1 ـ فشيخ الإسلام يقول قبل هذه الجملة التي نقلها الدكتور : ((وَكَذَلِكَ لَمَّا كَثُرَ الْقَدَرُ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَلَوْ تُرِكَ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ عَنْهُمْ لَا نَدْرُسُ الْعِلْمَ وَالسُّنَنَ وَالْآثَارَ الْمَحْفُوظَةَ فِيهِمْ .))
فكلامه هذا مخرج على ما مشى عليه أئمة الحديث والسنة ، نقلة الأخبار ورواة الآثار من الرواية عن المبتدع إذا كان من أهل الصدق وممن يتحرز عن الكذب ، فيروى عنه لمصلحة الحفاظ على السنة التي معه .
قال الحافظ السخاوي ـ رحمه الله ـ في " فتح المغيث " (2/ 222 ـ 223 ) : (( قال وأكثر ما علل به أن في الروايه عنه ترويجا لأمره وتنويها بذكره ، وعلى هذا لا ينبغي أن لا يروى عن مبتدع شيء يشاركه فيه غير مبتدع
قلت : وإلى هذا التفصيل مال ابن دقيق العيد حيث قال : إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه هو إخمادا لبدعته وإطفاء لناره يعني : لأنه كان يقال ـ كما قال رافع بن أشرس ـ من عقوبة الفاسق المبتدع أن لا تذكر محاسنه .
وإن لم يوافقه أحد ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع ما وصفنا من صدقه وتحرزه عن الكذب واشتهاره بالتدين وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته فينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء بدعته )) ا.هـ ([2] )
فإذا كان كذالك فأين دلالته الدالة على أخذ وتلقي العلم عن أهل البدع والفرقة ؟؟
ومما يدل على أن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لا يخرج عن حيز ما سار عليه أئمة الحديث ونقلته من الرواية عن المبتدع إذا لم يكن داعية إلى بدعته ولا يروي ما يقويها ، ما ذاك إلا لمصلحة الحفاظ على السنة وأنه لا يمت بصلة إلي ما ذهبوا إليه ، قوله في " الفتاوى " ( 7 / 385 ) : (( وَفِي هَؤُلَاءِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ كُتِبَ عَنْهُمْ الْعِلْمُ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ لِجَمَاعَةِ مِنْهُمْ لَكِنْ مَنْ كَانَ دَاعِيَةً إلَيْهِ لَمْ يُخَرِّجُوا لَهُ وَهَذَا مَذْهَبُ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ : أَنَّ مَنْ كَانَ دَاعِيَةً إلَى بِدْعَةٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ عَنْ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ مُجْتَهِدًا وَأَقَلُّ عُقُوبَتِهِ أَنْ يُهْجَرَ فَلَا يَكُونُ لَهُ مَرْتَبَةٌ فِي الدِّينِ لَا يُؤْخَذُ عَنْهُ الْعِلْمُ وَلَا يُسْتَقْضَى وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ . وَمَذْهَبُ مَالِكٍ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا وَلِهَذَا لَمْ يُخَرِّجْ أَهْلُ الصَّحِيحِ لِمَنْ كَانَ دَاعِيَةً وَلَكِنْ رَوَوْا هُمْ وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ كَانَ يَرَى فِي الْبَاطِنِ رَأْيَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ . وَقَالَ أَحْمَد : لَوْ تَرَكْنَا الرِّوَايَةَ عَنْ الْقَدَرِيَّةِ لَتَرَكْنَا أَكْثَرَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَهَذَا لَأَنَّ " مَسْأَلَةَ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَإِرَادَةِ الْكَائِنَاتِ " مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ )) ا.هـ
وبهذا يسقط ما بناه الدكتور وغيره ممن ذهب مذهبه بكلام شيخ الإسلام من إطلاق العنان على أخذ وتلقي العلم عن أهل البدع والضلال ، بل نجد كلام الشيخ هنا يكسر ما أرادوا وذاك في قوله :" أَنَّ مَنْ كَانَ دَاعِيَةً إلَى بِدْعَةٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ عَنْ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ مُجْتَهِدًا وَأَقَلُّ عُقُوبَتِهِ أَنْ يُهْجَرَ فَلَا يَكُونُ لَهُ مَرْتَبَةٌ فِي الدِّينِ لَا يُؤْخَذُ عَنْهُ الْعِلْمُ وَلَا يُسْتَقْضَى وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ "
وبهذا يتضح للقارئ أن شأنهم مع الحق وكلام شيخ الإسلام ما قاله رحمه الله في "مجموع الفتاوى "( 7 / 143): (( هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالَهُمْ لَمْ يَكُونُوا خَبِيرِينَ بِكَلَامِ السَّلَفِ بَلْ يَنْصُرُونَ مَا يَظْهَرُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ بِمَا تَلَقَّوْهُ عَنْ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَنَحْوِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ فَيَبْقَى الظَّاهِرُ قَوْلُ السَّلَفِ وَالْبَاطِنُ قَوْلُ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ هُمْ أَفْسَدُ النَّاسِ مَقَالَةً فِي الْإِيمَانِ .)) ا.هـ




رد مع اقتباس