قوله في (ص10 ـ 11 ) : ((لقد تمكن المسلمون حين نظموا أعمالهم في هيآت معتمدة أن يكون لهم محاكم شرعية في دول كافرة ، فهذه مملكة بريطانيا تسمح للمسلمين بإقامة عشرات المحاكم الشرعية في ترابها ، ويتعدى اختصاص تلك المحاكم الأحوال الشخصية إلى غيرها، فيتحاكم إليها من شاء من المسلمين في تلك البلاد ، وليس من شك أن غرض الإنجليز من هذا وغيره ليس خدمة للإسلام ورعاية أحكامه ، وقد خدمت هذه الدولة اقتصادها بإقامة مصارف يقال إنها غير ربوية لتستقطب أموال المسلمين فتتمكن من مراقبة حركتها والتعرف على مصادرها ، وتدمجها في الاستثمارات وقد ينضم الى ذلك كسب الأصوات في الانتخابات فلم لا تفعل ذلك كثير من حكومات المسلمين في أرض الإسلام ؟ ولم لا يسعى في تحقيق هذا الأمر مع أنه من الأمور العظيمة الأهيمة وقد ذكرت شيئا من هذا في كتابي عن الحزبية ، وإني أتوقع لهذه الجمعيات في أوطان المسلمين الخاصة ووطنهم عامة ، متى كان لها ثقل علمي واجتماعي وقادها أهل البصيرة الشرعية والاستقامة والأناة والتدرج أن يؤدي وجودها إن شاء الله الى تحقيق شيء من هذا فتعود بعض أحكام الشرع للحياة العامة ، وإلا فكيف يعجز المسلمين في ديار الإسلام عن تحقيق ما حققه المسلمون في ديار الكفر ؟ .)) ا.هـ
ما يسعني وأنا أتأمل في كلام بن حنفية هذا إلا أن أقول كما قال القائل :
ومِنَ العَجائِبِ والعَجائِبُ جَمَّةٌ ... قُرْبُ الشِّفَاءِ وما إليهِ وصولُ
كَالْعِيسِ فى الْبيْدَاءِ يَقْتُلُهَا الظَّما ... والماءُ فوق ظُهُورِهَا مَحْمولُ ([1] )
وكذا قول القائل :
ولم أرَ في عيوب الناس عيبا ... كنقص القادرين على التمام
وذلك قد رام بن حنفية إلى الإصلاح لكن أتاه من غير أبوابه ، وسلك الطريق غير طريقه المعهودة الصحيحة ، فتشعبت به السبل فضل الطريق وتاه في شعاب و أودية التيه والضلال ، فأتى بالعجائب وهرف بالغرائب وأبعد النجعة ، وخالف منهج سلفنا الصالح في منهجية إصلاحهم وحاد عن سبيلهم الأنجع وعلاجهم الأنفع الذي سلكوه في معالجة أوضاع مجتمعاتهم التي دب فيها الضعف والخلل من اليوم ظهرت فيه البدع و الفرقة والاختلاف في الأمة الإسلامية ، وإلا فلعمري من أتى الأمور من أبوابها المرضية ، وسلك طرقها الشرعية ، ووظف أسبابها المرعية متكلا في ذلك على الله سبحانه أولا وقبل كل الشيء سائلا منه التوفيق والعون والسداد حري بأن يوفق ويظفر بمرامه السامية ، ويتحقق على يديه من المطالب العالية والمصالح الجليلة مما يعود نفعها وخيرها على الأمة الإسلامية ، فتكون سببا للنهوض بها إلى الرقى والإزدهار في شتى مجالاتها الدينية والدنيوية ، فتعود لها سيادتها الشريفة وحياتها الرقية التي عاشتها وتقلبت في أرجاء خيراتها طول عهد القرون المفضلة ، ولكن لا يتم ذلك ويتحقق إلا بالرجوع إلى هدي سلفنا الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ والوقوف على ما كانوا عليه من الإصلاح ، والسير على منوالهم وسلوك دربهم وإقتفاء آثارهم في علاج أوضاعنا الحالية المزرية ، وذلك بتوظيف وإستعمال نصائحهم الحكيمة وتوجيهاتهم القيمة في مسيرتنا الإصلاحية العملية التطبيقية ، والحذر كل الحذر أن نحيد عن سبيلهم المستقيم ونزهد عن علاجهم الأنجع فنضل وننحرف عن سبيلهم الذي أرتضاه الله عز وجل وأثنى عليه وعلى أهله ، وألزم عباده من بعدهم أن يلتزموه ويسلكوه ([2] ) وحكم على من خرج عنه ولو قدر أنملة بالضلالة والتيه والخسارة ، وحينئذ لا يلمنا إلا نفسه ، وليعض على أنامله على ما فوت على نفسه من الخير العميم ، لما هو عليه من البعد عن المنهج المستقيم ، وإلا فما أقرب الحق ، وما أيسر طلبه وأوضح مطلبه لمن أراده وسعى لتحصيله " فالحق أبلج والباطل لجلج ، واستحضار هذا الأصل العظيم مفتاح لطلب الحق وتحريه ، أما اعتقاد عكسه وظن أن الحق غامض فهذا يوعر الطريق على قاصده وربما يصده عن طلب الحق وأدلة الشرع كثيرة ظاهرة في تقرير هذا الأصل .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في " مجموع الفتاوى " (27 / 315 ـ 316) : (( فَالْحَقُّ يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ فَإِنَّ الْحَقَّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ الرُّسُلَ لَا يَشْتَبِهُ بِغَيْرِهِ عَلَى الْعَارِفِ كَمَا لَا يَشْتَبِهُ الذَّهَبُ الْخَالِصُ بِالْمَغْشُوشِ عَلَى النَّاقِدِ . وَاَللَّهُ تَعَالَى أَوْضَحَ الْحُجَّةَ وَأَبَانَ الْمَحَجَّةَ بِمُحَمَّدِ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ . وَأَفْضَلِ النَّبِيِّينَ وَخَيْرِ خَلْقِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ . فَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ بَيَانُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَرَدُّ مَا يُخَالِفُهُ)) ا.هـ
وقال الإمام الشوكاني ـ رحمه الله ـ في " أدب الطلب ومنتهى الإرب " - (ص 85) (( فالوقوف على الحق والاطلاع على ما شرعه الله لعباده ، قد سهله الله على المتأخرين ويسره على وجه لا يحتاجون فيه من العناية والتعب إلا بعض ما كان يحتاجه من قبلهم )) ا.هـ
ولكن ـ مع الأسف ـ هذه الأسباب الميسرة لطلب الحق ، قد جلبت الكسل لكثير من الناس وفرطوا في طلب ما يوصلهم للحق قال العلامة محمد البشير الإبراهيمي ـ رحمه الله ـ([3] ) : (( ورب تيسير جلب التعسير ، فإن هذا التيسير رمى العقول بالكسل والأيدي بالشلل )) ا.هـ ([4] )
فكيف لو زدنا مع هذا الكسل المقذع أنه هناك إعراض مفظع من الدهماء في عدم تمسكهم بالحق وزهدهم فيه واستئثارهم للباطل عليه ، مع ما هم فيه من الهرولة العمياء نحو وسائله المصطنعة الشفافة العوراء يريدون منها أن تصلح ما أصاب أمتنا من العطب ، وهم في ذلك محسنون الظن بأهلها في علاج ما نزل بالأمة من النكب ، وناسوا وتناسوا وتغافلوا بأنه ما يتولد من الباطل وجنوده إلا المحن والإحن ، التي لازالت الأمة المحمدية من اليوم دب فيها البدع والفرقة ، تتجرع مرًّ كؤوسه المسمومة واحدة تلو واحدة إلى يومنا هذا ، واليوم أشد وأنكى لإندراس العلم وقلة أهله وغربة السنة وغلبة الباطل وأهله ونهيك عن حال بني أزمنتنا ما هم فيه من الجهل المفظع المقذع الذي ربى فيهم البطالة وآثر فيهم الركون إلى التقليد الأعمى وعطل وظيفة حواسهم الإدراكية التي يدرك بها العلوم و يتصور بها الأمور على حقيقة ما هي عليه ، فكانت ثمرة هذه البطالة والتعطيل أن ولد فيهم فيروسات خبيثة التي كانت سببا في إختلال ميزانهم الذي يعرف به الحق من الباطل ، فأصبحوا والحالة هذه لا يفرقون بين الحق والباطل فالباطل عندهم هو الحق ، والحق هو الباطل ، بل أصبحت إيامهم هذه يصدق فيها الكاذب ، ويكذب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن ، ويخون فيها الأمين ، وينطق فيها الرويبضة ويثرثر بملئ فيه بالعجائب ، ويتشدق فيها المتفيهق بالغرائب ، ويا لأسفاه ـ وهذا من حظّنا ـ أنه لا سوط ولا فتيق يقطع عنا ما هم فيه من الصياح والنعيق .
ألا يجدر بنا والحالة هذه أن نضع النقاط على الحروف ، و الخطوط على السطور كما يقال ، ونتأمل ونتفكر في مدى خطورة هذا الباطل ورأسه الأفين الذي من حقده الدفين ومكره المشين ، لا يزال يتربص الدوائر بهذه الأمة حتى أوصل أمرها إلى ما وصلت إليه اليوم من الإنحطاط والضعف ، بل قد أرشدنا ديننا العتيق وتاريخنا العريق أن ذاك العدو الجائر الماكر ما يهنأ له البال ولا يرتاح له الحال إلا لما ير أمتنا الإسلامية ودينها الحنيف مسحوقا ممحوقا على نهايته لا تسمع له همسا ولا حسا و يصبح أبناؤه عبيدا له يدسهم بأقدمه ويحركهم بأيديه كما يريد .
ولا يخفى عليكم إن شاء الله يا أهل الإسلام ـ صغيركم فضلا عن كبيركم ـ من هو ذاك عدوكم الذي أشرنا إليه إشارة ؟
ومن منطلق معرفتكم به ولخبرتكم ما جرى لأمتنا على يديه الخبيثة الحاقدة الماكرة سيتبادر كل واحد منكم بالجواب قائلا : هو ذاك اليهودي والنصراني الخبيث .
وهذا هو أمال مسامعنا ، ولا يخيب ظننا إن شاء الله في أن لا نسمع غير هذا من أهل أمتنا الإسلامية ، وإنما إشارتنا لهذا العدو ما هي إلا تنبيه وتذكير إخواننا به وبما هو عليه من الأزياء والألوان المختلفة التي
ما بين فينة وأخرى يظهر علينا بزي من أزيائها الشفافة فينخدع بها من ينخدع من الأغبياء و البلهاء ، فيكونون ضحية لتلك شعاراتهم الكاذبة وزخارفهم الخطافة ما إن تظهر حقيقتها الزائفة إلا ويرجع بني جلدتنا الأشقياء الذين تقلدوا عارها وأحسوا بنارها بخفي الحنين تسمع له أنين من جراء ما وقع لهم على يد ذاك العدو الأفين ، الذي ركنوا إلى ترهاته المزخرفة فاصغوا إليها وإنخداعوا بوسائله العفينة فهرولوا إلى إقتنائها وإستعمالها في مسريتهم الدعوية ، ورحبوا بأنظماته الخسيسة طمعا في أن ترجع لهم حقوقهم الضائعة ـ زعموا ـ ، مع غفلتهم بحقائق ما هي عليه تكتيكاته الخبيثة من الخبث والمكر ، وإلا فكان يكفيهم وأولى بهم إن كان لهم عقلا وذكاءً أن يرجعوا إلى الخلف ويتأملوا في منشأ ضعف أمتنا ، ويقفوا على المراحيل والإنتقالات التي سلكها معها ذاك العدو اليهودي والنصراني حتى أوصل أمرها إلى ما وصلت إليه اليوم ، ويأخذوا من ذلك درسا وعبرة تكون حافزا لهم على النهوض بهذه الأمة المحمدية إلى العلياء ورجوع بسيادتها التي كانت زمام أمورها بيد الخلفاء الشرفاء وتكون سدا منيعا في وجه تخطيطات وتنظيمات اليهود والنصارى الخبثاء .
