشروعية إنشاء الأحزاب في الدول الإسلامية !!
والأمر كما قال الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله : ((من صنف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس )) ا.هـ ([1]) .
فأي طبق ومأدبة تدعو الأمة السنية إليها ياأباعبدالقادر !! وهي قد جمعت صنوف من الأطعمة الخبيثة تفوح منها الروائح المنتنة مما تستهجنها النفوس الطيبة وتستقذرها الفطر السليمة ، وإن كان قد يفرح بها الديمقرطيون والأسلاميون الذين أنهكتهم السياسية المستحدثة فهؤلاء يرحبون بكل فكرة عاطلة وقولة باطلة ويستشفون بكل خبيث ويؤثرون كل الضار القبيح على النافع الصحيح وما ذاك إلا لاستحكام مرض القلب فيهم المتمثل في مرض الشبهات والشهوات ، والقلب إذا فسد ورن فسد عليه تصور الحق على حقيقته المورادة فلا يرى الحق حقا أو يراه على خلاف ما هو عليه أو ينقص إدراكه له فيبغض الحق النافع و يحب الباطل الضار ، فمن كان بهذه الحالة فهو محتاج إلى العلاج والرعاية والتعهد والنظر في أنفع الطرق والوسائل التي تعالجه مما جاءت بها الشريعة من دعوته إلى السنة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن فإن لم ينفع ذلك كله فإن آخر العلاج الكي .
فبالله عليكم يا أيها القراء ، هل من كان مصابا بهذه الأمراض يصح أن يقود زمام الأمة ويرتقي بها إلى المراتب العلية وهو مأسور بين يدي الشيطان ويتقلب بين الشهوات والشبهات فلا يتحرك حركة إلا بأذنهم وإيعازهم ، فنريد منكم جزاكم الله خيرا جوابا مبني على الإنصاف بعيد عن التكلف والاعتساف وإياكم من الشطط والاجحاف .
وإلا فقد بينت المرحلة السوداء التي مرت بها بلادنا الحبيبة الجزائر الغراء وما لقته من المحن والبلاء من جراء تصرفات الغوغاء حقيقة الغيرة على الإسلام المنشودة التي يدعيها الأحزاب الإسلامية وكشفت لنا نقاب ضرورية دخول البرلمانات والمشاركة في الانتخابات لغرض الدفاع عن حقوق الإسلام وأهله وإسترجاع الخلافة المفقودة وأظهرت لنا حقيقة قناع معمعة الإسلاميين على صندوق الإقتراع وهم تحت مظلة الديموقراطية وفي بنودها يتراوحون لا يتقدمون ولا يتأخرون ، على سيادتهم الحزبية يبكون وعلى شباب الأمة يضحكون ، " والسعيد من وعظ بغيره " ، و " لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين " .
فيا أهل الإسلام ويا من نصبتم بن حنفية العابدين في مصاف الأعلام ، بالله عليكم تعالوا سويا نتفكر ونتذكر ما جرى لبلادنا من المحن والإحن من جراء هذه الأحزاب ، ونعرف ما وقع في تلك الإيام من الوقائع المؤلمة والحقائق المؤسفة التي بفمعرفتها نستبصر العبر ونتعظ ونعتبر ، ولكن أنبهك أن ذلك لا يحصل " ولايتم إلا بالسلامة من الإعراض وهي متابعة الهوى والانقياد لداعي النفس الأمارة بالسوء فإن اتباع الهوى يطمس نور العقل ويعمي بصيرة القلب ويصم أذن القلب عن وعي الحكمة وسماع الموعظة ورؤية الآيات المعتبرة الموضوعة للعبرة والتبصرة ، ويصد عن اتباع الحق ويضل عن الطريق المستقيم فلا تحصل بصيرة العبرة معه ألبتة والعبد إذا اتبع هواه فسد رأيه ونظره فأرته نفسه الحسن في صورة القبيح والقبيح في صورة الحسن فالتبس عليه الحق بالباطل فأنى له الانتفاع بالتذكر والتفكر أو بالعظة ؟"([2])
يا إخوتاه ألم تكن بلادنا قبل هذه المرحلة السوداء بفترة ما تتقلب في خير أزمنة التي عاشتها من إستقلالها إلى تلك المرحلة العصيبة حيث أنه " كادت العقيدة السلفية تتبوَّأ من الديار الجزائرية مبوَّأ صدق، وأُخفيت مظاهر الشرك في كثير من المدن، وعَضَّت الطرقية الأنامل من الغيظ، حتى رأينا منهم مَن لا يلبَس عباءته إلا متخفيًّا في زاويته، فإذا خرج منها خلعها !
وطُمِس على كثير من البدع، بل ربما دخلتَ مسجدا فلم تصادف فيه بدعة، لا في بنائه، ولا في تزويقه، ولا في صلاة إمامه، وتعلَّم الناس كثيرا من الآداب الإسلامية التي شحَّت بها التخطيطات السياسية !
وعظُمت ثقة الناس بدعاتهم، الذين كان الواحد منهم ينتقل من قرية إلى قرية في أنصاف الليالي لا يخاف إلا الذئب على نفسه، بل كان ينتقل بين الثكنات العسكرية يُعلّم الهدى حتى انتشر الوعي في أوساطها .......
وظهرت ثمرة الدعوة العلمية في سرعة فائقة، وكانت الصدارة فيها للدعوة السلفية التي لقيت في العاصمة حفاوة رائقة، وبدأت تبسط أجنحتها خارجها على الرغم من قلة دعاتها وكثرة عِداتها، وقلة مراجعها العلمية، وكثرة محاربيها بالمؤتمرات الرسمية، لكن مساجدها هي المطروقة، ونشراتها هي الموثوقة، فقد كان الطلبة يحضرون دروسها بانتظام ومواظبة، وربما بلغ عددهم الألفين في المجلس الواحد، ليس في الجمعة، بل في درس الليل، أما الجمعة فيسافَر لها من مئات الأميال، وظهرمن الشباب السلفي مَن عُلِّقت عليه آمال وآمال: في شغفه العلمي، والتزامه العملي، واشتهر بحفظ القرآن، حتى كان مَوْئل الباحثين عن أئمة رمضان ....
ومن بركة العلم أن كثيرا من القوانين الوضعية أخذ في انحسار سريع، على الرغم من ندرة التعرض لنقضها، فقد أدرك الناس ـ بتعلم السنة ـ مناهضتها للشرع، حتى الإداريّ الذي يحفظها أضحى لا يعرفها إلا حِبرا على ورق؛ لأنه يسمع في مسجده أو في مكتبه ما يُضْعف قناعته بها. وأعرف من هدم ستين قبّة في منطقة واحدة من الغرب الجزائري، ووجد من المسئولين من يدعمه على الرغم من إرجاف الصوفية القبوريين، وأضحت المحافظة على الصلوات في العمل لا تقبل الجدل، بل فَرض القانونُ بناءَ مسجد في كل مؤسسة، وكاد يُقضى على مشكلة الصيام بالحساب، بل قُضي عليها لولا تقصير بعض الثقات الموكَّلين بترقّب الهلال، كما قلَّت بيوت الفساد والخمارات وعوقب المفطر في رمضان بلا عذر عقوبة رسمية، بل لقد نوقش في البرلمان لأول مرة بشكل مفتوح: منع الخمور، ورياضة المرأة، وغيرها من القضايا وفق الأحكام الشرعية.
