قال في مقاله " التأليف لا الهجران : ((شيوع المقاطعة والهجران في أوساط بعض فئات الشباب الذي يرتاد المساجد لا يخفى , والعجب أن بعضهم إنما يهجر من يحافظ على الصلوات في المساجد , أمّا غيرهم ممن لا يصلي أصلاً فهذا خير من هذا عنده , حتى إذا هداه الله سلطت عليه الأضواء فكان أول ما يتلقاه : إيّاك وفلاناً , ولا تسمع لفلان , ولا تكلم فلاناً , فيكون أول ما يعلم دعوته إلى كراهية الناس وبغضهم حتى يستقيم ولاؤه , وكثيراً ما يكون المنطلق في الهجران خلاف في أمر فرعي عملي , من العسير إنهاء الخلاف فيه , لكن هؤلاء يريدون أن ينتهي الخلاف بفتوى عالم سمعوها , وفتوى العالم في بعض الحالات قد تكون غير ملزمة , وإنما يتبعها من اقتنع بها , وإلاّ لانتقلنا من تقليد وتعصب نحاربه إلى تعصب أنكى واخطر , فإذا لم تتبع فتوى عالم رآها صاحبك هجرك , وهو لا يتوسط في هجرانك بحيث يكف لسانه عنك , ويرعى فيك ذمّة الإسلام , وأخوة الإيمان , فيلقي عليك السلام أو يرده , بل ينقلب بين عشية وضحاها من صديق إلى عدو , أو من تلميذ لازمك سنوات إلى مناوئ لا يلقاك , ورحم الله الشافعي , فقد ناظره يونس الصدفي يوماً في مسألة ثم افترقا , فلما لقيه أخذ بيده ثم قال :" ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة " (السير : 10/16) .
وهذا الهجران كما هو معلوم , وإن صدر ممن يستساغ منه , لانزجار المهجور به , كالشيخ لتلميذه , والأب لابنه , والزوج لزوجته , وذي المكانة الشرعية والاجتماعية لغيره , فإنه ينبغي أن يكون بعد الاتصال بالمذكورين لمعرفتهم عن كثب , والاطلاع على أحوالهم , وتقديم النصح لهم , والتفريق بين من شأنه المجاهرة والإصرار ,ممن دأب على المخافتة والإسرار , أما الواقع فإنه كثيراً ما يحصل ذلك بناء على النقل ممن لا يحسنونه , أو يفسدونه جهلاً , أو عمداً وقصداً , ثم يذكر لبعض أهل العلم , أو لمن ليسوا علماء , ممن وجد فيه بعض هؤلاء ضالتهم , فيصدرون لهم فتاويهم من بعيد في تجريح الناس وشتمهم , وقد يسجل كلام بعض الناس في غفلة منهم , ثم يرفع سيفاً مصلتا , والهفوات لا ينجو منها إلا القليل , وما على المحسنين من سبيل ..... والذي أعلمه أن الأصل في المؤمن أن لا يقاطع , والهجر إنما هو كالترخيص , وهو في الأصل مما يجوز , لا مما يجب , وإن كان قد يجب , ومن تراجم البخاري رحمه الله قوله : "باب ما يجوز من الهجران لمن عصى " , كما أن المسلم لا يكره كراهة مطلقة , بل بمقدار ما معه من الخير , ويكره بمقدار ما هو عليه من الشر ...
ومن هنا فإن مسألة الهجران هذه من المسائل التي تختلف فيها الأنظار , لأنها من جملة ما يختلف حكمه بحسب الزمان والمكان والأحوال والأشخاص ,فهجران المسلم أخاه منوط بالمصلحة الدينية التي تعود على المهجور أو الهاجر , أو غيرهما , وبعض هذه الأقسام داخلة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . )) ([1] )
أقول :
قد بينت زيف هذا الهراء في كتاب ( القول الواضح في كشف زيف المقال الفاضح المسمى بـ" التأليف لا الهجران " ) ، بما يكفي ويشفي إن شاء الله ، لكن لما عزمت على استجماع ضلال الرجل في مصنف جامع قد حوى أراجيفه ـ عفانا الله وإياكم منها ـ، استعنت بالله تعالى على التوضيح والبيان ما تضمن كلامه هذا من الفساد نصحا للعباد ، فمنه التوفيق والسداد .
أولا : إن ما شغب و رجف به بن حنفية في هذه الأسطر ، لا يخفى أمره على أهل السنة ، إذ أنهم قد عرفوا أهل هذه الشنشنة ، وماذا يريدون منها ؟ وما الغرض من إثارتها من حين إلى حين في المجتمعات الإسلامية ؟
فمن سوء حظه وفضيحة سيرته وفظاعة حماقته أنه تشبت بشبهات قد سبق إليها فحلت وأنحلت واضمحلت .
وذلك أن ما شنشن به هنا قد دل الكتاب والسنة وانعقد إجماع الأمة على فساده ووهائه ، وأحسن من بيّن ذلك الشيخ المفضال خالد بن ضحوي الظفيري ـ حفظه الله ـ في كتابه الجامع الماتع " إجماع العلماء على الهجر والتحذير من أهل الأهواء " ، بما يكفي ويشفي في النقض والدحض هذه الشبهة الفاسدة ، فنأمل من أهل الإسلام من الرجوع إليه ،فيقفوا على مادته الأثرية القوية التي فضحت كذب القوم على المنهج السلفي وأهله مما هم منه برءاء ، وما هم عليه من الجريمة الكبيرة والخيانة العظيمة للأمة .
ثانيا : قوله : "شيوع المقاطعة والهجران في أوساط بعض فئات الشباب الذي يرتاد المساجد لا يخفى , والعجب أن بعضهم إنما يهجر من يحافظ على الصلوات في المساجد , أمّا غيرهم ممن لا يصلي أصلاً فهذا خير من هذا عنده , حتى إذا هداه الله سلطت عليه الأضواء فكان أول ما يتلقاه : إيّاك وفلاناً , ولا تسمع لفلان , ولا تكلم فلاناً , فيكون أول ما يعلم دعوته إلى كراهية الناس وبغضهم حتى يستقيم ولاؤه "
لقد جمع كلامه هذا بين الغلو في نقده أهل السنة وبين تضييع وتمييع أحكام الشريعة التي ينبغي بيانها وتفصيلها في مثل هذه المقامات ، وأنه من أقبح القبائح مغمغتها وغمغمتها في مثل هذه المحطات ، وذلك أن الشباب الذين وجه سهام نقده إليهم ـ كما هو في كثير من كتاباته ـ ما هم إلا أناس أهل الإتباع والسنن والغيرة على العقيدة السلفية ، الساعون في الإصلاح ما أفسده أهل الأهواء والبدع في مجتمعاتهم من العقائد والأحكام العملية والسلوك بقدر ما يستطعون ، وبحسب ما هم عليه من الحصيلة العلمية ([2])، فكان مما تصدوا له وأجمعوا أمرهم على كشف عواره الحزبية وقواعدها الفاسدة التي خيمت على كثير من قلوب وعقول شباب الأمة الجزائرية ، ومن ذلك كتابه " هل الحزبية وسيلة للحكم بما انزل الله " الذي خدم الحزبية وميع أصول السنة بطريقة ماكرة خبيثة ، فما كان منهم والحالة هذه إلا أن يتصلوا بأهل العلم يسألونهم عن بعض ما جاء في هذا الكتاب من البضاعة الزائفة الدخيلة، ليقفوا على مدى صحتها وقبولها في ميزان الشارع ، فوفق لهم العلامة المجاهد الناقد عبيد بن عبدالله الجابري ـ حفظه الله ـ ، فأبدى وبيّن لهم ما خالف فيه الرجل من الحق مما جاء في سؤالهم من هذيانه ، ونصحهم حينها بتركه ([3] )، فاستجاب الشباب السلفي لنصيحة الوالد العلامة عبيد الجابري ، فتركوا الرجل منبوذا ، فما كان منه عند ذلك إلا أن يضج ويعج كعادته على أهل السنة بالتنقيص والطعن والاحتقار والتزهيد في مرجعيتهم ورد نصائحهم ، متماديا في باطله الذي تبناه منهجا ومسلكا له ، ومن ذلك ما نحن في صدد بيانه وتفتيته .
فإذا كان كذلك يا معشر أهل الإسلام ، فهل لنا أن نلوم أولئك الشباب الذين اجتنبوا حزبيته التي أضرت بالأمة الجزائرية أيما ضررـ بل العالم بأسره ـ ونصحوا من أغتر وانخدع به بتركه وعدم الجلوس إليه ، وما ذاك إلا لكي لا يصيبهم مرضه ويؤذيهم عفنه الذي عواقبه وخيمة وجرائمه عظيمة .
أم نوجه اللوم إليه لما هو عليه من عدمية احترام الحق ونصائح أهله ؟!!
فالجواب لا يخفى ـ إن شاء الله ـ على عقلاء الأمة ، وعلى من لم تتنجس قلوبهم بأوضار الحزبية المميعة وقواعدها العفنة ، وخاصة على من هو خبير ومطلع على منهجية الرجل ، وما هو عليه من السيرة السيئة قبلا وحالا، فهو يعلم أن قوله : " شيوع المقاطعة والهجران في أوساط بعض فئات الشباب الذي يرتاد المساجد لا يخفى , والعجب أن بعضهم إنما يهجر من يحافظ على الصلوات في المساجد , أمّا غيرهم ممن لا يصلي أصلاً فهذا خير من هذا عنده ..." ، ما هي إلا مجازفة محيرة ومبالغة كبيرة ، وذلك أن الأوصاف التي ألصق بها هؤلاء الشباب وهم منها برءاء "براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام " ، هي أليق وألصق بالخوارج والتكفيريين والحركيين الثوريين الذين ألان لهم الكلام وسايرهم في كثير من قواعدهم ، بل ودافع عنهم ، وجعل أن ما حدث في بلاد الجزائر من تلك الأحداث المؤلمة التي توجعت منها الأمة ، ليست هي على عاتق ورقاب مسؤوليتهم ، وإنما اللوم والمسؤولية على عاتق الحكومة ، هذا الذي نفهمه من كلامه وما هو عليه من التذبذب والاضطراب ( [4] ) ، حيث قال في حاشية كتاب "هل الحزبية وسيلة للحكم بما أنزل الله " ( ص : 82 ) وهو يتكلم عن كتاب " مدارك النظر " : ((.... وهو كتاب فيه كثير من الحق ولا سيما الجانب العلمي والنظري منه .... لكنه حين تعرض لبيان ما حصل في الجزائر منذ أحداث أكتوبر 1988 ، قسا في تناول بعض الناس والتثريب عليهم ، حين استعرض مواقفهم بالتشريح والنقد ، حتى لكأن كل ما أصيبت به الجزائر إنما فعله فلان وفلان ، وقد يكون غرضه نصح للناس
في ذلك الوقت الذي كانت الفتنة فيه هائجة مائجة ، تحذيرا ممن ظنهم المتسببين فيها ، فإن تآليف الناس وكلامهم ومواقفهم ينبغي أن يراعى في تقويمها المحيط والظروف التي قيلت فيها ، لكنني
مع وضع هذا الغرض في الحسبان ، أرى أنه ممكن التحقيق بأدنى مما بلغه الكاتب من شدة ،
والعلم عند الله )) ا.هـ
وهذه هي حال يا أيها القراء الأعزاء ـ عفاكم الله من الحزبية وأهلها ـ من يبتعد عن منهاج النبوة علما وعملا ويرتكس في أودية الحزبية ، يختل تصوره وتختلط عليه الأمور ، فيجعل الحق باطلا والباطل حقا ، ويجمع منهجه بين الغلو والجفاء ([5] )، كما هو حال بن حنفية هنا ، فقد غلى في ذم أهل السنة مما هم منه برءاء وجفاهم ، وقصر في نقد أهل الباطل وأخفى الحقيقة التي هم عليها وغش أمته .