ومن ذلك لما كانت سيادة ملك الأرض بيد أهل التوحيد والإيمان في غالب البلاد و الأوطان ، وكانت الأرض تطوى تحت أقدامهم طيا لما قد خصهم الله تعالى به من الفتوحات الإسلامية العظيمة الجبارة سواء ما كان منها باللسان أو السنان ، ما وجدت والحالة هذه من أهل البلدان إلا الترحيب والإذعان والشكران والبراءة من الأوثان والتبرؤ من عبادة الصلبان ، لما قد عايشوه من القهر والذل والاستعباد طوال تلك الأزمان وهم تحت وطأة ظلمات تشريع القساوسة و الرهبان ، ولما قد عرفوه وألتمسوه من رحمة الإسلام ونزاهة أخلاق أهل الإيمان وعدل سيادتهم العادلة الحكيمة التي ما يجنى منها إلا العيش الراغد و الاستقرار والأمان ، وأن أخر مطاف أهل هذا الدين الشريف هو فوز برضوان وجنة الرحمان فغاظ ذلك رؤوس الكفران ودعاة النيران ، فطارت عقولهم وراحوا ورجعوا يبحثون وينقبون عن سر التفوق والإنتشار هذا الدين وتمكنه في سيادته الدينية والدنيوية خلال فترة وجيزة مما حير العقول ، مع إنه قد خاضوا معه كل أساليب عسكرية صلبية لتوقيفه وتضيعفه ، فما يخضون معه معركة من معاركهم الصلبية إلا ويرجعون بالخيبة والهزائم والخسائر مادية وبشرية ، فما ازدادوا بعد ذلك إلا حيرة وقلق وعزيمة على معرفة سر ريادة هذا الدين وأهله ، فبعد جولات وصولات وتخطيطات متواصلة ممتالية وجدوا أن سر التفوق هذا الدين وصلابة دولته وقوة أهله في صفاء عقيدته الإسلامية ونقاء علمه الموروث والمحافظة على وحدة صفه والتحلي بأخلاق نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ، فما فرحوا منذ أن ولد أشقاهم كفرحهم بمعرفة هذا السر، فما كان منهم حينئذ إلا أن يضعوا نقطة البدء في توجيه ضربات دقيقة خفية خلفية في زعزعت هذه الأصول والثوابت ، وذلك بلعب دور النشال المتمثل في إندماجهم في صفوفنا والتحدث معنا كأصدقاء باسم العلم والثقافة في شئون عامة وهم في ذلك أخذوا من الإسلام وأهله من العلوم وحقائق عزه وقوته ما يكفيهم ويغنيهم في تحطيم الإسلام وأهله من تعلم اللغة العربية وغيرها من العلوم وإنشاء المدارس لها تابعة لهم تحت تدبيرهم وتصرفهم ، وتسير على البنود التي أرادوها مع ما جلبوه من الكتب الإسلامية المخطوطة من أراضي الإسلام إلى أراضيهم وتحقيقها وترجمتها وطبعها ونشرها تحت إشرافهم وعلى حسابهم ، مع ما هم فيه من المشاركة للمسلمين في مجالاتهم العلمية كأعضاء في مجامعهم العلمية في العالم الإسلامي وكمدرسين في الجامعات وزد على ما أظهروه من الإعانات الخيرية والطبية والمالية والغذائية للشعوب الفقيرة والمحتاجة والأيتام عن طرق إنشاء الجمعيات والمنظمات والمنتديات والمستشفيات والمراكز والملاجئ الخيرية ـ زعموا ـ وإن كانت حقيقتها ما هي إلا في خدمة أغراضهما ومأربهم الخبيثة المتمثلة في تنصير أهل هذه الشعوب وإستلاء على عقولهم وإستعبادهم بتلك الخدع الماكرة الخسيسة لغرض تحطيم الإسلام وشعوبه وإبادته بكلية ، فإذا أردت يا أيها المسلم الكريم أن تقف على هذه حقيقة فاسمعها وخذها من أهلها إذ هم قد صرحوا بذلك .
يقول المستشرق (هانوتو) وهو مستشار سياسي لوزارة المستعمرات الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر: (( لقد تركزت أهداف الحروب الصليبية قديماً في استرداد بيت المقدس من المسلمين البرابرة، ومما يزعج الغرب المسيحي([5] ) بقاء لواء الإسلام منتشراً على مهد الإنسانية، ولذا يجب أن نعمل على نقل المسلمين إلى الحضارة الأوروبية بقصد رفع الخطر الكامن في الوحدة الإسلامية وأفضل طريق لتثبيت ولاية المستعمر الأوروبي على البلاد الإسلامية هو تشويه الدين الإسلامي، وتصويره في نفوس معتقديه بإبراز الخلافات المذهبية والتناقضات الشعوبية والقومية والجغرافية مع شرح مبادئ الإسلام شرحاً يشوهها وينحرف بها عن قيمها الأصلية، وتمجيد القيم الغربية والنظام السياسي والسلوك الفردي للشعوب الاوروبية )) ([6] )
وقال العلامة الشيخ محمد بن عبدالله الإمام اليماني ـ حفظه الله ـ في كتابه الإلكتروني" المؤامرة الكبرى على المرأة المسلمة " : (( قال المنصر (روبرت ماكس): " لن تتوقف جهودنا وسعينا في تنصير المسلمين حتى يرتفع الصليب في سماء مكة ، ويُقام قداس الأحد في المدينة". ([7] )
قال صحفي غربي: "إن الشيوعية أفضل من الإسلام, لأنها في الأصل فكرة غربية ، يمكن الالتقاء معها ، أما الإسلام ، فلا التقاء معه ولا تفاهم إلا بالحديد والنار". ([8] )
وهذا مستشرق فرنسي يقول: "أعتقد أن من الواجب إبادة خمس المسلمين ، والحكم على الباقي بالأشغال الشاقة ، وتدمير الكعبة ، ووضع محمّد وجثته في متحف اللوفر". ([9] )
وذكر جلال العالم في كتابه "قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله" ص (5): أعداؤنا يقولون: " يجب أن ندمر الإسلام لأنه مصدر القوة الوحيد للمسلمين، لنسيطر عليهم، الإسلام يخيفنا، ومن أجل إبادته نحشد كل قوانا حتى لا يبتلعنا ".
وهذا سفاح كاثوليكي يقول: " إن المسلمين لا صلح معهم طالما يعشقون الديانة الإسلامية... فإما العقيدة وإما حياتهم ".
فهل تأكدت ماذا يخفيه اليهود والنصارى من مخططات للإبادة العامة للمسلمين؟
لأنهم يعلمون أن المسلمين لن يتركوا دينهم ، فلن يبقى حل إلا الإبادة في نظرهم ، وهذه الإبادة التي يتوعدوننا بها إنما هي في المستقبل ، فلم يكتفوا بما قد قاموا به من قتل وتشريد وتطريد ، بل ومجازر بشعة ، واستلاب شعوب إسلامية بكاملها. )) انتهى النقل عن الشيخ محمد
أما حقيقة مساعداتهم المصلحجية فقد بين وكشف حقيقتها وغرضها الدنيء أحدهم حيث يقول أحد دعاة النصرانية " رايد " (( إننا نحاول أن ننقل المسلم من محمد إلى المسيح ونحن لا نحب المسلم لذاته ولا أنه أخ لنا في الإنسانية ولولا أننا نريد أن ننلقه إلى صفوف النصارى لما سعدناه)) ([10] )
فإذا عرفت يا أيها المسلم العزيز حقيقة القوم وماذا يريدون من الإسلام وأهله فهل وهذه الحالة نطمئن إليهم و إلى وسائلهم وأنظمتهم وننخدع بمجاملاتهم ومحاوراتهم لنا ونحسن الظن بمشاريعهم الخبيثة سواء ما كانت في بلاد الإسلام أو التي هي في بلادهم وخاصة إذا عرفنا أن "([11] ) اليهود والنصارى كلما قبل المسلمون شيئا من أفكارهم ومبادئهم احتقروهم واستهانوا بهم ، لأن اليهود والنصارى لئام .
قال بعض اليهود: "إن العربي كالكلب.. إذا ضربته سارع إلى لحس حذائك" ([12] )
ومن ذلك تشبيه اليهود للمسلم بالطفل ، حيث قالوا: "إن المسلم مثل الطفل عند أن يولد ، إذا جاع صرخ ، فإذا صرخ أعطته أمه الثدي ، وهكذا المسلم إذا ضربه اليهودي هب إلى مجلس الأمن يصرخ ، يظن أن البكاء والصراخ يوصله إلى حقه !" ([13] )
فأنظر يا أيها الأخ المسلم إلى خبث القوم ومكرهم الدفين وما هم فيه من السفالة والسفاهة والوضيعة وسوء الأخلاق ، وشدة عداوتهم لأهل الإسلام ، ثم تأمل في كلام بن حنفية المغفل الذي فحواه أن بريطانيا حققت لأهل الإسلام في أرضها ما لم يحققه المسلمون في بلادهم المسلمة فهل هذا صحيح ويسلم له ؟!
عجيب وغريب من رجل تفضى عليه تلك الهالات من التزكيات والثناءات مرة أنه علامة وأخرى فقيه الغرب الجزائري وأخرى جوهرته ووو ... ، ولا ندري بماذا سيلقب في المستقبل ؟!
وهو يتجاهل ويتغافل عن ما يعرفه عامة أهل الإسلام فضلا عن خاصة أهله من علمائه ودعاته البارزين المجاهدين ، ما صنعته بريطانيا بالإسلام وأهله من التشويه و التخريب والتشريد والإبادة ، فماذا نرجو والحالة هذه من عدو لدود وخصم حرد طمعه أن ينسف هذا الإسلام وأهله من فوق الأرض على نهايته وبكليته ؟! وماذا سيقدم لأهله من الخدمة مما يرجع نفعه على دينهم الإسلامي وهذا في عقر داره وهم تحت سلطة حكمه ونفوذه؟! وخاصة إذا تذكرنا أي دور وتمثيلة الآن يلعبها معنا هذا العدو الماكر اللئيم الخبيث من سيطرة على العالم بأفكاره وآرائه وأنظمته ومبادئه وتكتيكاته ووسائله لغرض تحطيم الإسلام وإبادة أهله .
ماذا أصابك يا بن حنفية ؟!! تزدري بلادك وحقوقها الإسلامية وتعمى عينيك عن ما هو متحقق وقائم فيها من الشعائر الإسلامية الظاهرة مما ليس في تلك البلاد العدوة الكافرة ، ألا ترى أن الجمع والجمعة قائمة ظاهرة فيها ، وأن الشخصية المسلمة في أرجاء ترابها عزيزة محترمة تفتخر بدينها الإسلامي وشعائره السنية من غير مضايق ولاعوائق ، وهي تدعو إلى دين ربه وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم براحة وفي سعة من أمرها ، وإن كنا لا نثبت لبلادنا الكمال والاستكمال لما هناك من الديموقراطية و النقص في تطبيق الشريعة الإسلامية في شتى مجالات حياتنا الدينية والدنيوية ، ولكن هذا لا يمنع من أن نقول في بلدنا كلمة حق وإنصاف من غير تملق ولا إجحاف ، فبلدنا الجزائر العزيز، بلد له مجده وتاريخه يفتخر به بين الأمم ([14] )، وشأنه عظيم بين الدول الإسلامية وشعبه له إحترامه ووزنه بين شعوب العالم ، لما قد خلد أجداده الفاتحين الغزاة ، المجاهدين الكماة من البطولات الحميدة والإنجازات العظيمة عبر التاريخ مما كانت سببا في ظهور بريق نوره وإحياء ذكره ، وخاصة ما كان منها في مواجهة العدو الفرنسي الظلوم الغشوم وصمودهم في وجهه إلى أن أخرجوه من بلادنا العريقة وطهروا أرضنا من أنجاسه الصلبية وإعتداءاته الجائرة الظالمة، ولما عليه أهله من حبهم دينهم الإسلامي وغيرتهم عليه وتعطشهم لتعاليمه السامية وافتخارهم به ([15] )، وإياك وإياك أن تطعن فيه أو في شيء من تعاليمه وشعائره الشريفة ، أو في نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم أو في أحد من أصحابه الكرام رضي الله عنهم أو في أحد من أئمة الإسلام الأعلام من بعدهم رحمهم الله ، فسترى عندئذ رد فعلهم إتجاه ذاك الطاعن المجرم المعتدي من تسفيهه وتنقيصه وإهانته ، وهذا إن دل يدل على إعتزازهم بهذا الدين الحنيف وتعظيم أهله وتوقيرهم .
