ما فائدة من " الجرح والتعديل " يا بن حنفية إن لم يحفظ به السنة وأصولها ويوظف في كشف بهرج البدعة و أهلها ؟!
ـ قال بن حنفية في كتابه " هل الحزبية وسيلة للحكم بما أنزل الله " (ص 05 ) : (( استعمال الجرح والتعديل وهو من أعظم العلوم التي هدى الله المسلمين إليها ، لتكون من وسائل حفظ الدين كما وعد الله به ، فإن أصل الدين إنما يحفظ بالإسناد الذي هو من خصائص هذه الأمة ، استعماله في غير الوجه المشروع ، أو تجاوز القدر المشروع منه ، ومن غير من هم أهل لأن يتحدثوا في هذا الأمر الخطير ، حتى إنه اتخذ مطية للطعن في العلماء واستنقاصهم وتناول أعراض الأحياء منهم والأموات ، وإذا وزن هذا العمل بميزان الشرع فإنه ليس إلا من الغيبة المحرمة المتدثرة بدثار الجرح والتعديل ... هذا مع أننا لا نخالف في ضرورة الاحتياط لدين الله ، ببيان المنهج الحق ، والتنبيه على المناهج الضارة والتحذير من المروجين لها القائمين على نشرها ، لكن هذا إنما يقوم به أهل العلم ، فيتكلمون بالقدر الذي يحقق المصلحة ... ))
أقول :
إن كل من قرع مسامعه كلام بن حنفية هذا وإطلع عليه وهو غير عارف بحقيقة منهجية التلفيق واللفيف والتجميع والتمييع التي ركب مطيتها الرجل ، ليغتر به ويستسلم لمجمله فيندفع لسانه والحالة هذه إلى شكره وتحسين نثره([1] ) ، لما قد حواه من السنية وإنطوى عليه من الأحقية .
أما من خبر حاله وصبر أقواله ووقف على أعماله يدرك أن كلامه هذا ما هو إلا من جنس الحق الذي أريد به الباطل ، وأنه من الألفاظ الشرعية والمصطلحات العلمية التي أستعملها أئمة الحديث والسنة لأغراض شرعية حسنة مليحة ، ولكن بن حنفية ومن كان على شاكلته أستعملوها ووظفوها في أغراض قبيحة ، لنصرة باطلهم وحماية رموزهم ، فأوقعتهم هذه البلية في تحريف الكلام عن مواضعه المرعية والتخريف على عقول عباد الله ، ظانين أن حقيقة المراد هذه الألفاظ والمصطلحات هي على ما أرادوه منها وأن ذلك هو مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فحادوا بذلك عن الصراط المستقيم من حيث يظنون أنهم على الجادة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في "مجموع الفتاوى " ( 1 / 243) : (( وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ لُغَةَ الصَّحَابَةِ الَّتِي كَانُوا يَتَخَاطَبُونَ بِهَا وَيُخَاطِبُهُمْ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَادَتَهُمْ فِي الْكَلَامِ وَإِلَّا حَرَّفَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَنْشَأُ عَلَى اصْطِلَاحِ قَوْمِهِ وَعَادَتِهِمْ فِي الْأَلْفَاظِ ثُمَّ يَجِدُ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ فِي كَلَامِ اللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ أَوْ الصَّحَابَةِ فَيَظُنُّ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ أَوْ الصَّحَابَةِ بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ مَا يُرِيدُهُ بِذَلِكَ أَهْلُ عَادَتِهِ وَاصْطِلَاحِهِ وَيَكُونُ مُرَادُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالصَّحَابَةِ خِلَافَ ذَلِكَ . وَهَذَا وَاقِعٌ لِطَوَائِفَ مِنْ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَالنَّحْوِ وَالْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَآخَرُونَ يَتَعَمَّدُونَ وَضْعَ أَلْفَاظِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ عَلَى مَعَانِي أُخَرَ مُخَالِفَةٍ لِمَعَانِيهِمْ ثُمَّ يَنْطِقُونَ بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ مُرِيدِينَ بِهَا مَا يَعْنُونَهُ هُمْ وَيَقُولُونَ : إنَّا مُوَافِقُونَ لِلْأَنْبِيَاءِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْمَلَاحِدَةِ الْمُتَفَلْسِفَةِ والْإسمَاعِيليَّة وَمَنْ ضَاهَاهُمْ مِنْ مَلَاحِدَةِ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ . )) ا.هـ
وإلا فاعلم ـ أرشدك الله لطاعته ـ ما راج الباطل على كثير من الخلق وطمس عليهم رونق الحق وجوهره العتيق ، إلا بسبب وقوفهم عند ظواهر الألفاظ وحسن ظنهم الزائد فيها وعدم تأمل حقيقتها وما يتوصل من ورائها ، فلذا يتحايل أهل الباطل بإخراج باطلهم في قالب شرعي وألفاظ شرعية ، ويلبسونها ثوب الحق على جسم الباطل ،" فينظر الناظر فيما ألبسته من اللباس فيعتقد صحتها ، وأما صاحب العلم واليقين فإنه لا يغتر بذلك بل يجاوز نظره إلى باطنها وما تحت لباسها فينكشف له حقيقتها ومثال هذا : الدرهم الزائف فإنه يغتر به الجاهل بالنقد نظرا إلى ما عليه من لباس الفضة ، والناقد البصير يجاوز نظره إلى ما وراء ذلك فيطلع على زيفه ، فاللفظ الحسن الفصيح هو للشبهة بمنزلة اللباس من الفضة على الدرهم الزائف والمعنى كالنحاس الذي تحته ، وكم قد قتل هذا الاعتذار من خلق لا يحصيهم إلا الله !([2] ) "
وهكذا بن حنفية بعدما جال وطاف في كواليس النذالة وكتب الضلالة يتقفر فنونها المستفحشة ويقتطف من ثمارها المرة ويستجمع من أطعمتها العفنة المستقبحة ، متستمدا منها مادة حياته الروحية إلى أن أشتد ساعده وقوي عضده ، إذ هو كذلك يظن أن ما أقتطفه واستجمعه سيخدم مسيرته وينفع أمته ، ولكن يا خيبة أماله وفضاحة حاله وقباحة مأله أن تلك الثمار والأطعمة التي هي مادة قوى مسيرته ، قد ظهر وتجلى في الواقع المشاهد أنها ما هي إلا ثمار وأطعمة مسمومة نتنة قد أفتضح أمرها وأتضح حال مروجوها ، وخاصة بعد ظهوروانفجار الصحوة العلمية التي حظي بها شباب الأمة الإسلامية في هذه الأزمنة ، ومن حظهم أن سخر الله تعالى لهم نخبة نبيلة شريفة من أئمة السنة والحديث أصحاب العقيدة السلفية النقية الصافية من ينعش هذه الصحوة ويتعهد زرعها من أمثال شيخ الشيوخ شيخ الإسلام عبدالعزيز بن باز والإمام المجدد عبدالله القرعاوي والإمام المحدث العلم القدوة المجدد ناصرالدين الألباني والعلامة المجاهد حمود التويجري والعلامة المحدث حماد الأنصاري والإمام المفسر الأصولي محمد الأمين الشنقيطي والإمام الفقيه العلامة محمد بن صالح العثيمين والمحدث العلامة المجدد مقبل بن هادي الوادعي والعلامة المجاهد القدوة محمد آمان الجامي والمحدث العلامة القدوة أحمد بن يحيى النجمي وغيرهم رحمهم الله وحفظ الأحياء ومنهم المحدث العلامة عبدالمحسن العباد والفقيه العلامة القدوة صالح الفوزان والفقيه العلامة صالح اللحيدان والإمام المحدث المبجل القدوة ربيع بن هادي المدخلي .
