وما أحوجك ـ أصلحك الله ـ إلى نصيحة العالم الرباني أبي محمد الحسن البربهاري شيخ الحنابلة في وقته ـ رحمه الله ـ والعمل بها إذ يقول : (( فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم أو أحد من العلماء فإن أصبت فيه أثرا عنهم فتمسك به ولا تجاوزه لشيء ولا تختر عليه شيئا فتسقط في النار)) ([1] )
فيا لها من النصيحة وانفعها للخلق إذا اخذوها بالجد والصدق لما قد علاها نور الحق ، أما من أعرض عنها وزهد فيها واتبع بنيات الطريق فلا يلومنا إلا نفسه إذا أرتمى في مستنقعات أهل الضلال و الأهواء يتخبط ويتألم ينادي هل من مغيث لما أنا فيه من الغريق ، فتجده والحالة هذه يتخبط ويستجير بأي وسيلة تنجيه ولو بخيوط العنكبوت وحاله كمستجير من النار بالرمضاء ، والمصيبة وهو في هذه الحالة المزرية لا يسلم من رشق لسانه وقلمه أهل الأثر والحديث ، فلا عتاب إذاً على أهل السنة والأثر إذا عضته سيوفهم ورموه بالمجانيق دفاعا عن أمرهم العتيق .
وعليه فأعود على بدء في بيان تخبطات ومجازفات بن حنفية التي رجف بها في رسالته" الجمعيات من وسائل الدعوة إلى الله " ، وإن كنت لا أبخل على القراء الكرام من حين إلى أخر في بيان شيء من زيف مغماراته ومقامراته التي في رسالته " هل الحزبية وسيلة للحكم بما أنزل الله " أو غيرها من كتبه ومقالاته إذا اقتضت المناسبة لذكرها والتنبيه عليها ، ليكون هذا الكتاب وافيا كافيا في بيان أباطيل وأضاليل الرجل التي أرغد وأزبد بها في الأمة الإسلامية وخاصة في ديار السلفية فاغتر بها شبابها الضعيف وإن كان قد تقيأ من روائحها الخبيثة النتنة كل سني حصيف ، فسعى لتخلص من رائحتها المنتشرة ودفعها بالحجج القاهرة ، ويعلم الله" أنني كاره لإيراد هذه الأباطيل لكن حالي كما جاء في المثل " مكره أخوك لا بطل " كما في مجمع الأمثال للميداني ( ص 274 ) ، فأجدني مضطرا إلى إيراد هذه التعسفات والرد عليها ، وأقول فيها كما قال السيوطي في كتابه " مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة " (ص:5) في إبطال قول من قال: (إنَّه لا يُحتَجُّ بالسُّنَّة، إنَّما يُحتجُّ بالقرآن وحده !) ، قال: ( اعلموا ـ يرحمكم الله ـ أنَّ من العلم كهيئة الدواء، ومن الآراء كهيئة الخلاء، لا تُذكر إلاَّ عند داعية الضرورة ) إلى أن قال في (ص6) : ( وهذه آراء ما كنتُ أستحلُّ حكايتَها لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد، الذي كان الناس في راحة منه من أعصار ) ا.هـ
ولشناعة هذه الأباطيل، فإنَّ مجرَّدَ تصوُّرِها يُغني عن الاشتغال في الردِّ عليها، لكنِّي رأيتُ الرد عليها في هذه الرسالة ، لئلاَّ يغتَر بها ذو جهل أو تغفيل، ورجاء أن يهدِيَ الله المردودَ عليه، ويُخرجه من الظلمات إلى النور، فيتوبَ من تلك الأباطيل قبل أن يفجأَه هادِمُ اللَّذَّات، والرجوعُ إلى الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطل، كما قال ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه (تفسير القرطبي 5/262)." ([2])
قال في رسالته " الجمعيات " ( 08 ـ 09 ) : ((أما الآن فلا بد من اصطناع هذه الروابط التي فرضها القانون وجعلها شرطا في الإقدام على بعض الأعمال التي لا غنى للمجتمع المسلم عنها ، ولا تقوم الرابطة بين أفراده كما ينبغي إلا بها ، وأنى للمرء أن يحشر مع تلك الرفقة الطيبة إذا لم يكن على طريقها فيالدعوة الى ما دعت اليه ، وهو غير متمكن من ذلك في معظم الأعمال العامة إلا بهذه الوسيلة قال تعالى : "وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا " [النساء: 69]
كثير من المطالب الشرعية التي تضمنتها نصوص الكتاب والسنة ومثلها في ذلك الأخبار الواردة في صفات المؤمنين كان الفرد المسلم يقوم بها وحده ، ويدعو اليها غيره ويتعاون مع إخوانه على تحقيقها أما في هذا العصر فإن كل ما يفعله الفرد هو أن يقول بلسانه ويحض بكلامه أو يقدم جهدا بمفرده وقد لا يقدر على القول بله الفعل أما أن ينتقل الى ما وراء ذلك من الفعل المؤثر الواسع فلا سبيل له إليه إلا في هيئة يعترف بها أولو الأمر ويسمحون لها بالنشاط.)) ا.هـ
أقول
بلية بن حنفية وللأسف الشديد ذوبانه مع وسائل مصطنعة ممنوعة التي مصدر إنتاجها ماسوني وثقته بها ، مع إغفاله عن الوسائل المسنونة المشروعة وتقليل من شأنها ونفعها وما يبارك الله تعالى فيها وفي أعمال أهلها المخلصين الصادقين ، فاوقعه هذا التميع والذوبان في إستحسان وسائل الماسونية والتكلف والتعسف للاستدلال على مشروعيتها بشيء من الحق ، غاض الطرف عن ما هي عليه من الأباطيل المستقبحة ، وما ذاك منه إلا لإرادة إنفاق الباطل في الوجود بشوب من الحق ، مع أن الجمعيات " لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها حتى سامها كل مفلس " ، لما هي عليه من الفضائح الظاهرة والقبائح القاهرة التي قهرت أكاذيب وزخاريف مجددي الجمعيات ، فما وجدوا شيئا يروجون به بضاعتهم البائرة إلا أن يزينوها ويلبسونها لباس الحق حتى تنفق وتروج في ديار وأسواق أهل الإتباع والصدق ، وهذا لا يخفى عليكم من ألطف ما يملكه أهل الباطل والانحراف في ترويج باطلهم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في "مجموع الفتاوى " ( 35 / 190) : (( وَلَا يُنْفَقُ الْبَاطِلِ فِي الْوُجُودِ إلَّا بِشَوْبِ مِنْ الْحَقِّ ؛ كَمَا أَنَّ أَهْل الْكِتَابِ لَبَّسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ بِسَبَبِ الْحَقِّ الْيَسِيرِ الَّذِي مَعَهُمْ يُضِلُّونَ خَلْقًا كَثِيرًا عَنْ الْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَيَدَّعُونَهُ إلَى الْبَاطِلِ الْكَثِيرِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ .)) ا.هـ
وقال العلامة الشاطبي ـ رحمه الله ـ في " الاعتصام " (2/ 136): (( يبعد في مجاري العادات أن يبتدع أحد بدعة من غير شبهة دليل ينقدح له ، بل عامة البدع لا بد لصاحبها من متعلق دليل شرعي .)) ا.هـ
فإذا كان كذلك فينبغي الكشف عن حقائق ما تحت ألفاظ بن حنفية من الحق والباطل ولكي يظهر حقيقة الغطاء الزينة الذي تزي وتزين به لترويج بضاعته الكاسدة .