ولكن هذه الإيجابية الحسنة التي منّ الله تعالى بها على هذا البلد العزيز المحترم وشعبه الكريم تحتاج من يتعهدها ويحافظ عليها ويحميها ويغذيها ، فتحتاج إلى يد عاملة قوية آمنة تقية انبعثت فيها روح الإسلام والوطنية الإسلامية ، وإلى رجال مخلصين أوفياء يشرحون هذا الإسلام لأمتهم الجزائرية شرحا وافيا شافيا صافيا ، وهم في ذلك يكونون متميزين ومتحلين بالأخلاق المرعية من الصدق والإخلاص والورع والصبر والتواضع وإلي غير ذلك من القيم المرضية والشيم النبوية مما يرجع نفعها وخيرها عليهم وعلى دعوتهم ، وينبغي أيضا أن يتميزوا في دعوتهم في موضوعها وصفتها وكيفيتها وصورتها على خلاف ما عليه الجماعات الحزبية والتكتلات البدعية وهم في ذلك بعيدون عن أنظمتهم الحزبية ووسائلهم البدعية من الجمعيات والانتخابات وغيرها التي فرقت الأمة ومزقت وحدتها ، وبعيدون أيضا عن أهل الدنيا فيما هم فيه من الإختلاط في مجال التعليم الذي ميع أخلاق الأمة ودمر قيمها فخنث ذكورها ورجل إناثها وأفسد عقيدتها وجمد عقلها وعطل إبتكارها لما هو مقرر فيها من المواد الفاسدة الجامدة ([16] ) ، ولينبهوا ويذكروا أمتهم حاكمها ومحكومها أن الدعوة السلفية التي يرجف المرجفون من اليهود والنصارى والعلمانيين وأهل البدع بشتى فرقهم لإطفاء نورها وإخفاء بريق جوهرها ما هي إلا دعوة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ، وضمان نجاحهم وفلاحهم في الدنيا والأخرة ، وبوابة الأمن والاستقرار والتمكين والسيادة ، وأنها ما هي إلامنهج إمامهم نجم العلماء مالك بن أنس ـ رحمه الله ـ الذي يعتزون بالانتساب إليه وعلى مذهبه يتمذهبون ، وإذا كان كذلك فليلقوا على مسامعهم أن الإمام مالكا ما هو إلا واحد من الأبطال الشرفاء النبلاء لهذه الدعوة المباركة التي قد حمل رايتها رواية ودراية خلال فترة حياته ، وأنه كان يضرب به المثل في علمه وورعه وشدته على أهل البدعة والأهواء وعلى المخالف للسنة ، فكم قمع الله به من البدعة والضلالة وحفظ به من السنة حتى أنه قد اشتهر وذاع عنه أنه كان يقول : ((لا يؤخذ العلم من أربعة، رجل معلن بالسفه وأن كان أروى الناس، ورجل يكذب في أحاديث الناس إذا حدث بذلك وأن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، وشيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث به.)) ([17] ) ، وروى عنه ابن أبي أويس أنه قال : سمعت مالكاً يقول : (( إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه ، لقد أدركت سبعين ممن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده هذه الأساطين، وأشار إلى المسجد، فما أخذت عنهم شيئاً، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أميناً إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن )) ، وفي رواية ابن وهب وحبيب وابن عبد الحكم نحوه.
وعن مطرف عنه ـ مالك ـ أنه قال : (( أدركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت عنهم شيئاً من العلم وأنهم ليؤخذ عنهم العلم وكانوا أصنافاً فمنهم من كان يكذب في حديث الناس ولا يكذب في علمه ومنهم من كان جاهلاً بما عنده، ومنهم من كان يزن برأي سوء ، فتركتهم لذلك )) .
وفي رواية ابن وهب عنه: (( أدركت بهذه البلدة أقواماً لو استسقى بهم القطر لسقوا، قد سمعوا العلم والحديث كثيراً ما حدثت عن أحد منهم شيئاً لأنهم كانوا ألزموا أنفسهم خوف الله والزهد، وهذا الشأن يعني الحديث والفتيا يحتاج إلى رجل معه تقى وورع وصيانة وإتقان وعلم وفهم، فيعلم ما يخرج من رأسه وما يصل إليه غداً ، فأما رجل بلا إتقان ولا معرفة فلا ينتفع به ولا هو حجة ولا يؤخذ عنهم. )) ([18] )
فهذا منهج الإمام مالك وهديه مع رواة الأخبار ونقلة الأثار مع ما هم فيه من الصلاح ، فما بالك مع أهل البدعة والضلالة ، فسيرته العطرة تفوح بالروائح السنية المتمثلة في شدته على أهل البدع والهلكة ([19] ) ، وبهذا يتضح وينكشف لأمتنا إرجاف وكذب أهل التمييع والتخذيل المتمثل في رميهم لأهل الحديث والأثر بأنهم غلاة الجرح والتجريح ، وأنهم ما عندهم إلا التشدد والشدة وإنتهاك الأعراض وإلى غير ذلك من الهراء والفرى ، ويقفون على حقيقة الأمر أن المسلك الذي سلكه أهل السنة والجماعة مع هؤلاء المتحزبة المبتدعة ما هو إلا منهج سلفهم الصالح ومنهم الإمام مالك ـ رحمه الله ـ فلا يستغرب هذا إذاً .
كيف لا ، و حياة قلوبهم ومصالح معاشهم ومعادهم متوقفة على هذا المنهج السلفي المنقح .
نعم إذا بينوا هذا ووضحوه وشرحوه لأمتهم وتم لهم ذلك يكونون بذلك قد قفزوا القنطرة بمعونة الله وتوفيقه ، وتبدأ إن شاء الله تظهر علامات بشائر وتباشير السيادة والريادة والرقي لهذه الأمة، وإجتماع كلمتها ورجوع قوتها وتحقيق مصالحها المرجوة ومطامعها المنشودة .
الأمر الثاني : يا للعجب من أمر هؤلاء الحركيون المتحركون ، مما هم فيه من إنصهار وإنجذاب نحو إنجازات وتنظيمات الغرب الكافر التي لا ثوابت لها ولا إستقرار كما شهد لها بذلك التاريخ وأنها ما هي إلا ريح تغدو الأيام وتروح ، فتفتضح وتطيح ([20] )، وما ذاك إلا لأنها من التشريع البشري وأنها ما أنشئت إلا محادة لله تعالى ولرسوله الأمين صلى الله عليه وسلم وعداوة لأوليائه المؤمنين ، ومع هذا ترى الحركيين والثوريين والمتحزبة أعينهم حمراء تتطلع ما في الغرب من الإنجازات والأنظمة مما الإسلام وأهله في غنية عنها ، والمصيبة الكبرى والداهية العظمى أنه قد يكون في هذه الأنظمة والإنجازات والتنظيمات ما هو مضاد للشريعة الإسلامية ، ومع ذلك تراهم يشيدون بذكرها ويتبجحون بمدحها ([21] ) .
وإلا فلو كان لديهم مسكة عقل لأكتفوا وأستغنوا بما للإسلام من الإنجازات والبطولات المباركة الجبارة مما قد تحقق على أيدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومما قد تشرف أصحابه الكرام وأئمة الإسلام الذين ساروا بسيرهم من بعدهم إلى يومنا هذا بتخليده في صفحات سيرتهم العطرة ، فتاريخنا العريق مليء بالإنجازات التي تبهر العقول وتلهج بمدحها وتجويدها الفحول ، فكان بودي من بن حنفية أن يقلب صفحات ذلك التاريخ المجيد و يأخذ منه شعلة تكون نبراسا ونورا وضوءا تستنير بها أمته الجزائرية في ظلمات الجهل و الشرك والبدع والمعاصي ، فينجى بها من ينجى ممن هو منغمس في أوضار وظلمات الشرك والبدع إلى نور التوحيد والسنة ، وهو في هذا يكون قد قدم لأمته خدمة جليلة لا تنساها له أبدا تخلدها له في صفحاته بأحرف من نور([22] ) ، وحبذا لو بهذه المناسبة ـ ويا لله روعتاه ـ ألقى ضوءه على دولة التوحيد والسنة ـ المملكة السعودية حرصها الله من كل سوء ـ وضرب بإنجازاتها السنية وأعمالها الخيرية بما فيها من المحاكم الشرعية مثلا يكون حافزا لتذكير وتنبيه أمته حاكمها ومحكومها ، بأن التمكين والعز والرقي التي تعيشه وتتقلب فيه تلك البلاد السنية الموحدة ما هو إلا من ثمرة التوحيد وتحكيم الشريعة الإسلامية في شؤون حياتها ، فإذا أرتم رقيهم فعليكم بسيرهم .
وهو في ذلك يكون قد ضرب لهم مثلا حسيا واقعيا مشاهدا له تأثيره ، ويبتهل الفرصة فيشيد بذكر هذه البلاد السنية الطيبة الكريمة ، ويُذكر أمته الجزائرية بما قام به شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب من الإصلاح والتجديد والدعوة بمعونة الإمام الأمير المجاهد الكبير محمد بن سعود رحمهما الله جميعا حيث أنه قد شد أزره وقوى أمره ، فرفعا راية التوحيد ، وقاما بالجهاد إلى أن قامت دولة التوحيد و السنة فمكنها الله وأيدها بالنصر المبين ومنّ عليها بالأمن والتمكين بما فيها من تحكيم شرع رب العالمين ، وكانت نقطة هذا التمكين والعز المنين لهذه المملكة الشريفة ، اليوم الذي خرج فيه الإمام محمد بن عبدالوهاب ـ رحمه الله ـ من العيينة متوجها إلى الدرعية ، فما إن وصل إلى الدرعية استقبله حاكمها ( الأمير المجاهد محمد بن سعود ) إيما إستقبال ورحب به، ووعده حينها بأن يمنعه مما يمنع منه نساءه وأولاده وقال له : (( أبشر ببلاد خير من بلادك ، وبالعز والمنعة ، فرد عليه الشيخ قائلا : وأنا أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين ، وهذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم فمن تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها العباد والبلاد وأنت ترى نجدا كلها وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة وقتال بعضهم بعضا فأرجو أن تكون إماما يجمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك )) ا.هـ
فمن حين هذه الإتفاقية التي تعرف تاريخيا بـ " إتفاق الدرعية " المشهور سنة 1157 هـ / 1744 م ، قام أنصار الدعوة من " آل سعود " من التضحية بأنفسهم وأموالهم ما سجلها لهم التاريخ بأحرف من نور ، فقد حملوا مشعل الدعوة في حياة الشيخ وبعد وفاته ، فشدوا من أزره حيا وقاموا مقامه ميتا ، فما ضنوا وما ضعفوا "([23] ) إلى أن قامت دولة التوحيد والسنة إلى يومنا هذا أعزها الله ومكنها وحرصها من كل عدو.
