تابـــــــع :
قد مر معنا كيف حذف المخرج و من معه غزوة بني قينقاع التي تعد من أهم الغزوات لأهميتها و ما فيها من حكم و عبر ، و لكن لو عرضت هذه الغزوة في الفيلم لما قبلها أعداء الله من يهود و نصارى ، لهذا تعمدوا عدم ذكرهم خاصة اليهود فقد ذكروا إلا مرة واحدة كما بيناه سابقا ،لهذا فالحديث اليوم في هذه الحلقة عن تلك الكلمة التي قالوها بعد قراءة الوثيقة المزعومة التي ذكر فيها مايلي : (لليهود دينهم.. وللمسلمين دينهم.. مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم) ، و كذلك ما قاله رأس المنافقين عبد الله بن سلول : (إنه يساوي بين المسلمين وأهل الكتاب ) و هذه كما لا يخفى عليكم هي دعوة وحدة الأديان أو التقرب أو التسامح بين الأديان كما يروج له ، و لهذا سأقوم بتوضيح مدى خطورة هذه الأفكار و أن هذه الكلمة لم تذكر في الفيلم هكذا هباءً بل لغرض خبيث و هو ترسيخ فكرة أن الإسلام جاء للتسامح مع الأديان الأخرى من أهل الكتاب فنسأل الله تبارك و تعالى أن يوفقنا لهذا العمل و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
خطورة دعوة وحدة الأديان :
إن الواجب على المسلم طلب العلم النافع ليعبد الله على بصيرة و ليزداد إيمانا بالله تبارك و تعالى، فبالعلم تعرف فضلِ دين الإسلام و تعرف فضله على غيرِه من الأديان السماوية منها أم الوثنية المجوسية ، فبه تعلم أنَّه الدِّين الَّذي لا يقبل الله تعالى غيره، فالله جلَّ جلاله يقول في كتابه المبين : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾، ويقول أيضا: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ [آل عمران:85]. فاعتقاد المسلم أنَّ الله لا يقبل من النَّاس دينًا غير الدِّين الَّذي جاء به خاتم رسله وأنبيائه محمَّد صلى الله عليه سلم ، وأنَّ شريعته قد نسخت كلَّ شريعة ورسالة كانت قبل بعثته، تعد من عقائد الإيمان المهمَّة الَّتي يجب على المسلم أن لا يحيد عنها، ولا يتردَّد في صحَّتها ، لهذا فمَن تحقَّقت له الهداية لهذا الدِّين كانَ عليه أن يشهد منَّة الله عليه وأن يعتزَّ أيّما اعتزاز بما هو عليه؛ وأن يقتدي بالصَّحابة الكرام رضوان الله عليهم الَّذين عاشوا الجاهلية والإسلام، فأدركوا الفرق بينهما، وعرفوا قدر النِّعمة الَّتي انقلبوا إليها، فاستغنوا بالإسلام وعاشوا معتزِّين به مفتخرين، ولم يبتغوا العزَّة في غيره أبدًا ، فنحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمَهما طلبنا العِزَّ بغيرِ ما أعزَّنا اللهُ به أذلَّنا الله ([1]) ، وهذا الأمر في الحقيقة ممَّا عُلِمَ بالضَّرورة من دين الإسلام، فكان في الأصل لا يحتاج إلى كثيرِ بيان، لكنَّنا وجدنا في زمان كثر فيه المتزيون بزيِّ أهل العلم، المنتسبون إلى أهل الفقه، ممن يجادل في القطعيَّات، ويشكِّك في قواعد الدِّين الكليَّات، حتَّى صارت بعض أصول الإيمان ميدانًا للأخذ والرَّدِّ، ومحلَّ مراء وسعي إلى النَّقض([2]) و الله المستعان.
