الأمر الرابع : قوله " وإذا كان جمهور العلماء قد أقروا حكم المتغلب سدا لذريعة الفتنة وحدث بعض التساهل في أهلية الحاكم الذاتية والعلمية مراعاة للأوضاع فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة لتحكيم الشرع فمن لم يحكم الشرع فلا شرعية لحكمه عندهم ولا انعقاد لبيعته ولا نفوذ لولايته "
هكذا يجازف بن حنفية في أحكام الإمامة بدون علم ولا حلم ، ومن غير دراية ولا روية ، ويصور في نفسه أنه من المحقيقين فيها ، وإن كان هو في الحقيقة هدام لما أثبته أئمة السنة والجماعة فيما يخص مسائل الإمامة وأصولها وهجام على أصول السنة بالتخريب والتشغيب وحاله " كالباحث عن حتفه بظلفه " ، ومن ذلك أنه قد تقررعند أهل السنة والجماعة أنه إذا لم يستجمع المتغلب شروط الإمامة وتم له التمكين واستتب له الأمر وجبت طاعته، وحرمت معصيته .
قال العلامة المجاهد المحقق عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم ـ رحمه الله ـ في كتابه " معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة " ( 29 ـ 32 ) : (( لقاعدة الثالثة: إذا لم يستجمع المتغلب شروط الإمامة وتم له التمكين واستتب له الأمر وجبت طاعته، وحرمت معصيته
قال الغزالي : " لو تعذر وجود الورع والعلم فيمن يتصدى للإمامة – بأن يغلب عليها جاهل بالأحكام، أو فاسق – وكان في صرفه عنها إثارة فتنة لا تطاق، حكمنا بانعقاد إمامته.
لأنا بين أن نحرك فتنة بالاستبدال، فما يلقي المسلمون فيه – أي: في هذا الاستبدال – من الضرر يزيد على ما يفوتهم من نقصان هذه الشروط التي أثبتت لمزية المصلحة ، فلا يهدم أصل المصلحة شغفاً بمزاياها، كالذي يبني قصر ويهدم مصراً ، وبين أن نحكم بخلو البلاد عن الإمام، وبفساد الأقضية وذلك محال.
ونحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلادهم لمسيس حاجتهم، فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة ؟ ! " ([1] ) اهـ.
وقد نقل الشاطبي في " الاعتصام " ([2]) كلاماً للغزالي نحو هذا، لما مثل لـ " المصالح المرسلة " هذا نصه: "أما إذا انعقدت الإمامة بالبيعة، أو تولية العهد لمنفك عن رتبة الاجتهاد وقامت له الشوكة، وأذعنت له الرقاب، بأن خلا الزمان عن قرشي مجتهد مستجمع جميع الشروط وجب الاستمرار على الإمامة المعقودة إن قامت له الشوكة إمامته ، إن قدر حضور قرشي مجتهد مستجمع للورع والكفاية وجميع شرائط الإمامة واحتاج المسلمون في خلع الأول إلي تعرض لإثارة فتن، واضطراب الأمور، لم يجز لهم خلعه والاستبدال به، بل تجب عليهم الطاعة له، والحكم بنفوذ ولايته وصحة إمامته.... ) .
ثم ضرب الغزالي مثلاً رائعاً وهو أن العلم اشتط الإمام لتحصيل مزيد من المصلحة في الاستقلال بالنظر والاستغناء عن التقليد.
إذا علم ذلك، فإن المرة المطلوبة من الإمامة: تطفئة الفتن الثائرة من تفرق الآراء المتنافرة.
قال الغزالي بعد ذلك: فكيف يستجيز العاقل تحريك الفتنة وتشويش النظام وتفويت أصل المصلحة في الحال، تشوفاً إلي مزيد دقيقة في الفرق بين النظر والتقليد ([3])
قال الشاطبي – تعليقاً على كلام الغزالي - : " هذا ما قال – يعني : الغزالي - ، وهو متجه بحسب النظر المصلحي وهو ملائم لتصرفات الشرع وإن لم يعضده نص على التعيين. وما قرره هو أصل مذهب مالك ..."
ثم ساق الشاطبي رواية عن مالك بن أنس في هذا الباب – تقدم ذكرها – وقال: "فظاهر هذه الرواية أنه إذا خيف عند خلع غير المستحق وإقامة المستحق أن تقع فتنة وما لا يصلح، فالمصلحة الترك.