فأولا : كل من وقف على كلامك يا أباعبدالقادر يتوجع ويشاركك المأساة لما عليه أوضاع أهل الإسلام من التقهقر والضعف لما قد غلب عليهم الجهل بدينهم وبعدهم عن سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وإنتشار الفتن في ربوع بلدانهم شرقا وغربا ، وتكالب الأعداء عليهم من كل ضرب وصوب ، فما من مسلم يغير على دينه وله حرقة على سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلا وهو في خنقة لما تمر عليه الأمة الإسلامية من الأوضاع السيئة ، لكن ما هو الحل في هذه المأساة المؤلمة ؟ هل نبقى مكتفي الأيدي ونحن نشاهد العدو ينحر في السنة ويشرد في أهلها ؟ أم نواجه وندافع ونصابر؟
فالأول لا يقوله من ذاق طعم السنة وباشرت بشاشة قلبه واختلطت بدمه فسارت في عروقه ، ويا له من دين لو له رجالا ، وإنا في هذا المقام نتسلى ونتأسى بقول ذاك العظيم الشريف خبيب بن عدي ـ رضي الله عنه ـ إذ يقول حين أجمعوا على صلبه
لَقَدْ أَجْمَعَ الأَحْزَابُ حَوْلي، وَأَلّبُوا ... قَبَائِلَهُم واسْتَجْمَعُوا كُلَّ مجْمَعِفقال له أبو سفيان: أيسرُّك أنَّ محمداً عندنا تُضْرَبُ عنقُه وإنك فى أهلك، فقال: لا واللهِ، ما يسرُّني أني في أهلي، وأنَّ محمداً فى مكانهِ الَّذِى هُوَ فيه تُصيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤذِيه.([3] )
وكلُّهُمُ مبدي العداوةِ جاهدٌ ... عَلَىَّ لأني فى وِثاقٍ بِمَضْيَعِ
وقَدْ قَرَّبُوا أَبْنَاءَهُم ونسَاءَهُم ... وقُرِّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طوِيلٍ مُمَنَّعِ
إلَى اللهِ أَشْكُوا غُرْبَتِي بَعْدَ كُرْبَتِي ... وَمَا أَرْصَدَ الأَحْزَابُ لى عِنْدَ مَصْرَعِي
فَذَا العَرْشِ صَبِّرْني عَلَى ما يُرادُ بي ... فَقَدْ بَضَّعُوا لحْمي وَقَد يَاسَ مَطْمَعِي
وَقَدْ خَيَّرُوني الكُفْرَ، والمَوْتُ دُونهُ ... فَقَدْ ذَرَفَتْ عَيْنَاي مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِ
وَمَا بِي حِذَارُ المَوْت إنِّى لَمَيِّتٌ ... وإنَّ إلى ربِّي إيَابي ومَرْجِعي
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِما ... عَلَى أَي شِقٍّ كان فى اللهِ مَضْعَجِي
وَذلِكَ فى ذَاتِ الإلهِ وإنْ يَشأْ ... يُبارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شلْوٍ مُمَزَّعِ
فَلَسْتُ بمبدٍ للعدوِّ تَخَشُّعاً ... ولا جَزَعاً، إنى إلى الله مَرجعي
أما الثاني : فهو مبتغى ومربط فرس شجعان وفرسان الأمة ، ولكن هنا لابد من وقفة ونظرة وتأمل وتفكر طويلة وعريضة لها إهتمامها وقيمتها يا بن حنفية وهي : بأي سلاح وعتاد وعدة سنواجه ذاك العدو ؟؟
الجواب : من قلب نظره في التاريخ منذ بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا يجد أن ما يقع للأمة اليوم من الخلل والإخلال قد حدث عبر التاريخ ووقع ، حيث أنه ظهرت في الأمة دعوات بدعية كثيرة أدعت الإصلاح والتصليح ولكن باءت بالفشل وعدم النجاح وذهبت دعواتها في مهاب الرياح لأنها سلكت منهجا في الإصلاح غير منهج محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام وأئمة الحديث الذين ساروا بسيرهم من بعدهم ، وكذلك اليوم لما ظهرت هذه الجماعات البدعية وادعت الإصلاح و تبنت لنفسها منهجا غير منهج سلفنا الصالح في طريقة الإصلاح ضاعت جهوداتها أدراج الرياح وما ظفرت بالفلاح ، إلا ما نراه من أهلها وزعمائها من التخبط والذوبان في أنظمة وتخطيطات ومصطنعات اليهودية ومسايرتهم ومداهنتهم عليها ، ولهذا نجدهم أنه ما قامت لهم قائمة منذ نشأتهم إلى يومنا هذا بغض النظر عن كثرة وكثافة ما هم عليه من الأعمال ولكنها جوفاء لا روح فيها ، فلا للإسلام نصروا ولا لأوكار الشرك كسروا و لا لأفكار أهل البدع والضلال دمروا، بل ما رأيناهم إلا أعاونا ([4] ) للملل الكافرة والنحل المبتدعة المغلظة في التشغيب على أصول السنة وتخريب بلاد الإسلام ، مقتفين أثر سلفهم" يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان "([5]) ، وهكذا التاريخ يعيد نفسه ، فإذا كان الأمر قد إتضح من أن شأن الجماعات الحزبية إفتضح وأن مأل أمرها التلاشي والاضمحلال ولابد ، وإن كنا نرى لها حركة من حين إلى حين فحسبك أن تكون حركة الشاة المخنوقة .
ألا يجدر بنا والحالة هذه أن نسعى ونتشجع للرجوع والتأمل في معرفة سبب نجاح دعوة سلفنا الصالح وأن نقف على بواعث بقاء خيرها وبركتها جيلا بعد جيل إلى أن وصلت إلى يومنا هذا ، بل قد صح الخبر أنها ستستمرفي سيرها الحثيث إلى قيام الساعة ([6] ) ، وقد أحسن من قال : " لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا "([7] )
نعم يا إخوتاه لو قلبنا صفحات سلفنا الصالح المشرقة وإيامهم المشرفة لو جدنا أن أبرز وأهم الجوانب الباعثة على نهضتهم الإصلاحية والتي تعد نواة نجاح وفلاح أئمة التجديد و الإصلاح هي إهتمامهم البالغ بالدعوة إلى الله تعالى على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام ـ رضي الله عنهم ـ ، وحق لهم ذلك إذ أنها تعد من أسمى المطالب التي يبذل من أجلها النفس والنفيس وكل الغالي والحبيب ويهون معها كل مصاعب ، كيف لا وهي مهمة الرسل الكرام وميراث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ،و بها تعلو كلمة التوحيد وترفع راية السنة وتقمع أوكار الشرك والكفر و البدع وتزلزل عروش دولتهم([8] )، فهي إذاً ذات أهمية كبرى في تحقيق النصر للإسلام ، وقد أشاد الله تعالى بأهلها في كتابه الحكيم فقال جل في علاه : (( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ )) [فصلت: 33 ] ([9] ).
فهذه الشعيرة وهذه أهميتها فجدير بالشارع أن يهتم بها ولا يكل أمرها إلى الخلق ، لأن المخلوق لا يهتدي إلى مصلحة نفسه إلا بتوفيق الله ، فكيف يهتدي إلى مصلحة غيره ، ومن باب الأولى كيف يعرف مصالح التشريع ما لم يشرح له ويوضح ، فإذا تنبهت لذلك يا بن حنفية فتذكر وتفكر في قولك : " أما الآن فلا بد من اصطناع هذه الروابط التي فرضها القانون وجعلها شرطا في الإقدام على بعض الأعمال التي لا غنى للمجتمع المسلم عنها ، ولا تقوم الرابطة بين أفراده كما ينبغي إلا بها "
ما هذا منك يا بن حنفية إلا محض التحسين المذموم والرأي المجذوم ، و كان يحسن بك قبل أن تقدم على هذا الهراء وتتقيأ هذا الهذاء أن تتأنى فتنزل في رياض القرآن فتأخذ من طيبه وتجول في بستان الحديث فتقطف من ثماره وتحذو حذو سير السلف الصالح فتسير في ركابهم رابطا رقبتك في عجلتهم ملتمسا غبار قافلتهم ، فتنظر هل ما استحكم في جعبتك من الأخلاط والأبخرة الرديئة يسوغ لك أن تستفرغه و تتنفسه في الأمة الإسلامية ؟! وعلى أقل الشيء كان يجب عليك أن تتأمل وتنظر هل له حظ من النظر ، وأنه مما أتى به المنقول و شهد له الشرع بالقبول وعرف حسنه ذوي العقول ، أو أنه ضرب من السفسطائيات والوساوس التي رجف بها كل مخذول ؟!