والذي يبين ذلك ويظهر هذه الحقيقة ، أن أهل السنة أحرص الناس على دعوة الخليقة إلى السنة وعلى تبصيرهم فيما يجب عليهم ويستحب من العبادات القلبية والقولية والجوارحية ، وهم في ذلك يسعون في تأليف الناس وتحمل أذاهم ،وإن سمعوا منهم ما سمعوا من الإهانات والسخريات التي هي أشد على القلوب من طعنات السيوف ، والله لقد لمسنا ذلك في محيطنا ومجتمعنا لما عليه إخواننا من هذا الأذى ، وما هم عليه من الصبر والدفع لتلك الإهانات بما أوتوا من التحمل والصبر ، ومع ذلك لا ندعي فيهم العصمة ولا وفي أئمتنا العظام ، ولا ندعي في إخواننا الكمال وعدم التقصير والهفوات ، ومن يسلم من ذلك ، لكن هل من الإنصاف والعدل أن نجعل من الحبة قبة ومن الهفوة خطيئة لا تغفر ؟!!
فبالله عليكم هل قامت الصوفية الخرافية و المتكلمة والإخوان البنية والتبليغ ( الصوفية العصرية ) والقطبية وجميع الأحزاب المعاصرة والمتمذهبة بما قام به هؤلاء الشباب السلفي من دعوة الخليقة إلى العقيدة الصحيحة ودعوتهم إلى إتباع الدليل ونبذ التقليد ، فكانت دعوتهم في مجتمعهم بمثابة بروز الشمس من وراء السحب ؟!! أين الموازنات مع هؤلاء الشباب الغرباء يا من تدعون إلى منهج الموازنات !!!
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكمُ ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدّوا
والله إن هذا الشباب الطيب المبارك في هذه الآونة خاصة محتاج إلى العناية وإلى المراكز الحديثية التعليمة تجمع شمله وتبعده عن تلك المدارس الإختلاطية الفاسدة العاطلة وعن الجمعيات الحزبية المبتدعة الباطلة، ويحتاج إلى المشجعات المعنوية والحسية تنعش همته وتشحن عزيمته وتضيء له الأفاق المستقبلي ، لا أن يحطم بتلك الدعايات الكاذبة والاستفزازات الهجينة وتحمل عليك تلك الحملة الشعواء لإسقاطه وتذويب معنوياته الشبابية ، فرقي وازدهار الأمة الإسلامية مرتبط بصلاح وسؤدد وتفوق وأمانة وشجاعة شبابها ، وخير شبابها من سلك مسلك وسبيل شباب العهد النبوي وما بعده من القرون المفضلة في معتقده ومنهجه وسلوكه علما وعملا ودعوة ، وإلا فماذا فعل الشباب الذي شحن بالبدع والخرافات وعطل عقله لما هو عليه من التقليد الأعمى طيلة هذه القرون الماضية ، هل انتفعت به الأمة ؟ وماذا صنع لها ؟ وأي خدمة قدمها لها ؟!!!
ثالثا : كان بودنا من بن حنفية أن يتحفنا ويبين لنا من هؤلاء الأفاضل الذين هجرهم أولئك الشباب السلفي ليزول الإشكال وينجلي تلبيسه وتدليسه الذي تضمنه كلامه .
فإن كان الذين هجروهم من أهل السنة ، فينكر عليهم صنيعهم ، ويستفصل حينها عن الحامل الذي حملهم على ذلك ، فإن كان مبناه على أغراض شخصية أو مسائل اجتهادية أو بغي وظلم ، فيشنع ويشتد النكير عليهم ، وينبهون أن هذا المنهج الذي انتهجوه والمسلك الذي سلكوه ما هو إلا منهج حدادي غالي جاني على أهل السنة والجماعة .
ولكن هذا الاحتمال بعيد ، وكتاباته الذي هاجم بها أهل السنة الخلص الذين حاربوا الغلو والحدادية ، تفضح تلاعبه ، ويزيده وضوحا أنه ما رأينا له ولا كتابة واحدة يبين فيها حقيقة القطبية والسرورية والحدادية وسائر الغلاة المبتدعة وشيوخهم ، حينها قام عساكر الإيمان وجنود السنة والقرآن ، وقد لبسوا للحرب لامته ، وأعدوا له عدته ، وأخذوا مصافهم ووقفوا مواقفهم ، وقد حمي الوطيس ، ودارت رحى الحرب وأشتد القتال ، التجأ هو ومن كان على شاكلته إلى الكهوف والمغارات ، ينتظر الدائرة لمن ، ليكون إليهم من المتحيزين ([6])، وكان كذلك .
بل أدهى من ذلك وأمر قد عرفتم ـ بارك الله فيكم وعفاكم من التمييع وأهله ـ أنه متعاطف ومتلطف معهم بخلاف ما هو عليه من شدته في معاملته لأهل السنة.
فإذا عرفنا هذه الحقيقة ، عرفنا أنه ما يريد بهذا الطعن والغمز إلا أهل السنة الذين أعملوا وامتثلوا النصوص الدالة والحاثة والآمرة بهجران أهل الفساد والفتن ، فهجروا ونبذوا صاحب كل بدعة وضلالة ممن قد عرف بالفتن والثورية في مجتمعه ، فهل بالله عليكم يلامون على هذا العمل السني الفاضل أم يبارك لهم عليه ؟!
ألا يعد صنيعهم هذا من المناقب الفاضلة والفضائل الجليلة التي يثنى على أهلها ، كما هو عليه عمل أهل السنة والحديث قاطبة من أنهم قد أشادوا ورفعوا وعظموا كل من عُرف بشدته على أهل البدع والأهواء ، ومن ذلك ما ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ في "جامع العلوم والحكم " (ص 2) عن نُعيمُ بنُ حماد المروزي أنه قال فيه : (( ... فإنَّ أئمةَ الحديث كانوا يُحسنون به الظنَّ ، لِصلابته في السُّنة ، وتشدُّده في الرَّدِّ على أهل الأهواء )) ا.هـ
وقال الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ في الإمام حماد بن سلمة : (( إذا رأيت من يغمزه، فاتهمه، فإنه كان شديدا على أهل البدع )) ([7] )
وجاء في ترجمة الإمام ابن منده رحمه الله من " السير " (18 / 352) : قال يحيى بن منده: (( كان عمي سيفا على أهل البدع، وهو أكبر من أن يثني عليه مثلي، كان - والله - آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر ))
وجاء أيضا في ترجمة الإمام أبي عبد الله محمد بن الفرج القرطبي المالكي ـ رحمه الله ـ من " السير "( 19 / 199) : قال القاضي عياض: (( كان صالحا، قوالا للحق، شديدا على المبتدعة ))
فإذا كان كذلك فما قيمة قولك هذا يا بن حنفية ، وأنت تصارع في أصول السنة وإجماعات أهلها المتمثلة في الهجر والتحذير من أهل الأهواء والبدع !!
رابعا : قوله : " والعجب أن بعضهم إنما يهجر من يحافظ على الصلوات في المساجد , أمّا غيرهم ممن لا يصلي أصلاً فهذا خير من هذا عنده "
هذا الكلام باطل من أوله إلى آخره وساقط بمرة ترده السنة وإجماع الأمة ، فما قيمة وفضل هؤلاء المصلين مع الذين هجرهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأيضا أين عبادة وصلاة وصيام وقراءة الخوارج الذين قاتلهم الصحابة رضي الله عنهم ([8] )، وأين عبادة وزهد وتقشف الصوفية الذين حذر منهم سلفنا الصالح ، بل لو أحدنا قلب صفحات كتب السير والتراجم والجرح والتعديل لوقف على عجيب ما كان عليه القوم من العبادة والتنسك ، ومع ذلك ما منع سلفنا أئمة الحديث والأثر من هجرهم والتحذير منهم لما هم عليه من البدعة .
وإلا فكلام بن حنفية هذا يسيء بالدرجة الأولى من حيث يشعر أو لا يشعر إلى الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، وينادي بأن الكتاب والسنة وأئمة الحديث نقلة الأخبار ورواة الآثار قد ظلموا ممن تكلموا فيهم ، ولكن الرجل أوتي من جهله وهواه ، فهو يهرف بما لا يعرف ، هذا وجه
الوجه الثاني : قد تقرر في الشريعة الإسلامية أن ضرر أهل البدع والأهواء على أهل الإسلام أشد وأعظم من خطر أهل الملل عليهم كما بينت ذلك سابقا .