وروي البخاري عن نافع، قال : لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشمه وولده، فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة "، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله، وأني لا أعلم أحد منكم خلعه ولا تابع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه ([4])
قال بن العربي : وقد قال ابن الخياط أن بيعة عبد الله لزيد كانت كرها، وأين يزيد من ابن عمر ؟ ولكن رأى بدينه وعلمه التسليم لأمر الله، والفرار من التعرض لفتنة فيها من ذهاب الأموال والأنفس ما لا يفي بخلع يزيد، لو تحقق أن الأمر يعود في نصابه، فكيف ولا يعلم ذلك ؟ قال وهذا أصل عظيم فتفهموه والزموه، ترشدوا – إن شاء الله – ". انتهى من (( الاعتصام )) للشاطبي ([5]) )) ا.هـ
فليتأمل القارئ المنصف إلى ما قرره الشيخ عبدالسلام ـ رحمه الله ـ من وجوب إنعقاد البيعة للإمام المتغلب ونفوذ ولايته وإن لم يستجمع شروط الإمامة ، والصبر عليه إن ظهر منه الجور والبغي والنهي عن الخروج عليه وشق عصا المسلمين ، لما يترتب على خلعه وخروج عليه من المفاسد ما يعلمها إلا الله كما شهد بذلك التاريخ والواقع ، وهذا الأصل لا تكاد ترى مؤلفاً في السنة يخلو من تقريره، والحض عليه وقد بلغت أحاديثه حد التواتر في ذلك ، وهذا من محاسن الشريعة فإن الأمر بالصبر على جور الأئمة وظلمهم يجلب من المصالح ودرأ من المفاسد ما يكون به صلاح العباد والبلاد ، وليس شيئا أضر على هذا الأصل الشريف كما لا يخفى على كل حصيف من تلك الأحزاب التي يتقلد عارها من أضرم نارها ، ثم يأتي بعد ذلك بن حنفية المسكين يهذي هذيان المجانين فيستحسن الحزبية ويفضي عليها من الهالات الفخمة والمبالغات الضخمة ، مما هي منها بريئة " براءة الذئب من دم يوسف عليه الصلاة والسلام " حيث أنها كشرت عن أنيابها واظهرت مخالبها وتنمرت على كل من أحتضن في أحضانها ، فهتكت حرمة الإسلام وأصوله ومزقت الأنام ، فجاءت بفتنة ضخمة ومصيبة عُظمة ، سافرة كاشفة عن أنيابها، ظاهرة في مقاصدها، قاهرة كل من استساغ نظامها وتقلب في أرجائها ، مع ذلك وللأسف يستسيغ بن حنفية مشروعيتها ، بل تعينها في الأمة الإسلامية ، فيا لخيبته وما هو عليه من الهذاء ، ويا لجهله لما جهل ما هو عليه من الهراء ، والمصيبة أكبر من ذلك وأدهى أنه لا يزال معلقا أطماعه والرجاء بالحزبية على أن تنصر دين الأنبياء ، متجاهلا ومتغافلا عن الطرق والمسالك التي سلكها الأئمة الشرفاء في تجديد معالم ما اندرس من الدين حتى أذعن ورحب بدعوتهم التجديدية الخلفاء والأمراء النبلاء، ولكن ما عسانا أن نقول في رجل طاف بين أوكار وزوايا المفكرين والحركيين ومجددي الإعتزال([6]) ، يستقي من مستنقعاتهم النجسة ، ويلتقط من جيفهم النتنة ويجني من ثمارهم المرة !!؟ أي بضاعة سيجلبها إلى الأمة السنية من تلك الأوكار البدعية والكتب الفكرية ، وإلا فالرجل لو ترعرع في جنان السنة النبوية وبساتين الآثار الصحابية يأكل من طيباتها اللذيذة ويستقي من أنهارها العذبة ويتقلب في فناء حدائقها الناضرة لفاحت منه العقيدة السنية والآثار السلفية وظهرت آثارها في حياته العلمية الدعوية ، ولأنبرى قلمه في الدفاع عن حياض السنة وأصولها ومحاربة الشرك وأوكاره من الوعدة والزردة التي طمت وعمت وشاعت في منطقة معسكر وضواحيها من مدن الغرب الجزائري ، ولتصدى لمحاربة التبليغ والتصوف والإخوان والخوارج المارقة والرفض ورؤوس المميعة المتسلفة وغيرهم من أهل الإنحراف والاختلاف ، ولكن أين ذلك منه ؟ وليرينا مشاريعه وإنجازاته في خدمة هذا العمل البطولي المشرف ، وأنى له ذلك ونحن منه في إياس من ذلك لما قد عرفناه وألتمسناه من حياته الدعوية وإنجازاته التهريجية الدائر بين تخريب أصول السنة والتشغيب على أهلها كما هو صنيعه هنا في مسألة الإمامة يصول ويجول لزعزعة كيانها وتشكيك في أصالتها وهتك حرمتها في الأمة السنية متأسيا بالثوريين والحركيين على أنه لا طاعة ولا بيعة للإمام الفاجر الذي لم يستجمع شروط الإمامة ولنا أن ننازعه في حكومته ونهرج عليه بإنشاء الأحزاب ، وهذه هي حال كل من زهد في المشروع وآثر الممنوع أورثه التخبط والتخليط وغايته التهريج ، فبن حنفية لما عميت بصيرته عن المشروع والمسنون فيما يجب على المسلم نحو ولاة أمره من التعاون معهم في السراء والضراء والدعاء لهم بالتوفيق والصلاح وإلاصلاح ، وإقامة معهم الجماعة والجمعة وإبداء لهم النصح في السر و الصبر عليهم وإن جاروا وظلموا وكف ألسنة الغوغاء والدهماء على الطعن فيهم وإظهار مكاناتهم وإحترامهم وتوقيرهم أمام العامة والخاصة وذلك إما بالمقالات الخطية أوالكلمات الخطابية سواء كان ذلك على المنابر أو عبر الصحف والمجلات أو عبر الإذاعة أو في مواقع الانترنات وإلى غير تلك الوسائل المحمودة المشروعة التي هي معينة على إصال الحق للخلق من غير إخلال بأصول الشريعة المحمدية وثوابتها الأصيلة كما حث على ذلك الشارع ورغب فيه .
قال العلامة عبد السلام بن برجس ـ رحمه الله ـ في كتابه " معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة "
( 133 ـ 137 ) : (( الصبر على جور الأئمة أصل من أصول السنة والجماعة ([7]) لا تكاد تري مؤلفاً في السنة يخلو من تقرير هذا الأصل، والحض عليه وقد بلغت الأحاديث حد التواتر في ذلك ([8]) ، وهذا من محاسن الشريعة فإن الأمر بالصبر على جور الأئمة وظلمهم يجلب من المصالح ودرأ من المفاسد ما يكون به صلاح العباد والبلاد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالي - :" وأما ما يقع من ظلمهم وجورهم بتأويل سائغ أو غير سائغ، فلا يجوز أن يزال لما فيه من ظلم وجور، كما هو عادة أكثر النفوس، تزيل الشر بما هو شر منه ،وتزيل العدوان بما هو أعدى منه، فالخروج عليهم يوجب من الظلم والفساد أكثر من ظلمهم فيصبر عليه، كما يصبر عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ظلم المأمور والمنهي – في مواضع كثيرة – كقوله – تعالي - : ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ) [لقمان : 17]
وقوله ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) [الأحقاف :35 ] ، وقوله ( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ) [الطور: 48 ] " ا.هـ.
فاصبر على السلاطين إذا جاروا من عزائم الدين ومن وصايا الأئمة الناصحين ([9]) ، جاء في " الشريعة " ([10]) للأجري : عن عمر بن يزيد، أنه قال : " سمعت الحسن – أيام يزيد بن المهلب يقول – وأتاه رهط – فأمرهم أن يلزموا بيوتهم ويغلقوا عليهم أبوابهم، ثم قال : والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا على ما لبثوا أن يرفع الله - عز وجل – ذلك عنهم وذلك أنهم يفزعون إلي السيف فيوكلون إليه، والله ما جاؤوا بيوم خير قط، ثم تلا : ( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) [الأعراف: 137[
وقال الحسن - أيضاً - : " أعلم – عافاك الله – أن جور الملوك نقمة من نقم الله – تعالي -، ونقم الله لا تلاقي بالسيوف، وإنما تتقي وتستدفع بالدعاء والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب ، إن نقم الله متي لقيت بالسيوف كانت هي أقطع ، ولقد حدثني مالك بن دينار أن الحجاج كان يقول : اعلموا أنكم كلما احد ثم ذنباً أحدث الله في سلطانكم عقوبة.