فما كان حينها من دعاة التوحيد والإصلاح وأئمة الحديث والسنة في أرجاء العالم الإسلامي إلا أن يفيضوا على هذه الدعوة الشريفة وبلادها العظيمة من الثناء والشكر مما تستحقه وتفتخر به ، فقد أشاد بذكرها علماء اليمن ومنهم محمد بن إسماعيل الأمير والشوكاني ومقبل بن هادي الوادعي وعلماء أنصار السنة بمصر وعالم المغرب تقي الدين الهلالي وعلماء بلاد الجزائر وعلى رأسهم الإمام المصلح المجاهد عبدالحميد بن باديس ومحدث الشام ناصر الدين الألباني وغيرهم من علماء الإسلام رحمهم الله ([24] )، وما قام به هؤلاء العلماء الأفذاذ نحو هذه الدعوة الإصلاحية وبلدها السني إن هو إلا من مقتضيات الأخوة الإسلامية ومما يتحتم عليهم من نصر راية التوحيد والسنة ، فكان على بن حنفية أن يحذو حذو هؤلاء العمالقة الجبال الراسية ، فيقلب نظره في ما لهذه البلاد العريقة من البطولات الباهرة والإنجازات السنية الظاهرة فيملأ عيناه منها ، فيرجع لسانه بكلمة صدق يلهج بثناء عليها وتعداد محاسنها وخاصة في هذه الآونة الأخيرة التي تكالبت فيها الأعداء من كل حدب وصوب من الملل الكافرة والفرق الضلالة على إسقاطها وزعزعت مكانتها والطعن فيها وفي علمائها ، فأنظار أهل الفساد من شياطين الإنس والجن كلها متوجهة نحو هذا بلد التوحيد الذي هو قلعة السنة لتحطيمه ـ كفانا الله شرهم ـ وهم في ذلك قد استخدموا شتى المتطورات من الوسائل السمعية والمرئية لتشويه سمعته الحسنة الطيبة ، فتجد على سبيل المثال كثيرا من شبابنا الجزائري يطعن فيه وفي علمائه وحكامه على الجهل منهم بما عليه هذا البلد من النقاء والصفاء ـ نحسبه كذلك ولا ونثبت لعلمائه وحكامه العصمة ـ، ما ذاك منهم إلا بسبب إغترارهم وإنخداعهم بما يثيره دعاة القنوات الفضائية من الكذب والإفتراء على هذا البلد السني الطيب الكريم ، يا ريت يا بن حنفية أبتهلت هذه الفرصة وذكرت شباب أمتك ما عليه تلك البلاد البريئة الكريمة من تحكيم الشريعة الإسلامية وما هي قائمة به من رفع راية التوحيد والسنة وما تقوم به من الأعمال الخيرية والجهاد المتمثل في مواجهة أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والفرق البدعية والجماعات الحزبية وسعيها في كشف مخططاتهم الماكرة الهجينة بتسخير دعاتها ومؤسساتها التعليمية لذلك ، فتكون بهذا العمل النبيل قد نفضت غبار الحقد والغل والبغضاء الذي قد خيم على قلوب فئام من الشباب الجزائري نحو هذا البلد الطيب ، وينجلي الضباب الذي طمس حقيقتها التي هي عليه ، فتفتضح تلك الدعايات الكاذبة التي صنعها وإخترعها دعاة التخريب والتشغيب ، ويرفع ستار الخيانة الذي عليه الحزبية نحو هذا البلد السني المبارك ،وبالتالي تتبدد غيوم الضغائن القديمة والحديثة والأحقاد المتوارثة من جيل إلى جيل باسم تلك الدعايات الوهمية الكاذبة والخيانات الغادرة والتخطيطات الماكرة على هذا البلد الكريم الشريف ، التي مبدأ شقاوتها من يوم قوى ساعد " الإمام محمد بن عبدالوهاب وارتفع صوته وعلا ذكره وجاء إليه الناس أفواجا وكان أن أمتد سلطان دعوة التوحيد حتى خفقت راية الإسلام في ظلها في كل نواحي نجد ، وأغرى ذلك البلاد المجاورة فقامت تخطب ود هذه الراية ، وتتطلع بشوق عظيم إليها ، ورفع الإسلام طرفه الكسير إليها في رجاء وضراعة ، يستمد من قوتها تتداركه لتقيله من عثرته ، وترفع عنه كابوس البدع والضلالات التي ناء بها ، فسرعان ما لبّى السعوديون السلفيون ضراعته وذهبوا يكسرون الأغلال الشركية ويهدمون هذه الطواغيت والأنصاب التي كادت تقضي عليه ، واستخلصوا الإسلام في هذه البلاد والنواحي من براثن أعدائه ، فما لبث أن قام أعداء الأنبياء من شياطين الجن والإنس يتصايحون بالويل والثبور ويتنادون " انصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين " ، لكنهم أضعف ناصرا وأقل عددا ، فلجأوا إلى الدولة العثمانية يستنصرون بقوتها وبجيشها ويستفزون ملوكها وقوادها بأساليب الخدع وأنواع الإغراء : بأنها حامية الإسلام وأن أولئك النجديين يفسدون قلوب الناس ويغيرون عقائدهم ويريدون تحويلهم عن الطريق الموروثة والسبل التي وجدوا عليها الآباء والأجداد ويحقرون شعائر الدين بهدم قباب المشايخ والأولياء الكبار التي اطبقت الأجيال على تعظيمها والتبرك بها وان قعود الدولة عن رد هؤلاء المعتدين يذهب بهيبتها من نفوس المسلمين ويحقر من شأنها عندهم فلا تبقى صاحبة الحق في دعوى الخلافة عليهم ... لقد خدع أولئك الشيوخ ملوك آل عثمان شر خديعة وغشوهم أعظم غش إذ أوغروا صدورهم على دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وشوهوا وجهها الجميل بما كذبوه عليها وألصقوه بها من الفرى والبهتان حتى قامت هذه الدولة التي تدعي الخلافة الإسلامية تحارب الدعوة الإسلامية ... فقاموا يحاربون دعوة محمد بن عبدالوهاب واستنصروا عليهم بالسيف والقلم والمدفع واللسان ، واستخدموا لذلك كل من يقدرون على استخدامه فقام كل بما وظف له فأما رجال اللسان والقلم فأخذوا يشوهون سمعة هذه الدعوة وشيوخها وأتباعها ويصمونهم بأقبح الصفات وينبزونهم بأشنع الألقاب وينسبون إليهم أعظم الجرائم ، فمرة يصفون شيخ الإسلام ابن عبدالوهاب بأنه مدع الإجتهاد والإمامة في الدين ومحدث مذهبا جديدا غير المذاهب المعروفة وأنه بهذا يحتقر الأئمة ولا يعترف لهم بالإمامة ويدعي أنه أعلم منهم وأولى بالإمامة والفضل ... شنع عبدة الطواغيت على شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب بدعوى الإجتهاد وهي المحمدة كل المحمدة التي حق على كل مسلم أن يسلك سبيلها بالعلم الصحيح مع الإخلاص واللجأ إلى الله مالك القلوب أن يهدي قلبه ويشرح صدره ، وكذلك صنع الشيخ محمد بن عبدالوهاب ويصنع غيره من المؤمنين المخلصين في كل عصر ومصر .
لم تلق هذه التهمة رواجا عند الناس ولك يأبه لها الجمهور وعدها العقلاء حسنة لا سيئة فقام دعاة الفتنة وعبدة الطاغوت يرمونه وشيعته بشنيعة أفضع وفرية أدخل في البهتان إذ قالوا : إنه يبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه وشيعته يحرمون قول " أشهد أن محمدا رسول الله " ، ويمنعون من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقولون عصا أحدنا خير منه صلى الله عليه وسلم وأنهم يبغضون الاولياء والصالحين ويحقرون آل بيت النبي ويحرمون زيارة المقابر ويخربون المساجد ويهنون شعائر الإسلام بهدم القباب والقبور ويكفرون المسلمين إلى غير ذلك مما سودوا به الصحف .
والله يعلم أن أشد الناس حبا للرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيما له وتوقيرا لآل بيته الطاهرين وإحياء لسنته وتمسكا بدينه وشريعته هم أولئك النجديون أتباع الشيخ محمد ، بل لا أرى أحدا من أهل الأرض اليوم أحرص على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم منهم ، اقرأ كتب شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب صغيرها وكبيرها وكتب أولاده وأحفاده وكتب العلماء الآخرين من النجدين ومنشورات الأمراء قلا يمكن أن يمر بك فيها ذكر النبي إلا وتجد الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم .
محال ان تجد في أحدها لفظ ( محمد ) مجردة جافة تقرع أذن المسلم وقلبه فتؤلمه ، بل تجد فيها من تبجيل النبي صلى الله عليه وسلم ما ينبئ عن حب خالص وتعظيم حقيقي تقر به عيون أحباب الرسول صلى الله عليه وسلم ... أما دعوى تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم ، فليس عليها من حجة ولا برهان وما هي إلا دعوى مجردة نطقت به ألسنة الفساد ، مثل ما أتهم المشركون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بانتهاك الأشهر الحرم وما كانت حروب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا دفعا لشرورهم وتعظيما لحرمات الله ، كذلك ما كان قتال النجديين إلا جهادا في سبيل الله وهدما لآثار الوثنية ، فمن وقف في سبيل تنفيذ ذلك حاربوه ، فمن خلى بينهم وبين هذه الظواغيت لم يعترضوا له ... لم يكن شيء من هذه الحقائق يغيب عن عقول الناس وأذهانهم بعد أن انتشرت كتب الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأولاده وأقبل كثير من الناس عليها يقرأونها بشغف وإخلاص ولكن عبدة الطاغوت هم الذين أقض مضاجعهم وأوقد نار الغيظ في قلوبهم ما رأوا من سرعة انتشار هذه الدعوة وأنها كادت أن تطهر الجزيرة من زيفهم الكاذب ودجلهم الباطل وتقضي على سلطانهم الوهمي ، فقاموا يجلبون عليها بكل ما أتوا من قوة ونفثون سمومهم في العقول لإبقائها على مرضها وفسادها ، واستغلوا جهل ملوك الأستانة ونعرتهم وخلافتهم وأخذوا يهولون من شأن هذه الحركة الإسلامية الإصلاحية ويخوفونهم عاقبة إنتشارها أن تقضي على دولتهم وتأتي على ملكهم من الأساس وكان ضعف عقولهم وخمود فكرهم في البحث في علوم الدين وانقيادهم الأعمى لمدعي التصوف قد هيأ مرتعا خصبا لدعاة السوء ونافخي بوق الفتنة فقام كثير من أدعياء العلم في مصر والحجاز والآستانة ينصرون هذه الدعاية السياسية ضد حركة الإصلاح الوهابية السلفية .
وكان لأولئك الأدعياء من سلطان آل عثمان وأنصارهم وشيعتهم ما استعانوا به فأعانهم على طبع الآلاف المؤلفة من هذه الكتب والرسائل وتوزيعها على الناس ونشرها في الأمصار الإسلامية وبذلوا كل جهد في ترويجها بما أتوا من قوة وسلطان فلم يلبث العامة الذين لا يعلمون من الدين شيئا إلا تقاليد لا قيمة لها ولا يعرفون العلم إلا إذا كان من كتاب مطبوع ولا يقيمون وزنا للقول إلا إذا كان مقدما له بمقدمة " تأليف العالم العلامة الحبر البحر الفهامة القطب الرباني ، والفرد الصمداني " ، وما إلى ذلك من تهاويل تدهش العامي فيخر لها عقله وقلبه ساجدا وهو لا يدري .
ثم مازالت هذه الدعاية السيئة بالكتب والخطب والدروس تفعل فعلها وبجانبها قوة السيف والمدفع تحصد في جند السعوديين حصدا وتطاردهم من بلد إلى بلد ومن واد إلى واد حتى كان من قضاء الله أن خمدت جذوة هذه الدعوة حينا من الدهر ، هذه هي العوامل الحقيقة ـ فيما أعلم وأعتقد ـ التي شوهت دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب وجعلت هذا اللقب عند العامة مماثلا ليهودي أونصراني ، لا بل لقد سمعت بأذني من يقول : أن النصراني واليهودي خير من الوهابي ، وسمعته من بعض من ينتسب إلى العلم ... ذلك يدلكم يا إخواني على مقدار تأثير هذه الدعاية السياسية وبلوغها بأساليبها الشيطانية في إفتراء الكذب وإلصاق التهم الشنيعة بهذه الدعوة " ([25] )
ويا ليت وقفت هذه الدعاية أو أقتنعت بما فعلته من الأفاعيل الشنيعة والأضاليل الفظيعة أو على أقل الشيء خففت من وطأتها على هذه البلاد ودعوتها الإصلاحية وعلى أهلها ، بل ما تمر الأيام وتأتي التي بعدها ، إلا وترى تلك الدعايات والأباطيل تظهر بموضات جديدة ينجر وراءها عميان البصيرة ، فينخدعون ببهرجها ، وخاصة في هذه الآونة فإن هذه الموضات لها وسائل حديثية تزينها وتلمعها وتعطيها صبغة القبول عند جمهور العامة عميان البصيرة ، على زيادة ما ذكره العلامة محمد حامد الفقي ـ رحمه الله ـ ، فالوسائل الإعلامية الحديثية من الفضائيات والإنترنات قد فعلت فعلتها وحققت ما لم يتحقق من قبل، وأدهى من ذلك وأشر، أنهم استصغروا واستقلوا كل ما فعلوه من الجرائم ورءوا أن كل ما فعلوه وخططوه وانجزوه لم يأت على اليابس والأخضر، وأنه لازال أمامهم أمال تتطلع إلى تحقيق إنجازات أعظم مما تحقق ، لكن ما هو السبيل لتحقيق هذا الإنجازات الجائرة الهجينة ؟؟
هل تظن يا أيها المسلم العزيز وبخاصة أنت يا سني ، أن عدوك سهل وغافل وغبي ونائم وأن همته متوقفة عند بطنه ؟!
كلا وألف كلا يا أُخي ، فإن عدوك أيقن وخبر بأنك أخطر عليه من كل عدو فوق الأرض ، وعلم أن قوتك تساوي ضعفه وضعفك يساوي قوته ، وإذا كان الأمر كذلك فهو والحالة هذه سيسعى بكل الوسائل التضيحة بما أوتي من القوة والدهاء والخبث أن يضحي بأمتك جميعها وينسفها نسفا ويحصدها حصدا من فوق الأرض من ثم يتنهد تنفس الصعداء ويرجع قرير العين ، وقد رأيت يا أخي رأي العين وإلتمست ذلك لمس الحس أي وسائل هو مستعملها لتحقيق هذا المطلب الحقير الذي يعمد للوصول إليه كما نبهتك على بعضها ، فهو قد جرب معك جميع وسائله المصطنعة وتنظيماته المخترعة وهي تعمل في عملها على وفق ما يريد ، ولكن كما قلت لك آنفا هو ما أكتفى بذلك ورأى أن تلك الوسائل ما حققت له غايته المنشودة ومازالت أماله تتطلع في أن يجد سلاحا فتاكا قويا يدعمها ويشحنها ، فبمكره وخبثه ودهائه توصل أن قوة تلك الوسائل وبطارية تشحينها وحلي زينتها متمثلة في إستخدام وتجنيد أناس من أبناء هذه الدعوة يكونون شاة التضحية يضحى بهم ، فيعملون ويتحركون على وفق إيعازه وتنظيماته في هدم الدعوة السلفية وبلادها الشريفة من قعر دارها ، وهذا الذي خططه وأراده العدو النصراني و اليهودي من أهل الإسلام حيث يقول النصراني الخبيث زويمر : (( إن الشجرة ينبغي أن يقطعها أحد أعضائها إن خبرة الصيادين تعرف
أن الفيلة لا يقودها إلى سجن الصياد الماكر إلا فيل عميل أتقن تدريبه ليتسلل بين القطيع فيألفه القطيع
لأن جلده مثل جلدهم ويسمعون له لأن صوته يشبه صوتهم فيتمكن من التغرير بهم وسوقهم إلى حظيرة الصياد )) ([26] ) .