فهؤلاء الأئمة الأعلام الجحاجحة وإخوانهم من أهل السنة والجماعة ممن لم نذكرهم كم أحيا الله تعالى بهم قلوب أهل الحق وأمات بهم قلوب أهل الزيغ والنفاق ، فكم بددوا من غيوم الباطل وهتكوا من أغلفة الضلال الكثيفة الكثيرة التي طالما سترها وأخفاها وغطاها أهل الباطل بزخارف كثيرة وشبه عدة هي أوهى من بيوت العنكبوت لسيطرة على عقول عباد الله ، ومن ذلك ما أرجفوا به على الأمة الإسلامية من "أن باب الاجتهاد والنظر قد أغلق وأنه ما بقي إلا التمذهب والتقليد "، و"أن باب الجرح والتعديل أنقطع وأغلق " وهلم جرا من الشبه " التي تدهش السامع أول ما تطرق وتأخذ منه وتروعه كالسحر الذي يدهش الناظر أول ما يراه ويأخذ ببصره ، وكصولة المبطل الجبان الذي يحمل أول أمره على خصمه وهكذا شبه القوم كلها هي كحبال السحرة وعصيهم التي خيل إلى موسى { أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى } ([3] )، فهكذا الحجة الحق تبطل جميع الشبه الباطلة التي هي للعقول كحبال السحرة وعصيهم للأبصار"([4] ).
فإذا كان كذلك فلنسلط سلطان الحق على إزهاق هاتين الشبهتين الملعونتين التي طالما عطلت وشلت عقول شباب الأمة الإسلامية وأضحت أمرها بيد أهل البدع والضلال والزنادقة والعلمانيين واليهود والنصارى يقلبونها ويحركونها كما يشاؤون فنقول :
أما بيان الشبهة الأولى : قولهم :" إن باب الاجتهاد والنظر قد أغلق وأنه ما بقي إلا التمذهب والتقليد " ، أو لم يكفيهم في بيان وهاء هذه الشبهة الملعونة قوله تعالى : { اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ } [الأعراف : 03 ] ، وقوله سبحانه تعالى { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت:51 ] "وقوله تعالى: { وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله }[الأنعام:153]، وقال تعالى: { واعتصموا بحبل الله جميعاً } [ آل عمران : 103]، فهذه النصوص كلها تبطل التقليد وتحرمه.
وقال تعالى في ذم المقلدين: { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون } [البقرة:170] ، وقال تعالى: { وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون } [ الزخرف:22 ]
وقد استدل أئمة السنة والإسلام بهذه الآيات ونظائرها على تحريم التقليد على من يستطيع أن يفهم نصوص الكتاب والسنة سواء كان من أهل الاجتهاد أو من أهل الاتباع ، وقرروا أن التقليد إنما يجوز للعاجر عن إدراك الحق من الكتاب والسنة وأن التقليد كالميتة أصلها حرام وإنما يجوز للمضطر أكلها.
ولقد علمت أن أئمة الإسلام حرموا على الناس أن يقلدوهم، وأن منهم من يقول لا يجوز لأحد أن يأخذ بقولي حتى يعلم من أين أخذت ، ويقول الإمام الشافعي : (( إذا خالف قولي قول رسول الله فاضربوا بقولي عرض الحائط )) ، ويقول الإمام أحمد : (( لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الأوزاعي وخذ من حيث أخذوا )) .
وقرر علماؤنا أئمة السنة القاعدة المعروفة المنسوبة إلى الإمام مالك : (( كل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم )) ، وقالوا : (( إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ))، كل ذلك منهم محاربة للتقليد .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يجيب عن سؤال وجه إليه حول التقليد : (( الحمد لله ، قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله سبحانه وتعالى فرض على الخلق طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى كان صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها يقول : أطيعوني ما أطعت الله ، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم .
واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصوماً في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولهذا قال غير واحد من الأئمة : كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهؤلاء الأئمة الأربعة رضي الله عنهم قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه ، وذلك هو الواجب عليهم ، فقال أبو حنيفة : هذا رأيي وهذا أحسن ما رأيت ،فمن جاء برأي خير منه قبلناه ، ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه أبو يوسف بمالك فسأله عن مسألة الصاع ، وصدقة الخضروات ، ومسألة الأجناس ، فأخبره مالك بما تدل عليه السنة في ذلك ، فقال : رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله ، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع إلى قولك كما رجعت .
ومالك كان يقول : إنما أنا بشر أصيب وأخطيء ، فأعرضوا قولي على الكتاب والسنة ، أو كلاماً هذا معناه .
والشافعي كان يقول : إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط ، وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي .
وفي مختصر المزني لما ذكر أنه اختصره من مذهب الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه قال : مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء .
والإمام أحمد كان يقول : لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكاً ولا الشافعي ولا الثوري وتعلموا كما تعلمنا ، وكان يقول : من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال ، وقال : لا تقلد دينك الرجال فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا .
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )) ، ولازم ذلك أن من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيراً ، فيكون التفقه في الدين فرضاً ، والتفقه في الدين : معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقهاً في الدين ، لكن من الناس من قد يعجز عن معرفة الأدلة التفصيلية في جميع أموره ، فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته لا كل ما يعجز عنه من التفقه ويلزمه ما يقدر عليه ، وأما القادر على الاستدلال فقيل: يحرم عليه التقليد مطلقاً ، وقيل : يجوز مطلقاً ، وقيل : يجوز عند الحاجة ، كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال ، وهذا القول أعدل الأقوال ([5] )، والاجتهاد ليس هو أمراً واحداً لا يقبل التجزي والانقسام ، بل قد يكون الرجل مجتهداً في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة ، وكل أحد فاجتهاده بحسب وسعه )) ا.هـ ([6] )
وكم ألف العلماء من المؤلفات في ذم التقليد وحذروا منه ودعوا الناس إلى اتباع الكتاب والسنة ."([7] )
ولكن قد يقول القائل فما السبيل للعامي الذي ليس له الأهلية ولا الألية التي تمكنه من النظر والاستدلال ومعرفة مخارج كلام الأئمة إن لم يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة ؟
نقول : قد كفى ووفى وشفى كل من الإمام ابن القيم والإمام محمد الأمين الشنقيطي ـ رحمهما الله ـ في بيان هذه العلة العليلة ، فدونكها يا طالب العزيز و العالي الغالي :
يقول العلامة ابن القيم في كتابه " إعلام الموقعين" (4 / 517 ـ ) : (( هل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا ؟
فيه مذهبان : أحدهما : لا يلزمه وهو الصواب المقطوع به إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره . وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مبرأ أهلها من هذه النسبة ، بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به فالعامي لا مذهب له لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال ويكون بصيرا بالمذاهب على حسبه أو لمن قرأ كتابا في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوي إمامه وأقوله .
وأما من لم يتأهل لذلك ألبتة بل قال أنا شافعي أوحنبلي أوغير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول كما لو قال أنا فقيه أونحوي أوكاتب لم يصر كذلك بمجرد قوله .
يوضحه : أن القائل إنه شافعي أومالكي أوحنفي يزعم أنه متبع لذلك الإمام سالك طريقه وهذا إنما يصح له إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة والاستدلال .
فأما مع جهله وبعده جدا عن سيرة الإمام وعلمه وطريقه فكيف يصح له الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من كل معنى ، والعامي لا يتصور أن يصح له مذهب ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره ولا يلزم أحدا قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره
وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام وهم أعلى رتبة وأجل قدرا وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك ، وأبعد منه قول من قال يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء وأبعد منه قول من قال يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة .
فيالله العجب ماتت مذاهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام وبطلت جملة إلا مذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الأمة والفقهاء .
وهل قال ذلك أحد من الأئمة أودعا إليه أودلت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه والذي أوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامه ، لا يختلف الواجب ولا يتبدل وإن اختلفت كيفيته أوقدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال فذلك أيضا تابع لما أوجبه الله ورسوله .)) ا.هـ
ويقول العلامة محمد الأمين الشنقيطي في كتابه " أضواء البيان " ( 7/ 353 ) : (( اعلم أنه لا يخفى علينا أن المقلدين التقليد الأعمى المذكور ، يقولون :
هذا الذي تدعوننا إليه وتأمروننا به من العمل بالكتاب والسنة وتقديمهما على آراء الرجال من التكليف بما لا يطاق ، لأنا لا قدرة لنا على معرفة الكتاب والسنة حتى نعمل بهما ، ولا يمكننا معرفة شيء من الشرع إلا عن طريق الإمام الذي نقلده ، لأنا لم نتعلم نحن ولا آباؤنا شيئاً غير ذلك ، فإذا لم نقلد إمامنا بقينا في حيرة لا نعلم شيئاً من أحكام عباداتنا ولا معاملاتنا ، وتعطلت بيننا الأحكام إذ لا نعرف قضاء ولا فتوى ولا غير ذلك من الأحكام إلا عن طريق مذهب إمامنا ، لأن أحكام مدونة عندنا وهي التي نتعلمها ونتدارسها دون غيرها من الكتاب أو السنة وأقوال الصحابة ومذاهب الأئمة الآخرين .
ونحن نقول : والله لقد ضيقتم واسعاً ، وادعيتم العجز ، وعدم القدرة في أمر سهل ، ولا شك أن الأحوال الراهنة للمقلدين التقليد الأعمى ، للمذاهب المدونة تقتضي صعوبة شديدة جداً في طريق التحول من التقليد الأعمى إلى الاستضاءة بنور الوحي ، وذلك إنما نشأ من شدة التفريط في تعلم الكتاب والسنة والإعراض عنهما إعراضاً كلياً يتوارثه الأبناء عن الآباء والآباء عن الأجداد ، فالداء المستحكم من مئات السنين لا بد لعلاجه من زمن طويل .
ونحن لا نقول : إن الجاهل بالكتاب والسنة يعمل بهما باجتهاده ، بل نعوذ بالله من أن نقول ذلك .
ولكنا نقول : إن الكتاب والسنة يجب تعلمهما ، ولا يجوز الإعراض عنهما وأن كل ما علمه المكلف منهما علماً صحيحاً ناشئاً عن تعلم صحيح وجب عليه العمل به ، فالبلية العظمى إنما نشأت من توارث الإعراض عنهما إعراضاً كلياً اكتفاء عنهما بغيرهما ، وهذا من أعظم المنكر وأشنع الباطل .
فالذي ندعو إليه هو المبادرة بالرجوع إليهما بتعلمهما أولاً ثم العمل بهما والتوبة إلى الله من الإعراض عنهما .
ودعوى أن تعلمهما غير مقدور عليه ، لا يشك في بطلانها عاقل ، ونعيذ أنفسنا وإخواننا بالله أن يدعوا على أنفسهم أن على قلوبهم أكنة ، وفي آذانهم وقرا يمنعهم من فهم كتاب الله ، لأن ذلك قول الكفار لا قول المسلمين قال الله تعالى { حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرحمن الرحيم كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُون بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فاعمل إِنَّنَا عَامِلُونَ } [ فصلت : 1 - 5 ] .
فاحذر يا أخي وارحم نفسك أن تقول مثل قول هؤلاء الكفرة وأنت تسمع ربك يقول : { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } [ القمر : 17 - 22 - 23 - 40 ] ، ويقول : { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } [ الدخان : 58 ] ، ويقول { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ليدبروا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو الألباب } [ ص : 29 ] ، فلا تخرج نفسك من عموم أولي الألباب الذين هم أصحاب العقول ، لأنك إن فعلت ذلك اعترفت على نفسك أنك لست من جملة العقلاء .