ولقد حدثت أن قائلاً قال للحجاج : إنك تفعل بأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيت و كيت !
فقال : أجل، إنما أنا نقمة على أهل العراق لما أحدثوا في دينهم ما أحدثوا، وتركوا من شراع نبيهم عليه السلام – ما تركوا " ا هـ.
وقيل : سمع الحسن رجلاً يدعو على الحجاج، فقال : لا تفعل - رحمك الله -، إنكم من أنفسكم أتيتم، إنما نخاف إن عزل الحجاج أو مات : أن تليكم القردة والخنازير.
ولقد بلغني أن رجلاً كتب إلي بعض الصالحين يشكو إليه جور المال فكتب إليه : يا أخي ! وصلني كتابك تذكر ما أنتم فيه من جور العمال، وإنه ليس ينبغي لمن عمل بالمعصية أن ينكر العقوبة، وما أظن الذي أنتم فيه إلا من شؤم الذنوب والسلام ([11]) " ا .هـ
فهذا موقف أهل السنة والجماعة من جور السلطان يقابلونه بالصبر والاحتساب، ويعزون حلول ذلك الجور بهم إلي ما اقترفته أيديهم من خطايا وسيئات، كما قال الله – جلا وعلا - :( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) [ الشورى 30]، فيهرعون إلي التوبة والاستغفار ، ويسألون الله – جل وعلا – أن يكشف ما بهم من ضر، ولا يقدمون على شيء مما نهي عنه الشرع المطهر في هذه الحال – من حمل السلاح أو إثارة فتنة أو نزع يد من طاعة -، لعلمهم أن هذه الأمور إنما يفزع إليها من لا قدر لنصوص الشرع في قلبه من أهل الأهواء الذين تسيرهم الآراء لا الآثار، وتتخطفهم الشبه، ويستنزلهم الشيطان ، ولقد جاء في النصوص " من التحذير عن مذاهب الخوارج ما فيه بلاغ لمن عصمه الله – عز وجل الكريم – عن مذهب الخوارج ولم ير رأيهم وصبر على جور الأئمة وحيف الأمراء، ولم يخرج عليهم بسيفه، وسال الله العظيم كشف الظلم عنه وعن جميع المسلمين، ودعا للولاة بالصلح، وحج معهم، وجاهد معهم كل عدو للمسلمين، وصلى خلفهم الجمعة والعيدين وإن أمروه بطاعتهم فأمكنته طاعتهم أطاعهم ،وإن لم يمكنه اعتذر إليهم وإن أمروه بمعصية لم يطعهم وإذا دارت بينهم الفتن لزم بيته، وكف لسانه ويده ،ولم يهو ما هم فيه ،ولم يعلن على فتنة فمن كان هذا وصفه كان على الطريق المستقيم – إن شاء الله –"([12]) )) ا.هـ ([13])
نعم يا إخواتاه يعمى بن حنفية عن هذه العقيدة السمحة الطيبة الحكيمة الجليلة ، فيهوى على أم رأسه في حفر الثوريين والحركيين ، مستسيغا أنظمة الديموقراطية ، راجيا منها ما لم يرجه من السنة المحمدية من الصبر على ولاة أمره في المنشط والمكره وفي اليسر والعسر وفي جميع أحواله ، فاتحا باب الضلالة والهرج في الأمة الإسلامية ، فأي الدعوة السلفية بعد هذا كله يدعيها ، والمصيبة الكبرى مع ذلك تفضى عليه تلك الثياب الواسعة الفضفاضة من أنه من أعلام السنة وفقهاء الملة ، فإن لم يكن هذا إلا تلميع حركي ، فلا ندري ماذا يريد القوم !!؟ ، حيث أنه قد عرف في الساحة الحركية الإخوانية أنهم إذا وجدوا في رجل لقمتهم ومبتغى شهوتهم الحزبية الحركية رفعوه بين عشية وضحاها في مصاف الأعلام وشيوخ الإسلام وأنه من دعاة التجديد ويغمربالهالات والألقاب المصطنعة في الثناء عليه ومدحه وإطرائه بل قد يختلق له من الكرامات العجيبة مما يقدس بها ويعظم في سوق الدهماء والبطلة والجهلة ، وما غرضهم منه إلا لقضاء أغراضهم الخسيسة الخبيثة المتمثلة في تحطيم الأمة السنية ([14])، فإذا قضوا حاجتهم منه رموه في المستنقعات كما ترمى الجيف النتنة فيحيط بها الكلاب أكلا وتمزيقا وبالتالي يصبح في خبر كان بين عشية وضحاها ، ناسيا منسيا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمة الحراني : فـ"أهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم لأنهم شانوا بعض ما جاء به الرسول فبترهم الله فكان لهم نصيب من قوله تعالى : إن شانئك هو الأبتر "([15] )
فهنيئا لك يا بن حنفية فيما أنت فيه وتذكر نقطة نهيتك وجزاء نقطة بدايتك .