نعم ويا للأسف ويا حسرتاه أنه قد وجدت تلك الحيل الماكرة ودعاياتها الماهرة مسامع الأبناء ذلك البلد ، فتلقفوها وأحتضنوها وسعوا إلى تنفيذها على وفق إيعاز وتكتيك أعداء دينهم الحنيف لو كانوا يعقلون ولنصائح وإنذارات أبائهم وإخوانهم الناصحين يفقهون ، ولكن لا حياة لمن تنادي ، فهم في غيهم يعمهون ، فما فرح أعداء الإسلام والسنة منذ أن حملوا لواء الحرب والغدر والتشويه لهذه الدعوة وبلدها السلفي بمثل فرحهم بهؤلاء اللئام الأغبياء الأشقياء ، فاستغلوهم في التخريب والتشغيب وتغليف وإخفاء المحاسن هذا البلد وإثارة الفتن على أئمتهم ومشايخهم وحكامهم ، فكم أفسدوا وخربوا ما لم يقدر عليه العدو الخارجي بشتى نحله وملله ، ومن ذلك تأمل يا أيها القارئ إلى ما أرجف به الابن سلمان في شريطه " وقفات مع إمام دار الهجرة " إذ يقول : (( ... في بلاد العالم الإسلامي اليوم جهات كثيرة جدا لم يبق لها من أمر الدين ـ وقدتكون مسؤولة عن الفتيا ـ أحيانا ـ أو عن الشؤون الإسلامية ـ لم يبق لها إلا تعلق عن دخول شهر رمضان أو خروجه ...))
وأيضا ما أرغد وأزبد به الابن اللئيم الماكر عائض القرني في قصيدته التي عنوانها (دع الحواشي واخرج) وقد نشرت في ديوانه المسمى ((بلحن الخلود))
صل ما شئت وصم فالدين لا ...... يعرف العابد من صلى وصاما
أنت قسيس من الرهبان ما ....... أنت من أحمد يكفيك الملاما
تترك الســـاحة للأوغاد مـــا ...... بين قزم مقرف يلوي الزماما
أو دعي فــاجر أو قــع في ........ أمتى جرحاً أبى ذاك التآما
لاتخادعني بزي الشيخ ما ....... دامت الدنيا بلاء وظلاما
أنت تأليفك للأموات ما ....... أنت إلا مدنف حب الكلاما
كل يوم تشرح المتن على ...... مذهب التقليد قد زدت قتاما
والحواشي السود أشغلت بها ..... حينما خفت من الباغي حساما
لا تقل شيخي كلاماً وانتظر ..... عمر فتوى مثلكم خمسين عاما
والسياسات حمى محذورة ....... لا تدانيها فتلقيك حطاما
قلت ( بن سلة ) : فانظر يا أيها القارئ الكريم إلى مبالغات هذا الغوي المشحونة بالفكر الخارجي والمليئة بالاستفزاز والطعن في شيوخه وحكامه ، وقد أحسن وأبدع المحدث العلامة أحمد بن يحيى النجمي ـ رحمه الله ـ في رد عليه إذ يقول في كتابه " المورد الذب الزلال " ( 33 ـ 34 ) : (( رابعاً: ألا ترى أن أسلوبك هذا أسلوب ثوري تكفيري استفزازي؟! وهل ترى من المصلحة نشره أو وأده ودفنه؟!
وأقول: أما جوابك فهو معلوم من تصرفك ـ أي بنشر هذا الديوان على ما فيه من أخطاء فادحة ـ وإن سماحك بنشره تماد وإيغال في الخطأ.
خامساً: إن ولاة الأمر في بلدك مسلمون ولهم إصلاحات كثيرة، وفيهم خير كثير وأنت ممن يتمتع بهذا الخير ويرفل في أثواب عافيته. أفلا شكرت الله على ذلك؟
تذكر يا شيخ عائض أنت ومن معك على هذا المنهج وتخدعون الشباب بهذه الأساليب، أن الدولة ربتكم في مدارسها ومعاهدها وكلياتها وأنفقت عليكم الأموال الطائلة حتى وصلتم إلى ما وصلتم إليه، ثم تجزونها جزاء سنمار، وتعصون الله ورسوله بالاستفزاز لها والإثارة والتأليب والاغراء بالخروج عليها ومنازعة أصحابها ما خولهم الله، لقد خرجتم عما أمركم الله به في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، وخرجتم على إجماع أهل السنة والجماعة الذين تزعمون أنكم من أتباعهم وتفتخرون بالانتماء إليهم والحقيقة أنكم إنما تنتمون إلى المعتزلة والخوارج الذين يجيزون الخروج على ولاة الأمر والإنكار عليهم بالسيف.. إن أمركم لعجيب، ووالله إنكم تربيتم في مدراس ومعاهد وجامعات مقرراتها على عقيدة أهل السنة والجماعة، فما الذي حولكم عن هذه العقيدة؟!
لا تظنوا أن الناس يجهلون الذي حولكم، إن الذي حولكم هو التنظيم الإرهابي السري الذي اشتركتم فيه وغُسلت أدمغتكم فيه، فكنتم كما كنتم، وإنا الله وإنا إليه راجعون. )) ا.هـ
فلا تعجب يا أيها الأخ الكريم أن تصدر هذه الأفاعيل والأباطيل من أناس أسجدوا مسامعهم وأقلامهم لزبالات وأفكار محمد سرور فهو محنتهم في كل بلية و أسوتهم فكل رذيلة وبوابة لهم في كل فكرة عاطلة وقولة باطلة ، ومن ذلك ما رجف به في بعض أعداد مجلته المسماة ظلما بمجلة السنة حيث قال في الكتاب الثالث والعشرون من هذه المجلة تحت عنوان " المساعدات الرسمية " أنه قال: (( وصنف آخر يأخذون ولا يخجلون ويربطون مواقفهم بمواقف سادتتهم فإذا استعان السادة بالأمريكان انبرى العبيد إلى حشد الأدلة التي تجيز هذا العمل ويقيمون النكير على من يخالفهم وإذا اختلف السادة مع إيران الرافضية تذكر العبيد خبث الرافضة وانحراف منهجهم وعداؤهم لأهل السنة ، وإذا انتهى الخلاف سكت العبيد وتوقفوا عن توزيع الكتب التي أعطيت لهم هذا الصنف من الناس.. يكذبون يتجسسون.. يكتبون التقارير ويفعلون كل شيء يطلب السادة منهم إلى أن قال : يا إخواننا
لا تغرنكم هذه المظاهر فهذه المشيخة صنعها الظالمون ومهمة فضيلة الشيخ لا تختلف عن مهمة كبار رجال الأمن )) ا.هـ([27] )
بل وصل بهم الأمر وجرهم خبثهم وفساد طبعهم وما هم فيه من الظلمات بعضها فوق بعض إلى أن يقولوا : " هيئة كبار العلماء فكرة ماسونية "ـ لهم من الله ما يستحقون ـ ورحم الله العلامة المجاهد أحمد بن يحيى النجمي إذ يفند هذه الشبهة الشيطانية بما يكفي ويشفي حيث قال : ((أما قولهم بأن هيئة كبار العلماء فكرة ماسونية؛ أقول إن الماسونية منظمة يهودية؛ قصد من إنشائها تعطيل الشرائع , وإشباع الغرائز والشهوانية , وعبادة المادة , فهل هيئة كبار العلماء يدعون إلى ذلك ألا لعنة الله على الكاذبين؛ إن هيئة كبار العلماء أهل علم , ودين , وتقوى , وتفان في يشر دين الله وشرعه؛ نحسبهم كذلك , والله حسيبنا , وحسيبهم , فهل الماسونية كذلك؛ إن هذا فكر سروري خارجي تكفيري ؛ فالله يتولى جزاءهم على ذلك ؛ بما يستحقون.
إن محمد سرور ذلكم المارق ، المبتدع؛ الضال؛ له كلام يفهم منه تكفير الدولة السعودية , ويزعم أنهم انهم محكومون لرئيس أمريكا؛ يقول هذا , وهو مقيم في لندن عاصمة دولة بريطانيا , فكر أخي !!
من الأولى بالعبودية للكفار؛ هل هي الدولة المستقلة ببلدها , وحكومتها ودينها ؟ !! أم هو محمد سرور المقيم في بريطانيا؛ الخاضع لها والمستجير بها , والمستجدي منها , والحكم للقارئ .
أما العلماء في السعودية فهو يسميهم عبيد عبيد عبيد العبيد , ويقول أن علماء السعودية؛ يأخذون , ولا يستحون ويقول: إن مهمة العالم في السعودية؛ كمهمة قائد الشرطة؛ لا تختلف عنها؛ أي أن مهمة العالم تنفيذ الأوامر فقط. وأقول: سبحانك ربي ما أعظم نعمة الحياء , وما أعظم نعمة الإيمان؛ إني لأتعجب من هذه الجراءة على الكذب , والبهت , وعدم الاستحياء ولو من الله؛ إذا كان هذا المفتري قد انعدم حياؤه من الناس.
إن الدولة السعودية تجل علماءها , وتبجلهم وتحترمهم؛ بما لم يكن في دولة من الدول , ولا في بلد من البلدان قط؛ حتى أن رئيس الدولة ليزور كبارهم في بيوتهم ولقد زار الملك خالد ابن عبدالعزيز رحمه الله الشيخ ابن باز , وزار الملك فهد حفظه الله ابن عثيمين في بعض السنوات حين زار القصيم , وكذلك ولي العهد حفظه الله , فيما أذكر , ومع ذلك فالدولة تحكم شرع الله في محاكمها , وتحكم هيئة كبار العلماء؛ في بعض الأمور المستعصية , وتأخذ بما وجههم كبار العلماء إليه؛ من شرع الله عز وجل.
وأخيراً أقول: إن الذي يحملهم على هذا الكذب والبهت؛ هو كونهم يعتقدون عقيدة الخوارج؛ الذين قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: " إنهم كلاب النار " وقال عنهم:"أنهم شر الخلقوالخليقة " وقال: " لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد " وفي رواية " قتل ثمود " وقال لأصحابه " تحقرون صلاتكم عند صلاتهم وصيامكم عند صيامهم وقراءتكم عند قراءتهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية )) وقال: " طوبى لمن قتلهم أو قتلوه " هذه الأقوال كلها صادرة عن النبي المصطفى والرسول المجتبى الذي لا ينطق عن الهوى { إن هو إلا وحي يوحى }[النجم: 4 ] وكلها في وصف للخوارج قبل وجودهم , وقد خرجوا في عهدعلى بن أبي طالب رضي الله عنه فكفروه وكفروا سائر الصحابة؛ ما عدا أبا بكر وعمر , فأرسل إليهم ابن عمه عبدالله ابن عباس رضي الله عنه يناظرهم , فناظرهم فرجع بعضهم , وبقي البعض , وأخيراً قتلوا عبدالله بن خباب رضي الله عنه وبقروا بطن سريته , فقاتلهم رضي الله عنه وقتلهم شر قتله , ولم تزل بقاياهم إلى اليوم , ورأي الخوارج الذي استحقوا به بتخليدهم في النار , وهو رأي خوارج اليوم وهو أنهم يبيحون الخروج ويكفرون الولاة خاصة والمسلمين عامة , وهم بذلك خالفوا كتاب الله وسنة رسوله صلىالله عليه وسلم فالله تعالى يقول: { يا أيها آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم } [النساء: 59] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من خلع يد ا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له " ويقول: " من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " متفق عليه ويقول: " من رأي من أميره شيئاً فليصبر عليه فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية "وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: " من خرج من الطاعة وفارق الجماعات فمات مات ميتة جاهلية " وفي حديث حذيفة رضي الله عنه قال: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال: " فاعتزل تلك الفرق كلها , ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " وفي حديث عبادة رضي الله عنه: " وأن لا تنازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً معكم منالله فيه برهان " وفي حديث أم سلمة رضي الله عنها: أفلا نقاتلهم ؟ قال: " لا , ما صلوا " وكل هذه الأحاديث تأمر بالصبر , وعدم الخروج , وعدم المنازعة؛ ولكم قد استدل السلفيون بهذه النصوص قراءة , وكتابة , وإجابة على أسئلة , ومناظرة , ومناقشة على تحريم الخروج والمنازعة؛ ولكن أين المسلم والوقاف؛ عند أوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الممتثل لها.
