لقد ظهر شرف الجرح والتعديل وفضله في الأمة الإسلامية وأبرزت أهميته في حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ به قد عرف صحيحها من السقيم والموضوع المختلق الذي أدخل عليها ، وبه عرف أحوال رواتها على تفاوت درجاتهم على ما هم عليه من الضبط والإتقان وما هم فيه من الضعف والترك ، وما هم عليه من السنة والبدعة .
ومن خيرية هذه الأمة المحمدية أنها قد اختصت بهذا المنهج المبارك على من سواها من الأمم السابقة ومن سعادتها أنه منهج قائم ومستمر فيها إلى يوم القيامة ـ إن شاء الله ـ لأنه منهج إسلامي صحيح تقوم عليه حياة المسلمين ويقوم عليه دينهم ويحمي به دينهم وتحمى بها أعراضهم وتحمى به أموالهم ، هذا منهج عظيم في الإسلام لا يحط من شأنه إلا إنسان منحرف فاسد التصور والتفكير "([1] )
ألا وأنه من أفحش الجرائم وأبشع المنكرات التي قد ظهرت في هذه الأزمنة وانخدع بها من انخدع من الأغبياء والجهلة في هذه الآونة أنه قد نبتت نابتة خبيثة تزعم : بأن علم الجرح والتعديل علمه منحصر وخاص بالرواة ، أما أهل البدع والأهواء لا يدخلون في منهج أهل الحديث وقواعده وأصوله .
ولا يخفى على كل من له أدنى معرفة بمنهج أهل الحديث والأثر ، وما طفحت به كتب الجرح والتعديل و التراجم والتاريخ و العقائد من بيان عقائد أهل الضلال والأهواء ومن الرد عليهم أفرادا وجماعات ليرد ويهدم ذلك الباطل المفضوح، و إلا فمن كتم هذا و زعم غير ذلك فقد خان الله ـ تبارك وتعالى ـ وخان رسوله صلى الله عليه وسلم وخان الإسلام وفتح الباب على مصراعيه لأهل الباطل ولأهل البدع والضلال أن يجروا الناس إلى النار والعياذ بالله .
فباب الجرح في أهل البدع والضلال وغيرهم مفتوح وواجب كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ([2]) في
" مجموع الفتاوى" (28 / 231) : (( وَإِذَا كَانَ النُّصْحُ وَاجِبًا فِي الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ : مِثْلَ نَقَلَةِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ يَغْلَطُونَ أَوْ يَكْذِبُونَ كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : سَأَلْت مَالِكًا وَالثَّوْرِيَّ وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ - أَظُنُّهُ - وَالْأَوْزَاعِي عَنْ الرَّجُلِ يُتَّهَمُ فِي الْحَدِيثِ أَوْ لَا يَحْفَظُ ؟ فَقَالُوا : بَيِّنْ أَمْرَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : أَنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيَّ أَنْ أَقُولَ فُلَانٌ كَذَا وَفُلَانٌ كَذَا ، فَقَالَ : إذَا سَكَتّ أَنْتَ وَسَكَتّ أَنَا فَمَتَى يُعْرَفُ الْجَاهِلُ الصَّحِيحُ مِنْ السَّقِيمِ . وَمِثْلُ أَئِمَّةِ الْبِدَعِ مِنْ أَهْلِ الْمَقَالَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ الْعِبَادَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ فَإِنَّ بَيَانَ حَالِهِمْ وَتَحْذِيرَ الْأُمَّةِ مِنْهُمْ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَعْتَكِفُ أَحَبُّ إلَيْك أَوْ يَتَكَلَّمُ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ ؟ فَقَالَ : إذَا قَامَ وَصَلَّى وَاعْتَكَفَ فَإِنَّمَا هُوَ لِنَفْسِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ فَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ هَذَا أَفْضَلُ .
فَبَيَّنَ أَنَّ نَفْعَ هَذَا عَامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؛ إذْ تَطْهِيرُ سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينِهِ وَمِنْهَاجِهِ وَشِرْعَتِهِ وَدَفْعِ بَغْيِ هَؤُلَاءِ وَعُدْوَانِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْلَا مَنْ يُقِيمُهُ اللَّهُ لِدَفْعِ ضَرَرِ هَؤُلَاءِ لَفَسَدَ الدِّينُ وَكَانَ فَسَادُهُ أَعْظَمَ مِنْ فَسَادِ اسْتِيلَاءِ الْعَدُوِّ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إذَا اسْتَوْلَوْا لَمْ يُفْسِدُوا الْقُلُوبَ وَمَا فِيهَا مِنْ الدِّينِ إلَّا تَبَعًا وَأَمَّا أُولَئِكَ فَهُمْ يُفْسِدُونَ الْقُلُوبَ ابْتِدَاءً . )) ا.هـ
ولقد فند شيخنا الإمام المحدث المجاهد القدوة ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ شبه هذه الضلالة وزلزل أباطيلها وكشف عوار أهلها بما يكفي ويشفي في عدة مقالاته المكتوبة ومجالسه المسموعة جزاه الله عن المسلمين كل خير ، ومن ذلك ما جاء عنه في مقاله " أئمة الحديث ومن سار على نهجهم هم أعلم الناس بأهل الأهواء والبدع ومشروعية الجرح والتعديل من الأكفاء لم تنقطع " أنه قال : (( إن أول من قال بهذا في حدود علمي التاج السبكي معترضاً على الإمام الذهبي , حيث انتقد بعض الأشاعرة كالفجر الرازي وغيره في كتابه ميزان الاعتدال في نقد الرجال .
قال الإمام الذهبي في هذا الكتاب : " الفخر بن الخطيب صاحب التصانيف رأس في الذكاء والعقليات لكنه عري من الآثار وله تشكيكات على مسائل من دعائم الدين ثورت حيرة , نسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا , وله كتاب السر المكتوم في مخاطبة النجوم سحر صريح فلعله تاب من تأليفه إن شاء الله تعالى " اهـ
قال الحافظ ابن حجر : " وقد عاب التاج السبكي على المصنف ذكره هذا الرجل في هذا الكتاب , وقال : إنه ليس من الرواة , وقد تبرأ المصنف من الهوى والعصبية في هذا الكتاب , فكيف ذكر هذا وأمثاله , ممن لا رواية لهم كالسيف الآمدي وقد اعتذر عنه بأنه يرى القدح في هؤلاء من الديانة وهذا بعينه التعصب في المعتقد" .
انظر إلى السبكي كيف يرمي الذهبي بالتعصب في المعتقد، وينكر عليه ذكر الرازي وأمثاله في كتابه الميزان , والميزان في نظره خاص بالرواة , وهذا اعتراض باطل دافعه الهوى والتعصب لأمثاله من أهل الأهواء , فلم يشترط أحد من أئمة الجرح والتعديل تخصيص الجرح بالرواة فقط من حيث الرواية فقط، بل تناولوا الرواة من جهة الرواية ومن جهة المعتقد , فالراوي المبتدع أخطر عندهم من الراوي السليم من البدع , لذا ترى الأئمة لم يكتفوا بذكر أهل البدع في كتب الجرح والتعديل , بل ذهبوا ينتقدونهم ويجرحونهم ويبينون فساد عقائدهم ومناهجهم لشدة خطورتهم في كتب مستقلة وهي كثيرة معلومة لدى العلماء وطلاب العلم.
ولقد قلد السبكي أناس , فأخرجوا أهل البدع من باب الجرح والتعديل , وقالوا: إن الجرح والتعديل في الرواية والرواة فقط .
ومع أن كلام السبكي باطل فرأيه أهون وأخف من رأي هؤلاء , لأنه استنكر على الإمام الذهبي إيراده لبعض أهل البدع الذين لا علاقة لهم بالرواية في كتاب يراه خاصاً بالرواة , فلو أوردهم في غيره فلعله لا يجد مجالاً لهذا الاعتراض فيحجم عن الاعتراض .
أما هؤلاء مع الأسف فيرون الجرح والتعديل خاصاً بالرواية والرواة فقط وهذه كارثة والله.
ومنهم من يرى أن الجرح قد انتهى بعصور الرواية , وهذه كارثة أخرى ......
وكتب أئمة الجرح والتعديل زاخرة ببيان أهل البدع وبيان عقائدهم وأحوالهم, وكذا مؤلفات أئمة الحديث في العقائد مليئة ببيان أحوال أهل البدع طوائف وأفراداً وهم العلماء حقاً .
قال الإمام أحمد : " الذي لا يميز بين صحيح الحديث من سقيمه ليس بعالم".
فهل بقي مجال للقول بأن أهل البدع لا يدخلون في جرح أئمة الحديث ولا في أصولهم .
ولا يتنقص أهل الحديث وينتقص علومهم إلا جاهل ضال مفتر .
والجرح والتعديل هم أئمته وهم مرجع علماء الأمة فيه من مفسرين وفقهاء وهم الذين تصدوا لأهل البدع فكشفوا عوارهم وبينوا ضلالهم من خوارج وروافض ومعتزلة ومرجئة وقدرية وجبرية وصوفية , ولا يزالون قائمين بهذا الواجب العظيم , ولا يزال باب الجرح والتعديل قائماً ومفتوحاً ما دام هناك أهل حق وأهل باطل وأهل ضلال وأهل هدى , ولا يزال الصراع قائماً بين الطائفة المنصورة ومن خالفها من أهل الضلال ومن خذلها , " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خلفهم حتى يأتي أمر الله ".
ومن قال : إن باب الجرح والتعديل قد انتهى فقد غلط غلطاً كبيراً , ولا تزال أقلام أهل السنة تتدفق بنقد وبيان حال أهل البدع من روافض وخوارج ومعتزلة وصوفية وأشعرية , وأحزاب منحرفة , وبيان بدعهم وضلالاتهم . )) ([3] )
هذا هو حال الصنف الأول مع هذا المنهج المبارك الذي يحمى به الإسلام وأهله ، وهناك صنف آخر ما إن يسمع لفظة النقد والجرح إلا وتصيبه رعدة ورعشة ، وتجده يتحسس من هذا المنهج القرآني النبوي كالذين إِذَا " جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ "([4] )، وذلك من تزيين الشيطان لأعمالهم وما هم عليه من الضلال ، فتجد أحدهم حينذاك مندفعا مشغبا ومشوشا على هذا المنهج الإسلامي الرباني قائلا : " لابد من ذكر الحسنات والسيئات عند نقدك لأخطاء الجماعات والأفراد " و" نصحح ولا نهدم "
و " نأخذ الحق ونترك الباطل " و " التأليف لا الهجران " وبعبارة أوضح "لا نجعل اختلافنا في غيرنا سببًا للخلاف بيننا " و " أن لحوم العلماء مسمومة وجرحهم وتنقصهم ما هو إلا من باب الغيبة المحرمة المتدثرة بدثار الجرح والتعديل "
وهلم جرا من تلك الشبه الواهية التي أخترعها واصطنعها أهل الضلال والغواية لحرب وهدم أصول علم الجرح والتعديل والتشغيب على أهله ، ومن المؤسف الشديد أن هذه الأصول الفاسدة والقواعد الكاسدة قد وجدت في هذه الآونة متنفسا في المجتمع السلفي من يبثها وينشرها معلنا ببضاعتها غير مستخف بباطلها كما هو شأن وحال بن حنفية ، وأشد من ذلك وأنكى أنها قد وجدت أذانا صاغية ومن يتلقفها ويتبناها من شباب أهل السنة فضاعوا في مستنقعاتها والله المستعان
ومن ذلك ما هرف به بن حنفية في كتابه " هل الحزبية وسيلة للحكم بما أنزل الله " ( ص 11 ) : (( إذ لا ضير على المسلم القادر على تمييز الحق من الباطل أو الرجوع إلى أهل العلم الموثوقين ليسألهم عما يحتاج إليه أن يقرأ ما شاء كيف وقد أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم التحديث عن بني إسرائيل فقال : " بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار " لكنه قال أيضا : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ..." الآية ، أما إن وجد عند بعض من لا يميل إليهم ما هو حق فاستشهد به ، فإنه لا ضير فيه ، إذ الاستشهاد بقول أحد لا يعني صلاح عقيدته ولا يدل على تزكية له ، ومن ثم فلا محذور فيه ما دام حقا ، وقد ذهب كثير من العلماء إلى قبول رواية المبتدع إذا لم يكن داعية إلى بدعته ....وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة :"أما أنه قد صدقك وهو كذوب " ))
وقال في " العجالة " ( 1 / 54 ) : (( واعلم أني إذا أثبت كلاما لبعض الناس ولم أتعقبه فلأني أراه ولست مجرد متابع له وقد يكون غير معتمد في أمور أخرى في العقيدة خصوصا أو فيها وفي غيرها وقد رميت من وراء ذلك إلى أن لا تقام الحواجز بين المسلمين في أخذ بعضهم عن بعض كما دأب عليه فريق من الناس في هذا العصر ))
أقول : فبهذين النقلين عن الرجل يتبين للقارئ الحصيف حقيقة منهجية الرجل ويظهر له حقيقة ذلك الإجمال والتلبيس الذي تضمنه قوله : " استعمال الجرح والتعديل وهو من أعظم العلوم التي هدى الله المسلمين إليها ، لتكون من وسائل حفظ الدين كما وعد الله به ... استعماله في غير الوجه المشروع ، أو تجاوز القدر المشروع منه... ، حتى إنه اتخذ مطية للطعن في العلماء واستنقاصهم وتناول أعراض الأحياء منهم والأموات ، وإذا وزن هذا العمل بميزان الشرع فإنه ليس إلا من الغيبة المحرمة المتدثرة بدثار الجرح والتعديل "
وينكشف له أن هذا الأخير ما هو إلا ستار ولحاف أراد أن يستر به عورة قوله " إذ لا ضير على المسلم القادر على تمييز الحق من الباطل أو الرجوع إلى أهل العلم الموثوقين ليسألهم عما يحتاج إليه أن يقرأ ما شاء " وقوله " وقد رميت من وراء ذلك إلى أن لا تقام الحواجز بين المسلمين في أخذ بعضهم عن بعض كما دأب عليه فريق من الناس في هذا العصر"
وعليه فنقول لذاك المسكين المغفل الذي انخدع بسلفية الرجل الوهمية المزعومة وأسجد سمعه لما يلقه عليه بن حنفية من الهراء والخزعبلات ، أليس ما ذكره وصرح به هنا من دعوتك لأخذ وتلقي العلم من أهل البدع والضلالة هو عين ما نادي به القطبية وأهل البدع قديما وحديثا !!؟
ومن ذلك ما قاله أحمد الصويان : (( فالنبي صلى الله عليه وسلم أثبت الصدق للشيطان الذي ديدنه الكذب فلم يمنع ذلك من تقبل الخير الذي دل عليه )) ([5] )
فإذا عرفت هذه الحقيقة يا أُخي ـ حفظك الله ورعاك ـ فكن من أياس من سلفية الرجل المزعومة ، واعلم أن هذا دين لا يؤخذ عن من هب ودب ، بل يتطلب له الثقات العدول ، أصحاب المعتقد الصحيح السليم ، والمنهج المستقيم ، وإياك بعد هذا أن تركن سمعك وتعير قلبك لكل نطيحة ومتردية وما أكل السبع ، فتخسر دنياك وأخرتك وأنت لا تشعر ولا حول ولا قوة إلا بالله .