قال الإمام الشوكاني رحمه الله ـ في " فتح القدير " ( 1 / 154 ) : (( اتباع أهوية المبتدعة تشبه اتباع أهوية أهل الكتاب ، كما يشبه الماء الماء ، والبيضة البيضة ، والتمرة التمرة ، وقد تكون مفسدة اتباع أهوية المبتدعة أشدّ على هذه الملة من مفسدة اتباع أهوية أهل الملل ، فإن المبتدعة ينتمون إلى الإسلام ، ويظهرون أنهم ينصرون الدين ، ويتبعون أحسنه ، وهم على العكس من ذلك ، والضدّ لما هنالك ، فلا يزالون ينقلون من يميل إلى أهويتهم من بدعة إلى بدعة ، ويدفعونه من شنعة إلى شنعة ، حتى يسلخوه من الدين ، ويخرجوه منه ، وهو يظنّ أنه منه في الصميم ، وأن الصراط الذي هو عليه هو الصراط المستقيم ، هذا إن كان في عداد المقصرين ، ومن جملة الجاهلين ، وإن كان من أهل العلم والفهم المميزين بين الحق ، والباطل كان في اتباعه لأهويتهم ممن أضله الله على علم ، وختم على قلبه ، وصار نقمة على عباد الله ، ومصيبة صبها الله على المقصرين؛ لأنهم يعتقدون أنه في علمه وفهمه لا يميل إلا إلى حق ، ولا يتبع إلا الصواب ، فيضلون بضلاله ، فيكون عليه إثمه ، وإثم من اقتدى به إلى يوم القيامة ، نسأل الله اللطف ، والسلامة ، والهداية )) ا.هـ
وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي في شأن الصوفية من كتابه " أضواء البيان " ( 4 / 546 ) : (( استعمارهم لأفكار ضعاف العقول أشد من استعمار كل طوائف المستعمرين )) ا.هـ
وهذا الضرر كما يعلم هو من جهة الفتنة بهم ، والتباس أمرهم على العامة لأنهم من أهل القبلة وليس الكلام في المفاضلة بينهما باعتبار العذاب الأخروي ، فلينتبه لهذا ([9] )
فإذا كان كذلك فلا داعي يا بن حنفية من التلبيس والتمويه والكذب على الأبرياء ، وإلا فأهل السنة والجماعة نزهاء من معتقد وضلال الخوارج والمعتزلة والحمد لله رب العالمين
خامسا : قوله " وكثيراً ما يكون المنطلق في الهجران خلاف في أمر فرعي عملي , من العسير إنهاء الخلاف فيه , لكن هؤلاء يريدون أن ينتهي الخلاف بفتوى عالم سمعوها "
هذا من الكذب الواضح والتمويه الفاضح قد كشفته كتاباتك الباطلة وتقريراتك الفاشلة التي تخالف نصوص الكتاب والسنة و تصادم إجماعات السلف الصالح وأصول منهجهم المبارك كما أوضحنا ذلك بما يكفي ويغني والله المستعان
سادسا : قوله : " لكن هؤلاء يريدون أن ينتهي الخلاف بفتوى عالم سمعوها , وفتوى العالم في بعض الحالات قد تكون غير ملزمة , وإنما يتبعها من اقتنع بها , وإلاّ لانتقلنا من تقليد وتعصب نحاربه إلى تعصب أنكى واخطر "
هذا من القواعد التي وضعها أبوالحسن المأربي ومشى عليها أهل التمييع من الحلبي وغيره لرد كلام علماء الحديث في الأشخاص الذين ظهر انحرافهم بالبدعة أو الحزبية ، فقد ـ ولله الحمد والمنة ـ تصدى لها علماء السنة والحديث في نقضها وكشف ضلالها ومنهم : أحمد بن يحيى النجمي ـ رحمه الله ـ ، وربيع المدخلي وعبيد الجابري ([10] ) ومحمد الوصابي ([11] ) ومحمد بازمول ([12]) ومحمد بن عبدالله الإمام ([13] ) وعبدالعزيز البرعي ([14] ) ، وقد أحسن وأبدع وكفى وشفى الشيخ الفاضل أحمد بازمول ـ حفظه الله ـ في كشف هذه الضلالة في كتابه الماتع النافع " صيانة السلفي من وسوسة وتلبيسات الحلبي " ، جزاه الله خيرا على ما قام به من خدمة السنة وأهلها في هذا الكتاب ، فليرجع إليه للوقوف على حقيقة هذه الضلالة الشنيعة والبدعة الفظيعة ، إلا أنه لا أبخل على إخواني القراء من نقل بعض ما جاء عنهم في الدحض هذه البدعة
يقول العلامة الأصولي محمد بازمول ـ حفظه الله ـ في رسالته " عبارات موهمة "
: (( ومن العبارات الموهمة : قول بعضهم: "أنا غير ملزم بتقليد هذا الشيخ أو ذاك".
هذه العبارة يطلقها بعض الناس زاعماً أن هذا منهج السلف، والحقيقة أن إطلاق هذه العبارة فيه نظر من جهات:
أولاً : محل هذه العبارة حينما يظهر في مسألة دليل يلزم المصير إليه، فهنا لا عبرة بأحد كائناً من كان إذا خالف كلامه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الثابت عنه، إذ كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثانياً : استعمال هذه العبارة في المسائل الاجتهادية من طالب العلم، ليرد بها كلام العلماء الذين هم أكبر منه وأسن منه وأعلم وأتقى منه خلاف سنة السلف الصالح رضوان الله عليهم، حيث كان الواحد منهم في مثل هذه المسائل يترك قوله لقول من هو أعلم منه، و ما كان يقول: أنا لست ملزماً بقول الشيخ.
ثالثاً : المسلم الأصل فيه أن يتهم نفسه؛ خاصة إذا كان في محل يخالف فيه ما قرره من هو أعلم منه، فإن عليه أن لا يستبد بالرأي. كيف إذا كان المقام أصلاً مقام خبر يلزمه اتباعه ولا يسوغ له مخالفته؟ بل حتى في مسائل الاجتهاد فإن من سنة الصحابة رضوان الله عليهم أن أحدهم كان يترك قوله لقول من هو أعلم منه.
رابعاً : إجلال العلماء سنة. وهذه العبارة تخالف إجلال العلماء، نعم إذا ظهر في المسألة دليل يلزم المصير إليه، والأخذ به، فإنه لا عبرة بقول أحد مع الدليل كائنا من كان، إذ كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحال هنا أن بعض الناس يقول هذه العبارة في مقام لم يظهر فيه الدليل على خلاف العالم، أليس الحق هنا أن يرى للعلماء فضلهم وأنهم أهدى وأعلم وأورع وأتقى، ويتهم نفسه أمام قولهم ويحذر من خلافهم؟! اللهم غفراً.
خامساً : التقليد ليس بمحرم على الإطلاق، فإن العامي ومن في حكمه ـ من المتبع إذا لم يتيسر له معرفة الدليل والمجتهد إذا لم يتيسر له الاجتهاد والنظر في الدليل ـ عليه أن يقلد، وهذا هو الواجب في حقه. وقد جاء عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في المسألة التي لا يعرف دليلها أنه كان يأخذ فيها بقول الشافعي رحمه الله. والعبارة بإطلاقها قد توهم أن المسلم ليس له أن يقلد، وهذا خلاف ما قرره أهل العلم في ذلك.
سادساً : هناك فرق بين الإتباع والتقليد، فالإتباع أخذ بقول ظهر لك دليله، والتقليد أخذ بقول وتقلده كالقلادة في العنق تنقاد له بدون دليل. والذي يُمنع لمن تأهل وقدر على الأخذ بالدليل هو التقليد، أمّا الإتباع وهو أخذ قول العالم بدليله الذي ظهر لك لا يمنع منه، بل هذا اللازم لمن قدر عليه ولم يقدر على ما هو أكثر منه.
سابعاً : ينبغي التفريق بين مقام الأخذ باجتهاد المجتهد في مسألة اجتهادية، وبين إتباع العالم فيما أخبر به، فإن اتباعه والحال هذه من باب قبول خبر الثقة، وهو واجب، إلا أن يظهر خطؤه، فلا يقال في هذا المقام: "لست ملزما بقول هذا العالم" أو "لا أقبل كلامه في فلان حتى أقف عليه بنفسي"، هذا كله استعمال لهذه العبارة في غير محلها. فالرجل المعروف لديك إذا جاء جرحه المفسر من عالم ثقة الأصل أن تتبع كلام هذا العالم و لا تقول: أنا أعرفه فلا آخذ بهذا الجرح المفسر حتى أقف عليه بنفسي. هذا لا يقال وهو خروج عن طريق السلف في ذلك. نعم الجرح المجمل في حق من ثبتت عدالته لا يقبل. والجرح مقدم على التعديل إلا أن يذكر المعدل سبب الجرح ويرده. )) ا.هـ
سابعا : قوله : " والذي أعلمه أن الأصل في المؤمن أن لا يقاطع , والهجر إنما هو كالترخيص "
هذا الكلام فيه من التلبيس والإيهام والتلاعب ما فيه ، وهيهات ثم هيهات أن تنطوي حقيقته على أهل السنة ، وإذا كان الأمر كذلك فأقول مستعينا بالله في تشريح وبيان عور خباياه :
نعم قد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة والآثار السلفية الحاثة والداعية إلى الاجتماع والتآلف والأخوة والمحبة والمودة والتعاون بين أهل الإسلام على الطاعات والقربات ما يحقق ويكمل لهم هذه العبادات ، والناهية عن الاختلاف والافتراق والتدابر والتقاطع والبغضاء والحسد والحقد والحيل والغش وجميع الخلال التي تكون سببا في تمزيق وحدة الأمة وإضعاف قواها وتسلط الأعداء عليها وتعطيل تلك العبادات، و عد هذا من المطالب الجليلة والمصالح العظيمة التي جاءت الشريعة الإسلامية ببيانه وتحقيقه وتكميله ، ورتبت على من سعى في إفساده وتخريبه وتعطيل الطرق الموصلة إلى تحقيقه وتكميله من الوعيد الشديد والعقوبات الكبيرة ما يردع ويزجر أهلها كما هو منصوص في مظانه ، ومن هنا شرع العقوبة والهجر والتحذير من أهل البدع والأهواء ، لأنه ليس أضر على التحقيق هذه المصالح وتكميلها مثل مضرة البدع المحدثة وأهلها على الأمة الإسلامية ، كما برهن على ذلك التاريخ والواقع المشاهد ، فإذا كان كذلك فأي قيمة وكرامة لهذا المبتدع المجرم الضال بين أهل الإسلام وإن صلى وصام وتظاهر بما تظاهر به من العبادات ، وهو يفتك بأصول السنة تخريبا وإفسادا وتشغيبا ، ويسعي في تمزيق الأمة الإسلامية وتفريق جماعتها !!!
جاء عن الإمام مالك ـ رحمه الله ـ في " المدونة " (1 / 530) أنه قال في الإباضية والحرورية وأهل الأهواء كلهم : (( أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا ))
و قال في القدرية والإباضية: (( لا يصلى على موتاهم ولا تشهد جنائزهم ولا تعاد مرضاهم، فإذا قتلوا فأحرى أن لا يصلى عليهم. ))
وقال الإمام أبوعبدالله ابن أبي زمنين ـ رحمه الله ـ في " أصول السنة " ( 208 ) : (( أخبرني إسحاق عن ابن لبابة عن العتبي عن عيسى عن ابن القاسم أنه قال في أهل الأهواء مثل القدرية والإباضية وما أشبههم من أهل الإسلام ممن هو على غير ما عليه جماعة المسلمين من البدع والتحريف بكتاب الله وتأويله على غير تأويله ، فإن أولئك يستتابون أظهروا ذلك أم أسروه فإن تابوا وإلا ضربت رقابهم لتحريف كتاب الله وخلافهم جماعة المسلمين والتابعين لرسول الله ولأصحابه وبهذا عملت أئمة الهدى .