أما المظاهر الإسلامية كالجلباب للمرأة والزي الإسلامي للرجل، فلم تعُد محل نقاش، حتى اللحية التي يمنعها القانون العسكري على الجنود، قد رُئِيَ منهم أنفسهم من يوَفّرها، وحظِيَ ذوو المظاهر الإسلامية بتوقير كبير لدى الناس.
وأما من الناحية الأمنية فقد كانت الجزائر من آمَن بلاد الله؛ وقد كان الواحد منا يمكث سنوات متتابعات لا يَحمِل معه أوراقه الثبوتية! وكانت الشُّرَط نادراً ما يحملون معهم السلاح، بل ذُكِر لي أن بعضهم كان يضع في حزامه خشبةً تُشبِه المسدَّس بَدَله ! "([3] )
ولكن يا للأسف ولسوء حظ الأمة الجزائرية لم يطل هذا الخير الجميل والشرف النبيل ، إذ تتحول المساجد التي كانت بالأمس مجالس التذكير والتعليم للعقيدة السلفية وعلومها إلى منابر الدعوة إلى الخروج وسفك الدماء وإثارة الفتن والتشغيب وأصبحت الشوارع والطرقات التي كانت آمنة مطمئنة إلى مسرح المظاهرات والهرج والقتل والقطع والتخريب ، بل أصبح كل من يرتادي القميص ويعفي لحيته معرضا للسخرية والاستهزاء والاتهام والتأنيب ، وأضحى لا يخرج مخرجا ولا يدخل مدخلا إلا ويضيق عليه ، وأغلقت المساجد وضيعت الصلوات ، وخربت ممتلكات ومؤسسات الدولة الإسلامية وكثير من القرى الفلاحية أصبحت في مضايق التنكيل و التشريد من طرف دعاة التفجير والتخريب ممن لا يعرفون إلا اللغة الحديد بعدما كانوا يدعون التجديد ، وماذاك إلا من شؤوم التعددية الحزبية وضرورياتها المصنعة ونسيج ما تحققه من المصالح الوهمية ، ثم بعد هذا كل فنرجع الكرة إلى الخلف ونقول يا بن حنفية : "بلد غير قائم على حكم بما أنزل الله يفتح التعددية الحزبية دون قيود على مضمون البرامج ولا تتوفر فيه إمكانية للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المستوى العام إلا بهذه الوسيلة فقد يقال هذا موضع نظر" ... " إنني بعد هذا أرى أن الحاكم إذا لم يحكم بما أنزل الله ولم يكن حمله على ذلك ولا خلعه وجرى النظام الذي يشرف عليه على الإذن بتأسيس الأحزاب وكانت برامجها حرة وأقيمت على أسس شرعية ولم تؤسس لمجرد المشاركة في الحكم بغير ما أنزل الله وتعين هذا الأسلوب وسيلة وحيدة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على النطاق العام فإنها مما ينبغي الإقدام عليه للضرورة المرحلية ولا يبعد أن يقال بتعينها " ... " فإن تأسيس الأحزاب يكون في هذه الحالة مشروعا إذا أمكن تحقيق المصلحة كما تقدم لا لمجرد المشاركة في الحكم " !!
ماشاء الله عليك وعلى أحكامك الحسنة وتعليلاتك المستحسنة !!
مهلا ... مهلا يا شيخ إن لم تكن هذه الدعوة إلى الحزبية وتحسين مسوغاتها بتلك العلل العليلة ، فلا ندري ما هي الحزبية التي يدعو إليها الديمقرطيون والأحزاب السياسية ؟!! فما نراك في هذه الرسالة " هل الحزبية وسيلة للحكم بما أنزل الله " إلا خادم الحزبية وولد بار لها وإن أظهرت التملص منها ، وما مثلك إلا كمثل
من أراد أن يبني قصرا فهدم مصرا ، وتنقضت فيها تناقضا فاحشا وتذبذبت فيها تذبذبا قبيحا ، وهذا دليل على بعدك عن موارد الحق وجهلك بمنابعه التي يستقى منها وانحرافك عن الأصول المعتمدة ، وما ذاك إلا بسبب إرتيادك محلات الجيف والقذورات ونزولك فيها حتى أورثك ذلك إستحسان أطعمتها ونفرة عن الصحيح المليح، وإلا فمن كان أصله صحيحا ، حصلت له الهداية ووفق إلى الحق ومن كان أصله باطلا ضل وما كان من المهتدين قال الله تعالى : (( إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحى إلي
ربي )) [سبأ : 50]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في " مجموع الفتاوى " ( 5 / 120 ) : (( ومعلوم أن كل كمال في الفرع المتعلم فهو من الأصل المعلم )) ا.هـ ([4] )
الأمر الثاني : أي أمر بالمعروف ؟! وأي نهي عن المنكر ؟! وأي مصالح للإسلام والمسلمين ستحقق تحت مظلة الديموقراطية ؟! ومتى كان هذا ؟! وأين كان ؟! وهل سيكون ؟!
تضحك على نفسك يا بن حنفية أو على من تضحك ؟! فهذا الهراء قد ألتمس حره الأغبياء فضلا أن لا يتنبه له الأذكياء وقد وقف على حقيقة مضاره قبل أن يقع العلماء الأجلاء .
لو لم يكن من موانع إنشاء الأحزاب ـ سواء كانت للضرورة أو لغير الضرورة ـ إلا أنها تحت سلطة وذل سلطان الديموقراطية لكفى بها رميا وتركا ودسا بالأقدام وأنى لها من الإكرام .
وإنا لنعجب والله من أناس يباشرون الديموقراطية وهم تحت وطاءة سوفها أذلاء ولفتح باب التشكيك والتضليل أدلاء ، لا للإسلام نصروا ولا لوسائل الكفر والبدع كسروا ، حسبهم أنهم دعاة التقريب
و محطة من محطات التشغيب ، كيف بهم يدعون أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأنهم ينصرون الإسلام ؟!
وكلنا يعرف أن الديموقراطية ما هي إلا حرب للإسلام ولن ترض عن الإسلام ولا عن أهله حتى لو سكتوا عنها ، بل أمالها الوحيد أن تسحق الإسلام وأهله بالكلية ، فكيف لها أن تغض الطرف وترضى على أجل السلاح وأقوى ما يملك الإسلام المتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في دولتها يخرب في قصورها ويسحق في أصولها من يقول بهذا ويرضى به بارك الله فيكم ؟!
إذا كان مصدر سلطتها ومنبع سيادتها هو الشعب ـ وأي خليط هذا الشعب ونوعيته ـ ، ولا شرع إلا لها وأنه لا يسمح لأي حاكم أن يقضي إلا بتشريع دستورها ولا ينفذ أي حكم إلا ما كان خاضعا للدستور ، ففي أي زواية من زوايا الديموقراطية يكون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محلا ومسمعا ورأيا ؟!