ألا تعلم ـ هداك الله وبصرك بحقائق أهل الإيمان وعلوم ذوي العرفان ـ أن الدعوة إلى الله عبادة ، بل هي من أسمى العبادات ، وأفضل القروبات ، فإذا كانت كذلك فالعبادات مدارها و" مَبْنَاهَا عَلَى الشَّرْعِ وَالِاتِّبَاعِ لَا عَلَى الْهَوَى وَالِابْتِدَاعِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ
وَالثَّانِي : أَنْ نَعْبُدَهُ بِمَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَعْبُدَهُ بِالْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : (( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا )) [الجاثية:18] ، وَقَالَ تَعَالَى : (( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ )) [الشورى:21] ، فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ إلَّا بِمَا شَرَعَهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ "([10] ) وما ذاك إلا لأن شريعته "([11] ) كاملة من كل وجه ، لا نقص فيها ولا قصور ، يقول الله تعالي مخبراً عن هذه الحقيقة الثابتة : (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً )) [المائدة: 3] ، فما من شيء تحتاجه الأمة في حاضرها ومستقبلها إلا وقد بينه الله تعالى بياناً تدرك الأمة من خلاله حكمه من حل أو حرمةٍ ، وهذا الأصل مقرر في الكتاب والسنة بما لا يدع مجالاً للشك فيه أو الارتياب ، وقد أجمعت الأمة علي ذلك .
قال الله تعالى : ((مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ )) [الأنعام: 38] ، وقال تعالى : (( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ )) [النحل: 89 ] ،وقال تعالى : (( وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً )) [الاسراء: 12 ] ، وقال تعالى : (( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )) [المائدة :15،16 ] ... وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ما بعث الله نبياً إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم )) ، وأخرج البغوي في شرح السنة ( 14/303-305 ) عن زيد اليامي وعبد الملك بن عمير ، عن ابن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ، ويباعدكم من النار إلا قد أمرتكم به وإنه ليس شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه ..)) الحديث .
وأخرجه الحاكم في المستدرك ( 2/4 ) من طريق آخر ، عن ابن مسعود . والبيهقي في (( شعب الإيمان كما في المشكاة ( 3/1458 ) .
قال العلامة ابن القيم – رحمه الله – في تقرير هذا الأصل : (( .. فرسالته صلى الله عليه وسلم كافية عامة ، لا تحوج إلى سواها ، ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته .. فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته ، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به .
وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علماً ، وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلى وآداب الجماع ، والنوم والقيام والقعود ، والأكل والشرب ، والركوب والنزول ،والسفر والإقامة ، والصمت والكلام ،والعزلة والخلطة والغنى والفقر والصحة والمرض ، وجميع أحكام الحياة والموت .
ووصف لهم العرش والكرسي ، والملائكة والجن والنار والجنة ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأي عين
وعرفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله .
وعرفهم الأنبياء وأممهم ، وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم .
وعرفهم من طريق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يعرفه نبي لأمته قبله .
وعرفهم صلى الله عليه وسلم من أحوال الموت ما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما لم يعرف به نبي غيره .
وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع فرق أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة من بعده ، اللهم إلا إلى من يبلغه إياه ويبينه ويوضح منه ما خفي عليه .
وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق النصر والظفر ما لو علموه وعقلوه ورعوه حق رعايته لم يقم لهم عدو أبداً .
وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من مكايد إبليس وطرقه التى يأتيهم منها ، وما يتحرزون به من كيده ومكره وما يدفعون به شره ما لا مزيد عليه .
وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من أحوال نفوسهم وأوصافهم ودسائسها وكمائنها ما لا حاجة معهم إلى سواه .
وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة ، وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برمته ، ولم يحوجهم الله إلى أحدٍ سواه ... ا هـ كلامه ـ رحمه الله تعالى ـ "([12] )
فإذا اتضح هذا نجد انفسنا والحالة هذه أنه قد وصلنا مع بن حنفية إلى نقطة مفترق الطرق ، وظهر لنا جليا حقيقة سموم قوله " أما الآن فلا بد من اصطناع هذه الروابط التي فرضها القانون وجعلها شرطا في الإقدام على بعض الأعمال التي لا غنى للمجتمع المسلم عنها ، ولا تقوم الرابطة بين أفراده كما ينبغي إلا بها " .
يا بن حنفية بالله عليك نريد منك كلمة الإنصاف من غير اللف ولا الدوران بعيدا عن التكلف و الإعتساف أين دعوة محمد صلى الله عليه وسلم من هذه الروابط المصطنعة التي فرضها القانون وجعلها شرطا في الإقدام على الأعمال الخيرية و التي لا قوام للدعوة المحمدية إلا بها ؟! هل جهلتها الشريعة وعلمتها أنت وقنونك؟ وهل هذه الشروط التي يفرضها قنونك يقرها الشرع المحمدي ويشهد بصحتها ، لأنه "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط "([13] ) ،؟!
إنا والله لنشهد ونؤمن أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم قد بين لأمته وسائل الدعوة الشرعية سواء بالقول أو بالفعل أو بهما على أتم البيان وأحسنه التي بها يرشد الغاوي ويقهر بسلطانها العاوي ، بعيدا عن شروط قنونك وروابطك المصطنعة الوهمية ،" إذ كيف يبين صلى الله عليه وسلم آداب قضاء الحاجة ونحو ذلك ويدعوا وسائل الدعوة التي لا قيام للإسلام إلا بها؟"([14] ) " فليس من سبيل في إيجاد مجتمع كمجتمعه إلا بهذه الوسائل الشرعية والطرق السلفية ، كما قال الإمام مالك – رحمه الله تعالى - : (( لن يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها )).
فالزيادة عليها زيادة في الشرع ، وخروج عن سبيل المؤمنين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم(( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) "([15] )
فدعك ياعابدين من ترقيع وسائل الماسونية التي قد ظهرت لكل ذي العينين فضائحها وقبائحها، و من أنها داء عضال وسم نقيع ، واعلم أن غاية ما في أراجيفك هذه أنها "شبهات نسجتها الأوهام و الأغراض في العصور المظلمة ، فكن حر الفكر ، قوي الإرادة ، و خلص نفسك من تلك القيود و الأغلال ، فإنك في عصر العلم ! "([16] ) ، وتأمل في قوله جل في علاه (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ )) [يوسف: 108] ، وفي ما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» -وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله- فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك: فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب"([17] )
وحدق ناظر قلبك في معانيهما وأجمع فكرك على تدبرهما وتعقلهما ، فستظفر بإعانة الله عز وجل لك بالوعد الجميل وتهدى بتوفيقه إلى سواء السبيل وتعصم من اقتحام طرق البدع والتضليل وتسهل عليك الأمور الصعاب غاية التسهيل ويتضح لك الدليل وتسلم من التذبذب والتحويل .
لعمري لو لم يكن في الباب إلا هذان الدليلان لكفى بهما حجة في طرح وطرد كل تعسف وتكلف متمثل في تحسين الوسائل البدعية المستحدثة التي هي من صنع وإنتاج الدول اليهودية والصلبية .
وبالمناسبة ومن دواعي السرور والحبور ـ وأنا أنسج في هذا السياج نسأل الله من نفعه وبركته ـ أن أهتديت إلى لطيفة من لطائف وروائع كتاب " التوحيد " للإمام شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب ـ رحمه الله ـ الدالة على قوة ذكاء وغزارة فقه الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب ـ رحمه الله ـ حيث أنه أورد هذين الدليلين تحت ترجمة (( باب الدعاء إلى شهادة لا إله إلا الله )) وذلك بعد ما ذكر "التوحيد وفضله ، وما يوجب الخوف من ضده، منبها على أنه لا ينبغي لمن عرف ذلك أن يقتصر على نفسه، بل يجب عليه أن يدعو إلى الله تعالى ([18] ) " ، وقبل ذلك يتأكد عليه إذا أراد أن يباشر هذه المهمة الشريفة والخدمة الجليلة وكان متأهلا لذلك أن يعلم بأن هذه الدعوة "مرتكزة على دعائم وتقوم على أسس لابد منها ، متى اختلَّ واحدٌ منها لن([19]) تكن دعوة صحيحة ولن تثمر الثمرة المطلوبة، مهما بُذل فيها من جهود وأُضيع فيها من وقت ،كما هو المشاهد والواقع في كثير من الدعوات المعاصرة التي لم تؤسَّس على تلك الدعائم ولم تقم على تلك الأسس ([20] )"
ومن أهمها أن نسلك في دعوتنا إلى الله ، السبيل الذي سلكه عليه الصلاة والسلام في دعوته ، والذي أرشد أمته إليه ، فقد كفاهم ـ بأبي هو وأمي ـ مؤونة إختراع وإصطناع الوسائل التي هي من نسيج عقول البشر القاصرة فشرع لهم" الجهاد بالنفس ، والجهاد بالمال والجهاد بالقوة ... والدفاع كذلك ، وتغيير المنكر باليد وهذا لذي سلطان ، كرجال الحسبة وباللسان، ومثله القلم ، وبالقلب ، والأمر بالمعروف كذلك .