وعلى كل حال فلا يخلو المقلدون ، التقليد الأعمى ، من أحد أمرين :
أحدهما: ألا يلتفتوا إلى نصح ناصح ، بل يستمرون على تقليدهم الأعمى ، والإعراض عن نور الوحي عمداً .
وتقديم رأي الرجال عليه ، وهذا القسم منهم لا نعلم له عذراً في كتاب الله ولا سنة رسوله ، ولا في قول أحد من الصحابة ، ولا أحد من القرون المشهود لهم بالخير ، لأن حقيقة ما هم عليه ، هو الإعراض عما أنزل الله عمداً مع سهولة تعلم القدر المحتاج إليه منه ، والاستغناء عنه بأقوال الأئمة ، ومن كان هذا شأنه وهو تام العقل والفهم قادر على التعلم فعدم عذره كما ترى .
الأمر الثاني : هو أن يندم المقلدون على ما كانوا عليه من التفريط في تعلم الوحي ، والإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويبادروا إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة ويشرعوا في ذلك بجد . تائبين مما كانوا عليه من التفريط قبل ذلك ، وهذا القسم على هدى من الله . )) ا.هـ
وما أحسن وأروع ما قاله الإمام محمد بن إسماعيل الأمير ـ رحمه الله ـ إذ يقول ([8] ):
وأقبـح مـن كل ابتـداع سمعتـه ...... وأنكاه للقلب المولع للرشد
مذاهب من رام الخلاف لبعضها .... يعض بأنياب الأساود والأسد
ويعــزي إليــه كل مــا لا يقولــه ...... لتنقيصه عند التهامي والنجد
وليس له ذنب سوى أنه غــدا ..... يتابع قول الله في الحل والعقد
لئن عده الجهال ذنبا فحبــذا ...... به حبذا يوم انفرادي في لحدي
علا ما جعلتم أيها الناس ديننا .... لأربعة لا شك في فضلهم عندي
هم علماء الأرض شرقا ومغربا ..... ولكن تقليدهم في غد لا يجدي
ولا زعموا حاشاهم أن قولهم ..... دليل فيستهدي به كل من يهدي
بل صرحوا أنا نقابل قولـهم .... إذا خالف المنصوص بالقدح والرد
ولكن هذا لا يعني يا أهل الإسلام أن نهدر كلام أئمة الإسلام ونتجاسر عليهم ونهدم إنجازاتهم الجبارة العظيمة التي خدموا بها السنة وعلومها ، ونسلط السفهاء والرويبضات على علومهم وتراثهم وأحكامهم ، فيسعون فيها بالتخريب والرد بحجة " لا نقلّد ونقول الحق " كما قالها المأربي المفسد الفوضي .([9] )
كلا والله وألف كلا ، وحاشا بعدما منّ الله علينا بهذا الخير العميم والمنهج السلفي العظيم ، فإنه من الفخر ودواعي السرور أن نحمد الله الرحمن الرحيم الكريم الجواد الوهاب على هذه العقيدة السلفية المباركة التي ربت فينا إحترام أهل العلم وتوقيرهم وتبجيلهم ولو أخطأوا ، نعم نرد خطأهم ونبين الصواب و لكن لا نتخذهم أربابا من دون الله ، أما أن نطرح كلامهم ولا نستفد منه ولا نوقرهم فإن هذا لمن سبيل المغضوب عليهم ويعد " جهل وحمق ـ ورب الكعبة ـ فمن ذا الذي يستغني عن ( فتح الباري ) للحافظ ابن حجر مثلا وكذا ( شرح صحيح مسلم ) للحافظ النواوي وأمثالها لغيرهم من علماء الإسلام ـ رحمهم الله ـ " ([10] ) ، ورحم الله الإمام القدوة ابن القيم إذ أتحفنا بشيء من الدرر واللطائف ما في هذا الباب مما لا غنى لأهل الإسلام عنها وبخاصة طالب العلم والسنن ، إذ يقول في كتابه " الروح " (ص 264) : (( الفرق بين تجريد متابعة المعصوم صلى الله عليه وسلم وإهدار أقوال العلماء وإلغائها :
أن تجريد المتابعة : ألا تقدم على ما جاء به قول أحد ولا برأيه كائنا من كان ، بل تنظر في صحة الحديث أولا ، فإذا صح لك نظرت في معناه ثانيا فإذا تبين لك لم تعدل عنه ولو خالفك من بين المشرق المغرب
ومعاذ الله أن تتفق الأمة على مخالفة ما جاء به نبيها بل لا بد أن يكون في الأمة من قال به ولو لم تعلمه فلا تجعل جهلك بالقائل به حجة على الله ورسوله بل أذهب إلى النص ولا تضعف واعلم أنه قد قال به قائل قطعا ولكن لم يصل إليك .
هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول الواحد منهم عليها بشبهة : إنه اعلم بها منك فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النص أعلم به منك فهلا وافقته إن كنت صادقا فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها بها وخالف منها ما خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم بل اقتدى بهم فإنهم كلهم أمروا بذلك فمتبعهم حقا من امتثل ما أوصوا به لا من خالفهم .
فخلافهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم .
ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلده به ولذلك سمى تقليدا بخلاف ما استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى .
قال الشافعي : اجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد )) ا.هـ
وكذا للإمام المبجل ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ كلاما نحو هذا الكلام إذ يقول في كتابه " صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم " ( 61 ـ 62 ) : (( ويزعم آخرون أن معنى هذا الذي تدعون إليه من الاتباع للسنة وعدم الأخذ بأقوال الأئمة المخالفة لها ترك الأخذ بأقوالهم مطلقا والاستفادة من اجتهاداتهم وآرائهم
فأقول : إن هذا الزعم أبعد ما يكون عن الصواب بل هو باطل ظاهر البطلان كما يبدو ذلك جليا من الكلمات السابقات فإنها كلها تدل على خلافه وأن كل الذي ندعو إليه إنما هو ترك اتخاذ المذاهب دينا ونصبها مكان الكتاب والسنة بحيث يكون الرجوع إليها عند التنازع أو عند إرادة استنباط أحكام لحوادث طارئة كما يفعل متفقهة هذا الزمان وعليه وضعوا الأحكام الجديدة للأحوال الشخصية والنكاح والطلاق وغيرها دون أن يرجعوا فيها إلى الكتاب والسنة ليعرفوا الصواب منها من الخطأ والحق من الباطل وإنما على طريقة ( اختلافهم رحمة ) وتتبع الرخص والتيسير أو المصلحة - زعموا - وما أحسن قول سليمان التيمي رحمه الله تعالى :" إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله " رواه ابن عبد البر ( 2/ 91 - 92 ) وقال عقبة : " هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا "
فهذا الذي ننكره وهو وفق الإجماع كما ترى .