أما ما لابد من بيانه وتجليته مما أرجف به بن حنفية من دعوته الأخذ عن أهل البدع فسيكون ـ بعون الله وتوفيقه ـ على النحو التالي :
أولا : لقد اهتم المنهاج النبوي المبارك بأصل بيان صفاء المنبع الذي يتلقى منه أهل الإسلام دينهم المتمثل في القرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة ، فبينه أيما بيان وحث عليه ورغب فيه وبيان ما يضاده ويصد عنه ، ومن ذلك ما جاء عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ : " أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه النبي صلى الله عليه وسلم فغضب فقال : أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها نقية لا تسألوهم عن شئ فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني " ([6] )
وقال الله تعالى في محكم تنزيله: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعـرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } [ الأنعام : 86]
وقال تعالى: { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيـات الله يكفر بها ويستهزأ بهـا فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم، إن الله جامـع المنافقـين والكافريـن في جهنم جميعاً} [النساء : 140]
قال ابن عون: كان محمد بن سيرين - رحمه الله تعالى – يرى أن أسرع الناس ردة أهل الأهـواء، وكان يرى أن هذه الآية أنزلـت فيهم:{وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم} (الإبانة لابن بطة / 2 / 431 )
وعن ليث بن أبي سُليم عن أبي جعفر قال: " لا تجالسوا أهل الخصومات، فإنهم الذين يخوضون في آيات الله " ( تفسير الطبري / 7 / 229 ) و ( تفسير القرطبي / 7 / 12 )
وقال الإمام محمد بن جرير الطبري في تفسيره(5 / 330): " وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع من المبتدعة والفسقة عند خوضهم في باطلهم "
عن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:(( سيكون في آخر أمتي ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم )) (مقدمة صحيح مسلم / 1 / 12 )
وعن عائشة – رضي الله عنها – قالـت: (( تـلا رسول الله –صلى الله عليه وسلم - هذه الآية :{ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغـاء تأويلـه وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنـا به كل من عنـد ربنا وما يذكر إلا أولو الألبـاب}(آل عمران : 07)، قالت: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم -:(( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منـه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم )) متفق عليه
فبين لنا نبينا – صلى الله عليه وسلم - أن طريق النجاة من البدع هو الحذر والتحذير منها، واجتنابها واجتناب أهلها وهجرهم.
فهجر أهل البدع ومنابذتهم من أعظم أصول الدين التي تحفظ على المسلم دينه وتقيه شر مهالك البدع والضلالات.([7] )
وقد اهتم سلفنا الصالح الطاهر بهذا الأصل العظيم، وأولـوه بالغ العناية، فما من مصنف من مصنفاتهم في العقيدة والحديث والتراجم والتاريخ وآداب الطلب إلا وتجدهم قد نبهوا عليه ، بل قد انعقد إجماعهم قاطبة على ترك النظر في كتب أهل البدع وهجرهم وإذلالهم ومنابذتهم .
قال أبو القاسم الأصبهاني في كتابه " الحجة في بيان المحجة " ( 236) فيما نقله عن أحمد بن عبدالغفار بن أشتة أن أبا منصور معمر بن أحمد أنه قال : (( ثم من السنة ترك الرأي والقياس في الدين ، وترك الجدال والخصومات وترك مفاتحة القدرية وأصحاب الكلام وترك النظر في كتب الكلام وكتب النجوم ، فهذه السنة التي اجتمعت عليها الأئمة ، وهي مأخوذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله تبارك وتعالى )) ا.هـ
وقال العلامة ابن مفلح المقدسي في " الآداب الشرعية " (1 / 261 ) : (( وَذَكَرَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ النَّظَرِ فِي كُتُبِ الْمُبْتَدِعَةِ قَالَ : كَانَ السَّلَفُ يَنْهَوْنَ عَنْ مُجَالَسَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالنَّظَرِ فِي كُتُبِهِمْ وَالِاسْتِمَاعِ لِكَلَامِهِمْ
إلَى أَنْ قَالَ : وَإِذَا كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ وَمَنْ اتَّبَعَ سُنَّتَهُمْ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ مُتَّفِقِينَ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَتَرْكِ عِلْمِ الْكَلَامِ ، وَتَبْدِيعِ أَهْلِهِ وَهِجْرَانِهِمْ ، وَالْخَبَرِ بِزَنْدَقَتِهِمْ ، وَبِدْعَتِهِمْ ، فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِبُطْلَانِهِ وَأَنْ لَا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ مُلْتَفِتٌ ، وَلَا يَغْتَرَّ بِهِ أَحَدٌ . )) ا.هـ
ولزيادة الإطلاع على ما جاء عن سلفنا الصالح في هذا الباب فإني أرشد القارئ الكريم بالرجوع إلى كتاب
" إجمــاع العلمـاء على الهجـــر والتحذير من أهل الأهواء " ( ص 89 ومن بعدها ) للشيخ الفاضل خالد الظفيري ـ حفظه الله ـ فقد أجاد وأفاد في ذكر ونقل ما جاء عن سلفنا أئمة الحديث والسنة في بيان هذا الأصل ، وقد أبان ووضح هذا في قوله : (( والآثـار عن السلف في معاملة أهل البدع والتحذير من البدع وأهلها كثيرة جداً، فالسلف - رحمهم الله - على هذا مجمعون متفقون في كل الأعصار والأمصار، وقد نقل هذا الإجماع عدد من أهل العلم، وقد أفردت له فصلاً مستقلاً.)) ا.هـ([8])
فإذا عرفت ذلك يا أيها الشاب المسلم ، إياك وأن تغتر بزبالات القوم وما دسوه من السموم في قالب الحق ، وما زخرفوا به باطلهم ، فإن ذلك لا يقاوم نصوص القرآن والسنة والإجماع فضلا أن يكون حجة ، ولا يغني من الحق شيئا ، وإن الخير كل الخير في إتباع من السلف واقتفاء أثارهم واهتداء بهديهم ، والشر كل الشر في إتباع من الخلف وانخداع بضلالهم واستسلام لحيلهم ، ودائما وأبدا تذكر وتنبه يا أخي وأنت في هذه الحياة العملية أن قيمة دينك في صفاء علمه وطهارة منبعه وسلامة نقلته من البدع وصحة معتقدهم ونقاوة سلوكهم وعلو سندهم ، فإذا كان كذلك فدونك بعض الآثار السلفية التي تشحذ همتك وتنير طريقك وتعينك على سيرك فتكون على بصيرة من أمر دينك ،وهي تحث وتبين الصفات والخلال التي يؤخذ منهم العلم ومن لا يؤخذ منهم العلم .
فقد عقد الإمام محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي ـ رحمه الله ـ في كتابه النفيس " الآداب الشرعية " ( 2 / 138) " فَصْلٌ : فِي صِفَاتِ مَنْ يُؤْخَذُ عَنْهُمْ الْحَدِيثُ وَالدِّينُ وَمَنْ لَا يُؤْخَذُ عَنْهُمْ "
و ذكر تحته جمع من الآثار السلفية تبينه فقال منها :
قَالَ حَنْبَلٌ سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : إنَّمَا يَحْيَا النَّاسُ بِالْمَشَايِخِ ، فَإِذَا ذَهَبَ الْمَشَايِخُ فَمَاذَا بَقِيَ ؟
وَقَالَ الْحَافِظُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ الْأَخْضَرِ فِي تَسْمِيَةِ مَنْ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : إنَّمَا النَّاسُ بِشُيُوخِهِمْ فَإِذَا ذَهَبَ الشُّيُوخُ فَمَعَ مَنْ الْعَيْشُ ؟
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : الْعِلْمُ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ ؟ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ صحيحه
ومَالِكٌ لِرَجُلٍ : اُطْلُبْ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ أَيْضًا لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ : إنَّك امْرُؤٌ ذُو هَيْئَةٍ وَكِبَرٍ ، فَانْظُرْ عَمَّنْ تَأْخُذُ ؟
وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ عَنْ أَرْبَعَةٍ وَيُؤْخَذُ عَمَّنْ سِوَاهُمْ ، لَا يُؤْخَذُ عَنْ مُعْلِنٍ بِالسَّفَهِ ، وَلَا عَمَّنْ جُرِّبَ عَلَيْهِ الْكَذِبُ ، وَلَا عَنْ صَاحِبِ هَوًى يَدْعُو النَّاسَ إلَى هَوَاهُ ، وَلَا عَنْ شَيْخٍ لَهُ فَضْلٌ وَعِبَادَةٌ إذَا كَانَ لَا يَعْرِفُ مَا يُحَدِّثُ بِهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ أَيْضًا : إنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ ، لَقَدْ أَدْرَكْنَا فِي هَذَا الْمَسْجِدِ سَبْعِينَ مِمَّنْ يَقُولُ قَالَ فُلَانٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَوْ ائْتُمِنَ عَلَى بَيْتِ مَالٍ لَكَانَ أَمِينًا عَلَيْهِ فَمَا أَخَذْت مِنْهُمْ شَيْئًا ، لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ ، وَيَقْدَمُ عَلَيْنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَهُوَ شَابٌّ فَنَزْدَحِمُ عَلَى بَابِهِ .
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ الْقَطَّانِ : كَمْ مِنْ رَجُلٍ صَالِحٍ لَوْ لَمْ يُحَدِّثْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ .
وَقَالَ أَيْضًا : مَا رَأَيْت الْكَذِبَ فِي أَحَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيمَنْ يُنْسَبُ إلَى الْخَيْرِ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لِأَنَّهُمْ اشْتَغَلُوا بِالْعِبَادَةِ عَنْ ضَبْطِ الْحَدِيثِ وَإِتْقَانِهِ ، فَأَدْخَلَ عَلَيْهِمْ الْكَذَّابُونَ مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِمْ ، وَمِنْهُمْ قَوْمٌ تَوَهَّمُوا أَنَّ فِي وَضْعِ الْأَحَادِيثِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ أَجْرًا ، وَجَهِلُوا مَا فِي الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كَبِيرِ الْإِثْمِ .
وَقَالَ بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ : دِينُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُطْلَبَ عَلَيْهِ الْعُدُولُ .
وَقَالَ هُشَيْمٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : كَانُوا إذَا أَتَوْا الرَّجُلَ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ نَظَرُوا إلَى سَمْتِهِ ، وَإِلَى صَلَاتِهِ ، وَإِلَى حَالِهِ ، ثُمَّ يَأْخُذُونَ عَنْهُ .
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ : لَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ إلَّا عَمَّنْ شُهِدَ لَهُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ
وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْ أَكَابِرِهِمْ وَعَنْ عُلَمَائِهِمْ وَأُمَنَائِهِمْ ، فَإِذَا أَخَذُوهُ مِنْ أَصَاغِرِهِمْ وَشِرَارِهِمْ هَلَكُوا .
ثم ذكر بعد ذلك ( ص 141 ): فصل : فِي سَمْتِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ عَنْهُمْ الْحَدِيثُ وَالْعِلْمُ وَهَدْيِهِمْ .
رَوَى الْخَلَّالُ فِي أَخْلَاقِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانُوا إذَا أَتَوْا الرَّجُلَ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ نَظَرُوا إلَى صَلَاتِهِ وَإِلَى سَمْتِهِ وَإِلَى هَيْئَتِهِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ عَنْهُ وَقَدْ سَبَقَ .
وَعَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ : كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ مِنْ الْفَقِيهِ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى لِبَاسَهُ وَنَعْلَيْهِ .
وَقِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ أَيْنَ تُرِيدُ ؟ قَالَ : إلَى الْبَصْرَةِ ، فَقِيلَ لَهُ مَنْ بَقِيَ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ آخُذُ مِنْ أَخْلَاقِهِ آخُذُ مِنْ آدَابِهِ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : كُنَّا نَأْتِي الرَّجُلَ مَا نُرِيدُ عِلْمَهُ لَيْسَ إلَّا أَنْ نَتَعَلَّمَ مِنْ هَدْيِهِ وَسَمْتِهِ وَدَلِّهِ .
وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ يَحْضُرُونَ عِنْدَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ مَا يُرِيدُونَ أَنْ يَسْمَعُوا شَيْئًا إلَّا يَنْظُرُوا إلَى هَدْيِهِ وَسَمْتِهِ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ سَمِعْت ابْنَ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ : رَأَيْت فِي كُتُبِ أَبِي سِتَّةَ أَجْزَاءٍ مَذْهَبَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَأَخْلَاقَهُ ، وَرَأَيْت أَحْمَدَ يَفْعَلُ كَذَا وَيَفْعَلُ كَذَا وَبَلَغَنِي عَنْهُ كَذَا وَكَذَا . ا.هـ
ثانيا : قد اتضح وتبين فيما أسلفنا توضيحه وشرحه آنفا أن قول بن حنفية : "وقد ذهب كثير من العلماء إلى قبول رواية المبتدع إذا لم يكن داعية إلى بدعته " ما هو إلا سفسطائية الغرض منها تغليط العامة وإسكات أهل الحق ، وهذه السفسطائية قد وجدت روجا كبيرا في صفوف الحزبية والمميعة ، وتلقفها بعض الجهلة والأغبياء ممن ينتسب إلى السنة من باب حسن الظن لما هي عليه من الظاهر ولم يراع ما تحتوي عليه من الباطل والفساد في الباطن ، فظاهر هذه المقولة رحمة وباطنها حيل ومكر وخداع ، وأنى لأعمى البصيرة أن يتفطن لما فيها من العذاب والشقاء ، مع ما قد غلفت به من الشبه والزخارف الكثيرة الكثيفة التي أخفت حقيقة باطلها .
لكن من رحمة الله تعالى ولطفه بعباده المؤمنين ، وإنجازا لوعده الكريم سبحانه وتعالى المتمثل في حفظ دينه الحنيف أنه قد سخر عبادا أتقياء أمناء مصابيح الدجى وأعلام الهدى تصدوا لهذه السفسطائية فكشفوا عوارها وبينوا حقيقتها كما هو منثور ومنشور في مؤلفاتهم قديما وحديثا ، فلولاهم "لطمست معالم الدين بتلبيس المضلين ولكن الله سبحانه أقامهم حراسا وحفظه لدينه ورجوما لأعدائه وأعداء رسله"([9] ) ، فإذا كان كذلك فلنستعين في تفتيت هذه الشبهة الملعونة وتوضيح ما هي عليه من الباطل بفهمهم وما آتوا به في مؤلفاتهم .
فأقول : إن الذي قرر مسألة " قبول رواية المبتدع إذا لم يكن داعية إلى بدعته " هم نقلة الأخبار ورواة الآثار ، أئمة الحديث والسنة ، لا أهل البدع والضلالة من الحزبية المميعة ولا الأصاغر والجهلة ، ومع ذلك فقد ضبطوها بضوابط وحدوها بحدود ، هي أثقل ما تكون على أهل الأهواء والبدع ، ولا تتسنى أن تخدم مناهجهم الضالة وذلك
1 ـ إن الغرض والباعث الذي حملهم على أن يرووا عن جلة من المبتدعة الصادقين في روايتهم غير الدعاة والقلة القليلة من الدعاة هو تحقيق مصلحة حفاظ سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وجمعها وتدوينها ، وهذا كان في زمان تدوين السنة وجمعها ، أما الآن وفي أزمنتنا هذه فلا وجه لهذا التنظير والتقعيد الباطل الذي ذهب إليه المتحزبة ، لأن السنة والأخبار قد جمعت ودونت في المصنفات من الصحاح والمسانيد والسنن والمعاجم والمستخرجات والموطآت .
وهم ـ أئمة السنة والحديث ـ في ذلك ينقبون ويفتشون عن أحوال ذاك الراوي من عدالته وضبطه وعدمهما ، ويسبرون مروياته فإن وجدوا أنه قد وافقه غيره فيها من أهل التقى والإتقان والضبط والسنة فلا يلتفتون إليه وما ذاك إلا لإخماد بدعته وإطفاء نارها ، فإن لم يوافقه أحد ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع توفر الصدق فيه ، وثبوت أنه ممن الذين يتحرزون عن الكذب ، مع اشتهاره بالتدين وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته ، ففي هذه الحال ينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء بدعته
قال الحافظ السخاوي ـ رحمه الله ـ في " فتح المغيث " (2/ 222 ـ 223 ) : (( قال وأكثر ما علل به أن في الروايه عنه ترويجا لأمره وتنويها بذكره ، وعلى هذا لا ينبغي أن لا يروى عن مبتدع شيء يشاركه فيه غير مبتدع .
قلت : وإلى هذا التفصيل مال ابن دقيق العيد حيث قال : إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه هو إخمادا لبدعته وإطفاء لناره يعني : لأنه كان يقال ـ كما قال رافع بن أشرس ـ من عقوبة الفاسق المبتدع أن لا تذكر محاسنه .
وإن لم يوافقه أحد ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع ما وصفنا من صدقه وتحرزه عن الكذب واشتهاره بالتدين وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته فينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء بدعته )) ا.هـ ([10] )
ولا يخفى عليك يا بن حنفية ـ من غير التلبيس ولا التمويه ـ أن ذلك غير متحقق ومتوفر في دعاة أهل البدع في أزمنتنا هذه ، لما قد عرف بأن السنة قد جمعت .
ذكر الحافظ التبريزي ـ رحمه الله ـ في كتابه " الكافي في علوم الحديث " ( 366 ) فيما ذكره عن الحافظ أبي بكر البيهقي رحمه الله أنه قال : (( بأن الأحاديث التي قد صحت أو وقفت بين الصحة والسقم قد دونت وجمعت في كتب الحديث ، فلا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم وإن جاز أن يذهب على بعضهم ، فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه ... )) ا.هـ
فإذا كان الأمر كذلك فما مصلحة إذاً من أخذ العلم عن أهل البدع ، وخاصة إذا عرفنا أن أهل البدع المشار إليهم للأخذ عنهم كلهم دعاة ، بل يعدون من الرؤوس والرموز عند جماعاتهم ولهم مؤلفات ومصنفات قد ملؤوها بالكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والتأصيل الباطل والافتراء على أهل السنة والجماعة بالأباطيل والأكاذيب لغرض تشويه سمعتهم وتلبيس على الأمة الإسلامية كما هو شأن وحال محمد الغزالي ومحمد عبده وغيرهما الذين تنقل عنهم يا بن حنفية .
2 ـ إن الذين رووا عن هؤلاء المبتدعة هم أئمة في السنة والحديث ، ممن يميزون بين صحيح مروياتهم من ضعيفها و ما هو سنة مما هو بدعة ، و يعرفون ما يقوي بدعتهم وما لا يقويها وينخلونها نخلا ، فهم ممن شأنهم التقميش ثم التفتيش، من أمثال الإمام عبدالله بن المبارك ـ رحمه الله ـ الذي يقول :" حملت عن أربعة آلاف ورويت عن ألف "([11] ) ، ومن صنف الإمام يحيى بن معين ـ رحمه الله ـ الذي كتب وجمع الأخبار صحيحها وضعيفها ليعرفها ، كما ذكر ذلك عنه الإمام ابن حجر ـ رحمه الله ـ في "تهذيب التهذيب " ( 1 / 56 ) ، فيما نقله عن الخليلي أنه حكى في " الإرشاد " بسند صحيح ، أن أحمد قال ليحيى بن معين ، وهو يكتب عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبان نسخة : تكتب هذه وأنت تعلم أن أبان كذاب ؟ فقال : يرحمك الله يا أبا عبد الله ، أكتبها وأحفظها حتي إذا جاء كذاب يرويها عن معمر, عن ثابت ، عن أنس ، أقول له : كذبت إنما هو أبان. ا.هـ
وألطف ما جاء في هذا الباب ما ذكره الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب "(2 / 285) عن القاسم بن زكرياء المطرز أنه قال : " وردت الكوفة فكتبت عن شيوخها كلهم غير عباد بن يعقوب فلما فرغت دخلت عليه " ا.هـ
قال الحافظ الذهبي في " السير" (11 / 538) : إسنادها صحيح.
فليتأمل القارئ الكريم في هذه الحكاية يجد أن الحافظ القاسم بن زكرياء كان آخر من كتب عنه من أهل الكوفة عباد بن يعقوب لا هو الأول ، وهو على علم ودراية بحال عباد بن يعقوب ، وبما سيرويه مما يقوي بدعته وما لا يقويها ، وما وافق فيه السنة وما خالفها مما هو من معتقده الرافضي ([12] ).
بهذا نعرف أن ما يقننه الحزبية لصغار الأمة وعامتها من أن يأخذوا عن أهل البدع ما هو حق ويتركوا ما هم عليه من الباطل ، من أبطل الباطل ومضحكة على الأمة الإسلامية ، فانتبهوا لذلك يا أيها الشباب الإسلامي ، فلا تنخدعوا ـ بارك الله فيكم ـ في تلك الشقاشق الباطلة والزخارف الواهية التي تكلم بها من تكلم ، فإن أحسنا فيهم الظن على أقل الشيء يكون حالهم ممن جهل منهج أهل الحديث ، أهل السنن والآثار ، وما كانوا عليه من المنهج القويم والصراط المستقيم .
وإلا فقد أرشد ووضح علماؤنا ـ رحم الله الأموات وحفظ الأحياء ـ أن أول ما ينبغي على طالب العلم وهو في مرحلته الأولى من الطلب ، ينبغي له أن يبدأ بالمختصرات في كل فن ، وأن تكون تلك المختصرات على معتقد أهل السنة والجماعة نقية صافية من الزبالات الكلامية والمعتقدات البدعية ، وأن يكون ذلك على يد شيخ سلفي المعتقد نزيها وبريئا من كل بدعة ، ممن قد "كملت أهليته وتحققت شفقته وظهرت مروءته وعرفت عفته واشتهرت صيانته وكان أحسن تعليما وأجود تفهيما "([13] ) ، وليحذر كل الحذر "في ابتداء أمره من الاشتغال في الاختلاف العلماء أو بين الناس مطلقا في العقليات والسمعيات فإنه يحير الذهن ويدهش العقل"([14]) ، ثم إذا أتقن تلك المختصرات ينتقل إلى ما هو متوسط في فنها ، ثم إلى المطولات ، فإذا حصلت له ملكة وأهلية ومعرفة تفصيلية على ما كان عليه السلف الصالح في أبواب الاعتقاد و الإيمان له والحالة هذه أن ينظر في مقالات المخالف إذا أراد أن يعرف ما هي عليه من الباطل ، فيكشف زيفها لأمته الإسلامية لتحذر منها وتعرفها ، لا أن يقررها وينقلها على أن أهلها أهل أن يستفاد منهم كما يريده بن حنفية وشرذمته ، وهذا بالطبع كما قلت يكون للمنتهين لا للمبتدئين ، ولكن الحزبية ما يريدون هذا !!
يريدون أن يزجوا ويدفعوا بأولاد الأمة الإسلامية إلى أحضان أهل البدع والضلال لكي يتربوا على أيديهم ويتأصلوا على قواعدهم من نعومة أظفارهم ليكونوا جنودا من جنودهم في المستقبل لهذا تجدهم يقعدون تلك القواعد الضالة والله المستعان
3 ـ إن جل المرويات التي رويت عن أولئك المبتدعة إنما رويت في باب الشواهد والمتابعات ومقرونة بغيرها مع ثبوت صدق راويها ، وقد يكون مرويا عن ذلك الراوي حديثا واحدا أو حديثين ، وهذا بخلاف ما يريده المتحزبة هذا الزمن ، فيريدون من شباب الأمة من بادئ أمرهم وأصل تربيتهم أن تكون على كتب سيد قطب ومحمد عبده والمودودي والغزالي والقرضاوي وهلم جرا من أساطين المدرسة العقلية الثورية الحركية المدمرة للسنة النبوية والأخلاق الإسلامية ، ثم يلبسون على الأمة قائلين بأنه كان"كثيرا من العلماء يذهبون إلى قبول رواية المبتدع إذا لم يكن داعية إلى بدعته " .
يا لله ما أبشع كذبهم وأفظع خطرهم على الأمة الإسلامية !!
فإذا كنا نحن وإياهم في هذا الباب على الاتفاق بأنه : تقبل رواية المبتدع إذا لم يكن داعية إلى بدعته كما هو في مظانه .
نقول لهم : أنتم هنا قد خالفتم كلامكم وتناقضتم تناقضا عظيما ، وذلك أنكم دعاة إلى البدعة وتنقلون عن دعاة الذين قد أصلوا وألفوا وصنفوا في البدعة وتريدون من الشباب الأمة أن يكونوا كذلك ، مع ما أنتم فيه من رواية ما يقوي بدعتكم ويخدمها ، فأنتم والحالة هذه أشر وأفسد من الراوي الذي " يروي أحاديث صادقة موافقة لرأيه ثم يكذب في حديث واحد فيفضحه الله تعالى فتسقط أحاديثه كلها ! { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ } "([15] )
وبالمناسبة يجدر بي أن أتحف القراء الكرام أهل الإسلام بذكر بعض الرواة الذين ثبتت عنهم بدعة وهم من أهل الصدق ممن قد ذكر الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ رواياتهم مقرونة بغيرها ولها متابعة في صحيحه
أ / أيوب بن عائذ بن مدلج الطائي : قال البخاري : كان يرى الإرجاء إلا أنه صدوق
قلت ـ الحافظ ابن حجر ـ : له في صحيح البخاري حديث واحد في المغازي في قصة أبي موسى الأشعري أخرجه له بمتابعة شعبة وروى له مسلم والترمذي ([16] )
ب / عثمان بن غياث الراسبي البصري : وثقه العجلي وابن معين وأحمد والنسائي ، وقال أبو داود وأحمد كان : مرجئا ، وقال ابن معين وابن المديني كان يحيى بن سعيد يضعف حديثه في التفسير عن عكرمة .