والنصيحة لائمة المسلمين وعامتهم بالتي هي أحسن : مناصحة بالكلمة ، ومناصحة بالكتابة ، وتذكير بأيام الله .
والدعوة تكون بالوظائف المرتبة في الإسلام : خطب الجمع والعيدين ، والحج ، وبالتعليم ، ومجالس الذكر والإيمان .
والصدع بكلمة الحق : ببيانها حتى يكشف الله الغمة عن الأمة ، وبفتوى عالم معتبر ، يغير الله بها الحال إلى أحسن ، فتعمل ما لا تعمله الأحزاب في عقودٍ ، وهكذا بعمل فردي من عالم بارع ، ينشر علمه في الأمة : في إقليم ، في ولاية ، في مدينة ، في قرية ... وهكذا ، وبعمل جماعي على رسم منهاج النبوية لا غير ، كجماعة الحسبة ودور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،ومراكز الدعوة ورابطة العلماء ([21])"
فأين حظ إنشاء الأحزاب والجمعيات من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وتشريعه إن كانت تعد من طرق الإصلاح ومما ينصر بها الإسلام ويبتغى بها الفلاح ؟!!
وبيان هذا يكون بالأمر التالي ـ الثاني ـ : إن المتأمل في حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ يظفر بنكتة نفيسة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا ـ رضي الله عنه ـ إلى اليمن أرشده إلى أنه سيأتي قوما من أهل الكتاب ، ومن المعلوم أنهم كانوا هم أكثر أهل اليمن في ذلك الوقت ، وإن كان معهم أيضا في إقليمهم أهل الشرك ، فبالله عليكم مجتمع جمع هذا الخليط أي حال سيكون عليه من الفساد والإفساد ؟ وأي طريقة تسلك معهم للإصلاح ؟ وبأي شيء يبدأ معهم ؟ وبماذا يبدأ ؟ وبمن يبدأ ؟ مع إن مثل هذا المجتمع على منظور التكتل الحزبي والجمعاوي لا يحتاج إلى داعية واحد ، بل يحتاج إلى تنظيم وتجميع وتكتيل ؟!
ولكن حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ يأبى ذلك حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقام بمهته الشريفة على ما يرضى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فعلم الناس أمور دينهم وقامت به الحجة مع إنه كان فردا ، وهذه من الجحج الظاهرة القاهرة ومن اللطائف الدالة على أن أخبار الأحاد ممن تقوم بها الحجة سواء ما كان منها في العقائد أوالعبادات أوالمعاملات وهذا من المسلمات عند سلفنا الصالح بخلاف ممن أصابه المرض العقلي والوساوس ، فعلاجه أن يرجع إلى طبيب العقول وهادي النفوس ومصححها وشافيها .
المقصود ، لو أن هذا التنظيم والترتيب الذي عليه الجمعيات ونهيك عن شروطها التي اصطنعها القانون لتمشيتها ممن يخدم الإسلام ويرفع رايته ما كان يغفل عنه النبي صلى الله عليه وسلم وخاصة أن ظروف اليمن وما كانت عليه من الأوضاع السيئة فيما يخص أمور دينها وعبادة ربها ، لمحتاجة إلى ذلك ، ويتأكد إذا عرفنا أن معاذا بُعث وحده فمأحوجه إلى هذا التنظيم والتكتيل الجمعاوي لكي يباشر من خلاله دعوته ، وتكون نواة لمسيرته الإصلاحية، ولكن يا خيبة على أصحاب الجمعيات ما كان من ذلك شيء .
فهآ معاذ بن جبل رضي الله عنه يباشر دعوته وتعليم الناس بمفرده ، فعلم وربى وخرج على يديه أئمة علماء وأبطال شرفاء يضرب بهم المثل في العلم والعمل والجهاد والشجاعة ما استطعت الجمعيات أن تستخرج ولو ربع واحد منهم ـ رضي الله عنهم ـ مع طول السنين من ظهورها ، فأين بركة السنة وإنتجاتها الباهرة الظاهرة ، من التكتل الحزبي المدمر للعقائد السنية والمنوم للشخصيات الإسلامية ؟
وأزيدكم من الشعر بيتا : يا إخوتاه ألا يكفنا في الطرح والطرد هذه الجمعيات ودسها بالأقدام بأن نعلم أن السبب المقتضى لفعلها وتأسيسها كان موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع انتفاء ما يمنع منها ، وخاصة إذا علمنا أن الحاجة كانت ماسة من تأسيسها ، أليس هذا كافيا وقاضيا في عدم مشروعيتها وأن من السنة تركها ([22] )، لأنه لو كانت من السنة لكانت همم ودواعي الصحابة ونقلة الأخبار ورواة الآثار موجبة لنقل ما جاء في مشروعيتها ، فحيث لم ينقله واحد منهم البتة ، ولا حدث بذلك عُلم أنه لم يكن من ذلك شيئا ، ولهذا تجد سلفنا الصالح من بعده صلى الله عليه وسلم قد تركوا فعلها أو نقلها أو تدوينها في مصنفاتهم أو ذكرها في مجالسهم ، مع إنهم قد أشادوا بذكر ما هو مشروع من وسائل الدعوة في مصنفاتهم ومجالسهم ومنها على سبيل المثال : الكتابة والتصنيف التي نفع الله بها نفعا عظيما في حفظ السنة ، ولها تأثيرا بالغا في حمايتها ، فألفوا فيها مصنفات مستقلة ككتاب" تقييد العلم " للإمام الحافظ الخطيب البغدادي ـ رحمه الله ـ وغيره ، بل لا يخلو كتاب من كتب علوم الحديث ـ أي : مصطلحه ـ إلا ويشيد بذكره وآدابه وما جاء فيه من الأخبار والآثار ، فأين الجمعيات المسكينة من نصيبه وحظه ونفعه الواسع لو كانت من الوسائل المشروعة ؟
وفيما يبدو ـ بل نجزم ـ أن نفع الجمعيات أنفع من التصنيف على مستوى العموم في منظور الجمعاويين وقد صرح بذلك بن حنفية حيث قال " أما في هذا العصر فإن كل ما يفعله الفرد هو أن يقول بلسانه ويحض بكلامه أو يقدم جهدا بمفرده وقد لا يقدر على القول بله الفعل أما أن ينتقل الى ما وراء ذلك من الفعل المؤثر الواسع فلا سبيل له إليه إلا في هيئة يعترف بها أولو الأمر ويسمحون لها بالنشاط."
مهلا ... مهلا يا بن حنفية ما هذه المكايسة والمسايرة والمصانعة للوسائل الماسونية وإشادك بمنافعها و تأثيرها مع إن نفعها ما هو إلا خيال مصطنع وخدع وألعيب صنعها من صنعها لإغواء وإغراء أهل الإسلام ببضائع اليهودية وترويجها في بلاد الإسلام ، فأغتر بها الأغبياء وتقلد عارها الأشقياء فنسبوهوا إلى شريعة إمام الحنفاء وسيد الأنبياء ، فسخر أرحم الرحماء لبيان زيفها وغبشها كوكبة من العلماء الشرفاء ، فتصدوا لها وبينوا ما فيها من البلاء وصاحوا عليها في الملأ حتى كشفوا ما فيها من الداء ، فجزاهم عن الإسلام وأهله كل الخير والجزاء .