والمهم أن من قال أن هيئة كبار العلماء فكرة ماسونية؛ قد كفر علماء المسلمين؛ الذين هم ورثة الأنبياء , والذين ينشرون شرعة , وينصرون دينة , ويجاهدون لإعلاء كلمة الله؛ ليل نهار فنسأل الله؛ أن يفضحه , ويخزيه , ويذله في الدنيا والآخرة والله يوفق من يشاء من عباده ويهديه ويضل من يشاء , ويخذله , لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.)) ا.هـ ([28] )
فهذا فيض من غيض، وقليل من كثير مما عليه أهل الفساد والإفساد نحو هذه الدعوة السلفية وبلادها الشريفة ، فإنه والله لنأمل أن توظف وتسخر أقلام الجحاجحة وخاصة في هذه الآونة ، في تبديد غيوم أهل الضلال والكذب والخيانة التي طالما غطوا بها رونق هذه الدعوة المباركة وبهاء أعمال أهلها وحاملي رايتها وخاصة ما تقوم به المملكة السعودية من الجهودات الجبارة في نصرة هذه الدعوة وحمايتها في هذه الأزمنة ، فأين سهم بن حنفية من هؤلاء الجحاجحة في تبديد تلك الغيوم وتمزيق تلك الأغلفة الكثيفة الكثيرة التي ستروا بها مزايا هذه الدعوة المباركة وأرضها التي تحميها ، فيا ليت كان له في ذلك سهما ينتفع به أمته والدعوة السلفية وأرض الله الشريفة ، ويكون حافزا على حمل أمته الجزائرية حاكمها ومحكومها لإقتداء بأولئك الكرام في أعمالهم الخيرية السنية ، ومنها إنشاء محاكم شرعية في ربوع أرضنا الحبيبة ، أما أنه أغفل وأعمى عيناه عن هذا وفتحها فيما هو كائن في بريطانيا فقد أبعد النجعة وفتح بابا من أبواب الشر يلج منه من يلج من عميان البصيرة وأصحاب المطامع الدنيوية ، فإذا أردت يا أيها القارئ الكريم أن تقف على مدى خطورته المنتهية وشناعته الفظيعة فصابر معنا لحيظات مع الأمر الثالث أعانني الله وإياك على كل الخير .
الأمر الثالث : لا يخفى عليكم يا أهل الإسلام كثرة التغرب ([29] ) الحادث في هذه الأزمنة من شباب الإسلام المتمثل في سفرهم وإنتقالهم من بلادهم الإسلامية إلى بلاد الكفر والغرب من أجل إلتقاط وجمع الحطام الدنيوي الفاني ، بحكم ضيق العيش في بلادهم الإسلامية ، وما ذاك إلا لإغترارهم بما عليه الغرب من العيش والرفاهية والحياة المادية الممتعة ، وهذا العمل المشين منهم قد خلف في المسلمين الذين أسلموا في تلك البلاد الكافرة أثارا سلبية ومن أخطرها مخالفة النصوص القرآنية والسنية الدالة والآمرة بمن أسلم وهو بين أظهر المشركين أن يفارق المشركين ويهاجر إلى بلاد الإسلام ، ولكن أنى لهم هذا وهم " يرون كثيرا من المسلمين قد عكسوا الحكم بتركهم لبلادهم إلى بلاد الكفار ! فمن أين لأولئك الذين هداهم الله إلى الإسلام أن يعرفوا مثل هذا الحكم و المسلمون أنفسهم مخالفون له ؟!"([30] ) ، فكيف بهؤلاء وهؤلاء إذا وقفوا على ما أرجف به بن حنفية هنا من أن في بريطانيا محاكم شرعية ما ليس في بلاد الإسلام !!
وأنه قد تحقق فيها ما لم يتحقق في بلاد الإسلام !! أليس هذا منه تشجيعا ومدفعا لأولئك الشباب اليائس الذي هو على فوهة البركان ينتظر ساعة الصفر والإنذار لينفجر بما شاء من الطعن والتسفيه والتنقيص لبلاده وأمه ، عاقا لما قد خلده أجداده الكرام الأبطال من الإنجازات والبطولات المشرفة يريدون منه في مستقبله الزاهر أن يحافظ عليها ويحميها وينمي خيراتها لتبقى أثارها وثمارها التي ببقائها تبقى هذه الأمة العريقة ، لكن بن حنفية من حيث يشعر أو لا يشعر لا يريد هذا !! يريد من أبناء هذه الثروة العظيمة الجليلة أن يحطموا تلك الأثار ويفسدوا تلك الثمار ويذهبون إلى الغرب الكافر فيخدمون ويشييدون حضارته ، بل مخططاته الهجينة ، وإلا فالكافر غايته أن يكون له سبيلا وسلطانا وسلطة وتجبرا على المسلم لكي يستخدمه في أغراضه ومأربه ويحركه كما يريد ، يا للهول ومصبتاه ما يخرج من رأس الحركيين والثوريين من الفساد والعفن والنتن " وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " .
"وبهذه المناسبة أجدني مضطرا إلى شيء من التفصيل فيما يتعلق بالسفر من ديار الإسلام إلى ديار الكفر والشرك وما يتعلق بالبقاء فيها والإقامة بين ظهراني أهلها .
فأقول : الأصل في ذلك التحريم ولا يجوز السفر ولا الإقامة بين اظهر الكفار والمشركين إلا لحاجة وضرورة ثم إن الحاجة والضرورة تقدران بقدرهما في الشرع وإذا كان الأمر كذلك فلا يخلو السفر إلى ديار الكفار والمشركين أو الإقامة بين أظهرهم من عدة الأمور :
ا وبهذه المناسبة أجدني مضطرا إلى شيء من التفصيل فيما يتعلق بالسفر من ديار الإسلام إلى ديار الكفر والشرك
أمر الأول : ان يكون سفر المسافر أو إقامته مما يترتب عليه مصالح يعود نفعها على الإسلام والمسلمين في أمر الدنيا والدين فسفره وإقامته هناك مباحة مادامت الحاجة ماسة والضرورة موجودة مع وجوب الاستقامة على دينه جملة وتفصيلا وإقامته لشعائره التعبدية بكل سرور واعتزاز إذ بصنيعه هذا يجوز رضا الله ثم إنه يحقق الدعوة إلى دين الإسلام بقوله وفعله من خلال التطبيق العملي .
ويدخل في هذا الصنف من ترسلهم الدولة الإسلامية لتمثيلها في تلك الدول لتحقيق مصالح تضطر الدولة الإسلامية إلى تحقيقها .
والأمر الثاني : أن يكون الباعث على السفر أو الإقامة في ديار المشركين مقاصد شخصية فردية كالسفر للعلاج أو لطلب الرزق من وجوه الحلال أو لطلب لطلب تخصص في علم من العلوم المباحة التي تدعو الحاجة إليها فهؤلاء جميعا يباح لهم السفر أو الإقامة إذا كانت هذه المطالب لا توجد إلا في بلاد الكفار والمشركين .
فإذا ما انتهت المهمة وقضيت الحاجة وجب عليهم العود إلى ديار الإسلام التي يرفرف عليها علمه وتطبق فيها شعائره وأحكامه بدون خوف ولا قلق ويلزم هؤلاء أيضا ما يلزم الصنف الأول حيال دينهم الحق من إقامة شعائره على الوجه الشرعي المرضي ومن الاعتزاز به ودعوة الناس إليه مع إظهار محاسنه ـ وكله محاسن ـ بالقول والعمل فإذا فعلوا ذلك فقد حققوا حسنيين : دعوة إلى الدخول في الدين بأقوالهم وأفعالهم وقضاء الحاجة الدنيوية كالتجارة أو العلاج أو طلب علم مباح .
الأمر الثالث : أن يكون الباعث على السفر إلى ديار الكفار والمشركين أو الإقامة في ديارهم هو قصد السياحة الترفيهية على النفوس الأمارة بالسوء وربما وصل الأمر بهذا الصنف من الناس إلى ممارسة أعمال إجرامية لا يليق بمسلم ولا مسلمة أن ينقلوا أقدامهم إليها أو يشدوا الرحال ليشاهدوا مرتكبيها فهذا الصنف يحرم عليهم السفر إلى أرض الكفار كما تحرم عليهم الإقامة بين أظهرهم وقد يكتنف هذا السفر من البداية إلى النهاية من السوء والفحشاء اللذين لا يرضاهما الله لعباده المؤمنين .
هذا بالإضافة إلى أن الأصل في السفر والإقامة بين أظهر الكفار : التحريم ولا يباح إلا لضرورة شرعية أو مصلحة راجحة كما أسلفت آنفا ولا ضرورة شرعية تبيح لهذا الصنف السفر والإقامة هنالك ولا مصلحة من قريب أو بعيد من وراء السفر المذكور أو الإقامة المذكورة بل العكس هو الواقع المحقق .
الأمر الرابع : أن يكون الباعث على السفر إلى ديار الكفار والإقامة فيها مطلب من مطالب النفس التي انعكست عليها حقائق الأمور بداية ونهاية بسبب أمراض الشبهات والشهوات فأحب هذا الصنف من الناس المقام بين أظهر المشركين واطمأنوا به متذرعين إلى نشر الإسلام هناك كـ " محمد سرور " ومن على شاكلته في استحسان المقام بين اظهر أهل الشرك والكفر ولو اختلف معه في الفكر والمنهج .
إن هؤلاء القادرين على الانتقال من بلاد الكفر إلى خيرة بلدة من ديار الإسلام ـ كما أسلفت ـ لا عذر لهم في البقاء بدينهم وأعراضهم وذرياتهم وأحفادهم وأموالهم في ديار الكفر وإذا كانوا حريصين على نشر دعوة الإسلام فعليهم أن يتعلموا فقه الدعوة إلى الإسلام على النهج السلفي ويتخلصوا من المنهج التكفيري الذي ربما يصدر منهم على من هم خير منهم معتقدا وفقها ومنهجا وسلوكا كعلماء السعودية وحكامها والله من ورائهم محيط .
فإذا فقهوا شأن الدعوة إلى الإسلام غاية ووسيلة على منهج أهل الحديث والأثر حقيقة لا إدعاء فلينطلقوا مبلغين دعوة الإسلام لمن كتب الله أن تبلغه من أهل الملل الأخرى وهم عازمون على العودة إلى ديار الإسلام ينطلقون من دياره مبشرين ومنذرين ثم يعودون إليه .
وليس من طريقتهم بناء الفلل والمنتديات ولا سكنى الفنادق ذات الحدائق والساحات كما هو صنيع من أطلقوا على انفسهم أنهم دعاة الإسلام هناك ممن لم يطب لهم المقام في ديار الإسلام بل لم يسلم من همزهم ولمزهم وسخريتهم صفوة علماء الإسلام وحكام دولته كما سيأتي بيانه من كتبهم ونشراتهم ذات الإرهاب الفكري والتلبيس المتعمد الملبس بكساء الغيرة على شريعة الإسلام واحترام مقدساته ."([31] )
..... يتبع إن شاء الله



[1] زاد المعاد في هدي خير العباد - (ج 4 / ص 101)
[2] لقوله تعالى جل في علاه : { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً } [النساء:115] ، وقوله { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة:100] ، وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم " أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة و إن كان عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم بعدي يرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ [ و إياكم و محدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة ] " .