قلت ـ الحافظ ـ : لم يخرج له البخاري عن عكرمة سوى موضع واحد معلقا ، وروى له حديثا آخر أخرجه في الأدب من رواية يحيى بن سعيد عنه عن أبي عثمان عن أبي موسى حديث القف ورواه في فضل عمر أيضا من رواية أبي أسامة عنه وتابعه عنده أيوب وعاصم وعلي بن الحكم عن أبي عثمان وروى له مسلم وأبو داود والنسائي([17] )
ت / إسحاق بن سويد بن هبيرة العدوي : وثقه بن معين والنسائي والعجلي وقال : كان يحمل على علي بن أبي طالب ، وذكره أبو العرب في الضعفاء فقال : من لم يحب الصحابة فليس بثقة ولا كرامة
قلت ـ الحافظ ـ : له عند البخاري حديث واحد في الصيام مقرونا بخالد الحداء وروى له مسلم وأبو داود والنسائي ([18] )
4 ـ إن كثير من علماء السنة والحديث أجلاء فضلاء أمناء ممن لهم وزنهم الثقيل في السنة ، قد وقعت منهم زلات وعثرات عن اجتهاد وتحري للحق على قدر ما بلغهم من الحق ووصل إليهم ووصلوا إليه ، مع حسن قصدهم في بلوغ إصابة الحق وقعوا فيما وقعوا فيه من تلك الأخطاء عن غير القصد ـ إن شاء الله ـ ، هذا الذي نعتقده في أئمتنا رحمهم الله ، بل نجد كثيرا منهم قد تاب منها لما بلغه الحق بخلاف ما هو عليه من المخالفة ، مع ذلك نجد أنه ما سُكت عن أخطائهم أو داهنهم فيها أقرانهم وتلامذتهم وممن جاء بعدهم ، بل قد أسرع وفزع كل من وقف عليها من أئمة الحديث وطلابه في زمانهم أو ممن جاء بعدهم إلى بيانها وكشفها نصيحة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولكتابه وللمسلمين ، بل نجد من أئمة السنة وأساطين الرواية والدراية ونقلة الأخبار من اشتد نكيره وصاح على ذلك المخطئ وترك الكتابة عنه وأمر بهجره ، وعد هذا من مناقبه ، فضلا أن يُغمز من أجل هذا ويطعن فيه بأنه من غلاة التجريح وأنه و أنه كما هو شأن المميعة هذا الزمان ما إن يبين ويحذر أهل السنة والجماعة من أخطاء تلك الجماعات الحزبية ورموزها إلا ويهجم عليهم بأنهم غلاة ، وأنهم فرقة الجرح والتجريح وهلم جرا
بل زيادة على هذه الطعونات الجائرة الظالمة تجدهم يؤصلون تلك التأصيلات البائرة والقواعد المائعة للحفاظ على بدعهم وأهلها كما هو شأن قاعدتهم العوجاء العرجاء :"كثير من العلماء يذهبون إلى قبول رواية المبتدع إذا لم يكن داعية إلى بدعته " ، وما ذاك إلا للحفاظ على مؤلفاتهم وإحياء تأصيلاتها الباطلة والخوف عليها من الكساد والترك والموت ، وإلا فهذا المنهج المخترع المصطنع الباطل المبطل ما كان يسمع حسه عند سلفنا الصالح ، ولا يقعدون هذه التقعيدات الخبيثة للحفاظ على أخطائهم وشيوخهم ، فكان أحدهم ما إن يقف على حقيقة الحق الذي جانبه وخالفه إلا و تراه يرجع إليه ويدس تلك المخالفة بقدميه ويضرب بها عرض الحائط هكذا كانوا رضوان الله عليهم ، فليس للمميعة والحزبية أي حجة في أخطائهم ، فتكون سببا في اختراع تلك القواعد التي يريدونها من أجل المحافظة على مناهجهم الضالة، بل قد يجد أحدنا أن تلك الأخطاء التي يحتجون بها لقواعدهم الفاشلة لم تثبت على سلفنا أو كما قلنا أنهم قد رجعوا عنها ، فذهبت إذاً حليهم الخبيثة أدراج الرياح ، فمن ذلك
أ / إبراهيم بن طهمان ثقة متقن من رجال الصحيحين ([19] )
قال الحافظ ابن حجر في " تهذيب التهذيب " (1 / 113) : (( قلت : الحق فيه أنه ثقة صحيح الحديث إذا روى عنه ثقة ولم يثبت غلوه في الإرجاء ولا كان داعية إليه بل ذكر الحاكم أنه رجع عنه والله أعلم ))
ب / شبابة بن سوار : احتج به الشيخان ووثقه غير واحد ، لكن قال الإمام أحمد فيه : داعية إلى الإرجاء و كان يحمل عليه ([20] )
مع أنه قد حكى الحافظ ابن حجر في "هدي الساري مقدمة فتح البارى " (1 / 407) : عن سعيد بن عمرو البردعي عن أبي زرعة أن شبابة رجع عن الإرجاء
ت / حريز بن عثمان الحمصي
جاء في ترجمته من " هدي الساري " ( 396 ) : ((من صغار التابعين وثقه أحمد وبن معين والأئمة لكن قال الفلاس وغيره : أنه كان ينتقص عليا .
وقال أبو حاتم : لا أعلم بالشام أثبت منه ولم يصح عندي ما يقال عنه من النصب
قلت ـ الحافظ ـ : جاء عنه ذلك من غير وجه وجاء عنه خلاف ذلك ، وقال البخاري : قال أبو اليمان : كان حريز يتناول من رجل ثم ترك
قلت ـ الحافظ ـ : فهذا أعدل الأقوال فلعله تاب ))
وقال الحافظ الذهبي في "السير " (7 / 80 ـ 81) : (( وقد قال أبو حاتم: لا يصح عندي ما يقال في رأيه، ولا أعلم بالشام أحدا أثبت منه.
وقال أحمد بن حنبل: حريز ثقة ثقة ثقة، لم يكن يرى القدر.
وقال أبو اليمان: كان ينال من رجل، ثم ترك ذلك.
وقال علي بن عياش: سمعت حريز بن عثمان يقول: والله ما سببت عليا قط.
قلت ـ الذهبي ـ : هذا الشيخ كان أورع من ذلك، وقد قال معاذ بن معاذ: لا أعلم أني رأيت شاميا أفضل من حريز. ))
ث / شيخ الإسلام الفضل بن دكين
جاء في ترجمته من " هدي الساري " (ص 434) : (( الفضل بن دكين أبو نعيم الكوفي أحد الأثبات قرنه أحمد بن حنبل في التثبت بعبد الرحمن بن مهدي ، وقال : إنه كان أعلم بالشيوخ من وكيع ، وقال : مرة كان أقل خطأ من وكيع والثناء عليه في الحفظ والتثبت يكثر ، إلا أن بعض الناس تكلم فيه بسبب التشيع ومع ذلك فصح أنه قال ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية احتج به الجماعة ))
ج / الإمام وهب بن منبه
جاء في ترجمته من " تهذيب التهذيب " (11 / 148) : (( قال أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق عن أبيه حج عامة الفقهاء سنة مائة فحج وهب فلما صلوا العشاء اتاه نفر فيهم عطاء والحسن وهم يريدون أن يذاكروه القدر ، قال : فأمعن في باب من الحمد فما زال فيه حتى طلع الفجر فافترقوا ولم يسألوه عن شئ
قال أحمد : وكان يتهم بشئ من القدر ثم رجع
وقال حماد بن سلمة عن أبي سنان سمعت وهب بن منبه يقول : كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتابا من كتب الانبياء في كلها من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر فتركت قولي
وقال الجوزجاني : كان وهب كتب كتابا في القدر ثم حدثت انه ندم عليه.
وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار دخلت على وهب داره بصنعاء فاطعمني جوزا من جوزة في داره فقلت له : وددت انك لم تكن كتبت في القدر ، فقال : أنا والله وددت ذلك ))
ح / الإمام المفسر الحافظ عكرمة المدني البربري
فهذا الإمام الكبير ممن قد رمي برأي نجدة الحروري وهو منه برئ
قال الحافظ الإمام أبو عمر ابن عبدالبر في " التمهيد " (2 / 27) : (( عكرمة مولى ابن عباس من جلة العلماء لا يقدح فيه كلام من تكلم فيه لأنه لا حجة مع أحد تكلم فيه وقد يحتمل أن يكون مالك جبن عن الرواية عنه لأنه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يرميه بالكذب ، ويحتمل أن يكون لما نسب إليه من رأي الخوارج وكل ذلك باطل عليه إن شاء الله ....
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عن إسحاق الطباع قال : سألت مالك بن أنس قلت أبلغك أن ابن عمر قال لنافع لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس ؟
قال : لا ولكن بلغني أن سعيد بن المسيب قال ذلك لبرد مولاه ...
وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال أعطاني جابر بن زيد صحيفة فيها مسائل فقال سل عنها عكرمة ، قال فكأني تبطأت فانتزعها من يدي
وقال : هذا عكرمة هذا مولى ابن عباس هذا أعلم الناس ...
عن أيوب قال : قال عكرمة : أرأيت هؤلاء الذين يكذبونني من خلفي أفلا يكذبونني في وجهي ...
وقال أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح الكوفي : عكرمة مولى ابن عباس ثقة وهو بريء مما رماه الناس به من الحرورية ....
قال أبو عبد الله المروزي : قد أجمع عامة أهل العلم على الاحتجاج بحديث عكرمة واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل عصرنا منهم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور ويحيى بن معين ولقد سألت إسحاق بن راهويه عن الاحتجاج بحديثه فقال لي عكرمة عندنا أمام الدنيا وتعجب من سؤالي إياه
قال وأخبرني غير واحد أنهم شهدوا يحيى بن معين وسأله بعض الناس عن الاحتجاج بحديث عكرمة فأظهر التعجب
قال المروزي : وعكرمة قد ثبتت عدالته بصحبة ابن عباس وملازمته إياه وبأن غير واحد من أهل العلم رووا عنه وعدلوه وما زال أهل العلم بعدهم يروون عنه
قال : وممن روى عنه من جلة التابعين محمد بن سيرين وجابر بن زيد وطاووس والزهري وعمرو بن دينار ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم قال أبو عبد الله المروزي وكل رجل ثبتت عدالته برواية أهل العلم
عنه وحملهم حديثه فلن يقبل فيه تجريح أحد جرحه حتى يثبت ذلك عليه بأمر لا يجهل أن يكون جرحة فأما قولهم فلان كذاب فليس مما يثبت به جرح حتى يتبين ما قاله )) انتهى بالاختصار
قد أجاد و أفاد الحافظ ابن عبدالبر في ذكر الآثار التي جاءت عن أئمة السنة والحديث في تعديل عكرمة والدفاع عنه فليرجع إلى المصدر لزيادة الإطلاع والمعرفة
وقال شيخنا الناقد الإمام ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ في تعليق وتحقيق كتاب " النكت على كتاب ابن الصلاح " (1 / 287) : (( عكرمة البربري مولى ابن عباس أبو عبد الله ثقة ثبت عالم بالتفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا يثبت عنه بدعة، من الثالثة مات سنة 107 وقيل بعد ذلك. /ع.)) ا.هـ
فبهذه المقتطفات الأثرية الدالة على براءة ممن قد رمي بالبدعة من أئمة السنة وهو منها برئ أو ممن قد ثبتت عنه ثم رجع عنها ، يظهر لنا ويتضح وهاء تلك القصور والعلالي التي بناها الحزبية على شفى جرف هار ، ولربما أرعدوا بها شباب الأمة الإسلامية ، قائلين هآ فلان وفلان وقع في كذا وكذا من البدعة وروى عنه أئمة الصحاح والسنن !!
فلماذا تمنعونا من النقل عن فلان وفلان ، و"تقام الحواجز بين المسلمين في أخذ بعضهم عن بعض " ؟
ولكن هذه الجعجعة واللجلجة عند التحقيق والتحرير لكلامهم ما تجدها إلا تمويه وتلبيس وكذب وافتراء على منهج أهل الحديث وأئمته ، وأنهم برءاء من نحلتهم الباطلة وبدعتهم الشنيعة وقواعدهم الفظيعة ، فأئمتنا كانوا لا يتسمحون مع من أخطأ في العقيدة ولا يتساهلون مع مخالفته كائنا من كان ، فهذا الإمام الحجة مسعر بن كدام ـ رحمه الله ـ الذي قال فيه "يحيى بن سعيد : ما رأيت مثل مسعر كان مسعر من أثبت الناس ، وقال فيه الثوري : كنا إذا اختلفنا في شئ سألنا عنه مسعرا ، وقال شعبة : كنا نسمي مسعرا المصحف ، وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري : كان يسمى الميزان ، وقال أبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع : شك مسعر كيقين غيره ، وقال عبد الجبار بن العلاء عن ابن عيينة : كان من معادن الصدق ، وقال أبو طالب عن أحمد : كان ثقة خيارا حديثه حديث أهل الصدق ، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين : ثقة ، وقال ابن عمار: مسعر حجة ومن بالكوفة مثله ، وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة : ثقة"([21] ) .
ومع ذلك ذكر الإمام الحافظ الذهبي ـ رحمه الله ـ في " السير " (7 / 165 ) : أنه لما مات لم يشهده سفيان الثوري
وذلك من أجل الإرجاء الذي رمي به ([22] ) ، قال الحافظ ابن حجر في " تهذيب التهذيب " (10 / 103) : ((قال محمد بن عمار بن الحارث الرازي سمعت أبا نعيم يقول سمعت الثوري يقول : الإيمان يزيد وينقص ، ثم قال : أقول بقول سفيان ولقد مات مسعر وكان من خيارهم فما شهد سفيان جنازته يعني من أجل الإرجاء.))