..... يتبع إن شاء الله
([1]) ((إحياء علوم الدين )) وما بين شطرين من (( شرحه )) للزبيدي ( 2/233 ).
([2])( 3/44)، وقد وقفت على كلام الغزالي هذا في كتابه (( فضائح الباطنية )) ( 119/120 )
([3]) قال الشيخ عبدالكريم : يا ليت أخواننا الذين يشوشون على الناس في قضية (( تخلف بعض شروط الإمامة )) يتأملون هذا الكلام العلمي الرصين وينظرون ما علق عليه الشاطبي – وهو من علماء الاجتهاد – تأييداً ونصرة له.
([4]) صحيح البخاري كتاب الفتن، باب : إذا قال عند قوم شيئا ً ثم خرج فقال بخلافه : ( 13/68 ).
([5]) (3/46-47 )، ونحو هذا الكلام لابن العربي في (( العواصم من القوا صم )) لابن الوزير، ط مؤسسة الرسالة : ( 2/172 )، وقد ذكر نظائر لهذه المسألة منها نكاح المرآة بغير إذن الولي متي غاب وليها وبعد مكانه، أو جهلت حياته، قد ترك كثير من العلماء شرط العقد المشروع – وهو رضا الولي – لأجل مصلحة امرأة واحدة، وخوف مضرة امرأة المفقود فكيف بمصلحة عوالم من المسلمين وخوف مضرتهم ؟ )) ا هـ الخ ما ذكره من النظائر
([6]) ولا يستغرب ذلك القارئ حتى يصل به الأمر فيقول : كيف تتهم الرجل بهذه التهمة الغليظة ، وما هذا منك إلا ضرب من الفظاظة ...!! فما يكون مني إلا أن أقول : حنانيك حنانيك يا أُخي ، وأعلم بصرني الله وإياك بخبايا القوم ورزقك اليقظة لما هم عليه من الضلالة ، أن بن حنفية قد رسم لنفسه منهجا وخط في مسيرته التهريجية خطة وهي أن لا يجعل بينه وبين المخالف له وإن كان في العقيدة حاجزا ومانعا على أن لا ينقل عنه كما أوضح ذلك في " العجالة " ( 1/ 54) ، ولهذا تجده ينقل عن محمد عبده ورشيد رضا وغيرهما في رسائله وكتبه ، ولا يخفى عليكم أن محمدا ورشيدا من مجدّدين لضلال وترهات الإعتزال ، قال العلامة المحدث مقبل بن هادي الوادعي ـ رحمه الله ـ في مقدمة "ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر " : (( وفي هذا الزمن شاع وذاع أن جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده المصري، ومحمد رشيد رضا، من المجددين وأنّهم علماء الفكر الحر، فقام غير واحد من المعاصرين ببيان ضلالهم وأنّهم مجدّدون للضلال وترهات الإعتزال فعلمت حقيقتهم، وصدق الله إذ يقول: " فأمّا الزّبد فيذهب جفاءً وأمّا ما ينفع النّاس فيمكث في الأرض " )) ا.هـ
فهذا التنبيه مني على العجالة فيما يخص هذه الضلالة وإلا فسنؤخرها حتى نبينها في محلها ونستوفي فيها مقالة إن شاء الله ومنه العون والسداد
([7]) قاله شيخ الإسلام ابن تيمية (( الفتاوى )) : ( 28/179 ).
([8]) (( رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين )) للشوكاني ( ص 81-82 ).
([9]) (( بدائع السلك في طبائع الملك )) : ( 1/76 )
([10]) ( ص 38 )، ط. أنصار السنة.