ولكن ويا للأسف مع هذا كله يأتي بن حنفية وممن ركب سفينته المخروقة ، ممن يظهر على السنة حرقة ، يتباكى على الجمعيات ويقيم الدنيا ولايقعدها إذا أُنكر عليه العمل تحت غطائها ، متغافلا متناسيا ما قام به أئمتنا الصلحاء من جهادهم الجبار في دك حصون الجمعيات وكشف ما فيها من الضباب والغبار .
يا بن حنفية والله أعجب من دعوتك المشيخة والإصلاح وأنت في معزل عن هدي سلفنا الصالح في طريقة الدعوة إلى الله و مبدأ الإصلاح الذي كان سببا في تشيدك بوسائل اليهودية وتوهمك ما فيها من المنافع الوهمية ، متنقصا ما لوسائل الإسلام والسنة من النفع العظيم والعطاء الكريم ، وإن كانت أعمالا فردية يقوم بها كل فرد على قدر إستطاعته وقدرته ، فتأتي أكلها كل حين وينفع الله بها ، وتحقق ما لم تحققه الوسائل البدعية ، وإلا فأين أنت يا بن حنفية من الدعوة السلفية التجديدية الإصلاحية التي قام بها شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني ـ رحمه الله ـ وما أجرى الله على يديه من النفع والبركة والخير الواسع والتأثير النافع وقد عم هذا الخير مشارق الأرض ومغاربها ، مع إنه لم يكن له أي جمعية ينشط تحت لوائها ولا دولة تحميه وتأويه ، بل كانت تؤذيه حتى مات ـ قدس الله روحه ـ تحت سقوف سجونها ، إلا ما كان منه من التأليف والتصنيف ، فقد أمسك ـ رحمه الله ـ المصباح بكلتا يديه وأنار الطريق السلفي لكل من أتى بعده ، فلشيخ الإسلام في الدعوة السلفية جهدا مشكورا حيث ألقى بذوره الطيبة في الأراضي الخصبة النقية فنمت وترعرت بمرور أزمنة على أيدي تلامذته الأوفياء النجباء ، حتى بلغت تمام النضج على يدي شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب وتلاميذته ـ رحمهم الله ـ وهاذا نحن الآن من رحمة الله علينا وفضله الكريم نتقلب في روضاتها الدمثات ونتأنق فيها ، لما أجرى الله فيها من الخير والبركة فله الحمد والفضل والمنة .
فأرينا بالله عليك أي جماعة أو أي جمعية خرجت مثل هذا العظيم أو مثل تلامذته ؟
وأيضا أين أنت من دعوة الإمام المجدد المحدث ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ التي قد شاع وذاع نفعها وذكرها في المعمورة ، فكم نفع الله تعالى بكتاباته العظيمة وتوجيهاته الحكيمة ([23] ) من الخلق في مشارق الأرض ومغاربها من غير هذه الجمعيات وأوكارها ، بل قد صاح وطاح بأهلها إن كانوا يسمعون وينتفعون .
وأيضا أين ذهب ذهنك وساح وراح من تأليف وكتابات شيخنا المبجل الإمام المحدث ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه ربي ـ التي قد فاح نور كمالها ولاح نور جمالها ، فكم نفع الله بها أهل الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ، وكم طهر الله به عقائد عباده وقامت بها الحجة وظهرت بها المحجة ، فالشيخ يزرع البذور في المملكة ـ حرصها الله من كل سوء ـ وتجنى ثمارها في غيرها من بقاع الأرض شرقا وغربا ، لعمري قد عجزت الجمعيات والجماعات أن تقوم بمعشار ما قام به من الجهاد الجبار الكبير ، ولهذا غاظهم عمله البطولي وأزعجتهم كتاباته ، فوقفوا له وقفة رجل واحد ورموه عن قوس واحد لإسقاطه وتشويه سمعته لما خصه الله من الشرف والفضل والعطاء المتمثل في تدمير عروشهم الباطلة وتحطيم قواعدهم العاطلة وتسفيه مناهجهم الكاسدة ـ لله دره وأصبغ الله على من خيره ـ ، ولكن ما زاده الله بهذا العمل البطولي الشريف إلا رفعة وحبا عند خلقه وظهرت حقيقة خصمه ما هو عليه من وضيعة .
فماذا تقول يا بن حنفية عن دعوة هؤلاء الرجال العظماء الشرفاء ومدى نجاح دعوتهم الإصلاحية مع إنها لم تكن تحت غطاء الجمعيات ولا وجدت سيف السلطان يحميها ويؤيدها إلا ما كان من بركة سنيتها وإخلاص أهلها ، وترسمهم خطى من سلفهم في طريقة دعوتهم إلى الله وإبتعادهم عن كل ما يخدش سيرها ويعطل مقصودها المنشود ، فوصلت إلى ما شاء الله أن تصل ونفع الله بها من أراد به الخير ، وهذا مصداق قوله جل في علاه : (( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا )) [الأعراف: 58] ، وقوله تعالى : (( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)) [ إبراهيم :24 ـ 25] . وما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير فكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ))
يقول الإمام المبجل ابن القيم ـ رحمه الله ـ في بيان اللطائف ما في قوله تعالى : { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا } : (( فهذا هو المثل المائي شبه الوحي الذي أنزله بحياة القلوب بالماء الذي أنزله من السماء وشبه القلوب الحاملة له بالأودية الحاملة للسيل فقلب كبير يسع علما عظيما كواد كبير يسع ماء كثيرا وقلب صغير كواد صغير يسع علما قليلا فحملت القلوب من هذا العلم بقدرها كما سالت الأودية بقدرها ولما كانت الأودية ومجاري السيول فيها الغثاء ونحوه مما يمر عليه السيل فيحتمله السيل فيطفوا على وجه الماء زبدا عاليا يمر عليه متراكبا ولكن تحته الماء الفرات الذي به حياة الأرض فيقذف الوادي ذلك الغثاء إلى جنبتيه حتى لا يبقى الماء الذي تحت الغثاء يسقي الله تعالى به الأرض فيحيي به البلاد والعباد والشجر والدواب والغثاء يذهب جفاء يجفي ويطرح على شفير الوادي ، فكذلك العلم والإيمان الذي أنزله في القلوب فاحتملته فأثار منها بسبب مخالطته لها ما فيها من غثاء الشهوات وزبد الشبهات الباطلة يطفو في أعلاها واستقر العلم والإيمان والهدى في جذر القلب فلا يزال ذلك الغثاء والزبد يذهب جفاء ويزول شيئا فشيئا حتى يزول كله ويبقى العلم النافع والإيمان الخالص في جذر القلب يرده الناس فيشربون ويسقون ويمرعون )) ا.هـ ([24] )
لله دره من طبيب بصير وفقيه نحرير ما ألطف كلامه وأغزره فائدة وأنفعه في الواقع المشاهد ، والأمر كما قال ـ رحمه الله ـ هاذا دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا يزال الله تعالى يحي بها العباد والبلاد جيلا بعد جيل إلى أن يرث الأرض ومن عليها ، وقد حظي حملتها أئمة الحديث والأثر بحظ وافر من الذكر والثناء والرفعة لما قاموا به من الأعمال الشريفة المتمثلة في حماية السنة والدفاع عنها وصيانتها من كل دخيل ، فرفع الله ذكرهم ونفع بهم خليقته ، وفي مقابل ذلك أخمد ذكر أهل الضلال والكذبة والهلكة، وما إن يظهر أحدهم شيء من الباطل والكذب إلا ويقيض الله من أهل الحديث والأثر من ينسف باطله و يفضح كذبه بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة حتى يخمد ذكره و يفتضح كذبه ويدفن باطله ويصبح ناسيا منسيا .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في كتابه " الرد على البكري " ( 1 / 175) : (( قال أبو بكر بن عياش لما قيل له إن بالمسجد أقواما يجلسون ويجلس إليهم الناس ؟
فقال : من جلس للناس جلس إليه ، ولكن أهل السنة يموتون ويبقى ذكرهم لأنهم أحيوا بعض ما جاء به الرسول فكان لهم نصيب من قوله تعالى: " و رفعنا لك ذكرك "،و أهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم لأنهم شانوا بعض ما جاء به الرسول فبترهم الله فكان لهم نصيب من قوله تعالى :" إن شانئك هو الأبتر ")) ا.هـ