فليتأمل القارئ الكريم في هذه الحكاية يجد أن الناقد الحافظ الذهبي ـ رحمه الله ـ مع ما هو معروف به وعنه من النقد ، أنه لم يعترض وينتقد الإمام سفيان الثوري فيما ذهب إليه من تركه شهود جنازة مسعر ، أو أنه غمزه و طعن فيه من أجل هذا ، أو رماه هو أو غيره بأنه من الغلاة وأنه من فرقة الجرح والتجريح كما هو شأن المتحزبة والمميعة هذا الزمان ما أن يروا أحدا من العلماء وطلبة العلم من أهل السنة والجماعة يوظف قلمه ويسخر نفسه تدينا في بيان الخطأ من أخطأ من أهل البدع أو غيرهم إلا وأقاموا عليه الدنيا بأنه من الغلاة وأنه و أنه ...
وإلا فليعلم يا أخوتاه أن أئمة السنة والأثر لا يحابون أحدا في خطئه كائنا من كان ولو كان أبا أو ابنا أو أخا ، فالحق عندهم فوق كل عظيم وكبير، وميزانهم في الرجال ميزان حق وعدل وعلم لما خصهم الله تعالى وشرفهم بميراث النبي صلى الله عليه وسلم ، فهم وإن ردوا على من أخطأ وخالف منهج أهل السنة والجماعة فمقصدهم الوحيد وغايتهم السامية هي حماية الحق والمحافظة عليه وتنقيته مما دخل فيه ما ليس منه ، أما المخطئ عندهم فإن كان من أهل السنة والجماعة ، تحفظ كرمته وتصان وإن بينت مخالفته([23] )، أما المبتدع فلا نعمة له ولا كرامة بل عليه النقمة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "جموع الفتاوى " (3 / 179) : (( ثُمَّ قُلْت لَهُمْ : وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ خَالَفَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الِاعْتِقَادِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَالِكًا فَإِنَّ الْمُنَازِعَ قَدْ يَكُونُ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا يَغْفِرُ اللَّهُ خَطَأَهُ وَقَدْ لَا يَكُونُ بَلَغَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا تَقُومُ بِهِ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ ، وَإِذَا كَانَتْ أَلْفَاظُ الْوَعِيدِ الْمُتَنَاوَلَةُ لَهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا الْمُتَأَوِّلُ وَالْقَانِتُ وَذُو الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ وَالْمَغْفُورُ لَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ : فَهَذَا أَوْلَى ، بَلْ مُوجِبُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ نَجَا فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ وَمَنْ اعْتَقَدَ ضِدَّهُ فَقَدْ يَكُونُ نَاجِيًا وَقَدْ لَا يَكُونُ نَاجِيًا كَمَا يُقَالُ مَنْ صَمَتَ نَجَا )) ا.هـ
وقال شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ وهو يبين أقسام وأحكام ممن وقع في البدعة
: (( القسم الثالث: من كان من أهل السنة ومعروف بتحري الحق ووقع في بدعة خفية فهذا إن كان قد مات فلا يجوز تبديعه بل يذكر بالخير ، وإن كان حياً فيناصح ويبين له الحق ولا يتسرع في تبديعه فإن أصر فيبدع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: "وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها، وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله :{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } البقرة : 286 وفي الحديث أن الله قال :"قد فعلت")) ([24] )
وبالمناسبة إني لأبتهل الفرصة وأقرع على المسامع ذاك المميع المخذول فأقول : إياك وإياك يا مسكين أن تلحق وتقيس زبالات وجراثيم وسرطان وكوارث جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وحسن البنا وسيد قطب والمودودي ومحمد الغزالي والقرضاوي وغيرهم من أساطين الماسونية و التكفير والتصوف والاعتزال والأشاعرة والرافضة الذين لهم العشرات من البدع المغلظة بالعثرات أولئك الأئمة الذين ثبتت عدالتهم وثقتهم في الأمة وإمامتهم في الحديث والسنة ، فإن ذلك من أبشع القياس وأشنعه ، وهو فاسد الاعتبار لما بينهما من الفارق و البون الشاسع والفرق الواضح ، "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار"([25] )، "ما لكم كيف تحكمون "([26] )!!!
أتريدون أن تجعلوا أهل الأهواء والضلال وأهل الفساد في الأرض في منزلة ودرجة أهل الصلاح والتقى وتجمعوا بينهما في الأحكام فإن لم يكن هذا منك هو عين الإرجاء فلا ندري ما هو الإرجاء ؟!!
يقول شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ : (( ... وأن كثيرا من المرجئة وقعوا في الإرجاء بشبه عرضت لهم وسوء فهم لبعض النصوص ومن تقليد وما شاكل ذلك ، لكن هؤلاء الذين هم شر من المرجئة يعلمون أن قادتهم وسادتهم شر من المرجئة وشر من الخوارج وشر من كثير من أئمة الضلال ومع ذلك يقدسونهم ويأتي من يسب الصحابة ولا يرونه ضارا بشيوخهم ويأتي من يطعن في الأنبياء فلا يرونه ضارا بهم ، هذه الدرجة أسوأ من غلاة المرجئة الذين يقولون : لا يضر مع الإيمان ذنب ، لأن غلاة المرجئة يعتقدون في المذنب أنه مذنب ، وما يقولون فيه بأنه مجدد وإنه إمام هدى وإنه ... وإنه ... فكم المسافة الآن بين غلاة المرجئة وبين هؤلاء ؟!! )) ا.هـ([27] )
وعليه فأنه قد أتضح وظهر للقارئ الكريم أن القوم قد بنوا منهجهم الفاسد على قواعد هي أوهى من بيوت العنكبوت ، وليس لهم أي حجة ولا سلطان فيما ذهبوا إليه من تمشية مؤلفات شيوخهم وترويج بضاعتها بما ثبت وكان من صنيع أئمة الحديث والسنن من رواية عن من رمي وأتهم بالبدعة وهو من أهل الصدق والضبط والإتقان ، فإن صنيع سلفنا المبارك كان غرضه مصلحة الحافظ على السنة وكانت هذه المصلحة متحققة لا ظنية ، مع ما تميزوا به من الاحتياط التام والورع والعدل في تنقيب أحوال الرواة مما قد اختصوا به عن جميع الملل السابقة والنحل الباطلة ، وهم وإن نقلوا عن أولئك المتهمين فقد ألجأتهم الضرورة أن ينقلوا عنهم تلك السنن .
ذكر الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب " (3 / 101) عن ابن سعد أنه قال في رواية"خالد بن مخلد القطواني " : ((كان متشيعا منكر الحديث مفرطا في التشيع وكتبوا عنه للضرورة )) ا.هـ
وإذا كان كذلك فإن هذه الضرورة لا تتسنى ولا تتماشى لعامة أمتنا في هذه أزمنتنا، وذلك أنه قد ذكر أهل الأصول أن الضرورة التي تبيح ذاك المحظور ينبغي أن تكون قائمة بالفعل لا متوهمة ، وهذا غير متحقق في مسألتنا ، لأن متلقي وآخذ العلم على أيدي أهل البدع غير متحقق المنفعة على أيديهم ، بل نقول : هو متحقق وساعي فيما يضره ويفسد دينه ، كما قال أهل العلم والسنن أن أهل البدع والأهواء ضررهم على المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى فإن هؤلاء المبتدعة يفسدون القلوب ابتداء، وأما اليهود والنصارى، وأهل الحرب لديار المسلمين ، ففسادهم للقلوب لا يكون إلا تبعاً "([28] ) ، وفساد اليهود والنصارى ظاهر لعامة المسلمين، أما أهل البدع؛ فإنه لا يظهر فسادهم لكل شخص " ([29] )
وأيضا : ذكروا أن المضطر لا يباح ويحل له ما هو محرم في حال ضرورته إذا كان يمكن أن يدفع ضرورته بما هو مباح ، وكذلك في أزمنتنا هذه ليس هناك أي ضرورة تضطر وتحل للمسلم أن يأخذ العلم عن أهل البدع لما هو متوفر من الوسائل الكثيرة اليسيرة المباحة التي بها يتحصل على العلم السني على أيدي أهل السنة والجماعة والتي منها اللقاءات والدورات العلمية التي يقيمها مشايخ السنة في بلدانهم أو في غير بلدانهم ، وتتبع الدروس المباشرة التي تبث عبر الانترنت ، والهاتف ، والشريط ، والكتاب ، فهذه الوسائل ـ لله الحمد والمنة ـ قد غزت السوق والبيوت وملأت الدنيا ، فنجد مثلا إمامنا وعالمنا محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ ما من فن من فنون العلوم الشريعة إلا وقد شرحه وكذا غيره من مشايخ السنة فهم ما بين المستكثر والمستقل وما بين المتخصص والجامع مما قد أحوج أهل البدع وأضطرهم إلى أن ينهلوا من هذا الثراث السني ما يبلغون به الشهرة ويتزينون به ويلبسون به على العامة ، فهم الذين يضطرون إلى علم أهل السنة والجماعة لا شباب أهل السنة يضطر إليهم ، فانتبهوا بارك الله فيكم إلى دروشة بن حنفية وحزبيته المضحكة التافهة
ثم إني والله لأعجب من ذاك الأخ الشاب الوهراني ـ وهذا من السنين ـ أنه لما ناقشته في مسألة بن حنفية ، وقلت له : عندك علماء السنة تأخذ منهم العلم وتتربى على دروسهم وشروحاتهم مما يغنيك منه وأنت لست بحاجة إليه وإلى علمه أو نحو هذا .
فقال : أخذ عنه النحو
فقلت : هآ شيخنا ابن عثيمين قد شرح الأجرومية والألفية
فقال : بن حنفية يسهل عليّ شرح الألفية لابن عثيمين
فقلت حينها : والله هذا عائق عن الطلب ومفتاح للشر على صاحبه وداء عضال ومرض مزمن .
وذلك أنه تجد عند علمائنا الكبار من البركة والنفع في دروسهم ومؤلفاتهم ما لا تجده عند الأحداث ، ومن باب الأولى ـ بل لا يقارن ـ عند أهل البدع ، وتجد عندهم من سهولة الإلقاء والعرض والشرح والتفهيم ما لا تجده عند هؤلاء الأصاغر وهذا شيء مستقر ومعروف عند طلبة العلم
وقد أحسن من قال :
فانهض إلى صهواتِ المجدِ معتلياً .... فالبازُ لمْ يأوِ إلاَّ عاليَ القللِ
ودعْ مـنَ الأمـرِ أدناهُ لأبعـدهِ .... في لجةِ البحرِ ما يغنى عنِ الوشلِ
قال العلامة عبدالسلام بن برجس بن ناصر آل عبدالكريم ـ رحمه الله ـ في كتابه " عوائق الطلب " ( 29 ـ 34 ) :
(( العائق الرابع : أخذ العلم عن الأصاغر
لقد فشت ظاهرة أخذ العلم عن صغار الأسنان بين طلاب العلم في هذا الزمن .
وهذه الظاهرة - في الحقيقة - داء عضال ، ومرض مزمن يعيق الطالب عن مراده ، ويعوج به عن الطريق السليم الموصل إلي العلم .
وذلك لأن أخذ العلم عن صغار الأسنان ، الذين لم ترسخ قدمهم في العلم، ولم تشب لحاهم فيه مع وجود من هو أكبر منهم سناً ، وأرسخ قدماً ، يضعف أساس المبتدئ ، ويحرمه الاستفادة من خبرة العلماء الكبار ، واكتساب أخلاقهم التي قومها العلم والزمن ... إلي غير ذلك من التعليلات التي يوحي بها أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - حيث يقول : ( ولا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم ، وعن أمنائهم ، وعلمائهم ، فإذا أخذوه عن صغارهم ، وشرارهم هلكوا ) .
وثبت الحديث عن أبي أمية الجمحي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر ".
وقد اختلف الناس في تفسير : " الصغار " هنا علي أقوال ذكرها ابن عبد البر في " الجامع " ( 1/157 ) ، والشاطبي في " الاعتصام " ( 2/93 )
وقد ذهب ابن قتيبة - رحمه الله تعالي - إلى أن الصغار هم صغر الأسنان ، فقال على أثر ابن مسعود الآنف الذكر : ( يريد لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ ، ولم يكن علماؤهم الأحداث ، لأن الشيخ قد زالت عنه متعة الشباب ، وحِدته وعجلته ، وسفهه ، واستصحب التجربة والخبرة ، ولا يدخل عليه في علمه الشبهة ، ولا يغلب عليه الهوى ، ولا يميل به الطمع ، ولا يستزله الشيطان استزلال الحدث ، فمع السن : الوقار ، والجلالة ، والهيبة ، والحدث قد تدخل عليه هذه الأمور التي أمنت علي الشيخ ، فإذا دخلت عليه ،وأفتى هلك وأهلك ) . ا هـ ([30] )
وقد روى ابن عبد البر عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال : " قد علمت متى صلاح الناس ، ومتى فسادهم : إذا جاء الفقه من قبل الصغير استعصى عليه الكبير ، وإذا جاء الفقه من الكبير تابعه الصغير فاهتديا "
وروى ابن عبد البر - أيضاً - عن أبي الأحوص عن عبد الله قال : ( إنكم لن تزالوا بخير ما دام العلم في كباركم ، فإن كان العلم في صغاركم سفه الصغير الكبير )
ففي هذين الأثرين تعليل لعدم الأخذ عن " الصغير " آخر غير الذي ذكره ابن قتيبة .
وهو : خشية رد العلم إذا جاء من الصغير .
وعلى كلً فإن لفظة " الصغير "عامة تتناول الصغير حساً ومعنىً .....
فيا أيها الطلاب إن أردتم العلم من منابعه فهاؤهم العلماء الكبار الذين شابت لحاهم ، ونحلت جسومهم وذبلت قواهم في العلم والتعليم ، الزموهم قبل أن تفقدوهم ، واستخرجوا كنوزهم قبل أن تواري معهم ، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر . )) ا.هـ([31] )
ثم ما قيمة النحو أو أي علم من علوم الآلة إذا أخذته على يد المبتدع وأفسد عليك عقيدتك السنية ورمى بك في الحزبية !!