ومن المعلوم والمعروف أنه لا يمكن أن تدخل الأحزاب الإسلامية معمعة الديموقراطية "و الانتخابات إلا بعد الموافقة منها ، على شكل ومضمون الدستور، بما فيه من مواد مخالفة للإسلام.
فهذا يُثْبت لنا أن الأحزاب الإسلامية وافقت على هذه المواد وما تضمنته، وإلا لم يوافق شركاؤهم على دخولهم في "الانتخابات"والمجالس النيابية، وهذه الموافقة على ما في هذه المواد الموجودة في الدساتير "الديموقراطية"، تجعل الأحزاب الإسلامية المشاركة غير قادرة على فعل شيء في مجلس النواب.
وإذا علمت هذا فاعلم أن كل حزب أو جماعة طالبت بالدخول في "الانتخابات"، لا تُقْبَل إلا بشروط . ومنها: عدم انتقاد الأفكار التي مع الأحزاب الأخرى، ويعترف بها ، ويوافق على أن يكون قوله ـ ولو كان هو من تعاليم الإسلام ـ كالأفكار الوضعية ، قابلاً للنقاش ، والرأي للأغلبية.
ومنها: الموافقة على قبول التعددية السياسية العقدية ، وبالذات في البلاد الإسلامية.
ومنها: الموافقة على "قانون ميثاق الشرف" بين الأحزاب الإسلامية والعلمانية: " أن لا يكفّر، ولا يفسق ، ولا يبدع بعضهم بعضاً ".
ومنها: الالتزام بالدستور وقانون مجلس النواب ولوائحه.
ومادامت الموافقة من الأحزاب الإسلامية حاصلة على أصول وفروع "الديموقراطية"، ومضمون هذه الأصول مع العلمانيين ، فهذا دليل واضح على أن غاية الأحزاب الإسلامية ـ في المآل ـ هي الكراسي ، وليس الإسلام، ـ سواء علموا ذلك أم جهلوا ـ لأن موافقتهم للعلمانيين لا تضمن إلا البقاء على الكرسي الصوري المؤقت ، دون أن يحققوا للإسلام شيئاً يُذكر، ولهذا سهل منهم التنازل عن الحكم بالشريعة الإسلامية إلى الحكم بالأغلبية."([5])
وهذا يدل على أن التعددية الحزبية ما هي إلا في صالح الديموقراطية والدول اليهودية والصليبية ولا تجني الأحزاب الإسلامية من المشاركة فيها إلا الفشل والرجوع بخفي حنين ، كما هو عليه الواقع ، وإلا فالقوم دخلوا ليغيِّروا فتغيَّروا، وأعجبوا بإيمانهم وحسنوا ظنهم بأنفسهم حتى صور الشيطان خيال التصلب في الحق وهم ذائبون في رضا أنظمة الخلق باسم مصلحة الدعوة ، وضرورية دخول إلى هذه المناصب للتغيير وحق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أتى باب السلطان افتتن )) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد والبيهقي في ( الشعب ) وهو صحيح .
مع إنه قد تقرر في شريعتنا الحكيمة أنه إذا تعارضت مصلحتك الدينية مع مصلحة غيرك فقدم مصلحتك
ما دام في الجمع بينهما خيفة على النفس، قال الله تعالى: (( يَأَيُّها الَّذين ءَامَنُوا عَلَيْكم أَنفُسَكمْ لاَ يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ )) [المائدة:105] ، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (( بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذكروا الفتنة، أو ذكرت عنده قال: " إذا رأيتَ الناس قد مرجت عهودُهم وخفَّت أماناتُهم وكانوا هكذا ، وشبّك بين أصابعه، قال: فقمت إليه فقلت له: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: " الْزَمْ بيتك، وأملك لسانك، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة " )) رواه أبو داود والحاكم وأحمد وهو صحيح.
فإن قيل : ولكن المجتمع بحاجة إلى هذه المناصب ؟ قلنا: نعم! ولكن بشرط أن لا يَمتهن المرءُ فيها دينَه؛ لأنه إن رضي لنفسه أن يكون حطب جهنم في سبيل إنقاذ غيره، فإن له أسوة بمن قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا بد للناس من عريف، والعريف في النار )) رواه أبو الشيخ في ( طبقات الأصبهانيين ) وغيره([6]).([7])
ثم ما هي الضرورة التي جعلت الأحزاب الإسلامية يختارون دخول إلى البرلمانات والمشاركة مع الديموقراطيين ومكايستهم في انظمتهم ؟.
وإن لنعلم أن الضرورة شرعت لإزالة الضرر، فهل زول الضرر الذي بالمسلمين ، بدخول ممن السبق طول هذه السنين في المجالس البرلمانية؟
" فإن قالوا: نعم ، فهذا غير صحيح ، وخذ مثالاً على ذلك ، وهو: أن الرئيس أنور السادات في آخر حكمه اعتقل عشرات الآلاف من الإسلاميين ، وكان يوجد في مجلس الشعب المصري كتلة برلمانية لهم, فلم يستطيعوا أن يعملوا شيئاً, وكذلك في السودان عندما اعتقل النميري الإسلاميين, وكان من الإسلاميين مستشارون له في أعلى قمة السلطة, فلم يستطيعوا أن يعملوا شيئاً, إذ أن أحوال المسلمين هي هي, ولم يحصل إلا زيادة شر في أماكن, وقلة شر في أماكن أخرى.([8])
إذاً هذا الأمر الأول يبطل الاحتجاج بأنها ضرورة, وذلك أن الضرورة شرعت لإزالة الضرر, وهنا لم يحصل , وها هي ستون سنةً قد مضت على هذه الأقوال, ونحن نجد الأمور كل يوم تزداد سوءاً, حتى في سلوك القائلين بذلك.
والظاهر أن إخواننا سامحهم الله, وقفوا في عدة خنادق, فإن أحيط بهم في خندق, صاحوا من آخر, فأول ذلك أنها شورى, ثم مصلحة مرسلة, ثم أخف الضررين, ثم ضرورة وإكراه.
