فهذه الحلقة الثانية من موضوعي بين حفظ الدعوة وحفظ الأشخاص

العائق الأول: المديح ومجاوزة الحد فيه:
على المشتغلين في ميادين الدعوة, ومن وُلوا شيئا من المسؤوليات في محاضن الدعوة ـ من مساجد ومراكز ودور علم ـ أن يضربوا على آذانهم عن سماع المداحين, والشعراء الذين يقطعون الأعناق و يقصمون الظهور, وبالأخص ما كان في حضرة الممدوح؛ لأن هذا مما يخالف السنة الثابتة المستفيضة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما جرى عليه سلفنا الكرام.
كما أنه ليس لأحد الاستدلال بإقرار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لشعرائه, ولمن مدحه أمامه؛ فإن مقام النبوة مأمون الجناب وهو معصوم من الفتنة.
ثم إن نهيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ العام والمشدد فيه عن التمادح مقدم على إقراره لمن مدحه في وجهه؛ لاحتمال خصوصيته ـ صلى الله عليه وسلم ـ به, بدليل تشديده في النهي, حتى بلغ أمره بأن نحثوا التراب على المداحين وسيأتي معنا.
وعمل السلف بهذا النهي على إطلاقه, وكرهوه أشد الكراهة, وغلظوا على المداحين أشد التغليظ ـ إلا ما كان من باب الضرورات كالتعديل في رواية الحديث ـ التعديل للرواة من باب الضرورات التي تدعوا لها مصالح حفظ الدين, وهناك حالات تندرج تحت هذا, وفي كل ذلك لا يجاوزون الحد ـ فسلم لهم دينهم, وكملت مروءتهم, وذاعت شهرتهم, وبقي ذكرهم فصاروا لمن بعدهم خير مثل.
على أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يقر مجاوزة الحد في مدحه, ففي حديث أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: « إنَّ ناساً قالوا: يا رسول الله، ويا خيرنا وابنَ خيرِنا، ويا سيدنا وابنَ سيدنا، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: السَّيِّد الله ، قالوا: أنتَ أفضلُنا فضلاً، وأعظمُنا طَوْلاً، فقال: يا أيُّها الناس، عليكم بقولكم، ولا يَستهوينَّكم الشيطانُ، إني لا أريدُ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله تبارك وتعالى، أنا محمدُ بنُ عبد الله، عبدُ الله ورسولُه » . رواه أحمد في " المسند " 2 / 153، وإسناده صحيح.
وكيف لهم أن يغفلوا نهيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك, وما اشتهر من سنة سلفنا الصالح ـ رضي الله عنهم ـ في كراهة ذلك, ويركنوا إلى تعليلات عليلة, وتعليقات بمصالح مرجوحة مظنونة, يقابلها مفاسد أعظم منها. تلك التعليلات لا تنهض إلى مقام الحجية إذا قورنت بما يعارضها من أدلة الشرع, والمفاسد المترتبة على الإطراء.
وحسبنا حديث أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ في الصحيحين قال: « أَثنى رجلٌ على رَجُلٍ عند النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: ويلك، قطعتَ عُنق صاحبك، - ثلاثاً - ثم قال: مَنْ كان منكم مادحاً أخاه لا محالةَ ، فليقل: أَحْسِبُ فلاناً، واللهُ حسيبه، ولا يُزَكِّي على الله أحداً، أَحْسِبُ كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه ». رواه البخاري 5 / 202 و 203 في الشهادات، باب إذا زكى رجل رجلاً كفاه، وفي الأدب باب ما يكره من التمادح، وباب ما جاء في قول الرجل: ويلك، ومسلم رقم (3000) في الزهد، باب النهي عن المدح، وأبو داود رقم (4805) في الأدب، باب في كراهية التمادح..
وحديث المقداد ـ رضي الله عنه ـ : « أنَّ رجلاً جعل يمدح عثمان، فَعَمَدَ المقدادُ، فجثا على ركبتيه - وكان رجلاً ضخْماً - وجعل يحثو في وجهه الحَصْباء، فقال عثمانُ: ما شأنُك؟ فقال: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم- قال: إذا رأيتُم المدَّاحينَ، فاحثوا في وُجوههمُ الترابَ». رواه مسلم رقم (3002) في الزهد، باب النهي عن المدح، وأبو داود رقم (4804) في الأدب، باب في كراهية التمادح، والترمذي رقم (2395) في الزهد، باب ما جاء في كراهية المدحة والمداحين.
فانظر يرعاك الله إلى هذا الصنيع الجريئ في الحق من رجل تربى في مدرسة سيد الخلق ـ صلى الله عليه وسلم ـ المقداد ـ رضي الها عنه ـ مع من مدح ذا النورين عثمان ـ رضي الها عنه ـ وهو من هو ! في الفضل المنصوص, بل هو حينها أفضل الأحياء, وهو في سدة الحكم. فمن دونه أن ينهى عن مدحه في وجهه من باب أولى ولا ريب.
وقبل هذا كله قوله جل وعلا ( فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) [ النجم: 32]. واعظا بالنهي, مذكرا بأن المتقي من عباده علمه عند الله جل وعلا.
وعلى هذا درج سلفنا الصالح وأتباعهم حتى يومنا هذا يحسمون مادة الفتنة, ويقطعون طرق الشر. ولو ذهبنا نستقصي مواقفهم وأقوالهم في ذلك لخرجنا بدواوين تكتب بماء الذهب.
مواقف للأجيال:
إلا أني لا أستطيع إغفال ثلاثة مواقف لعلماء أجلاء معاصرين من أهل السنة, أثرت فيَّ تأثيرا بالغا, شاهدتها عيناي فلم أكن غائبا فبلغت !, ووقرت في أذنيَّ فلم أكن بعيدا فلقنت !, ووعاها قلبي فلم أكن ذاهلا فنبهت !, والنفس تتأثر بالمشاهد الملموس أكثر من غيره, ولهذا وصف الله لنا الجنة بأوصاف ومسميات نعرفها ونلتمس لذتها في الدنيا لتشتاق النفس لها, وإن كان ما في الجنة لا يعدله شيئ مما في الدنيا.