([11]) من كتاب (( آداب الحسن البصري )) لابن الجوزي : ( ص 119 – 120 )
([12]) انتهي من كلام الآجري في الشريعة : ص ( 37 )
([13]) ثم إستدل الشيخ رحمه الله لتثبيت وتقرير هذا أصل من الأدلة الشرعية بما يغني ويشفي فليرجع إليه
([14]) وهذا من أخس وأخبث الوسائل والأساليب يستعملها أهل الضلال والإنحراف ضد أهل السنة والحديث حيث أنهم جندوا الجهال والغوغاء واستخدموهم في حربهم الهوجاء على إساقط العلماء الصلحاء، وذلك أنهم رفعوا أولئك الغوغاء الجهال في مصاف الأعلام وسعوا في إسقاط العلماء الشرفاء بما نصبوه لهم من الغوائل والحبائل الباطلة المتمثلة في التزهيد والتشكيك في مرجعيتهم الدينية وأماناتهم العلمية ، لأنه إذا ضعفت ثقة الشباب بعلمائهم ضاعوا في شعاب وأودية أهل الضلال والفتن وأستولوا عليهم وبالتالي يكونون كالآلة المحركة في أيدي الأشرار وشياطين الإنس يستخدمونهم في مأربهم ومصالحهم المدمرة المستدمرة ، وهذا الذي استعملته الماسونية في غرض تدمير الإسلام وأهله ومن ذلك " أنها تجذب الأشخاص إليها ممن يهمها ضمهم إلى تنظيمها، بطريق الإغراء بالمنفعة الشخصية، على أساس أن كل أخ ماسوني مجند في عون كل أخ ماسوني آخر في أي بقعة من بقاع الأرض، يعينه في حاجاته، وأهدافه، ومشكلاته، ويؤيده في الأهداف إذا كان من ذوي الطموح السياسي، ويعينه إذا وقع في مأزق من المآزق أيا كان على أساس معاونته في الحق والباطل ظالماً أو مظلوماً، وإن كانت تستر ذلك ظاهرياً بأنها تعينه على الباطل . وهذا أعظم إغراء تصطاد به الناس من مختلف المراكز الاجتماعية، وتأخذ منهم اشتراكات مالية ذات بال " ( انظر إلى رقم الفتوى : 1795 من " المجمع الفقهي " )
وقد أُلتمس هذا العمل الخبيث في جمال الدين الأفغاني وذلك من خلال مسيرته السياسية الثورية الإفسادية حيث أنه جاء عن الدكتور علي الوردي كما هو مثبت في كتاب " دعوة جمال الدين الأفغاني في ميزان الإسلام " ( 19 ) أنه قال " ((إننا على أي حال نقف هنا تجته لغز غامض ولابد لنا من أن نتساءل : كيف إستطاع الأفغاني أن ينال تلك الخطوة الكبيرة في إسطنبول وفي القاهرة بمجرد وصوله إليهما ؟ نحن نعرف أن العشرات من رجال الأدب والعلم يفدون إلى تينك المدينتين في كل عام فما هو السبب الذي جعل الأفغاني وحده يتميز عنهم جميعا بمقابلة كبار رجال الدولة ونيل المكانة الرفيعة عندهم ؟ أكان الأفغاني يحمل طلسما أو ماذا ؟))
فأجاب مؤلف الكتاب عن هذا الإشكال فقال : (( نستطيع أن نجيب الدكتور الوردي على تساؤله فنقول : بأن الأفغاني كان مدعوما من منظمات سرية كانت تفضي عليه هالة عظيمة كلما حل في مكان لتجعل منه رجل العصر في العلم والسياسة والله أعلم بالأسرار )) ا.هـ
وهذا شأن دعاة الضلال والفتن في كل زمان ومكان أنهم تفضى عليهم تلك الهالات الفخمة والمبالغات من الثناء الضخمة مما بها يرفعون إلى مصاف الأعلام وفي مقابل ذلك تسقط مكانة شيوخ الإسلام ويجهل العلم وأهله فتنتهي زمام قيادة شباب الأمة بأهل التخريب والتشغيب فما تجني الأمة منهم إلا الصراخ والتعذيب والله المستعان
([15] ) " الرد على البكري " ( 1 / 175)




رد مع اقتباس