يا أخي رأس مالك عقيدتك السلفية التي عليها مدار صحة أعمالك وبتحقيقها تكون من أهل الإيمان وتفوز بالجنان ، وأنه من أعرض عنها وفرط فيها كان من حزب الشيطان المتوعد بالنيران والله المستعان ، وإلا فلا ضير عليك يا أُخي إن مت وأنت جاهل بالنحو وسلمت عقيدتك وفزت برضوان الرحمان .
قال الشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي : (( الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله لما فتحت المعاهد والجامعة الإسلامية وكلية الشريعة في وقته في الرياض احتاج إلى بعض أهل البدع فجاء بهم فما كان يضعهم إلا في اللغة وما حولها فقط
وما يستطيع أحد يتنفس وكان إذا تحرك أحدهم ينبس بكلمة من البدع يطرده فإذا احتجنا إلى هذا النوع ممن لا يدعوا
إلى بدعته وصممنا ووطنا في أنفسنا أنه إذا خالف و دعا إلى بدعته يطرد فلا بأس أما أن نتخذه إماماً وقديساً وداعياً و..و... الخ
ومع ذلك مع تحكم الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله فقد خان أهل البدع خانوا الأمانة التي ائتمنوا عليها فدسوا بدعهم وأفكارهم الثورية التخريبية في كثير من الشبابفحيث تجلى لنا خطرهم , وظهرت آثارهم الخبيثة فمن الحزم أن لا نأخذ عنهم أبداً لأنهم إذا احتجنا إليهم وتعاونا على شيئ وأعانونا على بعض ما نحتاج إليه خانونا ودسوا سمومهم وبدعهم وضلاهم فآثارهم الآن واضحة بادية وربما لو أدرك من كان في عهد الشيخ محمد أن الأمور ستؤدي إلى هذا والله ما كانوا يفعلون هذا وما كانوا ليتوسعوا في المدارس حتى يحتاجوا إلى أهل البدع فحصل التوسع وكانت احتياطات كثيرة بقدر وسعهم .
ومع هذا فقد خان أهل البدع ودسوا أفكارهم الخبيثة وسربوا كتبهم المدمرة فكان من ثمارها شر وبيل وخطير يعصف بشباب الأمة ، خلافات وعداوات وشنآن وبغضاء وأحقاد لا يعلمها إلا الله بعد أن كانوا كلهم على قلب رجل واحد فهذه التجربة تكفينا و "السعيد من وعظ بغيره "و لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين " )) ا.هـ([32] )
وعودا على بدء في بيان الفارق والباعث الذي حمل و اضطر سلفنا الصالح الأمناء الأتقياء على الرواية عن من تلبس بالبدعة وهو من أهل الصدق والموثوق بروايته لمصلحة الحفاظ على السنة، وبين من أطلق العنان من أهل البدع والمتحزبة في أزمنتنا هذه للأخذ عن أهل البدع والأهواء المغلظة الذين عرفوا بالكذب والفتن والتخريب والفساد في الأرض ، والإعلان والاجتهاد في الدعوة إلى ما هم فيه من الضلال والأهواء ، مما يتحتم في مثل هؤلاء ولا بد من ذكرهم والتشريد بهم على السكوت عنهم فضلا عن النقل والاستفادة من كتبهم ، لأن ما يعود على المسلمين من ضررهم إذا تركوا أعظم من الضرر الحاصل بذكرهم والتنفير عنهم "([33] )
فأقول : أيضا قد ذكر أهل الأصول في ضابط الضرورة ، أن تكون هذه الضرورة ملجئة بحيث يخشى تضييع الضروريات الخمس وهي : الدين والنفس والمال والعقل والعرض ، وعليه فالناظر إلى صنيع سلفنا فيما رووه عن أولئك المبتدعة يجدهم أنهم قد حقق هذا المطلب السامي المتمثل في الحفاظ على الضروريات الخمس ، كيف لا ، والله تعالى ما شرع هذا الدين الذي مصدره القرآن والسنة إلا للحفاظ على هذه الضروريات الخمس و لتحقيق مصالح العباد في دينهم ودنياهم وتدرأ عنهم المفاسد والأضرار.
وليس شيئا أضر على هذه الضروريات الخمس من تلقي العلم على أيدي أهل البدع وتبني مناهجهم وأفكارهم ، والتاريخ هو أعظم شاهد وبيان ، والعيان من ذلك يغني عن البرهان ، وفيه من الحق ما يبين وهاء وفساد هذه القاعدة البائرة ويستبصر به أهل الإيمان وينكشف لهم أن ما جعجع به أهل الباطل من استفادة من كتبهم من أفحش البطلان وأنها ما هي إلا من نفثات وعقد الشيطان تضمحل وتتلاشى إذا نزل بساحتها عسكر القرآن فلله الحمد والفضل والإحسان .
ثالثا : أما استدلاله هو وغيره بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة ـ رضي الله ـ في أمر الشيطان :"أما أنه قد صدقك وهو كذوب " على أخذ وتلقي العلم على أهل البدع والنقل عنهم
فهذا من أفظع الاستدلالات العوجاء وأبشع الانحرافات العمياء ما لهم فيها من سلف و" مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا "([34] ) !!!
وليس من أعظم الكذب والقول على الله بلا علم أن يجعل للشيطان وأوليائه فسحة ومجالا ومتنفسا للأخذ عنهم والتربية على أيديهم، فما أسعد الشيطان وحزبه بهذا التقعيد الخبيث !!
فالشيطان من مكره وخبثه ببني آدم لإضلالهم يود منهم أن يصدقوه في كلمة وكلمتين وأن يصغوا إليه إذا قال : " إني لكما لمن الناصحين "([35] )، ليمرر باطله بين دفة هاتين الكلمتين التي قد يصدق فيهما ، بل إنه وحزبه ونوابه قد يقرءون القرآن ويروون السنن ، عند العامة حتى يوهمونهم أنهم ليسوا أهل الشر والفتن وأنهم أهل الصلاح والتقى والنصح ، ليضلوهم ويستمتعوا بهم .
قال شيخ الإسلام ابن باز رحمه الله كما جاء عنه في "مجموع فتاوى " ( 8 / 85) : (( لا ينبغي أن يغتر الإنسان بكون الساحر أو الكاهن يقرأ القرآن فيقول : هذا طيب ، فإن الشياطين قد يقرءون القرآن وهم على شيطنتهم وعلى خبثهم ، وقد يقرأ الكفار القرآن ولا ينفعهم ولا يفيدهم ؛ لعدم إيمانهم به وعدم إسلامهم ......
والمقصود : أن الشياطين وهكذا نوابهم وأولياؤهم من الكهنة والمنجمين والرمالين والعرافين قد يقرءون القرآن كثيرا عند العامة ، وعند الناس حتى يوهموا أنهم ليسوا أهل شر ، وليسوا أهل فساد حتى يأخذوا أموال الناس ويبتزوها بكذبهم وافترائهم وما ينقلونه عن شياطين الجن ، وما يفعلونه من الشرك بالله وعبادة غيره من الذبح للجن والاستغاثة بهم والنذر لهم ... إلى غير هذا من ولايتهم لهم ، فإن الجن يستمتعون بالإنس حتى يعبدوهم من دون الله ، والإنس يستمتعون بالجن بما يخبرونهم به من أمور الغيب ، فالواجب الحذر من هذه البلايا وهذه المحن ، وتحذير الناس من ذلك )) ا.هـ
فإذا كان كذلك فما قيمة هذا الهراء الذي هذى به القوم وصرخوا به في الأمة الإسلامية ؟!!
وأي منفعة ستترتب عليه ومصلحة يحققها للإسلام وأهله ، وهو يخدم الشيطان وحزبه وجنوده وخدمه ؟!!
وإلا فاستدلالهم هذا حجة عليهم لا لهم وذلك من وجوه :
1 ـ إن في قول النبي صلى الله عليه وسلم " وهو كذوب " تحذير شديد من الشياطين والكذابين والدجالين بصيغة المبالغة المبينة لغاية ذمهم وقبحهم والتنفير منهم ، وخاصة أن هذا الجرح الشديد كان بعد ما يوهم مدحه ـ الشيطان ـ([36] ) فبهذا قطع النبي صلى الله عليه وسلم على الشيطان وأوليائه السبل التي من خلالها يبثون شرهم ، وسد عليهم الطرق التي بها يضلون عباد الله ، لو كان أهل هذه القاعدة الخبيثة يعقلون ولشرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يفقهون ويتبعون .
2 ـ في قول أبي هريرة رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال له : ((مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِى كَلِمَاتٍ ، يَنْفَعُنِى اللَّهُ بِهَا )) ما يشعر أن أبا هريرة رضي الله عنه لم يطمئن لكلام مخاطبه ([37] ) ، لولا شهود وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم بصحة هذا الخبر وصدقه ، وإلا فهل سترى أن أباهريرة لو لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم حتى قبض سيروي تلك الحادثة على أنها شرع يتقرب به إلى الله ؟ بالطبع سيكون الجواب : لا ([38] )
ولهذا لما ترجم أئمة الحديث لأبي هريرة رضي الله عنه قالوا : روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجعلوا ويذكروا أن الشيطان من شيوخه الذين روى عنهم ، أعاذنا الله من الحزبية ومضارها وزبالات أهلها العفنة ، وبهذا تحطمت هذه الفكرة العاطلة على رؤوس الحزبية ، ونقول لهم أن أبا هريرة رضي الله عنه أخذ ونقل عن النبي صلى الله عليه وسلم لا عن الشيطان فضحكم الله ، فكم يفرح أعداء السنة والمستشرقون الذين يطعنون في السنة وفي أبي هريرة رضي الله عنه بضلالكم هذا لو كنتم تنتبهون !!
3 ـ إن الحديث كل ما فيه أن أصحاب الباطل من الشياطين والكذابين والكفار وأهل البدع قد يعلمون ما ينتفع به المؤمن ويصادف منهم كلمة الحق وأنهم قد يصدقون ببعض ما يصدق به أهل السنة والإيمان ولا يكونون بذلك من أهل السنة والإيمان ، فهذا من أبلغ ما ينبه ويذكر على الاحتراز منهم في أن يتسرب علينا شيئا من باطلهم في قالب الحق الذي معهم ونحن لا نشعر بمدى خطورته على أمتنا ، فانتبهوا لهذه النكتة بارك الله فيكم .
و أيضا : فالحديث ينبه على أن صاحب الباطل إذا تكلم بكلمة الحق على مسامعك وبحضرتك أو وقفت عليها ، لا يحملنك على ما هو عليه من الضلال أن ترد الحق الذي تكلم به ، بل نرد باطله ونزلزله بالأدلة القرآنية والآثار السنية ونقرر الحق الذي تكلم به ، على أنه هو الحق الذي شرعه الله تعالى وارتضاه لعباده وأن ذلك شرعنا الحنيف الذي ندعو الخليقة إليه ، ولهذا شواهد :
قال الله تعالى : { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } [الأعراف:28]
قال الإمام عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في " تيسير الكريم الرحمن " (1 / 286) : (( يقول تعالى مبينا لقبح حال المشركين الذين يفعلون الذنوب، وينسبون أن الله أمرهم بها { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً } وهي: كل ما يستفحش ويستقبح، ومن ذلك طوافهم بالبيت عراة { قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا } وصدقوا في هذا { وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا }وكذبوا في هذا، ولهذا رد اللّه عليهم هذه النسبة فقال: { قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ } أي: لا يليق بكماله وحكمته أن يأمر عباده بتعاطي الفواحش لا هذا الذي يفعله المشركون ولا غيره { أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } وأي افتراء أعظم من هذا؟.))
و أخرجه الطحاوي في " المشكل " ( 1 / 91 ) و أحمد ( 6 / 371 و 372 ) و ابن سعد ( 8 / 309 )
و الحاكم ( 4 / 297 ) من طريق المسعودي : حدثني معبد بن خالد عن عبد الله بن يسار عن قتيلة بنت صيفي الجهنية قالت : " أتى حبر من الأحبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ! نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون ! قال : سبحان الله ! و ما ذاك ؟ . قال ، تقولون إذا حلفتم : و الكعبة، قالت : فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ثم قال : إنه قد قال ، فمن حلف فليحلف برب الكعبة ، قال : يا محمد ! نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله ندا! قال : سبحان الله ! و ما ذاك ؟ قال : تقولون ما شاء الله و شئت . قالت : فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ثم قال : إنه قد قال ، فمن قال : ما شاء الله فليقل معها : ثم شئت " ([39] )
قال العلامة عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ ـ رحمه الله ـ في " فتح المجيد " ( 370) : (( وفيه : قبول الحق ممن جاء به كائنا من كان )) ا.هـ
وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في " القول المفيد على كتاب التوحيد "( 517) : (( ويستفاد من الحديث : 2 ـ مشروعية الرجوع إلى الحق وإن كان من نبه عليه ليس من أهل الحق )) ا.هـ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في " منهاج السنة النبوية " (2 / 199) : (( والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق وألا نقول عليه إلا بعلم وأمرنا بالعدل والقسط فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني فضلا عن الرافضي قولا فيه حق أن نتركه أو نرده كله بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق )) ا.هـ
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في " مدارج السالكين " (ص 202) : (( فلا يضرب كتاب الله بعضه ببعض ولا يرد القرآن بمجرد كون المعتزلة قالوه ـ فعل أهل الهوى والتعصب ـ بل نقبل الحق ممن قاله ويرد الباطل على من قاله )) ا.هـ
بهذا يتبن أن هذه الأدلة وما كان في بابها لا تدل أو تبيح وتجيز أخذ العلم عن الشياطين والكفرة ومن نحى نحوهم من أهل الضلال والأهواء ، ومن زعم غير هذا فقد أفترى على الإسلام فرية عظيمة وضل ضلالا بعيدا وخالف القرآن والسنة والإجماع الذي نص وحذر من أن يصغي للشياطين والكفرة وأصحاب الأهواء و أن يجلس إليهم ويستسلم لضلالهم وهذا شيء مشهور معروف عند العامة فضلا عن الخاصة ، ولكن الهوى يعمي البصيرة والله المستعان
رابعا : قوله : (( إذ لا ضير على المسلم القادر على تمييز الحق من الباطل أو الرجوع إلى أهل العلم الموثوقين ليسألهم عما يحتاج إليه أن يقرأ ما شاء كيف وقد أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم التحديث عن بني إسرائيل فقال : " بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار " ..))
