بيان حال

الزمخشري
و
كتابه الكشاف


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن تبعه، أما بعد:
يعد الزمخشري صاحب الكشاف من أبرز دعاة المعتزلة'' و كان فخورا بالنسبة إليهم حريصا على إثبات تلك النسبة إليه ، فكان إذا طرق الباب قيل من قال جار الله المعتزلي''
[1] فقد قال الإمام الذهبي في ترجمة الزمخشري:'' صالح لكنه داعية إلى الاعتزال، أجارنا الله فكن حذراً من كشافه''.[2]
وقال شيخ الإسلام رحمه الله أثناء كلامه عن تفاسير المعتزلة: '' من هؤلاء من يكون حسن العبادة يدس البدع في كلامه دساً، وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب الكشاف ونحوه، حتى إنه يروج على خلق كثير من أهل السنة ، كثير من تفاسيرهم الباطلة''.
[3]
قلت : و لجهلنا بقواعد اللغة و معاني القرآن فلا ينبغي قراءة هذا التفسير لأننا لا نميز بين الحق و الباطل فحتى العلماء الأكابر قد أقلقهم وأزعجهم ، فهاهو الإمام البلقيني شيخ الحافظ ابن حجر يقول :'' استخرجت من الكشاف اعتزالاً بالمناقيش'' ، فإذا كان هذا الإمام يقول هذا الكلام فما بالنا نحن .

'' و هذا يدل على أنها خفية ، و الرجل لبلاغته و تمكنه من اللغة و الإحاطة بأسرارها في الجملة كان يستطيع يدس ما يدس من غير أن يفطن إليه إلا اللبيب الحاذق''[4]
من هو الزمخشري :

الزمخشري صاحب تفسير الكشّاف نسبة إلى زَمَخْشَر وهي قرية كبيرة من قرى خوارزم ، واسمه محمود ، وكنيته أبو القاسم توفي عام 538 هـ ، وهو من دعاة الاعتزال الكبار ، والمعتزلة فرقة مبتدعة من أبرز عقائدها : القول بخلق القرآن ، وبنفي رؤية الله تعالى يوم القيامة ، والقول بتعطيل الصفات ، والقول بتخليد مرتكب الكبيرة في النار في الآخرة إذا لقي الله تعالى ولم يتب منها أو لم يقم عليه الحد في الدنيا ، وغير ذلك من أقوال الضلال .
قال الإمام الذهبي رحمه الله : " الزمخشري ، العلامة ، كبير المعتزلة ، أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري الخوارزمي النحوي ، صاحب " الكشاف " و " المفصل " ( في النحو )... وكان داعية إلى الاعتزال ، الله يسامحه "[5]
ما هو كتاب الكشاف :

كتاب الكشاف للزمخشري هو في تفسير القرآن ، ولأهل السنَّة عليه ملاحظات كثيرة منها نشر عقائد المعتزلة من خلال التعسف في فهم الآيات القرآنية قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وأما " الزمخشري " فتفسيره محشو بالبدعة وعلى طريقة المعتزلة من إنكار الصفات والرؤية والقول بخلق القرآن ، وأنكر أن الله مريد للكائنات وخالق لأفعال العباد ، وغير ذلك من أصول المعتزلة ... وهذه الأصول حشا بها كتابه بعبارة لا يهتدي أكثر الناس إليها ولا لمقاصده فيها ، مع ما فيه من الأحاديث الموضوعة ، ومن قلة النقل عن الصحابة والتابعين " [6]
و للزمخشري كتاب آخر اسمه الأنموذج لا يخلو هو الآخر من الدسائس ،و لنضرب مثلا لتلاعبات الزمشخري و كيف يثبت عقيدته بطريقة قد يخدع بها أي أحد لأن ظاهر كلامه يكون حسنا و لا ينتبه إليه إلا من كان ذا فهم ثاقب و الله المستعان.

بعض دسائس الزمخشري:
أولا : التعرض لمقام النبي صلى الله عليه وسلم بالسوء:

عند قوله تعالى ( عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) [التوبة: 43 ]: قال الزمخشري : (عَفَا اللَّهُ عَنكَ ) كناية عن الجناية ؛ لأن العفو رادف لها ، ومعناه : أخطأت وبئس ما فعلت ! .[7]
قال أبو حيان الأندلسي رحمه الله : " وكلام الزمخشري في تفسير قوله (عفا الله عنك لم أذنت لهم) مما يجب اطراحه ، فضلاً عن أن يذكر فيردّ عليه " [8]
وقال تاج الدين السبكي رحمه الله : " واعلم أن الكشاف كتاب عظيم في بابه ، ومصنفه إمام في فنه ، إلا أنه رجل مبتدع متجاهر ببدعته ، يضع من قدر النبوة كثيرا ، ويسيء أدبه على أهل السنة والجماعة ، والواجب كشط ما فيه من ذلك كله .
ولقد كان الشيخ الإمام
[9] يقرئه ، فلما انتهى إلى الكلام على قوله تعالى في سورة التكوير : ( إنه لقول رسول كريم ) الآية أعرض عنه صفحا ، وكتب ورقة حسنة سماها : سبب الانكفاف عن إقراء الكشاف ، وقال فيها : قد رأيت كلامه على قوله تعالى : ( عفا الله عنك ) ، وكلامه في سورة التحريم في الزلة ، وغير ذلك من الأماكن التي أساء أدبه فيها على خير خلق الله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعرضت عن إقراء كتابه حياء من النبي صلى الله عليه وسلم ، مع ما في كتابه من الفوائد والنكت البديعة .
فانظر كلام الشيخ الإمام الذي برز في جميع العلوم... في حق الكتاب الذي اتخذت الأعاجم قراءته ديدنها .
والقول عندنا فيه : أنه لا يسمح بالنظر فيه إلا لمن صار على منهاج السنة ، لا تزحزحه شبهات القدرية"
[10]