الموقف الأول:
لشيخنا العلامة العثيمين ـ رحمه الله ـ: وهو موقف مشهور نشر في الشبكة, وكنت جالسا قريبا منه في الدرس وهو يطلب من أحد طلابه أن يقوم لإخبار إخوانه عن حال الدعوة في بلاده, فقدم الطالب بين يدي شيخنا قصيدة, وفيها مدح للشيخ, فلما شرع في مدح الشيخ قاطعه شيخنا وطلب تعديل البيت, وأن علينا ربط الناس بالكتاب والسنة لا بالأشخاص. فقال الطالب لكن البيت ينكسر, فقال إذن احذفه كاملا. ثم جاء بيت آخر فيه كذلك مدح لشيخنا فقاطعه رافضا لذلك, وطلب من الشاعر الجلوس وعدم الإكمال, وليرجع إلى تسجيل الحادثة في الشبكة فسماعها له تأثير بالغ.

الموقف الثاني:
لشيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله وأمتعنا بعمره ـ وكنت طرفا فيه, فقد جئته بقصيدة مئوية لشاعر مبدع, بليغة غاية في الجودة في مدحه, وذكر ثناء العلماء عليه, وجهاده في نصرة مذهب السلف وذكر مشايخه ؛ علِّي أن أسليه ! فما كان منه إلا الإباء عن الإصغاء إليها, وقال لي ما معناه: ( سلواي الكتاب والسنة وهدي السلف, وأنا أعلم بنفسي !! ).