فإن لم ينفع هذا كله, فالجواب منهم: ماذا تريدون أن نفعل؟!. أنترك الأمور لأعداء الإسلام؟!. واستطردوا من الأمثلة العقلية غير الصحيحة, وإلا فالعقل الصريح لا يناقض النقل الصحيح, كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
ومن لم تنفعه الأدلة , ولم ينفعه واقع المسلمين في هذه المجالس النيابية منذ أكثر من نصف قرن
, وهم ينحدرون فيها إلى الأسفل, فلا يبالي بالأدلة المذكورة هنا, إلا أن يشاء الله عز وجل, وإلى الله المشتكى." ([9])
الأمر الثالث : إن ملاحظ على بن حنفية وما في مجموع رسالته" هل الحزبية وسيلة للحكم بما أنزل الله " يجد أن الرجل قد بلع الإخونية ، وأراد أن يتقيَّأها فما استطاع ، وإلا فنظرته إلى نقطة البدأ بالإصلاح ما هي إلا نظرة الإخوان والقطبية ومرتكز غايتهم ، حيث جعلوا جل إهتمامهم وغايتهم وصول إلى الكراسي والقمة بغاية التغيير دون النظر إلى أصل دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومنهجية إصلاحه التي سلكها طول حياته عليه الصلاة والسلام ، وسار عليها من بعده أصحابه الكرام وأئمة الحديث والمجددون المتمثلة في " التصفية والتربية " وأعني بالتصفية : تقديم الإسلام إلى الأمة الإسلامية مصفى من كل ما دخل فيه على مدّ هذه القرون من العقائد ومن الخرافات والبدع والضلالات ومن ذلك ما دخل فيه من أحاديث غير صحيحة وقد تكون موضوعة فلابد من تحقيق هذه " التصفية " ، ونبدأ بما بدأ به نبينا صلى الله عليه وسلم وهو إصلاح ما فسد من عقائد المسلمين أولا ومن عباداتهم ثانيا ومن سلوكهم ثالثا ، قال الله تعالى : (( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت )) [النحل : 36]... هذا الأصل الذى قام يدعو اليه أول رسول من الرسل الكرام نوح صلى الله عليه وسلم قرابة ألف سنة ، والجميع يعلم أن الشرائع السابقة لم يكن فيها من التفصيل لأحكام العبادات والمعاملات ما هو معروف في ديننا هذا لأنه الدين الخاتمة للشرائع والأديان ومع ذلك فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يصرف وقته وجل اهتمامه للدعوة إلى التوحيد ومع ذلك أعرض قومه عن دعوته كما بين الله عز وجل ذلك في محكم التنزيل : (( وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا )) [نوح : 23] .
فهذا يدل دلالة قاطعة على أن أهم شيء ينبغي على الدعاة إلى الإسلام الحق الاهتمام به دائمًا هو الدعوة إلى التوحيد وهو معنى قوله - تبارك وتعالى- : (( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ )) [محمد : 19] ، هكذا كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم عملا وتعليمًا .
أما فعله : فلا يحتاج إلى بحث ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم في العهد المكي إنما كان فعله ودعوته محصورة في الغالب في دعوة قومه إلى عبادة الله لا شريك له .
أما تعليمًا : ففي حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - الوارد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أرسل معاذًا إلى اليمن قال له : (( ليكن أول ما تدعوهم إليه : شهادة أن لا إله إلا الله ، فإن هم أطاعوك لذلك . . . . . )) إلخ الحديث . وهو معلوم ومشهور إن شاء الله تعالى .
إذًا ، قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يبدؤوا بما بدأ به وهو الدعوة إلى التوحيد ، ولا شك أن هناك فرقًا كبيرًا جدًّا بين أولئك العرب المشركين - من حيث إنهم كانوا يفهمون ما يقال لهم بلغتهم - ، وبين أغلب العرب المسلمين اليوم الذين ليسوا بحاجة أن يدعوا إلى أن يقولوا : لا إله إلا الله ؛ لأنهم قائلون بها على اختلاف مذاهبهم وطرائقهم وعقائدهم ، فكلهم يقولون : لا إله إلا الله ، لكنهم في الواقع بحاجة أن يفهموا - أكثر - معنى هذه الكلمة الطيبة ، وهذا الفرق فرق جوهري - جدًّا - بين العرب الأولين الذين كانوا إذا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا : لا إله إلا الله يستكبرون ، كما هو مبين في صريح القرآن العظيم لماذا يستكبرون ؟ لأنهم يفهمون أن معنى هذه الكلمة أن لا يتخذوا مع الله أندادًا وألا يعبدوا إلا الله ، وهم كانوا يعبدون غيره ، فهم ينادون غير الله ويستغيثون بغير الله ؛ فضلا عن النذر لغير الله ، والتوسل بغير الله ، والذبح لغيره والتحاكم لسواه . . . . إلخ .
هذه الوسائل الشركية الوثنية المعروفة التي كانوا يفعلونها ، ومع ذلك كانوا يعلمون أن من لوازم هذه الكلمة الطيبة - لا إله إلا الله - من حيث اللغة العربية أن يتبرؤوا من كل هذه الأمور ؛ لمنافاتها لمعنى لا إله إلا الله .
أما غالب المسلمين اليوم الذين يشهدون بأن " لا إله إلا الله " فهم لا يفقهون معناها جيدًا ، بل لعلهم يفهمون معناها فهمًا معكوسًا ومقلوبًا تمامًا .
أضرب لذلك مثلا : بعضهم أَلَّفَ رسالة في معنى" لا إله إلا الله " ففسرها : لا رب إلا الله !!
وهذا المعنى هو الذي كان المشركون يؤمنون به وكانوا عليه ، ومع ذلك لم ينفعهم إيمانهم هذا ، قال تعالى : (( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ )) [لقمان : 25 ] .
فالمشركون كانوا يؤمنون بأن لهذا الكون خالقًا لا شريك له ، ولكنهم كانوا يجعلون مع الله أندادًا وشركاء في عبادته ، فهم يؤمنون بأن الرب واحد ولكن يعتقدون بأن المعبودات كثيرة ، ولذلك ردّ الله تعالى - هذا الاعتقاد - الذي سماه عبادة لغيره من دونه بقوله تعالى : (( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى )) [الزمر : 3 ] .
لقد كان المشركون يعلمون أن قول : " لا إله إلا الله " يلزم له التبرؤ من عبادة ما دون الله عز وجل ، أما غالب المسلمين اليوم ؛ فقد فسروا هذه الكلمة الطيبة " لا إله إلا الله " بـ : " لا رب إلا الله !! " فإذا قال المسلم : لا إله إلا الله " ، وعبد مع الله غيره ؛ فهو والمشركون سواء ، عقيدة ، وإن كان ظاهره الإسلام ؛ لأنه يقول لفظة : " لا إله إلا الله" فهو بهذه العبارة مسلم لفظيًّا ظاهرًا ، وهذا مما يوجب علينا جميعًا - بصفتنا دعاة إلى الإسلام- الدعوة إلى التوحيد وإقامة الحجة على من جهل معنى" لا إله إلا الله " وهو واقع في خلافها ؛ بخلاف المشرك ؛ لأنه يأبى أن يقول : " لا إله إلا الله " فهو ليس مسلمًا لا ظاهرًا ولا باطنًا فأما جماهير المسلمين اليوم هم مسلمون ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى .
لذلك ، فإني أقول كلمة - وهي نادرة الصدور مني - ، وهي : إن واقع كثير من المسلمين اليوم شر مما كان عليه عامة العرب في الجاهلية الأولى من حيث سوء الفهم لمعنى هذه الكلمة الطيبة ؛ لأن المشركين العرب كانوا يفهمون ، ولكنهم لا يؤمنون ، أما غالب المسلمين اليوم ، فإنهم يقولون ما لا يعتقدون ، يقولون :
لا إله إلا الله ، ولا يؤمنون -حقًّا - بمعناها لذلك فأنا أعتقد أن أول واجب على الدعاة المسلمين - حقًّا - هو أن يدندنوا حول هذه الكلمة وحول بيان معناها بتلخيص ، ثم بتفصيل لوازم هذه الكلمة الطيبة بالإخلاص لله عز وجل في العبادات بكل أنواعها ؛ لأن الله عز وجل لما حكى عن المشركين قوله : (( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى )) [الزمر : 3 ] ، جعل كل عبادة توجه لغير الله كفرًا بالكلمة الطيبة :
لا إله إلا الله ؛ لهذا ؛ أنا أقول اليوم : لا فائدة مطلقًا من تكتيل المسلمين ومن تجميعهم ، ثم تركهم في ضلالهم دون فهم هذه الكلمة الطيبة ، وهذا لا يفيدهم في الدنيا قبل الآخرة ! نحن نعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه حرم الله بدنه على النار " وفي رواية أخرى : " دخل الجنة " ، فيمكن ضمان دخول الجنة لمن قالها مخلصًا حتى لو كان بعد لأي وعذاب يمس القائل ، والمعتقد الاعتقاد الصحيح لهذه الكلمة ، فإنه قد يعذب بناءً على ما ارتكب واجترح من المعاصي والآثام ، ولكن سيكون مصيره في النهاية دخول الجنة ، وعلى العكس من ذلك ؛ من قال هذه الكلمة الطيبة بلسانه ، ولما يدخل الإيمان إلى قلبه ؛ فذلك لا يفيده شيئًا في الآخرة ، قد يفيده في الدنيا النجاة من القتال ومن القتل إذا كان للمسلمين قوة وسلطان ، وأما في الآخرة فلا يفيد شيئًا إلا إذا كان قائلا لها وهو فاهم معناها أولا ، ومعتقدًا لهذا المعنى ثانيًا ؛ لأن الفهم وحده لا يكفي إلا إذا اقترن مع الفهم الإيمان بهذا المفهوم ، وهذه النقطة ؛ أظن أن أكثر الناس عنها غافلون !
وهي : لا يلزم من الفهم الإيمان بل لا بد أن يقترن كل من الأمرين مع الآخر حتى يكون مؤمنًا ؛ ذلك لأن كثيرًا من أهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا يعرفون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول صادق فيما يدعيه من الرسالة والنبوة ، ولكن مع هذه المعرفة التي شهد لهم بها ربنا عز وجل حين قال : (( يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ )) [البقرة : 146] ، ومع ذلك هذه المعرفة ما أغنت عنهم من الله شيئًا لماذا ؟
لأنهم لم يصدقوه فيما يدعيه من النبوة والرسالة ، ولذلك فإن الإيمان تسبقه المعرفة ولا تكفي وحدها ، بل لا بد أن يقترن مع المعرفة الإيمان والإذعان ، لأن المولى عز وجل يقول في محكم التنزيل : (( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ )) [محمد : 19] .
وعلى هذا ، فإذا قال المسلم : لا إله إلا الله بلسانه ؛ فعليه أن يضم إلى ذلك معرفة هذه الكلمة بإيجاز ثم بالتفصيل ، فإذا عرف وصدق وآمن ؛ فهو الذي يصدق عليه تلك الأحاديث التي ذكرت بعضها آنفًا ، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم مشيرًا إلى شيء من التفصيل الذي ذكرته آنفًا : " من قال : لا إله إلا الله ، نفعته يومًا من دهره " .
أي كانت هذه الكلمة الطيبة بعد معرفة معناها منجية له من الخلود في النار - وهذا كرره لكي يرسخ في الأذهان - وقد لا يكون قد قام بمقتضاها من كمال العمل الصالح والانتهاء عن المعاصي ولكنه سلم من الشرك الأكبر وقام بما يقتضيه ويستلزمه شروط الإيمان من الأعمال القلبية - والظاهرية حسب اجتهاد بعض أهل العلم وفيه تفصيل ليس هذا محل بسطه - ؛ وهو تحت المشيئة ، وقد يدخل النار جزاء ما ارتكب أو فعَل من المعاصي أو أخلَّ ببعض الواجبات ، ثم تنجيه هذه الكلمة الطيبة أو يعفو الله عنه بفضل منه وكرمه ، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم المتقدم ذكره : " من قال : لا إله إلا الله ، نفعته يومًا من دهره " ، أما من قالها بلسانه ولم يفقه معناها ، أو فقه معناها ولكنه لم يؤمن بهذا المعنى ؛ فهذا لا ينفعه قوله : لا إله إلا الله ، إلا في العاجلة إذا كان يعيش في ظل الحكم الإسلامي وليس في الآجلة .
لذلك لا بد من التركيز على الدعوة إلى التوحيد في كل مجتمع أو تكتل إسلامي يسعى- حقيقة وحثيثًا - إلى ما تدندن به كل الجماعات الإسلامية أو جُلها ، وهو تحقيق المجتمع الإسلامي وإقامة الدولة المسلمة التي تحكم بما أنزل الله على أيّ أرض لا تحكم بما أنزل الله ، هذه الجماعات أو هذه الطوائف لا يمكنها أن تحقق هذه الغاية - التي أجمعوا على تحقيقها وعلى السعي- حثيثًا إلى جعلها حقيقة واقعية - إلا بالبدء بما بدأ به الرسول صلى الله عليه وسلم . "([10])
قال العلامة محمد بن عبدالله الإمام حفظه الله في كتابه "تنوير الظلمات بكشف مفاسد وشبهات الانتخابات " (59 ـ 64 ) : (( الاهتمام بالوصول إلى القمة دون النظر إلى الفساد العقدي
وهذا من إتيان الأمور من غير أبوابها التي شُرعت لنا، وقد قال الله: (( وأتوا البيوت من أبوابها )) [البقرة : ] ، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ((نبدأ بما بدأ الله به)) عن جابر عند أحمد والثلاثة والأحزاب الإسلامية التي تنادي بتحكيم الإسلام, لم تأت الأمور من أبوابها، وهذا التصرف تظهر فيه المخالفة للشرع، والانحراف عنه بما سيأتي.
فالأساس الصحيح مفقود الاعتناء بنشره، والدعوة إليه، عند الأحزاب الإسلامية، وهو توحيد الله رب العالمين، بأنواعه الثلاثة: وهي توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات, وهذا الأساس هو الذي اختاره الله وأرسل به رسله، وجعله سبحانه محطّ دعوتهم، وقد استمر نوح ألف سنة إلا خمسين عاماً, يدعو إلى التوحيد، فهلك قومه, ولم يستجب له إلا قليل, فلم يكن همه الوصول إلى الحكم بالصالح والطالح, وهكذا إبراهيم عليه السلام، فقد استمر يدعو وما آمن له إلا لوط ، وهكذا جميع الأنبياء والرسل ، دعوا إلى هذا الأصل العظيم، قال تعالى: (( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت )) [ النحل : ] وعلى رأسهم خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد استمر في مكة ثلاثة عشر عاماً ، يدعو إلى عبادة الله وحده، وترك ما يُعْبَدُ من دونه ، ومن أجل هذا التوحيد ، وهذه الدعوة الصريحة، الصحيحة قام عليه قومه قومة رجل واحد ، حتى وصل بهم الأمر إلى أن اجتمعوا وهمّوا بقتله ، ولكن الله حفظ نبيه صلى الله عليه وسلم، واستمر يدعو إلى الله, ولا يحابي، ولا يتوانى, حتى أقام الله دينه.