وقد قال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله : الرأي فيهم أن يستتابوا فإن تابوا وإلا عرضوا على السيف وضربت رقابهم ومن قتل منهم على ذلك فميراثه لورثته لأنهم مسلمون إلا أنهم قتلوا لرأيهم رأي السوء )) ا.هـ
وقال الإمام عبدالله بن أحمد بن حنبل : (( سألت أبي عن رجل ابتدع بدعة يدعو إليها وله دعاة عليها هل ترى أن يحبس ؟، قال : نعم أرى أن يحبس وتكف بدعته عن المسلمين )) ([15])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في "مجموع الفتاوى " (28 / 205 ـ 206) : (( وَالتَّعْزِيرُ يَكُونُ لِمَنْ ظَهَرَ مِنْهُ تَرْكُ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلُ الْمُحَرَّمَاتِ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالتَّظَاهُرِ بِالْمَظَالِمِ وَالْفَوَاحِشِ وَالدَّاعِي إلَى الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ الَّتِي ظَهَرَ أَنَّهَا بِدَعٌ . وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ : إنَّ الدُّعَاةَ إلَى الْبِدَعِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُمْ وَلَا يُؤْخَذُ عَنْهُمْ الْعِلْمُ وَلَا يُنَاكَحُونَ . فَهَذِهِ عُقُوبَةٌ لَهُمْ حَتَّى يَنْتَهُوا ؛ وَلِهَذَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرِ الدَّاعِيَةِ ؛ لِأَنَّ الدَّاعِيَةَ أَظْهَرَ الْمُنْكَرَاتِ فَاسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ بِخِلَافِ الْكَاتِمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَرًّا مِنْ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ عَلَانِيَتَهُمْ وَيَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إلَى اللَّهِ مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ . وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : { أَنَّ الْمَعْصِيَةَ إذَا خَفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إلَّا صَاحِبَهَا وَلَكِنْ إذَا أُعْلِنَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ضَرَّتْ الْعَامَّةَ } وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابِ مِنْهُ } . فَالْمُنْكَرَاتُ الظَّاهِرَةُ يَجِبُ إنْكَارُهَا ؛ بِخِلَافِ الْبَاطِنَةِ فَإِنَّ عُقُوبَتَهَا عَلَى صَاحِبِهَا خَاصَّةً .)) ا.هـ
وقال الإمام أبوالفرج ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ في "جامع العلوم والحكم "(ص : 139)
عند شرحه لحديث عبدِ الله بن مَسعودٍ رضي الله عنه قالَ : قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلاَّ بِإحْدَى ثَلاثٍ : الثَّيِّبُ الزَّانِي ، والنَّفسُ بالنَّفسِ ، والتَّارِكُ لِدينِهِ المُفارِقُ لِلجماعَةِ )) . رواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ
قال : ((ومِنْ هذا الباب ما قاله كثيرٌ من العلماء في قتل الدَّاعية إلى البدع ، فإنَّهم نظروا إلى أنَّ ذلك شبيهٌ بالخروج عَنِ الدِّين ، وهو ذريعةٌ ووسيلة إليه ، فإن استخفى بذلك ولم يَدْعُ غيرَه ، كان حُكمُه حكمَ المنافقين إذا استخفَوا ، وإذا دعا إلى ذلك ، تَغَلَّظ جرمُه بإفساد دين الأمة ، وقد صحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الأمر بقتال الخوارج وقتلهم .... فيستدلَّ بهذا على قتل المبتدع إذا كان قتله يكف شرَّه عن المسلمين ، ويحسم مادة الفتن ، وقد حكى ابنُ عبد البر وغيرُه عن مذهبِ مالكٍ جوازَ قتل الدَّاعي إلى البدعة .)) ا.هـ
قلت : إن شاء الله بهذا العرض للآثار السنية وتقريرات أئمة الدعوة السلفية ما يكفي ويغني في نسف أباطيل بن حنفية المميعة الخلفية التي أراد أن يدافع ويحامي بها عن أهل البدع والأهواء ، ويصارع بها النصوص الدالة والمقررة على تعزير وعقوبة أهل الفساد والإجرام والفتن والمعاصي .
ثامنا : قوله : " وهذا الهجران كما هو معلوم , وإن صدر ممن يستساغ منه , لانزجار المهجور به , كالشيخ لتلميذه , والأب لابنه , والزوج لزوجته , وذي المكانة الشرعية والاجتماعية لغيره ... فهجران المسلم أخاه منوط بالمصلحة الدينية التي تعود على المهجور أو الهاجر , أو غيرهما , وبعض هذه الأقسام داخلة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "
لقد أبان وأشبع شيخنا القدوة المحقق عبدالله بن عبدالرحيم البخاري ـ حفظه الله ـ في تعليقاته " التعليقات الصريحة على رسالة النصيحة للدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي " ( الحلقة الثانية ) ، في كشف هذا الخلط والمغمغة والتداخل الذي عليه كلام هذا الرجل ، وكل من رجف بأراجيفه ، فقد كفى وشفى من نور الله قلبه باحترام الحق ونصائح أهله ، لله دره .
فلأهميتها ، وقوة بيانها وغزارة مادتها وصفاء منهجها الأثري السلفي ، ساح قلمي في صفحاتها يقتطف من ثمارها اليانعة ونقولاتها الجامعة ما يدحض بها ألاعيب بن حنفية الشنيعة ومنهجيته المميعة ، فمعنا يا أيها القراء الكرام مع المادة الماتعة والإرشادات النافعة :
ما شُرع هجر أهل الفساد والفتن والأهواء في الشريعة الإسلامية إلا لتحقيق مقاصد جليلة ومصالح عظيمة فوق وأسمى ما عليه ركاكة تخليطات بن حنفية وتلبيساته الفاحشة والتي منها كما بينها الشيخ :
المقصد الأول : تحقيق العبودية لله عز وجل ، ذلك أن الهجر لله عبادة وحق لله تعالى ، فالقيام به قيام بأمر شرعي يجب فيه ما يجب في بقية الأمور الشرعية ، أن تكون لله خالصة ووفق هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى " (28 / 207) : ((.. فَالْهِجْرَةُ الشَّرْعِيَّةُ هِيَ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا وَرَسُولُهُ . فَالطَّاعَةُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً لِلَّهِ وَأَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِأَمْرِهِ فَتَكُونُ خَالِصَةً لِلَّهِ صَوَابًا . فَمَنْ هَجَرَ لِهَوَى نَفْسِهِ أَوْ هَجَرَ هَجْرًا غَيْرَ مَأْمُورٍ بِهِ : كَانَ خَارِجًا عَنْ هَذَا . وَمَا أَكْثَرَ مَا تَفْعَلُ النُّفُوسُ مَا تَهْوَاهُ ظَانَّةً أَنَّهَا تَفْعَلُهُ طَاعَةً لِلَّهِ .... فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْهَجْرِ لِحَقِّ اللَّهِ وَبَيْنَ الْهَجْرِ لِحَقِّ نَفْسِهِ . )) ا.هـ
المقصد الثاني : تحقيق عقيدة الولاء والبراء والحب في الله والبغض في الله ، لأن المؤمن مأمور بذلك ومن تحقيق هذا الأصل العظيم : البراءة من البدعة والمبتدعة ، فأوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ، ونصوص الوحيين تدل على وجوب تحقيق هذا الاعتقاد ، وهذا الذي فهمه سلف الأمة الصالح فنصوا عليه وطبقوه عمليا ومما يدل على هذا المقصد قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }[ المائدة : 57 ]
قال العلامة الشوكاني في" فتح القدير " (2 / 54) : (( هذا النهي عن موالاة المتخذين للدين هزواً ولعباً يعم كل من حصل منه ذلك من المشركين ، وأهل الكتاب وأهل البدع المنتمين إلى الإسلام ، والبيان بقوله : { مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } إلى آخره لا ينافي دخول غيرهم تحت النهي إذا وجدت فيه العلة المذكورة التي هي الباعثة على النهي ))
المقصد الثالث : القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأن المبتدع مفتات على الشريعة المحمدية فوجب إنكار هذا المنكر إعلاء لكلمة الله لأنه من أعظم الجهاد في سبيل الله
قال الإمام ابن القيم في " الصواعق المرسلة –" (1 / 301 ـ 302 ) : (( فكشف عورات هؤلاء وبيان فضائحهم وفساد قواعدهم من أفضل الجهاد في سبيل الله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت : " إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن رسوله وقال أهجهم أو هاجهم وجبريل معك " ، وقال : " اللهم أيده بروح القدس ما دام ينافح عن رسولك " ، وقال عن هجائه لهم : " والذي نفسي بيده لهو أشد فيهم من النبل " ، وكيف لا يكون بيان ذلك من الجهاد في سبيل الله وأكثر هذه التأويلات المخالفة للسلف الصالح من الصحابة والتابعين وأهل الحديث قاطبة وأئمه الإسلام الذين لهم في الأمة لسان صدق يتضمن من عبث المتكلم بالنصوص وسوء الظن بها من جنس ما تضمنه طعن الذين يلمزون الرسول ودينه وأهل النفاق والإلحاد لما فيه من دعوى أن ظاهر كلامه إفك ومحال وكفر وضلال وتشبيه وتمثيل أو تخييل ثم صرفها إلى معان يعلم أن إرادتها بتلك الألفاظ من نوع الأحاجي والألغاز لا يصدر ممن قصده نصح وبيان فالمدافعة عن كلام الله ورسوله والذب عنه من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله وأنفعها للعبد ))
المقصد الرابع : النصح للأمة عامة ، لأن المبتدع فاسد مفسد فيجب الحذر منه ومن بدعته ومنع انتشارها وأن يحمى العامة عن الوقوع فيها ، إذ من المسلمات أن الدين النصيحة كما جاء به الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ( الصحيح ) ـ ( 1 / رقم 55 ـ ط عبدالباقي ) وغيره .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في " مجموع الفتاوى "( 15 / 286 ـ 287) : (( وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُعْلِنِ بِالْبِدَعِ وَالْفُجُورِ غَيْبَةٌ كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَعْلَنَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ عُقُوبَةَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ وَأَدْنَى ذَلِكَ أَنْ يُذَمَّ عَلَيْهِ لِيَنْزَجِرَ وَيَكُفَّ النَّاسُ عَنْهُ وَعَنْ مُخَالَطَتِهِ وَلَوْ لَمْ يُذَمَّ وَيُذْكَرْ بِمَا فِيهِ مِنْ الْفُجُورِ وَالْمَعْصِيَةِ أَوْ الْبِدْعَةِ لَاغْتَرَّ بِهِ النَّاسُ وَرُبَّمَا حَمَلَ بَعْضَهُمْ عَلَى أَنْ يَرْتَكِبَ مَا هُوَ عَلَيْهِ وَيَزْدَادَ أَيْضًا هُوَ جُرْأَةً وَفُجُورًا وَمَعَاصِيَ فَإِذَا ذُكِرَ بِمَا فِيهِ انْكَفَّ وَانْكَفَّ غَيْرُهُ عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ صُحْبَتِهِ وَمُخَالَطَتِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : { أَتَرْغَبُونَ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ اُذْكُرُوهُ بِمَا فِيهِ كَيْ يَحْذَرُهُ النَّاسُ } وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا .
و " الْفُجُورُ " اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مُتَجَاهِرٍ بِمَعْصِيَةِ أَوْ كَلَامٍ قَبِيحٍ يَدُلُّ السَّامِعَ لَهُ عَلَى فُجُورِ قَلْبِ قَائِلِهِ . وَلِهَذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْهَجْرِ إذَا أَعْلَنَ بِدْعَةً أَوْ مَعْصِيَةً أَوْ فُجُورًا أَوْ تَهَتُّكًا أَوْ مُخَالَطَةً لِمَنْ هَذَا حَالُهُ بِحَيْثُ لَا يُبَالِي بِطَعْنِ النَّاسِ عَلَيْهِ فَإِنَّ هَجْرَهُ نَوْعُ تَعْزِيرٍ لَهُ فَإِذَا أَعْلَنَ السَّيِّئَات أُعِلْنَ هَجْرُهُ وَإِذَا أَسَرَّ أُسِرَّ هَجْرُهُ إذْ الْهِجْرَةُ هِيَ الْهِجْرَةُ عَلَى السَّيِّئَاتِ وَهِجْرَةُ السَّيِّئَاتِ هِجْرَةُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } [ المدثر : 5 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا } وَقَالَ : { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذًا مِثْلُهُمْ } [ النساء : 140 ] ))
وقال أيضا في "مجموع الفتاوى " (28 / 231 ـ 232) : (( وَمِثْلُ أَئِمَّةِ الْبِدَعِ مِنْ أَهْلِ الْمَقَالَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ الْعِبَادَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ فَإِنَّ بَيَانَ حَالِهِمْ وَتَحْذِيرَ الْأُمَّةِ مِنْهُمْ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَعْتَكِفُ أَحَبُّ إلَيْك أَوْ يَتَكَلَّمُ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ ؟ فَقَالَ : إذَا قَامَ وَصَلَّى وَاعْتَكَفَ فَإِنَّمَا هُوَ لِنَفْسِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ فَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ هَذَا أَفْضَلُ . فَبَيَّنَ أَنَّ نَفْعَ هَذَا عَامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؛ إذْ تَطْهِيرُ سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينِهِ وَمِنْهَاجِهِ وَشِرْعَتِهِ وَدَفْعِ بَغْيِ هَؤُلَاءِ وَعُدْوَانِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْلَا مَنْ يُقِيمُهُ اللَّهُ لِدَفْعِ ضَرَرِ هَؤُلَاءِ لَفَسَدَ الدِّينُ وَكَانَ فَسَادُهُ أَعْظَمَ مِنْ فَسَادِ اسْتِيلَاءِ الْعَدُوِّ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إذَا اسْتَوْلَوْا لَمْ يُفْسِدُوا الْقُلُوبَ وَمَا فِيهَا مِنْ الدِّينِ إلَّا تَبَعًا وَأَمَّا أُولَئِكَ فَهُمْ يُفْسِدُونَ الْقُلُوبَ ابْتِدَاءً .)) ا.هـ
قلت ( بن سلة ) : ثم بيّن ونبه الشيخ ـ حفظه الله ـ في " الحلقة الثالثة " من هذه التعليقات العلمية أن الهجر ليس منوطا ومنحصرا إلا في تحقيق المصلحة الخاصة ، بل راعى أيضا تحقيق المصلحة العامة .
قال ـ حفظه الله ـ في ( ص3 ) : سبق بيان جملة من المقاصد الشرعية للهجر والتي منها : تحقيق العبودية لله وأداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحقيق الولاء والبراء والحب في الله والبغض فيه وما يتبع هذه المقاصد من تحجيم المبتدع وبدعته وحماية المجتمع منه ومنها وحماية الشريعة من أن يدخل فيها ما ليس منها باسم الدين وهذه تشمل الهجر التأديبي ( التعزيري ) .
بناء على ما تقدم يمكن القول : إن الهجر التعزيري الذي خرج على وجه العقوبة شرع للمصلحة وهذه المصلحة على قسمين : مصلحة عامة ، ومصلحة خاصة .
فالأولى مشروعة لتحقيق جملة من المقاصد الشرعية المذكورة في موطنها مما سبق ...
والثانية مشروعة لتحقيق ... حصول انتفاع المخالف بالهجر أو... أنه يشرع للمرء أن يهجر كل من يتضرر بمجالسته ومخالطته .
بناء على ما سبق ، فالمطلوب هو السعي في تحقيق المصلحتين ما أمكن وذلك هو الفوز الكبير ، لكن إن لم يكن الأمر كذلك بأن تعارضتا؟ فالمتوافق مع قواعد الشريعة الغراء تقديم المصلحة العامة على الخاصة ، وفي ذلك تحقيق للمصلحة الدينية .
وبالنظر في كلام أهل العلم يتبين عنايتهم التامة بتحقيق المصلحة العامة ، مع مراعاتهم للمصلحة الخاصة المختصة بانتفاع المهجور ، لكن لا يثربون على من هجر شخصا مخالفا ولو لم يظهر انتفاع المهجور من عدمه !! ، وهذا منهم ليس من باب ( الهجر الوقائي ) مما قد يراد أو يظن ، وإنما هو من باب تحقيق المصلحة العامة ، والتي في تحقيقها تحقيق للمقاصد الشرعية من الهجر كلها أو بعضها فمن ذلك :
قال الإمام ابن عبدالبر في " التمهيد " (4 / 70) : (( مالك، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال له أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل .
فقال له معاوية ما أرى بهذا بأسا فقال أبو الدرداء من يعذرني من معاوية ؟ أنا أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه لا أساكنك أرضا أنت بها ثم قدم أبو الدرداء على عمر فذكر ذلك له فكتب عمر إلى معاوية أن لا يبيع ذلك إلا مثلا بمثل وزنا بوزن. ))
ثم أسند ابن عبدالبر (4 / 85 ـ 86 ) أثرا عن عبادة رضي الله عنه أنه أنكر على معاوية شيئا فقال : (( لا أساكنك بأرض أنت بها ورحل إلى المدينة فقال له عمر ما أقدمك ؟ فأخبره فقال : ارجع إلى مكانك فقبح الله أرضا لست فيها ولا أمثالك وكتب إلى معاوية لا إمارة لك عليه.))
الشاهد من هذين الأثرين قول كل من الصحابيين رضي الله عنهما لمعاوية : (( لا أساكنك بأرض أنت بها ))
فلم ينظرا إلى انتفاع معاوية رضي الله عنه من عدمه ، وإنما نظرا إلى المصلحة العامة وسيأتي ما يدل على هذا من كلام الحافظ ابن عبدالبر حول القصة بحول الله .
وقال في " التمهيد " ( 4 / 87) : (( وجائز للمرء أن يهجر من لم يسمع منه ولم يطعه ، وليس هذا من الهجرة المكروهة ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن لا يكلموا كعب بن مالك حين أحدث في تخلفه عن تبوك ، وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع وهجرته وقطع الكلام معه. ))
قلت ( الشيخ عبدالله ) : وكلام الأئمة ظاهر جدا فيما تقدم تقريره من أن نظرتهم إلى المصلحة العامة ، والخاصة تبع إن تحققت فبها ونعمت ، وإن لم تتحقق بعدم انتفاع المهجور فالأصل باق يعمل به ، وهو مشروع شرعا .
قلت : ( بن سلة ) : ومما بينه أيضا أن هجر المخالف لا يشترط له قوة الهاجر من حيث مكانته ومنزلته وكونه أحد الولاة ( الأمراء والعلماء ) ، بل يقع حتى ممن لم يكن قويا ، ولو لم يخف على نفسه الضرر ، وإنما تحقيقا للمقاصد السابق ذكرها إما جميعها أو أحدها .
قال ـ حفظه الله ـ في ( ص 17 ) : والذي يظهر : أن قوة الهاجر من حيث مكانته ومنزلته وكونه أحد الولاة ( الأمراء والعلماء ) ، مما يزيد في ردع المهجور كما هو مستفاد من قصة الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامهم وغير ذلك مما جاء مفصلا في قصتهم كما في ( صحيح البخاري ) ( كتاب المغازي / باب حديث كعب بن مالك ) ( 8 / رقم 4418) ، و( صحيح مسلم ) ( كتاب التوبة / باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه ) ( 4 / رقم 2769 ) ، وينظر فوائد القصة في ( زاد المعاد ) للإمام ابن القيم ( 3 / 575 و 578 ) .
لكن ليس ذلك ضابطا إن تخلف لم يحصل المقصود وبالتالي لم يشرع الهجر !!
وهنا أنبه على أمر مهم غفل عنه الدكتور فوقع منه ما وقع ، ألا وهو :
عدم تفرقته بين ( دعوة العامة للهجر ) وبين ( إيقاع الهجر ) ، فالأمر الأول لابد أن يصدر من
( إمام عالم أو سلطان مطاع ) ، و أما الأمر الثاني فلا يشترط إيقاعه من قوي مؤثرـ كما سيأتي بيانه بحول الله في الوقفة الثالثة ـ .
وهذا الأمر ظاهر بين لمن تأمل قول كعب رضي الله عنه في قصة تخلفه ـ كما في البخاري ـ :
((... وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلاَمِنَا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ
عَنْهُ ، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا ... ـ وفيه أيضا ـ حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ إِذَا
رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْتِينِى فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ فَقُلْتُ أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ قَالَ لاَ بَلِ اعْتَزِلْهَا وَلاَ تَقْرَبْهَا . وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَىَّ
مِثْلَ ذَلِكَ ... )) الحديث
فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو الإمام المطاع هجر ، وأمر الصحابة رضي الله عنهم بالهجر ، فاستجابوا له وأوقعوه رضي الله عن الجميع .