وأما الرجوع إلى أقوالهم والاستفادة منها والاستعانة بها على تفهم وجه الحق فيما اختلفوا فيه مما ليس عليه نص في الكتاب والسنة أو ما كان منها بحاجة إلى توضيح فأمر لا ننكره بل نأمر به ونحض عليه لأن الفائدة منه مرجوة لمن سلك سبيل الاهتداء بالكتاب والسنة
قال العلامة ابن عبد البر رحمه الله تعالى ( 2 / 172 ) : " فعليك يا أخي بحفظ الأصول والعناية بها واعلم أن من عني بحفظ السنن والأحكام المنصوصة في القرآن ونظر في أقاويل الفقهاء - فجعله عونا له على اجتهاده ومفتاحا لطرائق النظر وتفسيرا لجمل السنن المحتملة للمعاني - ولم يقلد أحدا منهم تقليد السنن التي يجب الانقياد إليها على كل حال دون نظر ولم يرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن وتدبرها واقتدى بها في البحث والتفهم والنظر وشكر لهم سعيهم فيما أفادوه ونبهوا عليه وحمدهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم ولم يبرئهم من الزلل كما لم يبرؤوا أنفسهم منه فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح وهو المصيب لحظه والمعاين لرشده والمتبع لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهدي صحابته رضي الله عنهم .
ومن أعف نفسه من النظر وأضرب عما ذكرنا وعارض السنن برأيه ورام أن يردها إلى مبلغ نظره فهو ضال مضل ومن جهل ذلك كله أيضا وتقحم في الفتوى بلا علم فهو أشد عمى وأضل سبيلا "
فهذا هو الحق ما به خفاء .... فدعني عن بنيات الطريق )) ا.هـ
فبهذا البيان والإضاح يا إخوتاه ـ حفظكم الله ـ تنحل تلك العقد التي عقدها ونفث فيها الشيطان من أن بيان الخطأ من أخطأ من المعظمين كائنا من كان يعد ذلك طعنا فيه وتنقيصا من منزلته وهضما من مكانته ، وناسوا أولئك الذين أثرت فيهم تلك النفثات والنفخات من أن دين الله أعظم من كل معظم !!
قال الإمام القدوة الألباني ـ رحمه الله ـ في كتابه "صفة الصلاة " (63 ـ 64) : (( ثم إن هناك وهما شائعا عند بعض المقلدين يصدهم عن اتباع السنة التي تبين لهم أن المذاهب على خلافها وهو ظنهم أن اتباع السنة يستلزم تخطئة صاحب المذهب والتخطئة معناها عندهم الطعن في الإمام ولما كان الطعن في فرد من أفراد المسلمين لا يجوز فكيف في إمام من أئمتهم ؟!
والجواب : أن هذا المعنى باطل وسببه الانصراف عن التفقه في السنة وإلا فكيف يقول ذلك المعنى مسلم عاقل ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائل : " إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد "رواه البخاري ومسلم ، فهذا الحديث يرد ذلك المعنى ويبين بوضوح لا غموض فيه أن قول القائل : " أخطأ فلان " معناه في الشرع : " أثيب فلان أجرا واحدا " فإذا كان مأجورا في رأي من خطأه فكيف يتوهم من تخطئته إياه الطعن فيه ؟!
لا شك أن هذا التوهم أمر باطل يجب على كل من قام به أن يرجع عنه وإلا فهو الذي يطعن في المسلمين وليس في فرد عادي منهم بل في كبار أئمتهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة المجتهدين وغيرهم فإننا نعلم يقينا أن هؤلاء الأجلة كان يخطئ بعضهم بعضا ويرد بعضهم على بعض ، أفيقول عاقل : إن بعضهم كان يطعن في بعض بل لقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطأ أبا بكر رضي الله عنه في تأويله رؤيا كان رآها رجل فقال صلى الله عليه وسلم له : " أصبت بعضا وأخطأت بعضا " رواه البخاري ومسلم ، فهل طعن صلى الله عليه وسلم في أبي بكر بهذه الكلمة
ومن عجيب تأثير هذا الوهم على أصحابه أنه يصدهم عن اتباع السنة المخالفة لمذهبه لأن اتباعهم إياها معناه عندهم الطعن في الإمام وأما اتباعهم إياه - ولو في خلاف السنة - فمعناه احترامه وتعظيمه ولذلك فهم يصرون على تقليده فرارا من الطعن الموهوم
ولقد نسي هؤلاء - ولا أقول : تناسوا - أنهم بسبب هذا الوهم وقعوا فيما هو شر مما منه فروا .