والأحزاب الإسلامية تركت هذا الأصل الأصيل الذي لا يصح دين المسلم إلا به، فإذا كان دين الفرد غير قائم، فكيف يستقيم الحكم على ما أنزل الله عز وجل؟! والذي سيقوم به هو الفرد الذي لم يوحد الله التوحيد الكامل الصحيح بل ويرى الدعوة إليه تفرقةً للصفوف.
وبسبب التنكُّب والتنكُّر لهذا الأصل الذي لا تقوم حياة الفرد والجماعة إلا به، وسعادتها مرهونة به في الدنيا والآخرة، كما هو معلوم من القرآن والسنة, حصلت نتائج سيئة، ومنها:
1- افتقاد القوة التي يقوم عليها الحكم في أرض الله بشرع الله، وهي الأساس كما تقدم.
2- تجزئة التوحيد, وبالذات توحيد الألوهية, فإنه لا يتجزأ في أي حال من الأحوال، وتحت أي ظرف من الظروف.
وتظهر التجزئة لأنهم حصروا الحكم بشريعة الله على حد زعمهم بإقامة الحدود على السُرّاق والزناة والسكارى، ويا ليت هذا حاصل ، ولكنه لم يحصل ، لأنهم تركوا إقامة ما هو أهم من ذلك، من إصلاح عقائد الناس ، فإن الناس يذهبون إلى المشعوذين والسحرة ويتعلقون بهم، ويقعون في أنواع الشرك الأكبر من الدعاء والذبح والنذر والاستغاثة والتمسح بأتربة الموتى، وتركت الأحزاب الإسلامية المشعوذين والسحرة يعلنون الدعوة إلى الشركيات ، ولم يمنعوهم، ولم ينصحوهم على الأقل، بل جعلوا هذه الشركيات أموراً فرعية ومن القشور، بل يوجد في الأحزاب الإسلامية من أعضائها ، بل ومن كبارها وغيرهم من يمارس الشركيات، وإقامة الموالد التي تقوم على البدع، بل والدعوة إلى عبادة القبور، أو على الأقل التهوين من أمر ذلك، ولا ينكر عليهم باعتبار أن هذه قشور.
3- حصل أن الرسول صلى الله عليه وسلم دُعي إلى أن يكون ملكاً له الحكم المطلق, بشرط أن يتخلى عن دعوته إلى التوحيد، لأنه كان في مكة لا يدعو إلا إلى التوحيد، فقد جاء عند ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبي يعلى والبيهقي في (الدلائل) وأبي نعيم في (الدلائل) أن الوليد بن المغيرة عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم الملك فقال: (إن أردت ملكاً ملّكناك ...) والحديث ثابت بمجموع طرقه.
وهذا واقعه صلى الله عليه وسلم ، الذي يدلّ أنه لم يستجب لهم، فهذا مما يقوي قبول هذه الرواية، ونفهم من هذا جلياً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم امتنع عن الموافقة لهم ، لأنه يعلم أن هذه الطريقة غير نافعة ولا مجدية، فلو كانت طريقة مثلى ، لسلكها ، وما تأخر عنها لحظة، فهو أعلم الخلق بما يصلح الخلق ، فما عمله الرسول صلى الله عليه وسلم فهو عين الحق والصواب.
4- جعلت الأحزاب الإسلامية الوصول إلى الحكم غاية مقدمة على كل أصل من أصول التوحيد، ومن أصول العقيدة، وهذه مجازفة ، لأن الحكم الإسلامي جزء من توحيد الألوهية، وهو يعد آخر ما يتحقق من توحيد الألوهية، بدليل نهج الرسل عليهم الصلاة والسلام، وبدليل أن فترة الدعوة إلى التوحيد أخذت أكثر من فترة التشريع، وإقامة الحكم الإسلامي، وأيضاً لم تشرع الأحكام إلا في المدينة، وبعد إقامة التوحيد، وبعد وجود الجماعة القوية التي تستطيع أن تدافع عن الدين ، وأن تقوم بحراسته ، وكان هذا على أيدي المهاجرين والأنصار، وكان بأمر الله، ولم يحصل أن الرسول صلى الله عليه وسلم تخلّى عن نشر الدعوة إلى الله, باسم: أنه يقيم الدين عن طريق الحكم، ولم يأمر أصحابه بذلك ، وهم لم يفعلوا ذلك، بل استمر واستمر أصحابه على نشر الإسلام ، حتى لاقوا ربهم بالدعوة، وهي الأصل الأول ، وهي الجهاد في سبيل الله ، في ذلك الوقت ، بخلاف ما عليه الأحزاب الإسلامية المعاصرة، فقد شغلت نفسها وغيرها من المسلمين بالاستغراق في الحركات السياسية ، كمحاربة نظام معين ، أو قانون معين ، أو حزب من الأحزاب ، وأضاعت الوقت في الأحداث الجارية، المتفرعة عن ترك المنهج الصحيح, وأنفقت الأموال الباهضة في غير مصرفها, كالدعاية للـ"انتخابات" وغيرها. وكل هذا على حساب أصول الإسلام وفروعه، وجعلت هذا هو حقيقة الإسلام وجوهره، وجعلت هذا الفعل هو الغاية المنشودة.
ولا شك ولا ريب أن ما كان من الأمور الإيجابية من كشف مخططات الأعداء, وفضح مكائدهم, أن هذا أمر مطلوب منا جميعاً، لكن لا يُجعل ذلك هو الغاية, بحيث يطغى على الأصل والفرع والأهم والأنفع من الإسلام.
5- الأحزاب الإسلامية تشغل أنفسها بمطالبة الحكومات بإقامة الإسلام, ويظهرون الغيرة على ذلك، فلما وصلوا هم إلى الوظائف؛ لم يقيموا الإسلام, فكيف يقيمه غيرهم؟!
وهذا دليل على أنهم لا يحرصون على التأهيل، فليس عندهم المعتقد الصحيح، فهم على سلّم التنازلات دائماً وأبداً، وقد انتقلوا من شعار: "إقامة الخلافة الإسلامية" إلى شعار: "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت "
ثم إلى شعار: "ما هو البديل؟!".
6- كيف يمكن أن يحْكُم هؤلاء بشريعة الله، والناس غير مؤهلين لذلك، لعدم تحقيق التوحيد والعقيدة الصحيحة، والمنهج الشامل الذي وضعه الله عز وجل, وسار عليه سلف الأمة، فكل الفرق الإسلامية يخالف بعضها بعضاً، ويهدم بعضها بعضا، فكل فرقة من هذه الفرق تقف ضد من يريد أن يخالف فكرتها ومعتقدها وما تسير عليه، والملاحظ على الأحزاب الإسلامية البحث عن الحكم دون البحث عن الإمامة في الدين، مع العلم أن هنالك فرقاً بينهما، فالإمامة في الدين منوطة بالاستقامة على الحق.