ثانيا : تفسيره لقول الله تعالى {ومن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} :

فانظر لقوله في تفسير قول الله عز وجل: {ومن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز}، يقول:'' أي فوز أعظم من دخول الجنة''، فمن يرى هذا الكلام قد يبدوا له كلام حق لكن كلامه هذا فيه إشارة إلى نفي رؤية الله عزوجل يوم القيامة ، و من المقرر في عقيدة أهل السنة و الجماعة أنه يوجد فوز أعظم من دخول الجنة، وهو أن يرى المؤمنون ربهم.
ثالثا : الباء في(بسم الله الرحمن الرحيم):

'' الباء قيل جاءت للاستعانة و قيل للمصاحبة ، ممن قال أنها للمصاحبة الزمخشري قال ذلك في الكشاف ، و الزمخشري رجحها للمصاحبة لعلة لكي ينصر مذهبه مع أن الظاهر( بسم ) جاءت للاستعانة .
و كذلك أنه رجحها للمصاحبة لأن المعتزلة يرون أن الإنسان مستقل بعمله و بالتالي لا يحتاج للاستعانة .
لكن لا شك أن المراد بالباء جاءت للاستعانة التي تصاحب كل الفعل من أوله إلى أخره، و قد تفيد معنى أخر و هو التبرك إذا لم نحمل التبرك على الاستعانة .
و نقول كل شيء يستعان به يتبرك به ، لكن لا شك أن الباء تفيد البركة العظيمة''[11]
رابعا : قوله بأن (لن) تفيد التأبيد :
و من تلاعبات الزمخشري كذلك قوله أن (لن) تفيد التأبيد فمن المعلوم أنها من نواصب الفعل المضارع و هي حرف نفي و نصب و استقبال ، فعلماء النحو رد عليه هذا الإدعاء ابن هشام حين قال في شرح قطر الندى : و(لن) حرف يفيد النفي والإستقبال بالإتفاق ، ولا يقتضي تأبيدا خلافا للزمخشري في أنموذجه ، ولا تأكيدا خلافا له في كشافه ، بل قولك : لن أقوم محتمل لأن تريد بذلك أنك لا تقوم أبدا ، وأنك لا تقوم في بعض أزمنة المستقبل''
[12]
و قال : '' ولا تفيد لن توكيد النفي خلافاً للزمخشري في كشافه ولا تأبيده خلافاً له في أنموذجه وكلاهما دعوى بلا دليل''
[13]
و قال أيضا : '' لن وهي لنفي سيفعل ولا تقتضي تأبيد النفي ولا تأكيده خلافاً للزمخشري''
[14]
قال الأشموني:'' ولا تفيد تأبيد النفي ولا تأكيده خلافاً للزمخشري:الأول في أنموذجه والثاني في كشافه''
[15]
و قال ابن عصفور في رده على الزمخشري : '' ما ذهب إليه دعوى لا دليل عليها بل قد يكون النفي بـ(لا) آكد من النفي بـ(لن) ؛لأن المنفي بـ(لا) قد يكون جواباً للقسم ، والمنفي بـ(لن)لا يكون جواباً له ، ونفي الفعل إذا أقسم عليه آكد ''
[16]
أقول : و لكن لماذا ذهب الزمخشري للقول بأن (لن) تفيد تأبيدا ؟.
الجواب ليثبت عقيدة المعتزلة في عدم رؤية الله عزوجل يوم القيامة ، فلاحظ بارك الله فيك قوله تعالى : ( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) [الأعراف:143] ، فلو ذهبنا لما ذهب إليه الزمخشري أن (لن) تفيد التأبيد لقلنا لما قال الله تعالى لموسى عليه السلام (لَنْ تَرَانِي): أي لن تراني أبدا و من هنا ننفي رؤية الله عزوجل إطلاقا فنعوذ بالله من هذه العقيدة الفاسدة و الحمد لله الذي هدانا إلى العقيدة السليمة عقيدة السلف الصالح .


هذا و نسأل الله تبارك و تعالى أن يثبتنا على العقيدة السلفية العقيدة السليمة عقيدة الفطرة وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.



أبو عبد الله بلال القسنطيني الجزائري.






[1]: من كلام شيخا الوالد الهمام محمد سعيد رسلان من شرحه على الثلاثة الأصول.



[2]:أنظر ميزان الاعتدال(4/78).


[3]:انظر مقدمة في أصول التفسير.


[4]: من كلام الشيخ محمد سعيد رسلان من شرحه على الثلاثة الأصول.


[5]: سير أعلام النبلاء(20/151-156).


[6]: مجموع الفتاوى (13 /386 - 387).


[7]: تفسير الكشاف (2 /261).


[8]:تفسير البحر المحيط (5 /49).


[9]: يعني : والده تقي الدين السبكي .


[10]: معيد النعم ومبيد النقم (80-81) .




[11]:من شرح الاصول الثلاثة لفضيلة الشيخ محمد سعيد رسلان حفظه الله .و انظر شرح البيقونية للشيخ ابن عثيمين رحمه الله.


[12]:شرح قطر الندى (ص:112)


[13]:مغني اللبيب (ص: 374)


[14]:أوضح المسالك(4/136)


[15]:شرح الأشموني ( 3/278)


[16]:الجنى الداني (ص: 270)