الوقفة الثالثة :
المتأمل في كلام المحققين من أهل العلم يظهر له عدم اشتراط هذا الضابط لإيقاع الهجر ، فيشرع هجر المخالف ( تأديبا وتبكيتا ) حتى ممن لم يكن قويا ، ولو لم يخف على نفسه الضرر ، وإنما تحقيقا للمقاصد السابق ذكرها إما جميعها أو أحدها ، فمن الأمثلة والأدلة على ذلك :
ما سبق من قول أبي الدرداء وعبادة لمعاوية ـ رضي الله عن الجميع ـ : (( لا أساكنك بأرض أنت
بها ))
قال الإمام ابن عبد البر مستنبطا : ((قول عبادة: "لا أساكنك بأرض أنت بها " وقول أبي الدرداء على ما في حديث زيد بن أسلم يحتمل أن يكون القائل ذلك قد خاف على نفسه الفتنة لبقائه بأرض ينفذ فيها في العلم قول خلاف الحق عنده وربما كان ذلك منه أنفة لمجاورة من رد عليه سنة علمها من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه وقد تضيق صدور العلماء عند مثل هذا وهو عندهم عظيم رد السنن بالرأي.
وجائز للمرء أن يهجر من خاف الضلال عليه ولم يسمع منه ولم يطعه وخاف أن يضل غيره وليس هذا من الهجرة المكروهة ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن لا يكلموا كعب بن مالك حين أحدث في تخلفه عن تبوك ما أحدث حتى تاب الله عليه وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع وهجرته وقطع الكلام معه.
وقد حلف ابن مسعود أن لا يكلم رجلا رآه يضحك في جنازة ... ) ثم أسند الأثر
قلت ( الشيخ ) : فأين مراعاة هذا الأصل الذي ذكره الدكتور في معاملة أبي الدرداء وعبادة لمعاوية رضي الله عن الجميع ؟ وتأمل استنباط الحافظ ابن عبدالبر رحمه الله !
مع العلم بأن معاوية رضي الله عنه هو القوي لأنه كان أميرا عليهما ومع هذا أوقعا الهجر ! فتأمل .([16])
هذا ما استدعاه مقامي ومطلبي من نقله واختصاره من كلام الشيخ إلى هذا الجزء المبارك المتضمن لبيان وتوضيح غمغمة بن حنفية لهذه المسألة المهمة ، التي أخفى تفاصيلها وحقائقها على الأمة ، ولا مؤاخذة يا أيها القراء على ما تركته من النقولات الأثرية الكبيرة الكثيرة التي أشبع بها الشيخ بيانا وتوضيحا لهذه المطالب الجليلة والمقاصد النبيلة ، وما ذاك إلا لأن نفسي وإياكم تتوق وهي أحوج من أن ترجع إلى الأصل والمنبع المأخوذ منه أصالة فتستفيد منه أكثر فأكثر .
تاسعا : قوله : "ومن هنا فإن مسألة الهجران هذه من المسائل التي تختلف فيها الأنظار , لأنها من جملة ما يختلف حكمه بحسب الزمان والمكان والأحوال والأشخاص "
هجر أهل البدع والأهواء ليس من موارد النزاع التي تختلف فيها الأنظار، لما قد انعقد إجماع سلف الأمة على ذلك ، ولكن بن حنفية يسفسط ويشكك في أصل لا نزاع فيه بين سلف الأمة ، ليصرف ذهن الشباب عن مواطن الاتفاق ويختلق لها النزاع ليوقعهم في الضياع .
قال الشيخ الفاضل خالد الظفيري ـ حفظه الله ـ في كتابه الجامع " إجماع العلماء على الهجر والتحذير من أهل الأهواء " ( 30 ) : (( والآثار عن السلف في معاملة أهل البدع والتحذير من البدع وأهلها كثيرة جدا ، فالسلف ـ رحمهم الله ـ على هذا مجمعون متفقون في كل الأعصار والأمصار ، وقد نقل هذا الإجماع عدد من أهل العلم )) ا.هـ وذكرهم جزاه الله خيرا فليرجع إلى الأصل للوقوف على هذه الحقيقة العلمية المحكمة التي يشغب حولها بن حنفية وغيره من المميعة من الحلبي وأشكاله .
قال الشيخ المفضال أحمد بن عمر بازمول ـ حفظه الله ـ في "صيانة السلفي من وسوسة وتلبيسات الحلبي " (الحلقة السابعة عشرة) : (( إن النصوص الشرعية عامة وواضحة وظاهرة في هجر أهل البدع والتحذير منهم، دون استثناء زمان أو ربطها بمصلحة كما يدعيه الحلبي ([17] ) فزعمه أن ذلك بسبب تغير الزمان والنظر في المصالح يعتبر تحكماً وتدخلاً في النصوص الشرعية . بل حكى الإجماع جماعة من أهل العلم كالصابوني والبغوي على هجر أهل البدع والأهواء ...
قال الشيخ العلامة أحمد بن يحيى النجمي رحمه الله تعالى كما في " الفتاوى الجلية " (2/52 : رقم17) في المبتدعة بدع مفسقة : ( هؤلاء ينظر في المصلحة بين كونِهم يهجرون أو لا يهجرون، ولاشك أنَّ الهجر أولى، ولو كان الهجر بعدم الانبساط إليهم، والكلام معهم وهو ما يسمَّى بالهجر الجميل؛ هذا الذي يظهر لي في هذه المسألة.
وأهل العلم يرجحون بين المصالح والمفاسد المترتبة على الهجر وعدمه، فإذا كانت المصالح المترتبة على عدم الهجر أحسن بحيث يتمكن من الدعوة لهم، والنصيحة وبيان المساوئ لما هم عليه من العقيدة الباطلة، وكل هذا بشرط أن يأمن الانخداع بِهم، فإن لَم يأمن الانخداع بِهم وجب عليه أن يهجرهم، ويبتعد عنهم، ومعنى الانخداع بأن تنطلي عليك بعض أفكارهم فتستحسنها وهي قبيحة، وتبيحها وهي محرمة، وبالله التوفيق . ) ا.هـ
وقال الشيخ صالح الفوزان في "ظاهرة التبديع والتفسيق " (74) : ( كون عنده شيء من الحق، فهذا لا يبرر الثناء عليه أكثر من المصلحة، ومعلوم أن قاعدة الدين " إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، وفي معاداة المبتدع درء مفسدة عن الأمة ترجح على ما عنده من المصلحة المزعومة إن كانت ولو أخذنا بهذا المبدأ لم يضلل أحد، ولم يبدع أحد؛ لأنه ما من مبتدع إلا وعنده شيء من الحق، وعنده شيء من الالتزام ) ا.هـ
وسئل الشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله تعالى في " رد شبهات المائعين والذب عن السلفيين " (رقم7) : هل هجر أهل البدع والتضييق عليهم وعدم مخالطتهم بإطلاق كما نقل السلف ودوّن الأئمة في كتبهم ؟ أم هو على التفصيل وينظر كل شخص إلى المصلحة والمفسدة وكل يرجع إلى عقله مما يؤدي إلى التمييع؟
فأجاب الشيخ ـ حفظه الله تعالى ـ : ( لقد قال شيخ الإسلام رحمه الله ينظر إلى المصلحة فيها، والسلف ما قالوا هذا وشيخ الإسلام جزاه الله خيراً قال هذا وهو اجتهاد منه فإذا أخذنا بقوله، فمن هو الذي يميز المصالح من المفاسد ؟ فهل الشباب وصلوا إلى هذا المستوى ؟
الشباب إذا راعى المصلحة فليبدأ بمراعاة مصلحة نفسه وليحافظ على ما عنده من الخير ويتبع منهج السلف ولا يعرض عقيدته ومنهجه للضياع كما حصل لكثير من الشباب الذين تلاعب بهم الإخوان المسلمون والقطبيون وأهل البدع وقالوا نراعي المصالح والمفاسد ثم كل هذه الأمور تهدر ولا يوجد عندهم مراعاة المصالح والمفاسد، وعلى رأس المصالح التي يجب مراعاتها المحافظة على الشباب من أن يتخطفهم أهل البدع بشبهاتهم. فالشاب الناشئ عليه أن لا يخالط أهل البدع وأن يحافظ على عقيدته والعالم الناصح له أن يدعو هؤلاء وأن ينصحهم وأن يبين لهم الحق ويقيم عليهم الحجة ليرجعوا إلى دين الله الحق، وأما الجاهل الذي قد يتعرض للضياع فيقذفون بالشبهة عليه فيتغير قلبه ويزيغ ثم يرتمي في أحضانهم وقد عرفنا هذا من كثير وكثير ممن كانوا مساكين بادئين بالسير في طريق السلف فاعترضهم هؤلاء بشباكهم فاجتاحوهم واجتالوهم عن منهج السلف الصالح والعاقل من اعتبر بغيره فلنأخذ عبرة من هؤلاء .) ا.هـ
وسئل أيضا (رقم8) : يا شيخ إذا الواجب علينا أن نعمل بقول السلف وليس بقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله خاصة في زماننا هذا الذي صار فيه الجلوس لأهل البدع شعاراً للعلم والله المستعان ؟
فأجاب: ( الذي يقوله السلف هو الأحوط بالتجربة والواقع، والمصلحة والمفسدة إذا أدركها العالم فليستخدمها، أما الصغير ما يستطيع , إذا أدركها العالم المحصن لا بعض العلماء قد يكون ضعيف الشخصية فتخطفه البدع كما حصل لعدد كثير من الأكابر خطفتهم البدع بسهولة فهناك صنفان من العلماء عالم تأكد من نفسه أن عنده قوة حجة وقوة شخصية وأنه يستطيع أن يؤثر في أهل البدع ولا يؤثرون فيه فهذا يخالطهم على أي أساس يأكل ويشرب ويضحك معهم ؟ لا . يخالطهم للنصيحة يأتي إلى مساجدهم إلى مدارسهم يأتي إلى أسواقهم ويعطيهم الحق ويناظرهم إن كان يستطيع المناظرة ويقيم عليهم الحجة .أما الضعيف المسكين من العلماء لا، وكذلك الشاب الناشئ المعرض للضياع . لا بارك الله فيكم فهذا ما يمكن أن يجمع به ما بين ما يقوله شيخ الإسلام بن تيمية وما يقوله السلف رضي الله عنهم جميعاً انتهى
وقال العلامة ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله تعالى : .. ثم إني أقول إن هذه المصلحة التي يتحدثون عنها وأسرفوا في الحديث عنها , و حرفوا المصالح بارك الله فيكم ولبسوا فيها حتى أهملوا مصلحة الشاب , الذي يخاف عليه من مخالطة أهل البدع , أهملوا مصلحته , وقذفوا به في أوساط أهل البدع , فضل كثير من الشباب , المغرور المخدوع , بمثل هذه الشبهات أوقعوا كثيراً ممن كان في دائرة السلفية أوقعوهم بمثل هذه الترهات في حبائل ومصائد أهل البدع, فانحرف الكثير والكثير منهم , لاسيما من انحرف بواسطة الأحزاب العصرية الضالة التي سبق وصفها , على كل حال من يميز بين السنة و البدعة فليأمر بالمعروف ولينهَ عن المنكر وليحذر من البدع هذا أولاً .