أقول :
نعم يا بن حنفية ما أجمل وأحسن لو أنك تريد بكلامك هذا : أن هذا المسلم القادر العالم العارف الحاذق البصير الناظر في كتب محمد عبده ورشيد رضا وحسن البنا وسيد قطب والغزالي والقرضاوي وأساطين التصوف والتحزب والتكفير ودعاة التفجير في عصرنا هذا ، أن يكون حامله وباعثه على نظره في هذه الكتب هو الرد عليها وبيان ضلالها وكشف زيفها للخليقة وتحذر الأمة الإسلامية منها ومن أهلها ([40] )
لكان هذا من حسناتك ومن صالح أعمالك التي تخدم أمتك ولكن للأسف فإنه لا يمت له بصلة ، بل قولك :" إذ لا ضير على المسلم ... الرجوع إلى أهل العلم الموثوقين ليسألهم عما يحتاج إليه أن يقرأ ما شاء " ليبعد ذاك الظن الحسن
كيف لا وكلمتك هذه مفخخة منغمة بضلال دعوة هذا المسلم الجاهل غير العارف بضلال أهل الضلال أن ينظر في كتبهم ويقرأ ما شاء منها سواء كانت هذه الكتب ، كتب الشياطين أو السحرة أو الكهنة أو التنجيم أو النصارى أو اليهود أو أهل البدع بجميع مللهم ونحلهم فإذا أستشكل عليه شيء منها حينها فله أن يرجع إلى أهل العلم !!
ما شاء الله عليك يا بن حنفية على هذا التنظير الفاسد والتفكير الكاسد ترمي بشباب الأمة في اليم وهم مكتفي الأيدي ثم تقول لهم إياكم .. إياكم أن تبتلوا !! هذه هي التربية الصحيحة السلفية تريد أن تربي شباب الإسلام عليها !!
تريد منهم أن ينظروا في كتب منغمة بالشبه ثم تأمل وتأمن أن ينجوا !! متى كان هذا والقرآن والسنة والإجماع قائما على التحذير من هذا ؟ فكم من محدث وعالم وقارئ وثق من نفسه واغتر بذكائه وفخم علمه ، فنظر في كتب القوم فاجتالته شبههم فضل عن سواء السبيل وتاه في أودية الأباطيل والتاريخ والواقع أكبر شاهد على ذلك ودليل ، نعوذ بالله من الحور بعد الكور، فـ "أن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر وأن تنكر ما كنت تعرف وإياك والتلون في دين الله فإن دين الله واحد "([41] ) ، وقال الله تعالى :{ وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً }[النحل:92]
فارجع إلى رشدك يا عبدالله وأعرف ما يخرج من رأسك ، و علم أن كلامك هذا ما يخدم إلا أعداء الإسلام الذين يتمنون ويودون من شباب الأمة الإسلامية أن ينظروا في كتبهم ويسمعوا لكلامهم .
أما استدلالك بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار "، على الأخذ والنقل من أهل البدع واستفادة منهم ، فهذا كغيره مما قد سبق منك فهو من تحريفك للكلم عن مواضعه ومن استدلالك الأعرج ونظرك الأعوج في النصوص وحملها على غير محملها ، وهذا من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توعد فاعله بقوله صلى الله عليه وسلم : "ومن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار "، فآخر الحديث أشد عليك ما يكون لو كنت تعقل وتعي ما تفعل وتقول !!
وإلا فأئمتنا لهم مخرج في فقه وفهم هذا الحديث لا يمت بصلة إلى ما تريد وتبغي ومن ذلك :
1 ـ ذكروا أن هذا دليل يدل على الإذن في الذكر والتحدث بالأخبار والعجائب التي وقعت في زمان بني إسرائيل ، كنزول النار من السماء لأكل القربان مما لا تعلمون كذبه ، أي مما لا يخالف القرآن والحديث ولا يعارضهما ، لا أنْ يُحدّث عنهم بالكَذب ([42]) ويشهد لذلك قول الله تعالى : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولِي الألْبَابِ }[ يوسف : 111]
قال الإمام عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في "تيسير الكريم الرحمن " (1 / 407) : (( { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ } أي: قصص الأنبياء والرسل مع قومهم، { عِبْرَةٌ لأولِي الألْبَابِ } أي: يعتبرون بها، أهل الخير وأهل الشر، وأن من فعل مثل فعلهم ناله ما نالهم من كرامة أو إهانة، ويعتبرون بها أيضا، ما لله من صفات الكمال والحكمة العظيمة، وأنه الله الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له. )) ا.هـ
فإذا كان كذلك يا بن حنفية فلأهل السنة والجماعة أن يحكوا ما وقع لأهل البدع والفرقة على أيدي خلفاء وأمراء أهل السنة والجماعة من التنكيل والعقوبات ما يعتبر به أولي العقول وينزجر ويخوف به أولي الضلال ، وهذا شيء طيب قد ذكره ونقله أئمة الحديث والأثر والتاريخ في كتب العقائد و التراجم والسير والتاريخ ..... تريد هذا ؟
2 ـ قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " ( 6 / 619 ) : ((وقيل : لا حرج في أن لا تحدثوا عنهم لأن قوله أولا حدثوا صيغة أمر تقتضي الوجوب فأشار إلى عدم الوجوب وأن الأمر فيه للإباحة بقوله ولا حرج أي في ترك التحديث عنهم ))
قلت ( بشير ) : إذا كان هذا في أخبار بني إسرائيل التي أذن الشارع بحكايتها والتحدث بها ولم يوجب ذلك ، فماذا سنقول عن ترهات أهل البدع والأهواء التي نهى الشارع والإجماع عنها !!
وإلا فلو سلمنا بصحة استدلال بن حنفية بالحديث على ما يريد من تجويز أخذ العلم عن أهل البدع لناقشناه في استدلاله وقلنا له : إن الحديث كل ما فيه يدل على الإباحة والنظر في كتب أهل الأهواء والأخذ عنهم العلم حرام لا يجوز وأهل الأصول يقولون : " إذا تعارض المبيح مع الحاظر قدم الحاظر على المبيح " ، فبهذا سقط استدلاله وما يريده من الحديث ولله الفضل والمنة
3 ـ قال أيضا الحافظ ( 6 / 619 ) : ((وقيل المراد رفع الحرج عن حاكي ذلك لما في أخبارهم من الألفاظ الشنيعة نحو قولهم "اذهب أنت وربك فقاتلا" وقولهم : " اجعل لنا إلها " )) ا.هـ
قلت : فإذا كان كذلك يا بن حنفية : فلا حرج ما يحكيه أهل السنة من الألفاظ الشنيعة والأقوال الفظيعة التي تلفظ بها أهل البدع والأهواء من الصوفية والرافضة والخوارج والمعتزلة والقطبية والمميعة لبيان فظاعتها وبشاعتها وضلالها للأمة الإسلامية لتحذر منها ومن أهلها ولتبتعد عنهم وعن كتبهم هل تريد هذا ؟؟
4 ـ وقال الحافظ أيضا : ((وقال مالك : المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن أما ما علم كذبه فلا ))
فهذا حسن وهو مخرج على ما قاله الحافظ ابن كثير رحمه الله في مقدمة تفسيره وذكره العلامة محمد عمر بازمول حفظه الله في "شرح مقدمة أصول التفسير " ( ص 81 ) فقال : إن أخبار أهل الكتاب على ثلاثة أنواع :
النوع الأول : ما نعلم بطلانه بما جاءنا من الوحي ، فهذا لا يجوز لنا أن نحكيَه ولا أن نسوقَه ، وإن سقناه فإننا نرده
ونكذِّبه ، وذلك لما قام لدينا في شرعنا من الدليل على أن هذا من الباطل .
النوع الثاني : ما جاءنا من أخبار أهل الكتاب مما نعلم صدقه لموافقته ما أخبرنا الله عز وجل به ، وهذا كثير من الأشياء في التوراة والإنجيل نجدها توافق ما عندنا ، وبالذات في باب القصص والأخبار ، فهذا النوع هو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : ( وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ) ، أي : فيما عَلِمْتم أنه يوافق ما عندكم .... )) ا.هـ
قلت ( بشير ) : وإذا كان كذلك فما وجه علاقة النقل عن أهل البدع واستفادة منهم بهذا الحديث
فإذا كان على النوع الأول : نعم فلتذكر أقوالهم لتحذر ويهجر أهلها
أما على النوع الثاني : فهل المسلم بعدما انقطع الوحي وكمل الدين ودونت السنة وشرحت وبينت يكون محتاجا إلى كتب أهل البدع والنظر فيها ؟!
وهو غني عنها بما خلفه له أئمة الحديث والسنة من ذاك التراث العلمي السني العظيم الذي تزخر به المكتبة السلفية ، الذي نجد أن أهل البدع قد اضطروا إلى علمه وتراثه والأخذ منه ، فما من حق تكلم بها المبتدع إلا وقد أخذه واستقاه من هذا التراث ، فإذا كان كذلك فما الذي يحوج المسلم على أن يأخذ علمه من المنبع قد تحقق وعرف كدره وبعده وصعوبته ويدع المنبع الصافي السهل القريب حتى يصبح حاله كما قال القائل :
ومن العجائب والعجائب جمة .... قرب الحبيب وما إليه وصول
كالعيس في البيداء يقتلها الظما .... والماء فوق ظهورها محمول
فبهذا البيان الذي سخرت قلمي في توضيحه بعون الله وتوفيقه يتضح للقارئ الكريم أن النصوص التي استدل بها بن حنفية أو من نحى نحوه على مشروعية أخذ العلم عن أهل البدع والاستفادة منهم والنظر في كتبهم ، أنها ما هي إلا من جنس تحريف الكلم عن مواضعه وضرب النصوص بعضها بالبعض وإرادة الفتنة ،كفانا الله شر باطلهم

..... يتبع إن شاء الله









([1]) " فتاوى فضيلة الشيخ ربيع المدخلي " ( 1/ 250 )
([2]) انظر إلى " فتاوى فضيلة الشيخ ربيع المدخلي " ( 1/ 255 )
([3]) منقول من مكتبة الشيخ الإلكترونية
([4]) [ الأحزاب : 19 ]
([5]) منقول من كتاب " القطبية هي الفتنة فاعرفوها " ( ص 49 )
([6]) قال الإمام الألباني ـ رحمه الله ـ في " إرواء الغليل " (6 / 34 ـ ) : أخرجه أحمد ( 3 / 387 ) من طريق مجالد عن الشعبي عن جابر ابن عبد الله : (فذكره)
ثم قال : وكذا أخرجه الدارمي ( 1 / 115 ) وابن أبي عاصم في " السنة " ( 5 / 2 ) وابن عبد البر في " جامع بيان العلم "
( 2 / 42 ) والهروي في " ذم الكلام " ( 4 / 67 - 2 ) والضياء المقدسي في " المنتقى من مسموعاته بمرو " ( 33 / 2 ) كلهم عن مجالد به . قلت : وهذا سند فيه ضعف من أجل مجالد وهو ابن سعيد الهمداني قال الحافظ في " التقريب " : " ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره " . وقال الحافظ في " الفتح "
( 13 / 284 ) : . " رواه أحمد وابن أبى شيبة والبزار ورجاله موثقون إلا أن في مجالد ضعفا " . قلت : لكن الحديث قوي فإن له شواهد كثيرة أذكر بعضها
فذكرها ثم قال في ( ص 37) : وجملة القول : ان مجئ الحديث في هذه الطرق المتباينة والألفاظ المتقاربة لما يدل على أن مجالد بن سعيد قد حفظ الحديث فهو على أقل تقدير حديث حسن . والله أعلم .