قال الإمام المحدث ناصر اليدن الألباني رحمه الله في " السلسلة الصحيحة " ( 6 / 526 ) في تخريج هذا الحديث النبوي : (( أخرجه الطبراني في " مسند الشاميين " ( ص 136 ) من طريقين ، و في " المعجم الكبير " ( 18 / 248 / 623 ) من أحدهما عن أرطاة بن المنذر عن المهاصر بن حبيب عن العرباض بن سارية قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ، و وجلت منها القلوب ، فقال رجل من أصحابه : يا رسول الله ! كأنها موعظة مودع ، فقال : فذكره . قلت : و هذا إسناد
صحيح رجاله كلهم ثقات كما بينته في " ظلال الجنة " ( رقم 28 و 29 ) و هو في تخريج " كتاب السنة " لابن أبي عاصم ، و الزيادة له ، و قد أخرجها هو و أصحاب السنن و غيرهم من طرق كثيرة عن العرباض رضي الله عنه ، فانظرها في " الظلال " (26 - 34 و 1037 - 1045 ) ، و " مسند الشاميين " ( ص 237 و 276 و 403 ) و إنما آثرت هذه بالتخريج هنا لعزتها ، و شهرة تلك ، و بعضها في " الشاميين " ( ص 154 ) .)) ا.هـ
قال العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ في " مدارج السالكين " ( ص 59 ـ 60 ) : (( كل من كان أعرف للحق وأتبع له كان أولى بالصراط المستقيم ، ولا ريب أن أصحاب رسول الله ورضي الله عنهم هم أولى بهذه الصفة من الروافض فإنه من المحال أن يكون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم جهلوا الحق وعرفه الروافض أو رفضوه وتمسك به الروافض
ثم إنا رأينا آثار الفريقين تدل على أهل الحق منهما فرأينا أصحاب رسول الله فتحوا بلاد الكفر وقلبوها بلاد إسلام وفتحوا القلوب بالقرآن والعلم والهدى فآثارهم تدل على أنهم هم أهل الصراط المستقيم ورأينا الرافضة بالعكس في كل زمان ومكان فإنه قط ما قام للمسلمين عدو من غيرهم إلا كانوا أعوانهم على الإسلام وكم جروا على الإسلام وأهله من بلية وهل عاثت سيوف المشركين عباد الأصنام من عسكر هولاكو وذويه من التتار إلا من تحت رءوسهم وهل عطلت المساجد وحرقت المصاحف وقتل سروات المسلمين وعلماؤهم وعبادهم وخليفتهم إلا بسببهم ومن جرائهم ومظاهرتهم للمشركين والنصارى معلومة عند الخاصة والعامة وآثارهم في الدين معلومة
فأي الفريقين أحق بالصراط المستقيم وأيهم أحق بالغضب والضلال إن كنتم تعلمون
ولهذا فسر السلف الصراط المستقيم وأهله بأبي بكر وعمر وأصحاب رسول الله ورضى الله عنهم وهو كما فسروه فإنه صراطهم الذي كانوا عليه وهو عين صراط نبيهم وهم الذين أنعم الله عليهم وغضب على أعدائهم وحكم لأعدائهم بالضلال وقال أبو العالية رفيع الرياحي والحسن البصري وهما من أجل التابعين " الصراط المستقيم رسول الله وصاحباه " وقال أبو العالية أيضا في قوله ( صراط الذين أنعمت عليهم ) " هم آل رسول الله وأبو بكر وعمر " وهذا حق فإن آله وأبا بكر وعمر على طريق واحدة ولا خلاف بينهم وموالاة بعضهم بعضا وثناؤهم عليهما ومحاربة من حاربا ومسالمة من سالما معلومة عند الأمة خاصها وعامها وقال زيد بن أسلم ( الذين أنعم الله عليهم ) " هم رسول الله وأبو بكر وعمر "
ولا ريب أن المنعم عليهم هم أتباعه والمغضوب عليهم هم الخارجون عن أتباعه وأتبع الأمة له وأطوعهم أصحابه وأهل بيته وأتبع الصحابة له السمع والبصر أبو بكر وعمر )) ا.هـ
([3]) " جريدة البصائر " عدد ( 9 ) سنة 1947 م ، بواسطة مجلة " الأصالة " عدد 27
([4]) فليرجع إلى كتابين " الصوارف عن الحق " ( 11 ) ، و" دراسة نقدية لقاعدة المعذرة والتعاون " ( 54 ) للشيخ المفضال حمد بن إبراهيم العثمان ـ حفظه الله ـ في الوقوف على ما بينه من تقرير هذا الأصل الأصيل
([5]) ننازع القوم في صحة هذه النسبة إلى عيسى عليه الصلاة والسلام وأنى لهم صحتها وصدقها وهم قد كفروا بمحمد نبينا صلى الله عليه وسلم وما جاء به الهدي الشريف والدين الحنيف ، سئل الإمام الفقيه محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ السؤال التالي : (( فضيلة الشيخ! أحسن الله إليكم! يَرِدُ على ألسنة بعض المسلمين كلمة (مسيحية) حتى أنهم لا يميزون بين كلمتَي نصراني ومسيحي، حتى في الإعلام الآن يقولون عن النصارى: مسيحيين، فبدل أن يقولوا: هذا نصراني، يقولون: هذا مسيحي، فنرجو التوضيح لكلمة المسيحية هذه، وهل صحيحٌ أنها تطلق على ما ينتهجه النصارى اليوم؟
فأجاب : الذي نرى أن نسمي النصارى بالنصارى كما سماهم الله عز وجل وكما هو معروف في كتب العلماء السابقين، كانوا يسمونهم: اليهود والنصارى؛ لكن لما قويت الأمة النصرانية بتخاذل المسلمين سَمَّوا أنفسهم بالمسيحيين ليُضْفوا على ديانتهم الصبغة الشرعية ولو باللفظ، وإلا فأنا على يقين أن المسيح عيسى بن مريم رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء منهم، وسيقول يوم القيامة إذا سأله الله: { أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ } [المائدة:116] سيقول: { سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ .} [المائدة:116-117] إلى آخر الآية ، سيقول هذا في جانب التوحيد.
وإذا سئل عن الرسالة فسيقول: يا رب! إني قلت لهم: { يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ } [الصف:6]، فهو مقرر للرسالات قَبْلَه، وللرسالة بَعْدَه عليه الصلاة والسلام ، فأمر أمته بمضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ ولكن أمته كفَرَت ببشارته، وكفَرَت بما أتى به من التوحيد، فقالوا: { إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ } [المائدة:73] ، وقالوا: { الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ } [التوبة:30] ، وقالوا: { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } [المائدة:17] نسأل الله العافية.
الحاصل: أني أقول: إن المسيح عيسى بن مريم بريءٌ منهم، ومما هم عليه من الدين اليوم، وعيسى بن مريم يُلْزِمهم بمقتضى رسالته من الله أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ ليكونوا عباداً لله، قال الله تعالى: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [آل عمران:64]. )) ا.هـ (لقاء الباب المفتوح / رقم 34 )
([6]) انظر إلى كتاب " أحذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام " ( 34 )
([7]) نقلا عن كتاب "مخطط تدمير الإسلام" ص (25).
([8]) نقلا عن كتاب "مخطط تدمير الإسلام وإبادة المسلمين" ص (12).
([9]) نقلا عن كتاب "الاتجاهات الوطنية" (1/321) للدكتور محمد محمد حسين.
([10])" أحذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام " ( 61 )
([11]) نقلا من كتاب " المؤامرة الكبرى على المرأة المسلمة "
([12]) نقلا عن كتاب " النفوذ اليهودي في الأجهزة الإعلامية والمؤسسات الدولية:71 ".
([13]) نقلا عن كتاب " عودة الحجاب /381 " هامش.
([14]) نحيل إخواننا الكرام بالرجوع إلى كتاب " تاريخ الجزائر في القديم والحديث " بأجزائه الثلاثة للعلامة المجاهد مبارك بن محمد الميلي رحمه الله للوقوف على حياة هذا البلد ومعرفة ما لديه من التاريخ عبر تلك العصور الماضية فقد أجاد وأفاد الشيخ رحمه الله بإحياء التاريخ هذا البلد العريق بهذا الكتاب الأنيق ، يقول عنه العلامة المصلح الأستاذ عبدالحميد بن باديس ـ رحمة الله عليه ـ : (( أخي مبارك : سلام ورحمة ، حياك الله تحية من علم وعمل وعلم ، وقفت على الجزء الأول من كتابك " تاريخ الجزائر في القديم و الحديث " ، فقلت لو سميته " حياة الجزائر " لكان بذلك خليقا فهو أول كتاب صور الجزائر في لغة الضاد صورة تامة سوية ، بعد ما كانت تلك الصورة أشلاء متفرقة هنا وهناك ، وقد نفخت في تلك الصورة من روح إيمانك الديني والوطني ما سيبقيها حية على وجه الدهر ، تحفظ اسمك تاجا لها في سماء العلا ، وتخطه بيمينها في كتاب الخالدين .
أخي مبارك : إذا كان من أحيا نفسا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعا ، فكيف من أحيا أمة كاملة ؟ أحيا ماضيها و حاضرها ، و حياتهما عند أبناءها حياة مستقبلها ، فليس ـ والله ـ كفاء عملك أن تشكرك الأفراد ، ولكن كفاءه أن تشكرك الأجيال ، وإذا كان هذا في الجيل المعاصر قليلا ، فسيكون في الأجيال الغابرة كثيرا ، وتلك سنة الله في عظماء الأمة ونوابغها ، ولن تجد لسنة الله تبديلا .
وأنا ـ واحد من هذا الجيل ـ بلسان من يشعرون بشعوري أشكرك لأقوم بما علينا من واجب لا لأقابل ما لك من حق .
جازاك الله خير ما جازى به العاملين المخلصين للدين والوطن بعلم وتحقيق وانصاف ، والسلام عليك من أخيك .
عبدالحميد بن باديس )) ا.هـ ( مقدمة كتاب تاريخ الجزائر في القديم و الحديث / ج 1 ص 10 )
([15]) وأكبر الشاهد والدليل على ذلك ، أنه لما أظهرت وحملت جبهة الإنقاذ ـ وحق أنها جيهة الإغراق ـ لواء الإسلام وتحكيم شريعته كذبا وخداعا ، فالكثرة الكثيرة من الشعب الجزائري الطيب وضع يده في أيديها وأحسن فيها الظن ووثق فيها أيما ثقة ، ما ذاك إلا رجاء أن تحقق له هذا الطلب والمطلب العزيز الغالي الشريف ، ولكن يا لخيبة الأحزاب البدعية الماكرة كم ضيعوا الأمال المشرفة لهذا الشعب العريق ومطامحه الشريفة المتمثلة في إعزاز دينه وتحكيم شريعة نبيه صلى الله عليه وسلم في أرجاء أرضه وقعر داره ، فما إن دخلت الأحزاب الترشيحات البرلمانية وذلك في سنة ( 1412 هـ ) ، وفازت جبهة الإنقاذ في الدور الأول لما قد كسبته من أصوات الحشود التي حشدتها لتحقيق أغراضها الدنيئة ومطامعها الخسيسة على غفلة هذه الحشود والجموع فيما تريده منهم الجبهة الفاسدة ، إذ فجأت تتغيَّر أوضاع البلاد ويستقل الرئيس السابق وينفض البساط الذي عليه الجبهة فتذهب أمال أصواتها أدراج الرياح ويخيب سعيها المأمول الذي كان يمنيها للوصول إلى القمة بالأصوات تلك الحشود ، فما كان من خطباء الجبهة حينها إلا أن يتجهوا إلى منابر المساجد مستنفرين الأمة إلى الجهاد يتلثَّم الخطيب كيما يُعرَف، فيشتم ثم يصلي بالناس الجمعة ثم يفرّ! وربما فرَّ قبل الصلاة!! وإذا حضرت الشرطة لم تجد إلا الأبرياء، فتأخذهم بجريرة أولئك الأبطال! أبطال هذه اللعبة الصبيانية ـ وإن رأوها مناورة حركية ـ!! ودخلوا في " مضاربة بلا رمح، وليل بلا صبح " ( انظر إلى كتاب " مدارك النظر " ( ص 128 )
وعندئذ عرف وأفاق الشعب الجزائري ما عليه حقيقة الجبهة وما تريده من الكراسي والفتن والثوارت والانقلابات ، ولكن بعد ماذا ؟ بعد ما ضاع شبابه الكثير في الجبال ، وبعدما خربت كثير من ممتلكات وطنه وثمرة جهود أجداده وأبائه ، وبعدما أزهقت دماء الأبرياء سواء من كان منها في سلك أمن البلاد أو خارج عنه ، وأضحت بلاد الجزائر الجريحة البريئة تتجرع كؤوس سموم نقاق دعاة التحزب ، ولقد صدق من قال: نحن في زمن يصدق عليه وصف القائل: لئن كانت آفة الملوك سوء السيرة، فإن آفة الدعاة خبث السريرة!
([16]) وهذا من أبرز وأقوى أسلحة العدو اليهودي و النصراني لتدمير روح الأمة الإسلامية التي مادة حياتها في غذائها الروحي المتمثل في العلم الموروث فبصفائه ونقائه ومعدنيته وأصالته تقوى الأمة وبفساده وتكدره تنهار قوى الأمة ، فتفطنوا لهذا قبحهم الله فما كان منهم حينئذ إلا أن " يتدخلوا في مناهج التعليم في المدارس والجامعات الوطنية فوضعوا لها منهجا يحقق لهم الأغراض التالية :
أولا : إخراج القرآن والسنة و تاريخ الإسلام من البرامج التعليمية
ثانيا : تخريج أجيال مضطربة دينيا وعقديا مرتبطة بالغرب أكثر من ارتباطها بالإسلام
ثالثا : تجهيل أبناء الإسلام بلغتهم العربية وبالتالي بتراثهم القديم .