وثانياً قضية الهجران في صالحك فاهجر لأنك تخاف على نفسك من مخالطة أهل البدع يفسدونك, ويحرفونك, عن منهج الله الحق, فالمصلحة الواضحة هنا أن تحتفظ بدينك, و تحتفظ بعقيدتك, وتحافظ على سلامة دينك ؛ هذه المصلحة يجب أن توضع في الاعتبار, وأن يعرفها الشباب فقد كان يراعيها كبار الأئمة , من أمثال أيوب وابن سيرين ؛ فكان أحدهم لا يطيق مخالطة أهل البدع , ولا سماع كلامهم , حتى إن أهل البدع ليأتونهم ويقولون لهم " اسمعوا منا ولو كلمة " فيقولون "لا ! " فيعتب عليهم" لماذا لا تسمعون ؟ فيقول أحدهم " إن قلبي بيد الله و ليس بيدي فإني أخاف أن يقذف هذا في قلبي شراً فلا أستطيع الخلاص منه " .
فإذا قلنا بالمصالح و المفاسد , فيجب أن نراعي المصالح و المفاسد المتعلقة بالشباب أنفسهم و الذين يخاف عليهم من الاختلاط بأهل البدع أن يوقعوهم في الشر , فيجب أن ننتبه لهذا والتي يدندنون حولها , ولعلها مصالح أهل البدع أنفسهم ومفاسدهم في حد تصورهم هم ! فالمصلحة عندهم ما يخدم دعوتهم , والمفسدة ما يهدم دعوتهم ولو كان حقاً, فقد يريدون بالمصالح و المفاسد هذا ما يرونه هو مصالح يخدم دعوتهم , وما يرونه من مفاسد ولو كان حقاً إذا كان يعود على دعوتهم بالهدم, ونحن نقول إن المصالح والمفاسد يجب أن يراعى فيها جانب الشباب , فهل من مصلحته الاختلاط بأهل البدع؟ أو من مصلحتهم الحذر منهم و هجرانهم والابتعاد عنهم و ترك المخالطة للأقوياء الأشداء الذين ثبتت جدارتهم و قدرتهم على زلزلة أهل البدع ودحض شبهاتهم !
فتبقى المخالطة لهؤلاء ويبقى من يخاف عليه بعيداً بعيداً بعيداً عنهم , حذراً منهم أشد الحذر ..., إذا كان يحترم عقيدته , ومنهجه , فالمصلحة في الدرجة الأولى , يجب أن تراعى فيها جانب الشباب الذي يخاف عليه من الانحراف , فلما نسيت هذا المصلحة , وأنساهم إياها دعاة الضلال , وأهدروا هذه المصلحة , جر ذلك كثيراً من الشباب إلى الارتماء في أحضان البدع , أرجو أن تدركوا هذا , فإذا قيل لكم مصالح مفاسد , قولوا لهم يجب أن نراعي في هذا جانب الشباب الذي يخاف عليه من مخالطة أهل البدع فإننا قد استفدنا من تجارب طويلة ومريرة وقعت من شباب كانوا على منهج السلف فضلوا بمثل هذا الدعايات الظالمة التي لا يميز فيها المصلحة من المفسدة, وقد يراد من المفسدة والمصلحة ما يفسد دعوتهم أو يصلحها على حسب ما يعتقدونه هم لا على حسب شرع الله تبارك وتعالى ) ا.هـ
وقال الشيخ محمد بن هادي المدخلي حفظه الله تعالى في الجليس الصالح والجليس السوء (26-محاضرة مفرغة) :( بعض الناس يكرر أن الهجر لأجل مصلحة المهجور فإذا لم يكن صلاح للمهجور فلا هجر ! هذا غير صحيح أبداً !!! فإن الهجر ينظر فيه إلى الجانبين, ينظر فيه إلى صلاح المهجور وإلى صلاح الهاجر, صلاح المهجور بعودته واستقامته على الحق ورجوعه إليه, وصلاح الهاجر, إذا لم يستطع إعادة هذا الإنسان إلى الحق فلا أقل من أن يسلم هو, وإذا لم يستطع عُذِرَ, أما إن هجر لمصلحة نفسه يكون ضعيفاً ويخشى أنه إن خالط هذا الشخص يأتيه بالشبه والتلبيسات التي يضل بسببها؛ فهو يريد السلامة لنفسه, فالسلامة رأس مال لا يعدلها شيء , فكيف يقال إنه فقط لأجل المهجور وإذا لم يكن يستفيد المهجور فلا هجر !!!! هذا غير صحيح ! وكتب السلف واضحة كلها بهذا , ترد على هذا القول وعلى صاحب هذه المقالة , فلا إفراط ولا تفريط .. ) ا.هـ
وقد وقفت على كلمة جيدة في الرد على من يخصص الهجر بمصلحة المهجور فقط دون النظر لمصلحة الهاجر للشيخ الدكتور عبدالله بن عبدالرحيم البخاري، وقد اختصرتها ما بين القوسين مع زيادة يسيرة جداً (( فالهجر عبادة دينية شرعية، والشرع كله مبني على المصالح ودرء المفاسد، والمصالح في هجر المبتدع متعددة الجوانب فهناك :
مصلحة دينية عامة من تحقيق العبودية لله ومن تحقيق الولاء للإيمان والمؤمنين والبراء من الكفر والكافرين والبدعة والمبتدعين . وتحقيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
مصلحة خاصة : وهي على قسمين :
مصلحة تعلق بالمهجور ومصلحة تتعلق بالهاجر
المصلحة المتعلقة بالهاجر : إن خشي على نفسه الفتنة فله أن يهجر كل من يخشى على نفسه من مخالطه وهذا الذي يسمي ماذا بالهجر الوقائي .
والمصلحة المتعلق بالمهجور : أن يهجره ليردعه عن باطله ولينفر الناس عنه حتى لا يتابعوه على ضلاله وليرجع للحق .
فالحلبي وأمثاله من التراثيين يدندن فقط على مصلحة المهجور ونسي أو تناسى وجهل أو تجاهل بقية أنواع الهجر .
ثم لو تأملت كلام العلماء في هجر أهل البدع ومراعاة مصلحته في الهجر تجد أن مرادهم إذا كان المهجور ينتفع بالنصيحة ويرجى قبوله للحق وإلا لو كان معانداً داعياً إلى ضلاله فهم يرون الهجر وجوباً .
فالقاعدة الشرعية " أنه إذا تعارضت المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة قدمت المصلحة العامة"
وقد يسقط الهجر للعجز عنه لكن ليس من كل الوجوه لا يسقط من كل الوجوه إنكارك بقلبك وهجرانك لبدعته هذه لازم ليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان وهذا من الهجر يجب أن تقوم به ديانةً ولا يجوز لك أن يتخلف عنك هذا ومعلوم أن الأمر يسقط مع العجز وعدم القدرة .
فالهجر الكلي يكون بالتحذير والانفصال التامين .
والهجر الجزئي يكون بترك الكلام والسلام ولا يشترط فيه التحذير
ويستخدم الهجر الجزئي عند الضعف أو عند عدم القدرة أو عند وجود مانع شرعي ما هو مانع دنيوي مادي أعطوك صاروا سلفيين تركوك صاروا خلفيين
لابد أن نفرق بين الإيقاع وبين الأمر : الإيقاع لا يشترط فيه القوة ومن شرط ذلك فقط غلط
وهذا المعنى يستعمل في أهل البدع وأهل الفسق والفجور . ) ا.هـ ))
... يتبع إن شاء الله
([1]) وقد ذكر هذا الهراء أيضا في كتابه " هل الحزبية وسيلة للحكم بما انزل الله " ( ص 6 ـ 9 ) وأيضا في رسالته " الجمعيات " (ص 40 ـ 41 )
([2]) وبالمناسبة أني أدعو وأذكر أهل الإسلام عامة والشباب السلفي خاصة ، بأن مسؤولية الإسلام في أعناقهم ، فهم جديرون بالمثابرة والاجتهاد والجد في تحصيل وطلب العلم السني الموروث ودعوة الخليقة إليه ، وإظهار محاسنه ومزاياه للقريب والبعيد ولجميع الأمم ، وكفى شرفا من قام بهذا ، أنه قام بمهمة الرسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه الشرفاء ، ولكن هذه المهمة العظيمة لابد لها من صفاء وصحة العلم الموروث وسلامة المعتقد حتى تثمر الثمار الطيبة .
قال الإمام محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ في " كتاب العلم " ( 169 ـ 170 ) : ((لا شك أن الدعوة إلى الله تعالى مرتبة عالية ومقام عظيم؛ لأنه مقام الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وقد قال الله تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } (فصلت:33) وأمر الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } (يوسف:108) ومن المعلوم أنه لا يمكن الدعوة بغير علم كما في قوله هنا : { عَلَى بَصِيرَةٍ } وكيف يدعو الشخص إلى شيء لا يعلمه؟ ومن دعا إلى الله تعالى بغير علم كان قائلا على الله ما لا يعلم، فالعلم هو المرتبة الأولى للدعوة.
ويمكن الجمع بين العلم والدعوة في بداية الطريق ونهايته، فإن تعذر الجمع كان البدءُ بالعلم؛ لأنه الأصل الذي ترتكز عليه الدعوة، قال البخاري -رحمه الله- في صحيحه في الباب العاشر من كتاب العلم : باب العلم قبل القول والعمل واستدل بقوله تعالى { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } (محمد:19) قال فبدأ بالعلم.
ومن ظن أنه لا يمكن الجمع بين العلم والدعوة فقد أخطأ، فإن الإنسان يمكنه أن يتعلم ويدعو أهله وجيرانه وأهل حارته وأهل بلدته وهو في طلب العلم .
والناس اليوم في حاجة بل في ضرورة إلى طلب العلم الراسخ المتمكن في النفوس المبني على الأصول الشرعية، وأما العلم السطحي الذي يعرف الإنسان به شيئًا من المسائل التي يتلقاها كما يتلقاها العامة دون معرفة لأصولها وما بنيت عليه فإنه علم قاصر جدًّا لا يتمكن الإنسان به من الدفاع عن الحق وقت الضرورة وجدال المبطلين.