فإنه لو قال لهم قائل : إذا كان الاتباع يدل على احترام المتبوع ومخالفته تدل على الطعن فيه فكيف أجزتم لأنفسكم مخالفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم وترك اتباعها إلى اتباع إمام المذاهب في خلاف السنة وهو معصوم والطعن فيه ليس كفرا فلئن كان عندكم مخالفة الإمام تعتبر طعنا فيه فمخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم أظهر في كونها طعنا فيه بل ذلك هو الكفر بعينه - والعياذ بالله منه –
لو قال لهم ذلك قائل لم يستطيعوا عليه جوابا اللهم إلا كلمة واحدة - طالما سمعناها من بعضهم - وهي قولهم : إنما تركنا السنة ثقة بإمام المذهب وأنه أعلم بالسنة منا
وجوابنا على هذه الكلمة من وجوه يطول الكلام عليها في هذه المقدمة ولذلك فإني أقتصر على وجه واحد منها وهو جواب فاصل بإذن الله فأقول :
ليس إمام مذهبكم فقط هو أعلم منكم بالسنة بل هناك عشرات - بل مئات - الأئمة هم أعلم أيضا منكم بالسنة فإذا جاءت السنة الصحيحة على خلاف مذهبكم - وكان قد أخذ بها أحد من أولئك الأئمة - فالأخذ بها - والحالة هذه - حتم لازم عندكم لأن كلمتكم المذكورة لا تنفق هنا فإن مخالفكم سيقول لكم معارضا : إنما أخذنا بهذه السنة ثقة منا بالإمام الذي أخذ بها فاتباعه أولى من اتباع الإمام الذي خالفها . وهذا بين لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى )) ا.هـ
هذا هو شأن أهل السنة والجماعة مع أئمتهم ، فإنهم يوقرونهم ويحترمونمهم ويستغفرون ويدعون لهم ، ويحترمون عقولهم وأحكامهم وينزلونهم منازلهم ولا يدعون فيهم العصمة ولا يغلون فيهم حتى يسلم ويركن لأخطائهم وتصبح دينا يدان بها ويرد ما كان في مقابلها من الحق ، كما هو شأن أهل الضلال والزيغ وغلاة التقليد ، أنه إذا انتقدت أخطاء مناهجهم وشيوخهم و رموزهم قلبوا عليك الدنيا وشهروا سلاح التخويف والترعيد بأنك تبغض الأفاضل وتعاديهم ، وهذا من " أوسع أودية الباطل ... ومن أمضى أسلحته أن يرمي الغالي كل من يحاول رده إلى الحق ببغض أولئك الأفاضل ومعاداتهم، ويرى بعض أهل العلم أن النصارى أول ما غلوا في عيسى عليه السلام كان الغلاة يرمون كل من أنكر عليهم بأنه يبغض عيسى ويحقره ونحو ذلك فكان هذا من أعظم ما ساعد على أن انتشار الغلو لأن بقايا أهل الحق كانوا يرون أنهم إذا أنكروا على الغلاة نسبوا إلى ما هم أشد الناس كراهية له من بغض عيسى وتحقيره، ومقتهم الجمهور، وأوذوا فثبطهم هذا عن الإنكار، وخلا الجو للشيطان، وقريب من هذا حال الغلاة الروافض وحال القبوريين، وحال غلاة المقلدين "([11] )
وهكذا لا يزال هذا السلاح التخويفي الترعيدي يسري في شباب الأمة الإسلامية ويعمل في عمله القاتل لشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فما إن تنتقد أخطاء رموز تلك الجماعات والمناهج وإلا وتجيش الجيوش وتهيأ الأسلحة الجائرة لفتك وتحطيم وتشويه من ينتقدهم ويبين مخالفاتهم نصحًا لله، ولكتابه، ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، بمثل قولهم أنك تبغض وتطعن في الأفاضل والدعاة وأنك تفرق ، وأن هذا منك ما هو إلا من جنس الغيبة المحرمة وهلم جرا
ويا ليت وريت لو كان هذا الغزو الذي ثاروا ثائرته موظفا في الدفاع عن صلحاء الأمة وأئمتها وشيوخها وعلى رأسهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأئمة الحديث والأثر من بعدهم ـ رضوان الله عليهم ـ ، لشكر عملهم وإمتدح جميلهم ، وأما أن تثور ثائرتهم عن أهل الفساد والإفساد والتنظير الباطل والتأصيل العاطل فهذا مما يندى له الجبين ويتأسف منه أشد الأسف ، لما فيه من تغيير الحقائق وقلب الموازين .
وإلا فليعلم أن صاحب الباطل مهم أفضيت عليه من الألبسة الفضفاضة ـ ولكنها شفافة ـ وستر تلك العورات البينة الظاهرة بالأقمصة ـ ولكنها رقيقة هفافة ـ فلا تغني عنه من الله شيئا ، ولا تحميه من سهام الحق ، ومن ذلك أنه مهم كبر وعظم وانتفخ صاحب الباطل فهو صغير حقير ولو كان كبير السن و كثير العلم
قال الإمام إبراهيم الحربي ـ رحمه الله ـ كما في شرح اعتقاد أهل السنة (1/85رقم103) للالكائي :
(( الصغير إذا أخذ بقول رسول الله والصحابة والتابعين فهو كبير، والشيخ الكبير إن أخذ بقول أبي حنيفة وترك السنن فهو صغير )) ا.هـ .
وقال الإمام البربهاري في شرح السنة (96رقم104) : (( إنما العالم من اتبع العلم والسنن، وإن كان قليل العلم والكتب ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة وإن كان كثير العلم والكتب . )) ( [12] )
وإذا كان كذلك فأي حرمة تبقى لصاحب الباطل حينئذ ، وأي كرامة تحفظ له ، وأي فضيلة تراعى له وهو يسعى في الأمة بالتخريب والتحطيم بإختراع الأصول الفاسدة وإختلاق المناهج الباطلة ودعوته شباب الأمة لإعتناقها وتبنيها وتمشيتها في أرجاء الأمة الإسلامية بما أتي من أساليب المكر والخبث ، بل قد يستعين في معركته التخريبية حتى بوسائل الماسونية كما عليه الجماعات الحزبية والدعوات البدعية الأنية التي تسعى في تحطيم الدعوة السلفية وإسقاط أهلها وتشويه سمعة حاملي رايتها ، ومن ذلك ما هم فيه من الإندماج والإختلاط بأهل السنة والجماعة وأهل الحديث والأثر وإدعائهم حمل راية السلفية كذبا وزروا و التمشيخ على أئمتها والإنتساب إليهم ، وشتان بين ما عليه أئمة الحديث والسنة من إصلاح أحوال الأمة وما عليه المتسلفة من الأعمال التخريبية و الإطاح بالأمة :
سارت مشرقة وسرت مغرباً ... شتان بين مشرقٍ ومغرب
وإلا فـأحوالهم الفظيعة التي هم عليها تصدق أقوالهم أو تكذبها وهي أكبر شاهد في بيان أحوالهم وأعمالهم قال الإمام الحسن ـ رحمه الله ـ :" ابن آدم لك قول وعمل وعملك أولى بك من قولك ولك سريرة وعلانية وسريرتك أملك بك من علانيتك"([13] )
ومن ذلك لو أحدنا طاف بنظره وجال لحيظات في ما أنجزه وحققه أئمة السنة والأثر من الإنجازات الباهرة والأعمال الظاهرة التي خدمت السنة وعلومها لوجد أنه قد تحقق على أيديهم من المصالح العظيمة والمنافع الجليلة ما نفع الله بها البلاد والعباد وهذا بخلاف ما عليه أهل الضلال والفساد من الأعمال العاهرة التي ما جنت منها الأمة إلا المصائب والمحن والدمار ، ومن المؤسف أنه مع هذا كله إذا نصحوا وذكروا ونبهوا على هذه الأعمال الإجرامية والأساليب الإستدمارية التي هم عليها تجد أحدهم تثور ثائرته وتراه حاله كما قال القائل ( [14] ):تثاءب حتى قلت : داسع نفسه ..... وأخرج أنيابا له كالمعاول
مع إن ـ ويا ليت شعري ـ هذه الأعمال الصادرة منهم ما يتألم منها إلا هم وأولادهم وأمتهم وأنها ما تخدم إلا عدوهم اليهودي والنصراني والعلماني والملحد ، ولكن لا حياة لمن تنادي .