وأما الوصول إلى الحكم عند هؤلاء, فهو قائم على التنازلات، وهذا مراد أعداء الإسلام, قال الله تعالى: (( ودّوا لو تدهن فيدهنون )) [ القلم : ] وأما من يستحق الإمامة في الدين, فقد قال الله تعالى: (( وجعلنا منهم أئمةً يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون )) [ السجدة : ] فهذه صفة من يستحق الإمامة في الدين، فهم منفذون لشرع الله, بدليل قوله: " يهدون " وموقنون ومطمئنون بالحق، فلاشك عندهم ولا ريب ولا تضعضع، والوصول إلى الحكم والرئاسة في هذا الزمان يحدث غالباً بطرق غير مشروعة، لأنه لا يقوم إلا على ما ذكرنا، ولم يُرِد الله أن يعطي الإمامة لهذا الصنف، قال عز وجل عن إبراهيم: (( قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين )) [ البقرة : ]
7- الملاحظ على الأحزاب الإسلامية: النشاط في الدعوة إلى تحكيم شرع الله في مواقف موسمية، فإذا حيل بينهم وبين الوصول إلى الحكم, وانقطع الأمل فيه, تقاعسوا عن أمر الدعوة إلى الله، واكتفوا بالتخطيطات السرية التي تجعلهم يتوصلون إلى الحكم عن طريق آخر، وهذا خطر عليهم, حيث تكون عقولهم متعلقة بحب الوصول إلى الحكم, والسعي له بكل ما أمكن مهما كلفهم من انحراف وزيغ عن الحق وانجرار وراء التغيرات السياسية ولعبة الأمم الدولية.
وحجتهم وراء هذه الأمور تلك النغمات التي يرددونها وهي "إلى متى هذا الواقع الذي نعيشه؟", "إلى متى هذا الظلم الذي نعاني منه؟", "إلى متى سيبقى الإسلام بعيداً عن الحكم؟", "إلى متى سيبقى الذل والهوان الذي أصاب المسلمين؟".
وهذه كلمات استعطافية لشباب حائرين وأناس جاهلين يريدون النصرة للأمة، وبعد هذه الاندفاعات كلها العاطفية, والاستعجال في الأمور, وإتيان الأمور من غير أبوابها، نوجه أسئلة ونريد الجواب عليها:
هل تكون نصرة الإسلام بدون قواعده وأسسه؟
هل حصل من الأحزاب الإسلامية ما وعدت به, من إصلاح الأوضاع وإقامة الإسلام؟ هل تحقق خلال المدة التي أضاعتها الأحزاب الإسلامية في الجري وراء "الانتخابات" شيء يذكر مع طول المدة؟.
فلو اتجهت الأحزاب الإسلامية في خلال هذه المدة الطويلة الضائعة لتربية الناس على الإسلام، وإقامة الدعوة إلى التوحيد، والعقيدة الصحيحة، والمنهج الذي وضعه الله، وسار عليه سلف الأمة، لكانوا قد نفعوا المسلمين، وأوجدوا رجالاً مؤهلين لإقامة حكم الله في الأرض.
ولقد انتشر الإسلام, وقامت قوائمه, وأرسيت قواعده, في خلال ثلاثين سنة، وذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ، رغم الظروف القاسية التي واجهها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فتلك ظروف لا نظير لها في أيامنا, فلا غرابة أبداً أن نقول: إن الطريق الأقرب والأسهل لإقامة الإسلام هو الطريق الذي وضعه الله عز وجل, وسار عليه نبيه صلى الله عليه وسلم, وقد تحقق العدل والخير في خلال سنتين من خلافة عمر بن عبد العزيز رحمه الله. )) ا.هـ
قلت : فلينتبه بن حنفية لهذا التأصيل المتين والتقعيد الرصين الذي هو زبدة دعوة المرسلين ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وغاية الأئمة المجددين وقرة عيون الموحدين ، ودعنا من تخليطه ومن قوله : " إنني أعتقد أن فساد المجتمع في كثير من جوانبه لغياب الحكم بما أنزل الله ، وأن الأمير في الأمة بمثابة القلب في الجسد إذا صلح هذا صلح ذاك "([11]) ، ثم إذا به بعد هذا بأسطر قليلة مع مجزفاته الكليلة كعادته في تناقضاته المتعاقبة وتنقلاته المتناوبة يختلط عليه الأمر ويحمل مسؤولية فساد الحكام إلا من فساد المحكومين سيرا على حكمة " كما تكونوا يولى عليكم "، ويا ليته أكتفى بالأخير وما عرج على الأول ولو بحرف لكان قد نصح وأفلح ، أما وأنه قد ظهر ذلك منه ، فهذا مما يسجل عليه ويُظهر ما هو عليه من الفساد الكبير، ويدل على أن الرجل قد ترعرع في أحضان كتب المودودي([12]) وحزبه فتقعقع ، وإلا فلو كان على الصفاء والنقاء فيما يخص مصادر ومنابع التلقي لما وقع في هذه الحيرة والتذبذب والاضطراب قال إبراهيم : (( كانوا يرون التلون في الدين من شك القلوب )) ([13] )
.......يتبع إن شاء الله
([1]) " السير " ( 18 / 281 )
([2]) " مدارج السالكين " ( 319 / ط : مؤسسة الرسالة )
([3]) " مدارك النظر" ( 119 ـ 123 / ط : دار الكتاب لبنان )
([4]) " الصوارف عن الحق " ( 108 )
([5]) "تنوير الظلمات بكشف مفاسد وشبهات الانتخابات " ( 31 ) للعلامة محمد الإمام اليماني حفظه الله
([6]) انظر ( الصحيحة ) للألباني رقم (1417).
([7] ) انظر " مدارك النظر " ( 144 ـ 145 ) و ( 174 )
([8]) وخذ مثالا من واقع بلادنا الجزائر الحبيبة العزيزة وانظر ما وقع لها وما جنته من الثمار المرة على يد جبهة الإنقاذ ـ وحق أنها جبهة الإغراق ـ من الويلات والمحن والإحن ، قال صاحب " المدارك " ( 169 ) : ((لقد عُمِّرَت جبهة الإنقاذ الإسلامية ثلاث سنوات فقط، تهدَّم بها بنيان أوشك على التمام، وتصدَّع بها صفّ بعد الْتحام، واتُّهِمت فيها السلفية بعد أن وُضع لها القبول، ورُفع العلم وسيطر الطيش على العقول، وعشَّش التكفير في مساجد الجبهة وباض، واتحد الحزبيون مع المبتدعة حتى الطرقية وبني إباض، واتُّهم العلم، وحُرِّم الحلم، وتسمَّن فكر الخوارج، حتى عيِيَ الناصح والمعالج.