وقد استغل النصارى فرصة استعمارهم للعالم الإسلامي وراحوا يتدخلون في مناهج التعليم حتى وضعوا للمدارس الوطنية منهجا يقوم على ما يأتي :
1 ـ اعتبار مادة الدين من المواد الثانوية التي لا تؤثر في نجاح الطالب أو رسوبه ودرجاتها لا تضاف إلى المجموع العام .
2 ـ اعتبار اللغة الإنجليزية والفرنسية هي لغة التدريس لسائر المواد من الابتدائي إلى الجامعة
3 ـ التركيز على إحياء الشعور الوطني والقومي الذي يمزق الشعور الإسلامي
4 ـ العناية بالألعاب الرياضية والأشغال والرسم أكثر من العناية بتدريس الدين الإسلامي
5 ـ وضعوا في العلوم الطبيعية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية نظريات زائفة تعارض بطبيعتها مع الدين
6 ـ وضع تاريخ مشوه للإسلام يدرسه الطلاب مع تحريم تدريس التاريخ الحقيقي للإسلام وفي الوقت ذاته عنى المنهج بالتوسع والإسهاب في دراسة تاريخ الغرب النصراني ... وهذا المنهج الموضوع في دراسة التاريخ هو الذي سعت في تحقيقه اليهود على أرضية الواقع كما ورد في بروتكولات حكماء صهيون أنه جاء عنهم : (( سنقوم بدراس المستقبل بدلا من الكلاسيكيات ، وبدراسة التاريخ الذي يشتمل على مثل سيئة أكثر من اشتماله على مثل حسنة وسنطمس في ذاكرة الإنسان العصور الماضية التي تكون شؤما علينا ولا نترك إلا الحقائق التي ستظهر أخطاء الحكومات في ألوان فاضحة ...
و هم لم يكتفوا بذلك بل سعوا إلى دفع المرأة والزج بها في الاختلاط بالرجال ومزاحمتها لهم في هذه المدارس وغيره من المجالات الحياتية ، وأدعوا أن الاختلاط ضرورة من أجل تهذيب الأخلاق والرقة وحسن المعاشرة ولطف الحديث ودماثة الطبع ، كما دفعوها إلى التبرج وإظهار زينتها ومفاتنها تحت عنوان براق وهو " تحرير المرأة " ، وانشأوا لها بيوت الأزياء العالمية التي يديرها حفنة من اليهود الذين يتفننون في إظهار مفاتن المرأة وجمالها عن طريق الموديلات الجديدة في العالم أربع مرات مع الفصول الأربعة تحت عنوان " الموضة " التي تجري وراءها المرأة لاهثة تبحث عن آخر خطوطها ، ومن خلال الموضة دفعوها إلى السفور والكشف عن وجهها وذراعيها وفخذيها .
كما دعا أعداء الإسلام في المجتمعات الإسلامية عن طريق الإذاعة والتمثيلية والقصة الأدبية والتليفزيون والسينما إلى تحرير المرأة والرجل من قيود الزواج والانطلاق في خلق علاقات جديدة مثل الزمالة والصداقة والمخادنة والزنا وشاعت في المجتمعات الإسلامية نظريات فرويد التي جعلت الإنسان حيوانا هائجا ليس له من هم إلا إشباع شهوته وأهوائه ، ( فرويد ) الذي يقول عنه اليهود في محاضر جلساتهم السرية : (( يجب أن نعمل لتنهار الأخلاق في كل مكان فتسهل سيطرتنا، إن فرويد منا وسيظل يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس لكي لا يبقى في نظر الشباب شيء مقدس ويصبح همه الأكبر هو إرواء غرائزه الجنسية وعندئذ تنتهي أخلاقه ))
كما حاولوا تأخير سن الزواج في المجتمعات الإسلامية بطريقة أو بأخرى حيث صورت أجهزة الإعلام في الأفلام والتمثليات الزواج على أنه كلفة ومشقة وأعداد معدودة من الحجرات وأكوام من الذهب والأدوات الكهربائية وغير ذلك مما جعل الشباب ينتظر حتى يصل إلى هذا المستوى الفاره ، فتأخر سن الزواج في المجتمعات الإسلامية إلى ما يقارب من ثلاثين سنة بعد أن كان الشباب يتزوج حين يبلغ سن الرشد إحصانا لفرجه وإعفافا لدينه بصرف النظر عن الكلفة والجهاز وغير ذلك مما صوره لنا أعداء الإسلام ، وتأخير سن الزواج في غاية الخطورة حيث لا مفر من أن يأخذ الجسم في الثورة وأن تضعف القدرة على ضبط النفس وتصبح العفة التي كانت فضيلة موضعا السخرية ويختفى الحياء الذي كان يفضى على الجمال جمالا .
ويصبح الرجال يتفاخر بتعداد خطاياهم وتطالب المرأة بحقها في مغامرات غير محددة لكي تكون على قدم المساواة مع الرجال ، والذي يساعد ذلك تلك الأفلام والمسرحيات ووسائل الإعلام التي تجسد الجنس في أعين الشباب وتدعوهم إليه ليلا ونهارا ، وبذلك تضيع العفة ويختفى الحياء وينطلق الشباب في مجونهم ولهوهم يبحثون عن علاقات أخرى غير الزواج مثل السفاح والبغاء وغير ذلك من الصور التي كانت موجودة في الجاهلية ولم يكن يلجاء إليها إلا أخس خلق الله والقلة والشواذ رغم الجاهلية التي كانت تغشاهم ، فإن العرب على شركهم كانوا يتهالكون في حفظ أحسابهم وأنسابهم وصيانة نسائهم ... ولكن أعداء الإسلام حاولوا أن يعيدوا بين المسلمين كل هذه الصور الجاهلية بديلا من علاقة الزواج الطاهرة الكريمة التي قررها الإسلام
وهكذا سعوا إلى تحطيم وتلويث طهارة هذا المجتمع الإسلامي الطاهر النقي بتعالميه السامية بتلك المبادئ الهدامة المدمرة ، فماركس يقول : " إن المرأة لابد أن تعمل " ، ودور كايم يقول : " إن الزواج ليس فطرة " ، وفرويد يقول " إنها لابد أن تحقق كيانها تحقيقا جنسيا خالصا من القيود " ، والرأسماليون و اليهود يدفعونها إلى العمل تحت عنوان تحقيق الذات وتحرير المرأة " .
فانخدعت المجتمعات الإسلامية بهذه التضاليل فخلطت النساء بالرجال في كل مجال من المجالات الحياتية في المدرسة وفي الجامعة وفي العمل وفي وسائل النقل ، فضاعت الأعراض وفسدت النفوس وتهدمت البيوت وقيم المجتمع الإسلامي والله المستعان . " انتهى النقل من كتاب " أحذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام " / ص 153 ، و ص 206 ـ 209 / مع شيء من الإختصار والتقديم والتأخير على حسب ما يقتضيه الحال )
([17]) " الجرح والتعديل " (2 / 32) للإمام الحافظ أبى محمد عبد الرحمن بن أبى حاتم ـ رحمهما الله ـ
([18])" ترتيب المدارك وتقريب المسالك " ( 1 / 33) للعلامة القاضي عياض ـ رحمه الله ـ
([19]) فما بال أقومنا الآن يؤخذونا دينهم عن العوجاء والعمياء والعرجاء ويصغون إلى كل من هب ودب مما كان سببا في الجروح والألام التي أبتلينا بها في تلك العشرية السوداء ، وللأسف لا يزال إلى الآن ممن هو يحسن الظن بفيروساتهم المتسلفة من أمثال بن حنفية وأبي إسحاق الحويني ومحمد حسان وأبي الحسن المأربي والله المستعان
([20]) وإذا أردت يا أيها القارئ الكريم أن تقف على فضائح القوم الطائحة فارجع يحفظك الله إلى كتاب " إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان " ( ج 2 / ص 1020وما بعدها ) للعلامة الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ ، لتضحك ما هم فيه من الغباء والشقاء عافني الله وإياك ، وأن دينهم مبني على معاندة العقول والشرائع وتنقص إله العالمين ورميه بالعظائم ، فكيف والحالة هذه نرجوا منهم أن يخدموا أهل الإسلام ودينهم الحنيف ؟!!
هذا يدل على أن قومنا الذين أنخدعوا بهم وبتنظماتهم وأنظمتهم وإنجازاتهم أغبى منهم والله المستعان
([21] ) ومن ذلك ما ذكره صاحب " مدارك النظر " ( 270 ـ 271 ) عن علي بن حاج وسلمان العودة
أنه قال : (( قال ـ ابن حاج ـ في رسالته إلى وزير الاتصال المؤرخة في ( 22 جمادى الأولى 1415هـ ) في ق (26) : (( ومن الأمور المحسومة عند الغرب أن السلطة لا تُنال إلا عن طريق اختيار الشعب في حرية تامة! .. ومن ذلك قالوا بمشروعية الثورة على المستبد ... ويوم أن استقرّ هذا المبدأ في فكر المجتمع الغربي استقرت الأوضاع السياسية عندهم!! وعمَّ الأمن!!! )) ا.هـ
وقال في الحاشية فيما نقله عن سلمان العودة : قلتُ: مثله قول سلمان العودة في شريط " الأمة الغائبة "ـ وهو يتحدَّث عن المجتمعات الغربية الديمقراطية ـ : (( ولهذا يعيشون أوضاعاً من الاستقرار لا تعيشها البلاد الأخرى على الإطلاق!! )) ا.هـ .
وقال عن ابن حاج ( ص 271 ) : وما زال به الشيطان حتى أقنعه بأن بضاعته لا تروج إلا إذا نسبها إلى الإسلام ولذلك قال:صراحة في ق (26): (( نعم! في الغرب قد يَنال المواطن أو رجل الإعلام من رئيس الدولة ولا يملك ذلك الرئيس أن يتخذ ضده أي إجراء، فهل استفادوا من إسلامنا وأضعناه؟! )) ا.هـ
وقال في الحاشية فيما نقله عن سلمان : ومثله قول سلمان العودة مشيداً ومنبهراً بالحرية الغربية: (( وكما أسلفتُ: الإعلام الناضج هو أفضل الوسائل في كشف الفضائح ووضع النقاط على الحروف؛ كما هو الحال عند الغرب!! )) من شريط له بعنوان ( حقوق الإنسان في الإسلام )
([22]) فهذه المنقبة قد فاز بها وظفر على عقبتها الحسنة أئمة التجديد والإصلاح الذين شُهد لهم بالخيرية في الأمة وأنى لأهل التشغيب في الدين والإطاحة بالشعوب قلامة الظفر منها
([23]) انظر إلى كتاب " دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي " ( ص 27 ، و 70 ) للدكتور محمد بن عبدالله السلمان
([24]) انظر إلى " دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي " ( 75 ) وما بعدها
([25]) كتاب " أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح الديني والعمراني في جزيرة العرب وغيرها " ( ص 19 ـ 32 ) للعلامة محمد حامد الفقي رحمه الله
([26]) " أحذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام " ( ص 95 )
([27]) منقول عن العلامة المجاهد محمد بن هادي ـ حفظه الله ـ من حاشية صفحات كتاب " المورد العذب الزلال "( ص 212 )
([28]) " الفتاوى الجلية عن المناهج الدعوية " ( 39 ـ 42 )
([29]) ومن الخطأ أن نتلفظ ونقول عن السفر من بلاد الإسلام إلى بلاد الغرب الكافر بأنه هجرة ، فإن هذا يعد من القلب للحقائق الشرعية فانتبه لهذا يا أيها المسلم .
يقول الإمام ناصرالدين الألباني ـ رحمه الله ـ في " السلسلة الصحيحة " (5 / 299 ـ 300) : (( قلت : و نحوه : ( التغرب ) : السفر إلى بلاد الغرب و الكفر، من البلاد الإسلامية إلا لضرورة و قد سمى بعضهم بـ ( الهجرة ) ! و هو من القلب للحقائق الشرعية الذي ابتلينا به في هذا العصر ، فإن( الهجرة ) إنما تكون من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام . و الله هو المستعان . )) ا.هـ
([30]) "سلسلة الأحاديث الصحيحة " (6 / 848)
([31]) منقول من كتاب " الإرهاب وآثاره السيئة على الأفراد والأمم " ( 62 ـ 64 ) للعلامة الفقيه زيد بن محمد بن هادي المدخلي حفظه الله




رابط للتحميل هذا الجزاء بصيغة ptf

http://www.islamup.com/download.php?id=162249