اعلم رحمك الله أن ما قيل في هذا الفيلم من أن الإسلام يساوي بين المسلمين و أهل الكتاب ، دعوة يروِّج لها بعض النَّاس و ممن ينتسبون للعلم كذبا و زورا تحت شعار (الدَّعوة إلى وحدة الأديان) تعد دعوةٌ باطلة مناقضة لأصل الإيمان، لا ينبغي لمسلم أن يشكَّ في زَيْفِها وبطلانها البتَّة، كيف لا وهي دعوةٌ إلى التَّسوية بين الحقِّ والباطل، ودعوة إلى الجمع بين الإيمان والكفر، دعوة إلى عدل الأبرار بالفجَّار، وربُّنا يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ *﴾ [القلم: 35 ـ 36]، والنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ﴿كَمَا لاَ يُجْتَنَى مِنَ الشَّوْكِ العِنَبُ، كَذَلِكَ لاَ يُنَزَّلُ الأَبْرَارُ مَنَازِلَ الفُجَّارِ، فَاسْلُكُوا أَيَّ طَرِيقٍ شِئْتُمْ، فَأَيُّ طَرِيقٍ سَلَكْتُمْ وَرَدتمْ عَلَى أَهْلِهِ﴾([3]) ، و مع هذا ففي فيلم الرسالة روجوا لهذه الفكرة دون أن ينتبه أهل الإسلام و ممن ينتسبون إلى الطبقة المثقفة زعما ، فيا للعجب كيف يقول قائلهم : (لليهود دينهم.. وللمسلمين دينهم..) و لا ينتبه لهذا ؟ أم أن الناس في شبهة سخيفة روجت لها نفس الطائفة و هي استدلالهم بقوله تعالى : ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾[الكافرون:06] ، فإن في هذه الآية ليس فيه ما يقتضي أن يكون دين الكفار حقا و لا مرضيا له ([4]) ، و لا يدل على رضاه بدينهم ، بل و لا على إقرارهم عليه ، بل يدل على براءته من دينهم ([5]) ، [و عليه : فلا متمسك لأحد بهذه الآية لإقرار ما عليه جميع أهل الديانات ، سواء كانوا من أهل الكتاب أم لم يكن لهم كتاب ، و أهل الكتاب و إن أعطوا الأمان ، و سكنوا ديار المسلمين ، و تُركوا على اعتقادهم و مُمارسة شعائرهم ، فهذا ليس معناه تصويبُ دينهم ،و إنما اقتضى ذلك اختصاصهم بعقيدتهم التي لا يجوز إقرارهم عليها]([6]).
قلت : حتى و إن أعطوا الأمان ، و سكنوا ديار المسلمين ، و تُركوا على اعتقادهم و مُمارسة شعائرهم ، ليس فيه أي معنى أنهم متساوون بين المسلمين ، فكيف يساوى بين مسلم و كافر و هو قد اختار الكفر و أنت اخترت الإسلام ؟ ، و كيف يساوى بين المسلم و الكافر و هو قد رضي بالذل و أنت رضيت بالعزة ؟ وهل يُساوى بين الحق و الباطل ؟ مالكم كيف تحكمون !!!فيا من [غرَّته هذه الدَّعوة أو تردَّد في شأنها يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ *وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *﴾[آل عمران: 100 ـ 101]، وقول الله سبحانه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]، فوالله إنَّهم لا يحبُّوننا ولن يرضوا عنَّا كما أخبر تعالى وإن زخرفوا لنا القول وزيَّنوا لنا الخلق والفعل، ومن رأى في الواقع خلاف ما جاء في هذه الآية وظنَّ أنَّهم محسنون معاملته، فليعلم أنَّ ذلك ما كان إلاَّ لأنَّه متَّبع لأهوائهم، راكب لسَنَنِهِمْ، هذا نقوله لإخواننا المسلمين، أمَّا اليهود والنَّصارى فنقول لهم ما أمرنا به ربُّنا عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ *﴾ [آل عمران: 64]([7])]، فنسأل الله تبارك و تعالى أن يخلص المسلمين من هذه الأفكار الخبيثة التي دنست دين الإسلام الحنيف إنه وحده القادر على ذلك و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.




يتبع إن شاء الله تعالى
أبو عبد الله بلال القسنطيني الجزائري.



[1]:قطعة من حديث رواه الحاكم في المستدرك (1/61)عن طارق بن شهاب قال: (خرج عمر بن الخطَّاب إلى الشَّام ومعنا أبو عبيدة ابن الجرَّاح، فأتوا على مَخَاضَة وعمر على ناقةٍ، فنزل عنها وخلع خفَّيه فوضعهما على عاتقه وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة؛ فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! أأنت تفعل هذا؟ تخلع خفَّيك وتضعهما على عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرُّني أنَّ أهل البلد استشرفوك!فقال عمر: أوه! لو يقُلْ ذا غيرُك أبا عُبيدة جعلتُه نكالاً لأمَّة محمد صلى الله عليه وسلم! إنَّا كنَّا أذلَّ قومٍ فأعزَّنا الله بالإسلامِ، فمَهما نَطْلُب العِزَّ بغيرِ ما أعزَّنا اللهُ به أذلَّنا الله)و الحديث صححه الألباني في الصحيحة (1/117).
[2]: تحذير أهل الإيمان من دعوة وحدة الأديان لعباس ولد عمر : المصدر موقع راية الإصلاح و هو منشور على مجلة الإصلاح الجزائرية.
[3]:رواه أبو نعيم في الحلية (10/31) عن يزيد بن مرثد وهو مرسل ضعيف إلاَّ أنَّ له شاهدًا يرتقي به إلى درجة الحسن؛ انظر سلسة الأحاديث الصَّحيحة (2046).
[4]:انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (28/526).
[5]: مجموع الفتاوى (3/60).
[6]: أنظر مقال للشيخ العلامة المفسر عزالدين رمضاني حفظه الله على مجلة الإصلاح العدد: (33) الصفحة : (07).
[7]: : تحذير أهل الإيمان من دعوة وحدة الأديان لعباس ولد عمر.