بل يود أحدهم أن لا ينتقد إلى أن يموت ويوارى عليه التراب ، بل لو انتقد أحدهم ولو بعد ذلك لأصيب أتباعه بالجنون وملؤوا الدنيا بالصياح والعياط والتباكي لماذا تنتقدونه ؟ لهذا تجد كل من انتقد منهم لا يرجع عن أخطائه أبداً لا هو ولا أتباعه ،و كأن ديننا غير دينهم ، وإلا أين هم من منهج سلفنا الصالح أهل الحديث فإنه كان أحدهم "يرشح لطلب الحديث وهو طفل، ثم ينشأ دائباً في الطلب والحفظ والجمع ليلاً ونهاراً ويرتحل في طلبه إلى أقاصي البلدان ويقاسى المشاق الشديدة كما هو معروف في أخبارهم ويصرف في ذلك زهرة عمره إلى نحو ثلاثين أو أربعين سنة وتكون أمنيته الوحيدة من الدنيا أن يقصده أصحاب الحديث ويسمعوا منه ويرووا عنه، وفي (تهذيب التهذيب/ 11/ 183 ) :« قال عبد الله بن محمود المروزي: سمعت يحيى بن أكثم يقول: كنت قاضياً وأميراً ووزيراً ما ولج سمعي أحلى من قول المستملي من ذكرت رضي الله عنك » وفيه ( 6 / 314) : « روي عن عبد الرزاق أنه قال: حججت فمكثت ثلاثة أيام لا يجيئني أصحاب الحديث فتعلقت بالكعبة وقلت: يا رب مالي أكذاب أنا؟ أمدلس أنا؟ فرجعت إلى البيت فجاءوني »
وقد علم طالب الحديث في أيام طلبه تشدد علماء الحديث وتعنتهم وشدة فحصهم وتدقيقهم حتى إن جماعة من أصحاب الحديث ذهبوا إلى شيخ ليسمعوا منه فوجدوه خارج بيته يتبعوا بغلة له قد انفلتت يحاول إمساكها وبيده مخلاة يريها البغلة ويدعوها لعلها تستقر فيمسكها فلاحظوا أن المخلاة فارغة فتركوا الشيخ وذهبوا وقالوا أنه كذاب كذب على البغلة بإيهامها أن المخلاة شعيراً والواقع أنه ليس فيها شيء.
وفي (تهذيب التهذيب/ 11/ 284 ) :« وقال هارون بن معروف: قدم علينا بعض الشيوخ من الشام فكنت أول من بكر عليه فسألته أن يملي علي شيئاً فأخذ الكتاب يملي فإذا بإنسان يدق الباب فقال الشيخ من هذا؟ ... فإذا بآخر يدق الباب قال الشيخ من هذا؟ قال: يحيى بن معين، فرأيت الشيخ ارتعدت يده ثم سقط الكتاب من يده. وقال جعفر الطيالسي عن يحيى بن معين: « قدم علينا عبد الوهاب ابن عطاء فكتب إلى أهل البصرة: وقدمت بغداد وقبلني يحيى ابن معين والحمد لله » "([15] )
ومن ذلك ما رواه الإمام الحافظ الخطيب البغدادي في "تاريخه " (9 / 42) أنه قال : أخبرنا البرقاني أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي أخبرنا عبد الله بن محمد بن سيار قال سمعت إبراهيم بن الأصبهاني يقول :
(( كان أبو داود الطيالسي بأصبهان فلما أراد الرجوع أخذ يبكى فقالوا له يا أبا داود ان الرجل إذا رجع إلى أهله فرح واستبشر وأنت تبكي فقال إنكم لا تعلمون إلى من أرجع إنما ارجع إلى شياطين الإنس علي بن المديني وبن الشاذكوني وبن بحر السقا يعنى عمرو بن علي )) ([16] )
و ذكر الإمام الذهبي في " السير " (10 / 148) عن أحمد بن منصور الرمادي أنه قال : (( خرجت مع أحمد ويحيى إلى عبد الرزاق خادما لهما، قال: فلما عدنا إلى الكوفة، قال يحيى بن معين: أريد أن أختبر أبا نعيم، فقال أحمد: لا ترد، فالرجل ثقة، قال يحيى: لا بد لي ، فأخذ ورقة، فكتب فيها ثلاثين حديثا وجعل على رأس كل عشرة منها حديثا ليس من حديثه، ثم إنهم جاؤوا إلى أبي نعيم، فخرج، وجلس على دكان طين، وأخذ أحمد بن حنبل، فأجلسه عن يمينه، ويحيى عن يساره، وجلست أسفل الدكان، ثم أخرج يحيى الطبق، فقرا عليه عشرة أحاديث، فلما قرأ الحادي عشر، قال أبو نعيم: ليس هذا من حديثي، اضرب عليه، ثم قرأ العشر الثاني، وأبو نعيم ساكت، فقرأ الحديث الثاني، فقال أبو نعيم: ليس هذا من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشر الثالث، ثم قرأ الحديث الثالث، فتغير أبو نعيم، وانقلبت عيناه، ثم أقبل على يحيى، فقال: أما هذا - وذراع أحمد بيده - فأورع من أن يعمل مثل هذا، وأما هذا - يريدني - فأقل من أن يفعل ذاك، ولكن هذا من فعلك يا فاعل ، وأخرج رجله، فرفس يحيى، فرمى به من
الدكان، وقام، فدخل داره، فقال أحمد بن حنبل ليحيى: ألم أمنعك وأقل لك: إنه ثبت، قال: والله، لرفسته لي أحب إلي من سفرتي )) ا.هـ
فهذا الحق ليس به خفاء ... فدعني من بُنيات الطريق
ولكن أهل الضلالة وأصحاب المطامع الدنيوية ومن يهرول وراء الرياسة ومن سماته الكبر والغطرسة لا يهنأ لهم العيش والتعايش مع قواعد المنهج السلفي المبارك التي وضعها سلفنا الصالح أئمة الحديث والأثر للحماية والحفاظ على هذا الدين الحنيف لأنها تفضح مطامعهم السيئة وتكشف مأربهم الدنيئة ، فما يكون منهم والحالة هذه إلا أن يسعوا في إجاد وإصطناع أساليب ووسائل تميت هذه القواعد السلفية المباركة إما بكتمانها وإخفائها ،أو دفنها نهائيا ، فإن لم يكن ذلك كله فيسعون في تضعيف وتنويم صلاحيتها ومنافعها في الأمة الإسلامية إما بتغييرها وتبديلها وإحداث مناهج وقواعد ومصطلحات ما أنزل الله بها من سلطان ولا عرفها سلفنا الصالح ، بل ما تفظن لها حتى أهل البدع الأوئل ، فإن لم يجدوا إلى