([7]) انظر إلى كتاب القيم " إجماع العلماء على الهجر والتحذير من أهل الأهواء " ( ص 20 ـ 21 ) لفضيلة الشيخ خَالد بن ضَحَوي الظَّفيري حفظه الله
([8]) ( ص 89 )
([9]) " مفتاح دار السعادة " ( 1 / 66)
([10]) انظر إلى " التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل " ( 1 / 49)
([11]) " فتح المغيث " (3 / 313)
([12]) قال فيه الحافظ الذهبي ـ رحمه الله ـ في " السير " (11 / 538) : (( وما أدري كيف تسمحوا في الأخذ عمن هذا حاله ؟ وإنما وثقوا بصدقه. )) ا.هـ ، وهو وإن روى عنه الإمام البخاري ، إنما روى عنه حديثا واحدا مقرونا
انظر إلى " تهذيب التهذيب (5 / 95 ) ، و " هدي الساري مقدمة فتح الباري" (1 / 412 )
([13]) " تذكرة السامع والمتكلم " ( ص 115 )
([14]) نفس المصدر ( ص 136)
([15]) "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل " (1 / 52)
( [16]) " هدي الساري مقدمة فتح البارى " ( ص 389)
([17] ) نفس المصدر : ص 424
([18] ) نفس المصدر : ص 389
([19]) " الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب " (1 / 35)
([20]) " الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم " (1 / 107) ، و" تهذيب التهذيب " (4 / 264)
([21]) "تهذيب التهذيب " (10 / 103)
([22]) مع أنه قد جاء عن الإمام أحمد في رواية ابن إبراهيم أنه قال: " أما مسعر فلم أسمع منه أنه كان مرجئا، ولكن كانوا يقولون: إنه كان يستثني." (بحر الدم / 1 / 149)
و قد بين شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني في " مجموع الفتاوى " وجه هذا الاستثناء وحقيقته الذي ثبت عن مسعر فقال : (( وَمَنْ لَمْ يَسْتَثْنِ قَالَ أَنَا لَا أَشُكُّ فِي إيمَانِ قَلْبِي فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُزَكِّ نَفْسَهُ وَيَقْطَعْ بِأَنَّهُ عَامِلٌ كَمَا أُمِرَ وَقَدْ تَقَبَّلَ اللَّهُ عَمَلَهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ إنَّ إيمَانَهُ كَإِيمَانِ جِبْرِيلَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِ الْمُرْجِئَةِ كَمَا كَانَ مِسْعَرُ بْنُ كدام يَقُولُ أَنَا لَا أَشُكُّ فِي إيمَانِي قَالَ أَحْمَد : وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُرْجِئَةِ فَإِنَّ الْمُرْجِئَةَ الَّذِينَ يَقُولُونَ : الْأَعْمَالُ لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ وَهُوَ كَانَ يَقُولُ : هِيَ مِنْ الْإِيمَانِ لَكِنْ أَنَا لَا أَشُكُّ فِي إيمَانِي ، وَكَانَ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة : أَلَا تَنْهَاهُ عَنْ هَذَا ، فَإِنَّهُمْ مِنْ قَبِيلَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ النِّزَاعَ فِي هَذَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْ جِنْسِ الْمُنَازَعَةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَكُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ . )) ( 13 / 46 ـ 47 )
([23]) نعم قد يضطر الناقد السلفي أن يحمل على ذلك الفاضل السني حملة شديدة وتشنيعة حديدة فيما أخطأ فيه ويطلق عليه كلمات يظهر فيها الغض منه لكي يكف الناس عن الغلو فيه الحامل لهم على إتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه ، ولكي ينفرهم من خطئه ويظهر لهم بشاعة المخالفة التي وقع فيها لا غير.
قال العلامة عبدالرحمن المعلمي رحمه الله في " التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل " (1/ 11 ـ 12) : ((وحاصله أن أكثر الناس مغرون بتقليد من يعظم في نفوسهم والغلو في ذلك، حتى إذا قيل لهم: إنه غير معصوم عن الخطأ والدليل قائم على خلاف قوله في كذا فدل ذلك على أنه أخطأ ولا يحل لكم أن تتبعوه على ما أخطأ فيه .
قالوا: هو أعلم منكم بالدليل، وأنتم أولى بالخطأ منه فالظاهر أنه قد عرف ما يدفع دليلكم هذا، فإن زاد المنكرون فأظهروا حسن الثناء على ذلك المتبوع كان أشد لغلو متبعيه.
خطب عمار بن ياسر في أهل العراق قبل وقعة الجمل ليكفهم عن الخروج مع أم المؤمنين عائشة فقال «والله إنها لزوجة نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الدنيا والآخرة ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي» أخرجه البخاري في (الصحيح) من طريق أبي مريم الأسدي عن عمار، وأخرج نحوه من طريق أبي وائل عن عمار فلم يؤثر هذا في كثير من الناس بل روي أن بعضهم أجاب قائلاً «فنحن مع من شهدت له بالجنة يا عمار»
فلهذا كان من أهل العلم والفضل من إذا رأى جماعة اتبعوا بعض الأفاضل في أمر يرى أنه ليس لهم اتباعه فيه إما لأن حالهم غير حاله وإما لأنه يراه أخطأ –
أطلق كلمات يظهر منها الغض من ذاك الفاضل لكي يكف الناس عن الغلو فيه الحامل لهم على إتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه، فمن هذا ما في (المستدرك) (2 ص329) « ... عن خيثمة قال: كان سعد بن أبي وقاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في نفر فذكروا علياً فشتموه فقال سعد: مهلاً عن أصحاب رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... فقال بعضهم فوالله إنه كان يبغضك ويسميك الأخنس، فضحك سعد حتى استعلاه الضحك ثم قال أليس قد يجد المرء على أخيه في الأمر يكون بينه وبينه ثم لا تبلع ذلك أمانته ... » قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين» وأقره الذهبي.
وفي الصحيحين وغيرهما عن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال «ما سمعت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمع أبويه إلا لسعد بن مالك (هو سعد بن أبي وقاص) فإني سمعته يقول يوم أحد: يا سعد ارم فداك أبي وأمي» .
وتروى عن كلمات أخرى من ذا وذاك وكان سعد قد قعد عن قتال البغاة فكان علي إذا كان في جماعة يخشى أن يتبعوا سعداً بالقعود ربما أطلق غير كاذب كلمات توهم الغض من سعد وإذا كان مع من لا يخشى منه القعود فذكر سعداً ذكر فضله. ومنه ما يقع في كلام الشافعي في بعض المسائل التي يخالف فيها مالكاً من إطلاق كلمات فيها غض من مالك مع ما عرف عن الشافعي من تبجيل أستاذه مالك، وقد روى حرملة عن الشافعي أنه قال «مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين» كما يأتي في ترجمة مالك إن شاء الله تعالى.
ومنه ما نراه في كلام مسلم في مقدمة صحيحه مما يظهر منه الغض الشديد من مخالفه في مسألة اشتراط العلم باللقاء، والمخالف هو البخاري، وقد عرف عن مسلم تبجيله للبخاري.
وأنت إذا تدبرت تلك الكلمات وجدت لها مخارج مقبولة وإن كان ظاهرها التشنيع الشديد.
وفي ترجمة الحسن بن صالح بن حي من (تهذيب التهذيب) كلمات قاسية أطلقها بعض الأئمة فيه مع ما عرف من فضله، وفيها «أبو صالح الفراء: ذكرت ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئاً من أمر الفتن فقال: ذاك يشبه أستاذه يعني الحسن (بن صالح) بن حي - فقلت ليوسف أما تخاف أن تكون هذه غيبة؟ قال لم يا أحمق؟ أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا فتتبعهم أو زارهم، ومن أطراهم كان أضر عليهم» .
أقول: والأئمة غير معصومين من الخطأ والغلط، وهم إن شاء الله تعالى معذورون مأجورون فيما أخطأوا فيه كما هو الشأن فيمن أخطأ بعد بذل الوسع في تحري الحق، لكن لا سبيل إلى القطع بأنه لم يقع منهم في بعض الفروع تقصير يؤاخذون عليه، أو تقصير في زجر أتباعهم عن الغلو في تقليدهم.)) ا.هـ
([24]) " فتاوى فضيلة الشيخ ربيع المدخلي " ( 1 / 291) ، وكلام شيخ الإسلام مصدره " مجموع الفتاوى "
( 19 / 192 ـ 192 )
([25]) [ص:28]
([26])[ القلم : 36]
([27]) " فتاوى فضيلة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي " ( 1 / 426)
([28]) "مجموع الفتاوى " (28/232)
([29]) " دراسة نقدية لقاعدة المعذرة والتعاون " ( 119 )
([30]) "نصيحة أهل الحديث للخطيب البغدادي "( ص 16 ) .
([31]) إلا أنه في هذا لابد من تنبيه ينبغي مراعاته وقد ذكره الشيخ رحمه الله في ( ص 32 ) حيث قال (( وهذا الحكم ليس علي إطلاقه في " صغير السن " فقد أفتي ودرس جمعة من الصحابة والتابعين في صغرهم بحضرة الأكابر . إلا أن هؤلاء يندر وجود مثلهم فيمن بعدهم ، فإن وجدوا وعلم صلاحهم ، وسبر علمهم فظهرت رصانته ، ولم يوجد من الكبار أحد يؤخذ عنه العلوم التي معهم ، وأمنت الفتنة ، فليؤخذ عنهم .
وليس المراد أن يهجر علم الحدث مع وجود الأكابر كلا ،وإنما المراد أنزال الناس منازلهم ، فحق الحدث النابغ أن ينتفع به في المدارسة والمذاكرة ، والمباحثة ... أما أن يصدر للفتوى ، ويكتب غليه بالأسئلة ، فلا وألف لا ، لأن ذلك قتل له ، وفتنة ، وتغرير .
قال فضيل بن عياض - رحمه الله - ( لو رأيت رجلاً اجتمع الناس حوله لقلت : هذا مجنون ، من الذي اجتمع الناس حوله لا يحب أن يجود كلامه لهم ) .
وقال أيضاً : ( بلغني أن العلماء فيما مضى كانوا إذا تعلموا عملوا ،وإذا عملوا شغلوا ، وإذا شغلوا فقدوا وطلبوا ، فإذا طلبوا هربوا )
( السير / 8 / 434 ) )) ا.هـ
([32]) " فتاوى فضيلة الشيخ ربيع المدخلي " ( 2 / 54 ـ 55 )
([33]) انظر إلى "الاعتصام " (ص 453)
([34]) [ الكهف : 5 ]
([35]) [ الأعراف : 21 ]
([36]) " فتح الباري " ( 4 / 602 )
([37]) وهو رضي الله عنه حتى الآن لم يعرف بأن المتحدث معه هو الشيطان لقول النبي صلى الله عليه
وسلم في آخر الحديث : ((تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، قَالَ لاَ ، قَالَ : ذَاكَ شَيْطَانٌ )) رواه البخاري
([38]) انظر إلى كتاب " هذه القطبية هي فتنة فاعرفوها " ( ص 49)
([39]) قال الشيخ الألباني رحمه الله في " السلسلة الصحيحة " (3 / 154 ـ 155) : (( قلت : و هو إسناد رجاله ثقات إلا أن المسعودي - و هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود - كان اختلط . و قد ذكره الحافظ برهان الدين الحلبي في رسالته " الاغتباط بمن رمي بالاختلاط " ( ص 16 ) . و أما الحاكم فقال : " صحيح الإسناد " ! و وافقه الذهبي ! و هذا منه غريب فقد أورد هو المسعودي هذا في " الضعفاء "و قال : " قال ابن حبان : كان صدوقا إلا أنه اختلط بآخره " .
نعم إنه قد توبع ، فقد أخرجه النسائي ( 2 / 140 ) من طريق مسعر عن معبد بن خالد به نحوه .
و إسناده صحيح ، و ذكر الحافظ في " الفتح " ( 11 / 457 ) أن النسائي صححه في " كتاب الإيمان و النذور " و أقره لكني لم أر فيه التصحيح المذكورة ، فلعل ذلك في " السنن الكبرى " للنسائي . ))
([40]) هنيئا من قام بهذا الفرض الكفائي وسد ثغرته في الأمة الإسلامية وإن علمه هذا لمن أعظم الجهاد وأفضل من الضرب بالسيوف ومن أعظم أبواب النصيحة لله ، قال العلامة المجاهد ربيع بن هادي المدخلي في "منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف " ( 151 ) : قال ابن القيم رحمه الله في سياق كلامه على بعض المتكلمين المعطلين لصفات الله: "فما أعظم المصيبة بهذا وأمثاله على الإيمان! وما أشد الجناية به على السنة والقرآن! وما أحب جهاده بالقلب واليد واللسان إلى الرحمن! وما أثقل أجر ذلك الجهاد في الميزان! والجهاد بالحجة واللسان مقدم على الجهاد بالسيف والسنان، ولهذا أمر به تعالى في السور المكية حيث لا جهاد باليد؟ إنذارا وتعذيرا، فقال تعالى: {فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا}( الفرقان: 52).
فالجهاد بالعلم والحجة جهاد أنبيائه ورسله وخاصته من عباده المخصوصين بالهداية والتوفيق والإنفاق، ومن مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو؟ مات على شعبة من النفاق، وكفى بالعبد عمى وخذلانا أن يرى عساكر الإيمان وجنود السنة والقرآن وقد لبسوا للحرب لامته، وأعدوا له عدته، وأخذوا مصافهم، ووقفوا مواقفهم، وقد حمي الوطيس، ودارت رحى الحرب، واشتد القتال، وتنادت الأقران: النزال ! النزال! وهو في الملجأ والمغارات والمدخل، مع الخوالف كمين، وإذا ساعد القدر وعزم على الخروج، قعد فوق التل مع الناظرين، ينظر لمن الدائرة، ليكون إليهم من المتحيزين، ثم يأتيهم وهو يقسم بالله جهد أيمانه أني كنت معكم وكنت أتمنى أن تكونوا أنتم الغالبين " (شرح القصيدة النونية ا للشيخ محمد خليل هراس) (1/ 8).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: "المتبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل من الضرب بالسيوف في سبيل الله "
( تاريخ بغداد) (12/ 410).
وقال الإمام يحيى بن يحيى النيسابوري: "الذب عن السنة أفضل من الجهاد" (نقد المنطق ) (ص 12)
([41]) ذكر هذا الأثر الإمام أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني رحمه الله في "الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة " (ص 303 ) من طريق الطبراني أنه قال : نا محمد بن الحسن بن كيسان ، نا أبو حذيفة ، نا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن خالد بن سعد أن حذيفة - رضي الله عنه - لما حضرته الوفاة دخل عليه أبو مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - فقال : يا أبا عبد الله إعهد إلينا فقال حذيفة : أو لم يأتك اليقين أعلم ( فذكره )
([42] ) انظر " النهاية في غريب الأثر " (1 / 928) ، و " فتح الباري " ( 6 / 619 ) , و " مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح "
( 1 / 301 )