وقال الحافظ الإمام ابن حبان البستي ـ رحمه الله ـ في " المجروحين " ( 1 / 229 ) في شأن الحسن بن عمارة : (( كان بلية الحسن بن عمارة أنه كان يدلس عن الثقات ما وضع عليهم الضعفاء كان يسمع من موسى بن مطير وأبي العطوف وأبان بن أبي عياش وأضرابهم ثم يسقط أسماءهم ويرويها عن مشايخهم الثقات فلما رأى شعبة تلك الأحاديث الموضوعة التي يرويها عن أقوام ثقات أنكرها عليه وأطلق عليه الجرح ولم يعلم أن بينه وبينهم هؤلاء الكذابين ، فكان الحسن بن عمارة هو الجاني على نفسه بتدليسهم عن هؤلاء وإسقاطهم من الأخبار حتى ألزق الموضوعات به ، وأرجو أن الله عز وجل يرفع لشعبة في الجنان درجات لا يبلغها غيره إلا من عمل عمله بذبه الكذب عمن أخبر الله عز وجل أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى صلى الله عليه وسلم )) ا.هـ
فإذا اتضح هذا الأمر نجد أنفسنا والحالة هذه أنه قد وصلنا إلى أمر مهم لابد من التنبيه عليه قبل أن نطوي صفحات هذه الوقفة لنتجاوز غيرها : وهي أنه ليس العبرة بالتجميع والتكتيل ولا الإغترار بالكمية والكثرة وإنما العبرة بالتمييز والإصابة أو بعبارة أخرى أبين وأوضح وهي أنه لا يكون هم المصلح تجميع الناس بأي وسيلة كانت وعلى أي مناهج هم عليها ، بل ليكن همه تحقيق أصل " التصفية والتربية " الذي قد أشبعناه بيانا فيما سبق ولله الحمد والمنة ، وليحرص على موافقة الشريعة في أقواله وأعماله مهم كانت الظروف ومهم وصل مجتمعه من الانحطاط ، وإياه وإياه أن يفاوض ويركن لوسائل الماسونية وانظمة الديموقراطية فيداهنها ويسايرها ، وليعلم أن نبينا صلى الله عليه وسلم قد واجه أعداء كثر وقد استخدموا معه شتى الطرق والأساليب من الإغواء والمفاوضة لصديه عن دعوته صلى الله عليه وسلم ، بل ودوا لو يدهن فيدهنون ، لكن ذلك لم يصده عن دعوته ولم يأب لهم فيما يريدونه ، وشمر عن ساعد الجد في مفاصلتهم في جميع ما هم عليه مفاصلة تامة ، ولم يتخذ معهم حلولا مخذولة ليتقرب معهم في دينهم ووسائلهم ، وكان يبالغ في مخالفتهم ، فما بالنا اليوم نحسن الظن في انظمة القوم ووسائلهم ونرجو نفعها وهي ما أسست إلا لتحطيم الإسلام ، وكم من إنجازات إستدمارية تحققت لهم بهذه الوسائل والمخططات ، وما بقي لهم إلا هذه الكتلة القليلة من أهل السنة والجماعة في الأمة ، فغايتهم المنشودة أن يأتوا على بنيانها فيسحقوها نهائنا من فوق الأرض !!
فانتبهوا بارك الله فيكم لهذا واسمعوا واعوا بأن القوم بمرصاد لكم ليلا ونهارا حتى يقضوا عليكم ، وإلا فما أضر عليهم وأثقل ونواة هزيمتهم ، لو سلكتم سبيل سلفكم الصالح في العلم والعمل والدعوة إلى الله، وأخذتم بعين الإعتبار آثارهم فكانت لكم نورا ومصباحا في ظلمات الفتن ومنها :
قال عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - : (( إنا نقتدي ولا نبتدي ، ونتبع ولا نبتدع ، ولن نضل ما تمسكنا بالأمر )) ، أخرجه اللكائي في : شرح اعتقاد أهل الحديث (1 / 86)
وأخرج الأجري في (( الشريعة )) (ص 131) عن على وابن مسعود – رضي الله عنهما – أنهما قالا :(( لا ينفع قول إلا بعمل ولا عمل إلا بقول ، ولا قول وعمل إلا بنية ولا نية إلا بموافقة السنة )).
وقال محمد بن سيرين : (( كانوا يرون أنهم على الطريق ما كانوا علي الأثر ))
وقال ابن قاسم – رحمه الله تعالى - في (( شرح التوحيد )): (( ولا بد في الدعوة إلى الله تعالى من شرطين : أن تكون خالصة لله تعالي ، وأن تكون على وفق سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن أخل بالأول كان مشركاً وإن أخل بالثاني كان مبتدعاً ) (حاشية كتاب التوحيد / 55) . ا هـ.([25] )
...... يتبع إن شاءالله
( [1]) شرح السنة (ص 23)
([2]) " الانتصار للصحابة الأخيار في رد أباطيل حسن المالكي " ( ص 5 ) للعلامة المحدث العلامة عبد المحسن بن حمد العباد ـ حفظه الله ـ
([3]) "زاد المعاد في هدي خير العباد "( 2 / 151)
([4]) هذا مقتضى حالهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون إن كانوا يعلمون ويفقهون فينتهون ، وإلا فعظم خطر أهل البدع والضلال على أهل الإسلام أشد وأعظم من خطر أهل الملل كما تقرر ذلك عند أهل السنة والجماعة
قال الشيخ حمد بن إبراهيم العثمان في كتابه " دراسة نقدية لقاعدة المعذرة والتعاون " ( 119 ـ 123) : (( إن خطر المبتدعة أعظم من خطر أهل الملل إنما هو من جهة الفتنة بهم ، والتباس أمرهم على العامة لأنهم من أهل القبلة وليس الكلام في المفاضلة بينهما باعتبار العذاب الأخروي .
فضرر أهل البدع المكفرة المضلة على المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى ، فإن هؤلاء المبتدعة يفسدون القلوب ابتداء، وأما اليهود والنصارى، وأهل الحرب لديار المسلمين؛ ففسادهم للقلوب لا يكون إلا تبعاً
وفساد اليهود والنصارى ظاهر لعامة المسلمين، أما أهل البدع ، فإنه لا يظهر فسادهم لكل شخص.
قال شيخ الإسلام في سياق رده على غلاة الصوفية من "مجموع الفتاوى " ( 2/359) : (( فهذه المقالات وأمثالها، من أعظم الباطل، وقد نبهنا على بعض ما به يعرف معناها، وأنه باطل، والواجب إنكارها،
فإن إنكار هذا المنكر الساري في كثير من المسلمين، أولى من إنكار دين اليهود والنصارى، الذي لا يضل به المسلمون )) ا.هـ
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله ـ في " فتح القدير " ( 1 / 154 ) : (( اتباع أهوية المبتدعة تشبه اتباع أهوية أهل الكتاب ، كما يشبه الماء الماء ، والبيضة البيضة ، والتمرة التمرة ، وقد تكون مفسدة اتباع أهوية المبتدعة أشدّ على هذه الملة من مفسدة اتباع أهوية أهل الملل ، فإن المبتدعة ينتمون إلى الإسلام ، ويظهرون أنهم ينصرون الدين ، ويتبعون أحسنه ، وهم على العكس من ذلك ، والضدّ لما هنالك ، فلا يزالون ينقلون من يميل إلى أهويتهم من بدعة إلى بدعة ، ويدفعونه من شنعة إلى شنعة ، حتى يسلخوه من الدين ، ويخرجوه منه ، وهو يظنّ أنه منه في الصميم ، وأن الصراط الذي هو عليه هو الصراط المستقيم ، هذا إن كان في عداد المقصرين ، ومن جملة الجاهلين ، وإن كان من أهل العلم والفهم المميزين بين الحق ، والباطل كان في اتباعه لأهويتهم ممن أضله الله على علم ، وختم على قلبه ، وصار نقمة على عباد الله ، ومصيبة صبها الله على المقصرين؛ لأنهم يعتقدون أنه في علمه وفهمه لا يميل إلا إلى حق ، ولا يتبع إلا الصواب ، فيضلون بضلاله ، فيكون عليه إثمه ، وإثم من اقتدى به إلى يوم القيامة ، نسأل الله اللطف ، والسلامة ، والهداية )) ا.هـ
وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي في شأن الصوفية من كتابه " أضواء البيان " ( 4 / 546 ) : (( استعمارهم لأفكار ضعاف العقول أشد من استعمار كل طوائف المستعمرين )) ا.هـ انتهى النقل من كتاب الشيخ حمد بإختصار مني ، فمن أراد الإزدياد فعليه بإرتياد صفحات الكتاب راجيا من الله التوفيق والسداد ، متذللا متضرعا عند عتبة بابه أن يعصمه من شبه وزخارف أهل التضليل والفساد .