هذا والشيوعيون الأخباث في الداخل والخارج يرقبون مسرورين عملية الانتحار، يُحَرِّكون أحياناً بالتهييج السياسي استعجالاً لقطف الثمار، فرحين بعدوٍّ سهل الاستدراج؛ لأن عنف الجبهة أوجد لهم المسوِّغ القانوني لضرب المسلمين بلا احتجاج! وهي خطة ترقَّبوها من سنوات عجاف لم يغاثوا فيها إلا بتسخير علي بن حاج، بل عجزوا عنها حتى في أيام الاستعمار الفرنسي، وقد قلنا للعلامة ابن باز ـ حفظه الله ـ: " إن الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر منعت صلاة الجمعة في بعض المدن! "، فقال متعجباً: " كيف يعطِّلون الجمعة، وقد عجز عن ذلك فرنسا وبريطانيا واليهود؟!!".
وكم قَتلوا اليوم من طلبة العلم جريمتُهم أنهم رفضوا مشاركتهم فيما هم فيه! وهذه هي بركة التحزب! .
نعم! لتذكروا كلمة ابن تيمية المبيَّنة في الأصل الخامس من أن نكاية المبتدعة في المسلمين أشد وطئا من نكاية الكفار فيهم )) ا.هـ
([9]) انظر إلى "تنوير الظلمات بكشف مفاسد وشبهات الانتخابات " ( 149 ـ 150 )
([10]) "التوحيد أولا يا دعـاة الإسلام " للعلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله ( شبكة سحاب السلفية )
( [11]) " هل الحزبية وسيلة للحكم بما أنزل الله " ( 64 )
([12]) ومن ذلك ما قاله المودودي في ( الأسس الأخلاقية ) ( ص 16 ـ 17 ) : " إن قيادة الفجار والفساق إنّما هي منشأ جميع الكوارث، والنكبات التي مني بها الجنس البشري، وأنَّ سعادة البشر وغبطته إنَّما تتوقف على أن يكون زمام أمور الدنيا بأيادي الصالحين العادلين "
فمن تأمل كلام المودودي يجد أنه يصب غضبه ويحمل مسؤولية منشأ الكوارث والنكبات التي مني بها الجنس البشري على قيادة الفجار والفساق للأمور ، كما أن بن حنفية طور الأسلوب وحور في العبارات جاعلا منشأ فساد المجتمع إلا بسبب فساد الأمير الذي هو بمثابة القلب بصلاحه تصلح الجوارح ومدار الأعمال والجزاء عليه ، وما ذنب الرعية إلا أنها تبع له !! مع إن هذا على خلاف ما عليه النقل الصريح والعقل الصحيح من أن تغير الأحوال الدينية والسياسية والإقتصادية والاجتماعية لا ترجع إلى مغالبة الحكام بقدر ما هي راجعة إلى مغالبة المحكومين على الاستقامة على الدين
قال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في " مفتاح دار السعادة " (1 / 253)
(( وتأمل حكمته تعالى في أن جعل ملوك العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس أعمالهم بل كأن أعمالهم ظهرت في صور ولاتهم وملوكهم فإن ساتقاموا استقامت ملوكهم وإن عدلوا عدلت عليهم وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم وإن ظهر فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك وإن منعوا حقوق الله لديهم وبخلوا بها منعت ملوكهم وولاتهم ما لهم عندهم من الحق وبخلوا بها عليهم وإن اخذوا ممن يستضعفونه مالا يستحقونه في معاملتهم أخذت منهم الملوك مالا يستحقونه وضربت عليهم المكوس والوظائف وكل ما يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة فعمّالهم ظهرت في صور أعمالهم وليس في الحكمة الالهية أن يولى على الاشرار الفجار إلا من يكون من جنسهم ولما كان الصدر الأول خيار القرون وأبرها كانت ولاتهم كذلك فلما شابوا شابت لهم الولاة فحكمة الله تأبى أن يولي علينا في مثل هذه الأزمان مثل معاوية وعمر بن عبدالعزيز فضلا عن مثل أبي بكر وعمر بل ولاتنا على قدرنا وولاة من قبلنا على قدرهم وكل من الأمرين موجب الحكمة ومقتضاها ومن له فطنه إذا سافر بفكره في هذا الباب رأى الحكمة الالهية سائرة في القضاء والقدر ظاهرة وباطنة فيه كما في الخلق والأمر سواء فإياك أن تظن بظنك الفاسدان شيئا من أقضيته وأقداره عار عن الحكمة البالغة بل جميع اقضيته تعالى وأقداره واقعة على أتم وجوه الحكمة والصواب ولكن العقول الضعيفة محجوبة بضعفها عن إدراكها كما أن الأبصار الخفاشية محجوبة بضعفها عن ضوء الشمس وهذه العقول الضعاف إذا صادفها الباطل جالت فيه وصالت ونطقت وقالت كما أن الخفاش إذا صادفه ظلام الليل طار وسار
خفافيش اعشاها النهار بضوئه ... ولازمها قطع من الليل مظلم )) ا.هـ
وقد أبدع شيخنا العلامة المحدث المجاهد ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله في بيان زيف هراء المودودي هذا وأجدع ضلاله المفظع حيث قال في كتابه النافع " منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل " ( 141 ـ 142 ) : (( وقوله: " إنَّ قيادة الفجار هي منشأ جميع الكوارث والنكبات التي مني بها الجنس البشري " .
أقول: قد تكون هي من الأسباب وإلى جانبها أسباب أخر هي كفر الشعوب بالله وإشراكها به وفسوقها عن هداية الأنبياء.
قال تعالى: " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمّرناها تدميراً " .
وقال تعالى: " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ".
وقال: " وكأين من قرية عتت عن أمر ربّها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً وعذبناها عذاباً نُكراً ".
فبظلم النَّاس حكامهم ومحكوميهم وأغنيائهم وفقرائهم يصبّ الله عليهم الكوارث والمصائب والنكبات من الحروب المدمّرة والأمراض الفتاكة والمجاعات المهلكة والصواعق والفيضانات ونزع البركات من الأرض وغيرها.
ومع هذا فعبادة الأوثان الموجودة في الهند وغيره أبغض إلى الله وإلى أنبيائه والمصلحين من ظلم الحكام على فظاعته وبغضه إلى الله.
ولذا ترى إبراهيم يقول: " واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ربِّ إنّهنَّ أضللن كثيراً من النَّاس ".
وفي وقته أظلم الحكّام وأعتاهم وأفسدهم، لكنَّه جعل غايته الدعوة إلى التوحيد ومحو الشرك، فإذا ما ظهرت كلمة التوحيد وأَفَل صوت الشرك صلح حال الناس حكاماً ومحكومين. )) ا.هـ
فهنيئا للمتسلفة الذين رفعوا بن حنفية إلى مصاف الفقهاء الأعلام ببضاعته المودودية ، ومرحبا بما قام به من التجديد لوسائل الماسونية المتمثلة في دعوته إلى إنشاء الجمعيات التي يستحق بها أن يكون في مصاف شيوخ الإسلام والله المستعان على غربة العلم وأهله
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضا ليدفع معور عن معور
([13]) رواه ابن بطة في " الإبانة " ( 575 )




رد مع اقتباس