فالذي أنصح به شباب المسلمين أن يكرسوا جهودهم لطلب العلم مع القيام بالدعوة إلى الله بقدر استطاعتهم وعلى وجه لا يصدهم عن طلب العلم ؛ لأن طلب العلم جهاد في سبيل الله تعالى، ولهذا قال أهل العلم: إذا تفرغ شخص قادر على التكسب من أجل طلب العلم فإنه يعطى من الزكاة؛ لأن ذلك من الجهاد في سبيل الله بخلاف ما إذا تفرغ للعبادة، فإنه لا يعطى من الزكاة؛ لأنه قادر على التكسب.)) ا.هـ
([3]) وذلك حينها سأله أحد الإخوة من مدينة معسكر السؤال التالي : شيخ سؤال أخير إن شاء الله و لا أطيل عليك , هو قرر , هو ألف رسالة بعنوان "هل الحزبية وسيلة للحكم بما أنزل الله "
أجاب عليها بإجابات كثيرة أنقل لك منها يعني نقل واحد فقط و أرجوا منك يا شيخنا أن تعلق عليه
قال يعني ثلاث أقوال متنوعة يقول : (( لكنّي أعود فأقول أنني بعد كل هذا أرى أن الحاكم إذا لم يحكم بما أنزل الله , ولم يمكن حمله على ذلك و لا خلعه و كان النظام الذي يشرفُ عليه على الإذن بتأسيس الأحزاب , و كانت برامجها حرة , و أقيمت على أسس شرعية ولم تأسس لمجرد المشاركة في الحكم بغير ما أنزل الله , و تعيّنَ هذا الأسلوب وسيلة وحيدة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , على النطاق العام , فإنها مما ينبغي الإقدام عليه للضرورة المرحلية ولا يبعد أن يُقَالَ بِتَعَيُّنِهَا و الحجة في ذلك أنه في هذه الحالة لا توجد جماعة للمسلمين قائمة بالشرع حتى و لو ....))
الشيخ : لا حول و لا قوة إلا بالله و الله يا ولدي قلت ما أدري بماذا أعلق على هذا الكلام ، هذا الكلام فيه خلط , فيه خلط عجيب بارك الله فيك و لا يصدر مثل هذا الكلام إلا من جاهل أو يعني أقول لا يصدر هذا الكلام إلا من رجل مقطوع الصلة بالسنّة إما لجهله أو لركوبه الهوى هذا الكلام ليس عليه مسحة أهل السنّة بارك الله فيك أبدا فإن الله عزّ و جل دعا إلى جماعة واحدة { و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرّقوا }
و كذلك دعا رسول صلى الله عليه و سلم وأما قوله : "لا توجد جماعة -كذا لآخره- " فهذا ضرب من الباطل ، فهذه الرسالة يعني تحذر هي و أمثالها بصراحة.
و لا يجوز نشرها و لا إذا كانت على ما ذكرت و أي رسالة تحوي مثل هذا الكلام لا يجوز نشرها على العامة و لا على المبتدئين , فقط كون يقتنيها طالب العلم ليرد عليها هذا لابأس به .
السائل : يعني بمعنى لا بأس إذا عرفنا الخطأ منها أن نرد هذا الخطأ؟
الشيخ : لا يمكن نحن نقول هذا الكلام الذي قرأته لا يصدر إلا من أحد الرجلين و كلاهما مقطوع الصّلة بالسنّة , إما لجهله أو لأنه صاحب هوى بارك الله فيك .
السائل : أضيف لك فقرة - إن شاء الله - و أستسمحك شيخنا يقول : (( و إذا كان جمهور العلماء قد أقروا حكم المتغلب سدا لذريعة الفتنة و حدث بعض التساهل في آلية الحاكم الذاتية و العلمية مراعاة للأوضاع فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة لتحكيم الشرع فمن لم يُحَكِّمْ الشرع فلا شرعية لحكمه عندهم و لا انعقاد لبيعته و لا نفوذ لولايته .))
الشيخ : لا أبدا هذا فيه تفصيل أبدا , المحققون على التفصيل أقول يا ولدي و الله يعني ممرضة ممرضة , بارك الله فيك المغرب بقي عليه سبع دقائق أو ثمان دقائق عندنا .
السائل : شيخنا جزاك الله خير فقط أتم هذه الفقرة و أقطع المكالمة .
الشيخ : نعم .
السائل : يقول : (( لأنّ تفرق الأمة على الحق أولى من اجتماعها على الباطل و لمّا كانت دول المسلمين ليست متساوية في هذا الأمر الأخير و حيث قلنا بأن حكم هذا الحاكم غير شرعي و لا معتبر فهو كالعدم و حيث أن الخروج عليه لا يقال به إمّا لكونه لم يظهر عليه الكفر البواح و هذا هو الحق أو لأنه لا جدوى منه للمضار الناشئة عن ذلك كما هو مشاهد عليه لذلك كلّه فإن تأسيس الأحزاب يكون في هذه الحالة مشروعا إذا أمكن تحقيق للمصلحة .))
الشيخ : لا يمكن أن تتعدد الأحزاب على الحق بارك الله فيك هذا كأنه ينقل من صلاح الصاوي , عليه مسحة صلاح الصاوي في كتابه الثوابت والمتغيرات، هذا الكلام الذي قرأته عليه مسحة صلاح الصاوي في كتابه الثوابت و المتغيرات .
السائل : يا شيخ كيف نتعامل مع صاحب الرسالة .
الشيخ : أتركوه ......إذا كان الأمر كما ذكرت انصحوه و ليتجند منكم خبراء وطلاب علم و يناصحوه
السائل : يا شيخ قدمنا له النصيحة .
الشيخ : هذا اتركوه بارك الله فيكم و لا تجلسوا إليه صراحة , صاحب هذه الرسالة أرى أن لا يجلس إليه , إذا كان الأمر كما ذكرت هذا الكلام لا يكتبه و لا يقوله إلاّ جاهل أو صاحب هوى .
السائل : يا شيخ بارك الله فيك و جزاك الله خير و أستسمحك يا شيخ
الشيخ : و إياك
السائل : السلام عليكم .
الشيخ : و عليكم السلام. ا.هـ ( منقول من شبكة سحاب السلفية )
([4]) بل هذا الذي نقطع به ، وقد اتضح ذلك أيما اتضاح في قوله : " إنني أعتقد أن فساد المجتمع في كثير من جوانبه لغياب الحكم بما أنزل الله ، وأن الأمير في الأمة بمثابة القلب في الجسد إذا صلح هذا صلح ذاك " ( هل الحزبية وسيلة للحكم بما أنزل الله / ص : 64 )
وقد بينت وهاء هذا الفساد فيما مر من الصفحات هذا الكتاب بما يكفي ويغني عن إعادته والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
([5]) قال الشيخ الفاضل أبوعبدالله محمد رسلان حفظه الله في كتابه " دعائم منهاج النبوة " ( 354 ) : (( الغلو في الاصطلاح : " مجاوزة الحد بأن يزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك " بهذا عرفه شيخ الإسلام في ( اقتضاء الصراط المستقيم ) ( 1 / 289 )
وعرفه الشاطبي في ( الاعتصام ) ( 3 / 304 ) ، وابن حجر في ( الفتح ) ( 13 / 278 ) بأنه : " المبالغة في الشيء والتشديد فيه حتى يتجاوز الحد " )) ا.هـ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في " مجموع الفتاوى " (3 / 359 ـ 360) : (( الِانْحِرَافُ عَنْ الْوَسَطِ كَثِيرٌ فِي أَكْثَرِ الْأُمُورِ فِي أَغْلَبِ النَّاسِ .... وَمِثَالُ ذَلِكَ : أَنْ يَحْصُلَ مِنْ بَعْضِهِمْ " تَقْصِيرٌ فِي الْمَأْمُورِ " أَوْ " اعْتِدَاءٌ فِي الْمَنْهِيِّ " : إمَّا مِنْ جِنْسِ الشُّبُهَاتِ وَإِمَّا مِنْ جِنْسِ الشَّهَوَاتِ : فَيُقَابِلُ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِالِاعْتِدَاءِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ بِالتَّقْصِيرِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ . وَالتَّقْصِيرُ وَالِاعْتِدَاءُ : إمَّا فِي الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا وَإِمَّا فِي نَفْسِ أَمْرِ النَّاسِ وَنَهْيِهِمْ : هُوَ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ الْعُقُوبَةَ حَيْثُ قَالَ : { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } فَجَعَلَ ذَلِكَ بِالْمَعْصِيَةِ وَالِاعْتِدَاءِ . وَالْمَعْصِيَةُ : مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ وَهُوَ التَّقْصِيرُ وَالِاعْتِدَاءُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ .)) ا.هـ
قلت ( بن سلة ) : فليتأمل القارئ اللبيب كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله جيدا ، ثم يسلط ضوء العلم والعدل والإنصاف على ما عليه مميعة زماننا من غلوهم ومكرهم الشديد في حرب أهل السنة والجماعة ، وتقصيرهم في إعمال وتوظيف شرعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أهل البدع والضلال من الحدادية والغلاة والتكفيريين والله المستعان .
([6]) انظر إلى كتاب " منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف " ( 151 ـ 152 ) للإمام ربيع المدخلي ـ حفظه الله ـ
([7] ) " سير أعلام النبلاء " (7 / 452)
([8] ) لقوله صلى الله عليه وسلم : (( يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم و صيامكم مع صيامهم و عملكم مع عملهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر الرامي في النصل فلا يرى شيئا و ينظر في القدح فلا يرى شيئا و ينظر في الريش فلا يرى شيئا و يتمارى في الفوق هل علق به من الدم شيء ))
قال الإمام الألباني : ( صحيح ) انظر حديث رقم : 8053 في صحيح الجامع
([9]) انظر " دراسة نقدية لقاعدة المعذرة والتعاون " ( 119 ـ 123)
([10]) انظر إلى أقواله في كتاب " صيانة السلفي من وسوسة وتلبيسات الحلبي "
([11] ) كما هو في رسالته " القول الحسن في نصح أبي الحسن "
([12]) كما هو في جزئه " عبارات موهمة "
([13]) كما هو في كتابه " بداية الانحراف ونهايته " ( ص 336 )
([14]) كما هو في رسالته " الأطواق الأمنية "
([15]) " مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله " (ص 439)
[16])) إلى هنا انتهى النقل من تعليقات الشيخ ـ بارك الله في علمه وعمره ونفعنا الله بنصائحه ـ
([17]) وكذاك بن حنفية العابدين




رد مع اقتباس