( [5]) " إرواء الغليل " (3 / 368)
([6]) لقوله عليه الصلاة والسلام " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة " .
قال المحدث ناصرالدين الألباني ـ رحمه الله ـ في "السلسلة الصحيحة " (1 / 539 ـ 541)
(( اعلم أن الحديث صحيح ثابت مستفيض عن جماعة من الصحابة :
1 - معاوية بن أبي سفيان . عند الشيخين و أحمد وسيأتي برقم ( 1958 )
2 - المغيرة بن شعبة . عندهما وسيأتي ( 1955 )
3 - ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم . عند مسلم و الترمذي و ابن ماجه
و أحمد ( 5 / 278 ، 279 ) و أبي داود في " الفتن " و الحاكم ( 4 / 449 ) وسيأتي ( 1957 )
4 - عقبة بن عامر . عند مسلم .
5 - قرة المزني في ( سنن ابن ماجه ) (رقم 6 ) و " المسند " ( 3 / 436 و 5 / 34 ) بسند صحيح و صححه الترمذي وسيأتي لفظه أتم مما هنا برقم ( 403 )
6 - أبو أمامة في " المسند " ( 5 / 269 ) .
7 - عمران بن حصين عند أحمد ( 5 / 429 ، 437 ) من طرق أخرى عن حماد بن سلمة به دون الزيادة ، و كذا رواه أبو داود في أول " الجهاد " و الحاكم ( 4 / 450 ) و صححه و وافقه الذهبي ، وسيأتي برقم ( 1959 )
8 - عمر بن الخطاب في " المستدرك " ( 4 / 449 ) و صححه و وافقه الذهبي، وسيأتي ( 1956 )
9 ـ جابر ، عند مسلم وغيره وسيأتي بزيادة في متنه ( رقم 1960 )
10 ـ سلمة بن نفيل ، رواه النسائي وغيره بزيادات كثيرة في متنه وسنده صحيح وسيأتي برقم ( 1935 )
وفي الباب عن جمع آخر من الأصحاب ، سيأتي تخريج أحاديثهم مع ألفاظها في المجلد الرابع بإذن تعالى وقد أشرت إلى أرقامها ، فالحديث صحيح قطعا )) ا.هـ
( [7]) كما ثبت ذلك عن الإمام المبجل مالك بن أنس ـ رحمه الله ـ ، انظر إلى كتاب " مناسك الحج والعمرة " (46 ) للشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ
( [8]) وكفى فخرا وشرفا لحملة هذه الراية أن يكون جهادهم المتمثل في الحجة واللسان مقدم على الجهاد بالسيف والسنان ، قال شيخنا ووالدنا بقية السلف الصالح ربيع السنة ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ في كتابه "منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف " ( 151 ـ 152 ) : (( قال ابن القيم رحمه الله في سياق كلامه على بعض المتكلمين المعطلين لصفات الله: "فما أعظم المصيبة بهذا وأمثاله على الإيمان! وما أشد الجناية به على السنة والقرآن! وما أحب جهاده بالقلب واليد واللسان إلى الرحمن! وما أثقل أجر ذلك الجهاد في الميزان! والجهاد بالحجة واللسان مقدم على الجهاد بالسيف والسنان، ولهذا أمر به تعالى في السور المكية حيث لا جهاد باليد؟ إنذارا وتعذيرا، فقال تعالى: " فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا "( الفرقان 52).
فالجهاد بالعلم والحجة جهاد أنبيائه ورسله وخاصته من عباده المخصوصين بالهداية والتوفيق والإنفاق، ومن مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو؟ مات على شعبة من النفاق، وكفى بالعبد عمى وخذلانا أن يرى عساكر الإيمان وجنود السنة والقرآن وقد لبسوا للحرب لامته، وأعدوا له عدته، وأخذوا مصافهم، ووقفوا مواقفهم، وقد حمي الوطيس، ودارت رحى الحرب، واشتد القتال، وتنادت الأقران: النزال ! النزال! وهو في الملجأ والمغارات والمدخل، مع الخوالف كمين، وإذا ساعد القدر وعزم على الخروج، قعد فوق التل مع الناظرين، ينظر لمن الدائرة، ليكون إليهم من المتحيزين، ثم يأتيهم وهو يقسم بالله جهد أيمانه أني كنت معكم وكنت أتمنى أن تكونوا أنتم الغالبين " (شرح القصيدة النونية للشيخ محمد خليل هراس / 1 /8 ) اهـ.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: "المتبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل من الضرب بالسيوف في سبيل الله "(تاريخ بغداد / 12 / 410).
وقال الإمام يحيى بن يحيى النيسابوري: "الذب عن السنة أفضل من الجهاد" (نقد المنطق / 12 ) . )) ا.هـ
([9]) وأسعد الناس بهذه الدعوة وأولى بها بعد الرسل عليهم الصلاة والسلام وصحب نبينا صلى الله عليه وسلم هم أهل الحديث والأثر ، فهم الذين نهجوا " نَهْج الصحابة والتابعين لهم بإحسان في التمسُّك بالكتاب والسنة، والعض عليهما بالنواجذ، وتقديمهما على كلِّ قول وهدى، سواء في العقائد، أو العبادات، أو المعاملات، أو الأخلاق، أو السياسة والاجتماع.
فهم ثابتون في أصول الدين وفروعه على ما أنزله الله وأوحاه على عبده ورسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم.
وهم القائمون بالدعوة إلى ذلك بكل جد وصدق وعزم، وهم الذين يحملون العلم النبوي، وينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
فهم الذين وقفوا بالمرصاد لكل الفرق التي حادت عن المنهج الإسلامي، كالجهمية، والمعتزلة، والخوارج، والروافض، والمرجئة، والقدريّة، وكلّ من شذّ عن منهج الله واتبع هواه في كلِّ زمان ومكان، لا تأخذهم في الله لومة لائم.
هم الطائفة التي مدحها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وزكاها بقوله: ((لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا مَن خالفهم حتى تقوم الساعة)) ( حديث صحيح ، انظر " الصحيحة " للعلامة الألباني / 270 ، 1955 ).
هم الفرقة الناجية الثابتة على ما كان عليه رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه، الذين ميّزهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحدّدهم عندما ذكر أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلاّ واحدة، فقيل: مَن هم يا رسول الله؟، قال: ((مَن كان على ما أنا عليه وأصحابي)) .
لا نقول ذلك مبالغةً ولا دعاوى مجرَّدة، وإنما نقولُ الواقع الذي تشهد له نصوصُ القرآن والسنة، ويشهد له التاريخ، وتشهد به أقوالهم، وأحوالهم، ومؤلفاتهم.
هم الذين وضعوا نصب أعينهم قول الله تعالى: { واعتصموا بحبل الله جميعـًا ولا تفرّقوا } [آل عمران: 103]، وقوله: { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم } [النور: 63]؛ فكانوا أشدَّ بُعدًا عن مخالفة أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبعدهم عن الفتن.
وهم الذين جعلوا دستورهم: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجـًا مما قضيت ويسلموا تسليمـًا } [النساء: 65] ؛ فقدّروا نصوص القرآن والسنة حق قدرها، وعظّموها حق تعظيمها؛ فقدّموها على أقوال الناس جميعـًا، وقدموا هديها على هدي الناس جميعـًا، واحتكموا إليها في كل شيء عن رضى كامل، وصدور منشرحة، بلا ضيق ولا حرج، وسلموا لله ولرسوله التسليم الكامل في عقائدهم، وعباداتهم، ومعاملاتهم.