الموقف الثالث: لشيخنا العلامة عبيد الجابري ـ حفظه الله ـ فعندما زار اليمن ونحن في معيته أخبر بالهاتف أن الإعلانات لدروسه ومحاضراته كتب عليها لقب ( العلامة ) وكنا مستقلين سيارتي وأنا بجانبه, ولم يكن إخبار الإخوة ليستأذنوه في كتابة اللقب ولكن لإعلامه عن عناوين الدروس والمحاضرات, فرفض الشيخ هذا اللقب مصرا بإلحاح على حذفه, وأنه ليس أهلا لهذا اللقب !! فأبدا المتصل وجهة نظر معتبرة ولكن الشيخ ردد عليه ولو ولو لا آذن بها, ثم أغلق السماعة فإذا بأحد المشايخ اليمنيين ـ حفظهم الله ـ يتصل على الشيخ مصرا على إبقاء اللقب على الإعلان مبديا أسبابا عدة حينها استسلم الشيخ وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
مواقف ينبغي أن تكون مثالا في مناهج التربية والتعليم للأجيال مع سير أئمة الأمة من المتقدمين والمتأخرين.
مِنْ مَعشَرٍ وَسَمُوا الزّمانَ مَناقباً تَبقَى بَقاءَ الوَحْيِ في الأطرَاسِ
مترادفين على المكارم والعـــــلـى مُتَسَابِقِينَ إلى النّدَى وَالبَـــــــــاسِ
وبعد هذا فإن عجبي لا ينقضي من حملة علم فضلاء ـ ولا أزكي على الله أحدا ـ إذا ذكروا بهذا ليكفوا عن التمادح المبالغ فيه والذي تشمئز منه الطباع السليمة وتنفر منه الأنفس القويمة, أتوا بحجج واهية متهافتة, من مثل: إن هذا نكاية بخصوم الدعوة, وهذا من باب التشجيع ! وأدهى من ذلك أن يقال: إن الفتنة مأمونة !. فإنا لله وإنا إليه راجعون !. وهذه التعليلات ظهور بطلانها يغني عن مناقشتها, إذ يكفي في ردها ما قدمناه من الأدلة الشرعية والتي جاءت لتعتبر المفاسد المترتبة على الإطراء, والتي درؤها مقدم على المصالح الظنية التي هي محصلة لاجتهادات فردية تقابل النص.
فطاعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مقدمة على طاعة كل أحد، وإن كان خير هذه الأمة أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - كما أُثر عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: « لعروة بن الزبير، عندما عارضه بقول أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما - في مسألة متعة الحج, قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : من ها هنا هلكتم، ما أرى الله عز وجل إلا سيعذبكم ، إني أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخبرونني بأبي بكر، وعمر». أخرجه أحمد (1/337), والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/145), وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (2/239), وابن حزم في "حجة الوداع" (ص 268- 269).
قال العلامة سليمان بن عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب ـ رحمهم الله جميعا ـ معلقا على كلام ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ( ولفظ أثر ابن عباس رضي الله عنه في كتاب التوحيد ( وقال ابن عباس: ( يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟! ).) : « هذا الكلام الصادر عن محض الإيمان وتجريد المتابعة للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن خالفه من خالفه كائنًا من كان، كما قال الإمام الشافعي ـ رحمه الهه ـ : « أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد ».
فإذا كان هذا كلام ابن عباس لمن عارضه بأبي بكر وعمر وهما هما فماذا تظنه يقول لمن يعارض سنن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإمامه وصاحب مذهبه الذي ينتسب إليه؟ ويجعل قوله عيارًا على الكتاب والسنة، فما وافقه قبله، وما خالفه رده ، أو تأوله فالله المستعان. وما أحسن ما قال بعض المتأخرين:
فإن جاءهم فيه الدليل موافقًا لما كان للآبا إليه ذهـــاب
رضوه وإلا قيــــــــــــل هــــذا مــــؤول ويركب للتأويل فيه صعاب
وقال الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ :« عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله سبحانه يقول: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ».اهـ. تيسير العزيز الحميد (1 / 470).
إن السنة في قلوب محبيها أعظم وأغلى من تلك الحجج المتهافتة ، فجردوا عباد الله المتابعة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحذار ثم حذار من أن ترد الأحاديث الصحيحة, والأخذ بالتأويلات الباطلة الواهية، فيوشك بمن فعل ذلك أن يقع في قلبه فتنة الزيغ عن السنة فيهلك كما تقدم عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ.
فيا لله ! كم أضر هذا المديح بأقوام حتى رأوا أنفسهم فوق هام السحب, وأن النصح والنقد الشرعي لا يطولهم, وأن كل من نصح لهم, وبين خطأهم فهو بين جاهل متحذلق, أو مجهول متعملق, أو حاقد حاسد متحرق, أو متطاول متفيهق, أو ساعي في طلب الشهرة متسلق, أو طامع بكرسي متربص, أو مدسوس على الدعوة حزبي متنجس !!.
كما ورَّثَ هذا المديح والمسلك الإطرائي القبيح أمراضا معضلة استعصت على الكبار في معالجتها ومعالجة آثارها, وهكذا شأن كل ما خالف منهج الحق, فهل نحن منتهون عباد الله ؟!.
فينبغي أن يقتصر من الثناء على ما لابد منه في مقام الحاجة الملحة, والضرورة الشرعية المستلزمة, ويجتنب في ذلك كله الغلو والمجاوزة في الحد.

ويتبع إن شاء الله تعالى