ذلك مطمعا أبقوها على ما هي عليه ولكن يستخدمونها ويستعملونها في غير ما وضعت له ، ومن ذلك أن أئمة الحديث والأثر وضعوا قوانين علم الجرح والتعديل وبينوا ضوابطه ومسائله وأداب حملته وأحكموا ذلك أيما إحكام جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، و أيضا وضحوا أحكام الغيبة وفصلوا ما هو غيبة وما ليس كذلك، وأيضا بينوا أحكام وضوابط معاملة المخالف سواء من كان منهم في دائرة الإسلام أو خارجا عنها وبخاصة بيان فقه معاملة أهل البدع والفرقة من هجرهم وعدمه ومن الأخذ عنهم العلم وعدمه وإلى غير ذلك من الأحكام ، مما هو موضح ومشاع في كتب العقائد وفتاوى أئمة السنة والجماعة ، فلما علم وأيقن أهل الضلال والفساد أنه ليس لهم بد من دفنه وكتمانه فما كان منهم إلا أن يسعوا في تحريف وتغيير حقائقها التي وضعت من أجلها ، فتكلموا في هذا العلم وشوشوا وشغبوا وسلطوا سلاح الإجمال والتعميم فيه فقالوا :
1ـ إن الغيبة حرام ، ولكن ماذا يقصدون بالغيبة ؟ ومن هم الذين وقعت عليهم الغيبة ونزكوا ؟
2 ـ الجرح والتعديل له أهله ، من أهله الذين يقصدونهم ؟ وفمن وظف هذا العلم ؟
3 ـ ينبغي إحترام العلماء والفضلاء، من العلماء والفضلاء الذين يقصدونهم ؟
وإلى غير ذلك من التعميمات والإجمالات والتهويلات التي أرغدوا وأزبدوا بها على شباب الأمة من أجل تخويفهم وسيطرة على عقولهم ، وسنعرف حقائق كذبها وغبشها أثناء طرحنا وفضحنا للعبة والتمثيلية التي لعب دورها بن حنفية في هذه المسرحية الضائعة الفاضحة
...يتبع إن شاء الله



([1]) أي : أخلاطه التي التي استنثرها على الأمة الإسلامية في قالب الحق
([2] ) " مفتاح دار السعادة " (1 / 443)
([3]) (طه : 69 – 67 )
([4]) " الصواعق المرسلة " (1462) للعلامة الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ
([5] ) قال العلامة المفسر الأصولي محمد الأمين الشنقيطي ـ رحمه الله ـ في كتابه "أضواء البيان (7 / 355)
(( لا خلاف بين أهل العلم، في أن الضرورة لها أحوال خاصة تستوجب أحكاما غير أحكام الاختيار, فكل مسلم ألجأته الضرورة إلى شيء إلجاء صحيحا حقيقيا، فهو في سعة من أمره فيه ، وقد استثنى الله جل وعلا، حالة الاضطرار في خمس آيات من كتابه، ذكر فيها المحرمات الأربع التي هي من أغلظ المحرمات، تحريما وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به, فإن الله تعالى كلما ذكر تحريمها استثنى منها حالة الضرورة، فأخرجها من حكم التحريم ، قال تعالى في سورة الأنعام: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام:145] ، وقال في الأنعام أيضا: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام:119] ، وقال تعالى في النحل: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل:115] ، وقال تعالى في البقرة: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:173] ، وقال تعالى في المائدة: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} إلى قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:3].
وبهذا تعلم أن المضطر للتقليد الأعمى اضطرارا حقيقيا، بحيث يكون لا قدرة له البتة، على غيره مع عدم التفريط لكونه لا قدرة له أصلا على الفهم, أو له قدرة على الفهم وقد عاقته عوائق قاهرة عن التعلم.
أو هو في أثناء التعلم ولكنه يتعلم تدريجا؛ لأنه لا يقدر على تعلم كل ما يحتاجه في وقت واحد ، أو لم يجد كفئا يتعلم منه ونحو ذلك فهو معذور في التقليد المذكور للضرورة, لأنه لا مندوحة له عنه ، أما القادر على التعلم المفرط فيه, والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي, فهذا الذي ليس بمعذور. )) ا.هـ
([6]) "مجموع فتاوى " (20/210-212) .
( [7]) " نصيحة أخوية إلى الأخ الشيخ فالح الحربي الأولى والثانية " للعلامة المحدث ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله
( [8]) منقول من كتاب " قمع المعاند وزجر الحاقد الحاسد " ( 2 / 471 ) للعلامة المحدث مقبل بن هادي الوادعي
([9]) يا لها من مقولة فظيعة ووسواسة شنيعة ويكفي ما هي عليه من الوضيعة أنها ذريعة لإسقاط ورد أحكام أئمة السنة والأثر التي بينوا بها حال الجماعات الحزبية وما هي عليه من الإنحرافات وكشفوا بها أحوال أفرادها وما هم عليه من الشطحات .
([10] ) انظر إلى كتاب " الإقناع بما جاء عن أئمة الدعوة من أقوال في الاتباع " ( 116 ) للعلامة الشيخ محمد بن هادي المدخلي
([11]) " التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل " (1/ 184)
([12]) "صيانة السلفي من وسوسة وتلبيسات الحلبي " ( الحلقة الثامنة عشر ) للشيخ الفاضل أحمد بازمول
( [13]) " مدارج السالكين " (1 / 436)
([14]) كتاب " دلائل الإعجاز " ( ص 151 )
([15]) " التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل " (1/ 30)
([16]) "سير أعلام النبلاء "( 10 / 681)