هم الذين يصدقُ فيهم قول الله: { إنما كان قول المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون } [النور: 51]. " ( مكانة أهل الحديث ومأثرهم وآثارهم الحميدة في الدين للعلامة المحدث ربيع بن هادي المدخلي ) ( 4 ـ 6 )
فجدير بطالب الآثار والسنن في هذه الأزمان أن يترسم خطاهم ويقتفي آثارهم
قال العلامة المحدث حافظ الحكمي ـ رحمه الله ـ في " المنظومة الميمية "
اروِ الحديث ولازم أهله فهم الـ ... ناجون نصاً صريحاً للرسول نمي
سامت منابرهم واحمل محابرهم ... والزم أكابرهم في كل مزدحم
اسلك منارهمو والزم شعارهم ... واحطط رحالك إن تنزل بسوحهم
هم العدول لحمل العلم كيف وهم ... أولو المكارم والأخلاق والشيم
هم الأفاضل حازوا خير منقبة ... هم الأولى بهم الدين الحنيف حمي
هم الجهابذة الأعلام تعرفهم ... بين الأنام بسيماهم ووسمهم
هم ناصرو الدين والحامون حوزته ... من العدو بجيش غير منهزم
هم البدور ولكن لا أفول لهم ... بل الشموس وقد فاقوا بنورهم
لم يبق للشمس من نور إذا أفلت ... ونورهم مشرق من بعد رمسهم
لهم مقام رفيع ليس يدركه ... من العباد سوى الساعي كسعيهم
أبلغ بحجتهم أرجح بكفتهم ... في الفضل إن قستهم وزناً بغيرهم
كفاهمو شرفاً أن أصبحوا خلفاً ... لسيد الحنفا في دينه القيم
يحيون سنته من بعده فلهم ... أولى به من جميع الخلق كلهم
يروون عنه أحاديث الشريعة لا ... يألون حفظاً لها بالصدر والقلم
ينفون عنها انتحال المبطلين وتح ... ريف الغلاة وتأويل الغوي اللئم
أدوا مقالته نصحاً لأمته ... صانوا روايتها عن كل متهم
لم يلههم قط من مال ولا خول ... ولا ابتياع ولا حرث ولا نعم
هذا هو المجد لا ملك ولا نسب ... كلا ولا الجمع للأموال والخدم
فكل مجد وضيع عند مجدهمو ... وكل ملك فخدام لملكهم
والأمن والنور والفوز العظيم لهم ... يوم القيامة والبشرى لحزبهم
فإن أردت رقياً نحو رتبتهم ... ورمت مجداً رفيعاً مثل مجدهم
فاعمد إلى سلم التقوى الذي نصبوا ... واصعد بعزم وجد مثل جدهم([10]) " مجموع الفتاوى " ( 1 / 80 ) لشيخ الإسلام ابن تيمية الحراني رحمه الله([11]) انظر إلى كتاب " الحجج القوية على أن وسائل الدعوة توقفية "( 19 ـ 23 ) للشيخ المجاهد عبدالسلام بن برجس ـ رحمه الله
([12]) " إعلام الموقعين " ( 4 / 375 ـ 376 )
([13]) انظر كتاب " القواعد الفقهية " ( 74 ) للعلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
( [14]) " الحجج القوية على أن وسائل الدعوة توقفية "( 57 )
([15])" الحجج القوية على أن وسائل الدعوة توقفية "( 57 )
([16]) " القائد إلى تصحيح العقائد " ( 133 ) للعلامة الشيخ عبدالرحمن المعلمي رحمه الله
([17]) أخرجه البخاري ( 1 / 352 ، 369 ، 380 ) ومسلم ( 1 / 37 - 38 ) وكذا أبو داود ( 1584 ) والنسائي ( 1 / 348 ) والترمذي ( 1 / 122 ) والدارمي ( 1 / 379 ) وابن ماجه ( 1783 ) وابن أبي شيبة
( 4 / 5 ) والدارقطني ( 218 ) والبيهقي ( 4 / 96 ، 101 ) ، انظر إلى "إرواء الغليل " (3 / 251)
([18] ) انظر إلى " فتح المجيد شرح كتاب التوحيد " ( 70)
([19]) الأصل الثابت عن الشيخ : لم
([20]) كلمة للعلامة الشيخ صالح بن الفوزان ـ حفظه الله ـ قالها في معرض تقديم كتاب " منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل " للشيخ ربيع ـ حفظه الله ـ
([21]) انظر إلى " الحجج القوية على أن وسائل الدعوة توقيفية "
([22]) انظر إلى كتاب " الابداع في مضار الإبتداع " ( 38 ـ 39 ) ، ولا تبخل على نفسك بالرجوع إلى كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم " ( 278 ـ 280) لشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ لتقف على فقه وضابط هذه القاعدة الجليلة فتكون على بصيرة من أمر دينك فيما استحدث بعد نبينا صلى الله عليه وسلم مما ليس من دينه الحنيف وشرعه الشريف ، وممن قد تنزه عنه كل صاحب شريف ـ رضي الله عنه ـ وكان منه عفيفا .
واعلم ـ رحمك الله ـ أن للإمام المبجل المحدث مقبل بن هادي والوادعي ـ رحمه الله ـ كلام قوي في التحذير من الجمعيات وصياح على من يلفلف على مشروعيتها مستدلا على عدم مشروعيتها بهذه القاعدة
حيث أنه سئل السؤال التالي : لو قال قائل: إن الجمعيات الدعوية قام مقتضاها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقم مانع يمنعها، فإن فعلها بعد النبي صلى الله عليه وسلم من المحدثات، فما صحة هذا القول؟
فأجاب ـ رحمه الله ـ : الحمد لله وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن والاه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
أما بعد : السؤال الذي قدم سؤال وجيه ، ومن أجل هذا نحن من زمن قديم نقول : إن ترك الجمعيات خير من وجودها ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، كانوا أحوج إلى المال منا، بل كانوا أشد حاجة منا، ومع هذا لم ينشئوا جمعية، وعلى هذا فتركها خير من وجودها، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم
دع عنك أنها جمعيات تكون سببا للحزبية ، ومن كان معنا ساعدناه ومن لم يكن معنا لم نساعده ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير : « مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى » وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم:« المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » ، هذه الجمعيات فرقت شمل المسلمين ، بعض المغفلين يقول : مقبل لا يفرق بين الجماعات والجمعيات ، وهذه الجمعيات لابد أن تكون خاضعة لشؤون الاجتماعية وخاضعة للقوانين الدولة والعمل الذي يتعلق بالدولة تكون بركته قليلة، إن لم يكن منزوع البركة ، بل الحكومات يعجبهم العمل الميت فيما يتعلق بالإسلام ، وأما ما يتعلق بالتطور والتقدم إلى غير ذلك ، فإذاعتهم تنعى ، وعلى ـ عليه ـ ننصح بترك هذه الجمعيات التي تكون سببا لضياع حق الفقراء ، وذاك الفقير ربما لا يصل إليه شيء كما قيل، ونؤخذ باسمه الدنيا جميعا ، وما من ذلك شيء في يديه ، الذي ينبغي للتجار ننصحهم أن يتولوا توزيع زكواتهم على المحاويج فإنها قد أصبحت سببا للحزبية في كثير من البلاد الإسلامية ، والله المستعان .)) انتهى من شريط: الغارة الشديدة على الجمعية الجديدة , سجلت ليلة العاشر من صفر1420 هـ. (منقول من شبكة سحاب)
([23]) ومن ذلك ما صرح به صاحب " مدارك النظر " ( ص 120 ) حيث قال : ((وأعظَم من هذا كله أن الديار الجزائرية حظيَت بعناية أكبر محدِّثي هذا العصر، ألا وهو الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ـ حفظه الله ـ؛ فقد أخبر الثقة أنه حضر عنده في بيته، فجاءته خمسون مكالمة هاتفية من الجزائر في مجلس واحد! فكان ـ حفظه الله ـ غرسه بالأردن، وثمار دعوته ممتدة إلى الجزائر، فسبحان الله الهادي!)) ا.هـ
([24])الوابل الصيب - (ج 1 / ص 72)
( [25] ) "الحجج القوية على أن وسائل الدعوة توقيفية " ( 17 )




رد مع اقتباس