قال في " هل الحزبية وسيلة للحكم بما أنزل الله " ( ص 19) : (( ... على أنني أرى أن المقدم هو التركيز على رد الباطل نفسه ، فإنه هو الأصل في الإصلاح ، وكثيرا ما يغني عن التعرض لأشخاص أهله ، ورحم الله الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز ، فإني ما رأيت له كلاما في أشخاص بأسمائهم إلا في النادر ... ، واطلع على طريقة البخاري في رده على المخالفين في كتاب الحيل وغيره .))
أقول :
هذا المسلك الذي انتهجه في هذه الفقرة ما هو إلا مسلك بني إخواني عرعوري مستمد من قاعدة
" المعذرة والتعاون"، إذ قد قرره زعيم حركة الإخوان المسلمين ( حسن البنا ) في أصوله العشرين ، وذلك في " الأصل السادس "، فهنيئا له ، ولكل من مجده ورفعه واغتر به بهذه البضاعة التي زلزلتها وطحنتها نصوص القرآن والسنة الدالة والحاثة على البراءة من أهل الباطل ومن فسادهم ، وإجماع أئمة السنة والجماعة على الهجر والتحذير من أهل البدعة والفرقة .
قال الله تعالى : { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [المجادلة : 22 ]
قال العلامة أبو عبد الله محمد القرطبي في" الجامع لأحكام القرآن" (17 / 308) عند التفسير هذه الآية الكريمة : (( الثانية : استدل مالك رحمه الله من هذه الآية على معاداة القدرية وترك مجالستهم. قال أشهب عن مالك: لا تجالس القدرية وعادهم في الله، لقوله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ، قلت: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان .))
وقال العلامة الألوسي ـ رحمه الله ـ في كتابه " التفسير" ( 20 / 402) عندها : (( ظاهر في الكافر،وبعض الآثار ظاهر في شموله للفاسق ، والأخبار مصرحة بالنهي عن موالاة الفاسقين كالمشركين بل قال سفيان : يرون أن الآية المذكورة نزلت فيمن يخالط السلطان ...
وحكى الكواشي عن سهل أنه قال : " من صحح إيمانه وأخلص توحيده فإنه لا يأنس إلى مبتدع ولا يجالسه ولا يؤاكله ولا يشاربه ولا يصاحبه ويظهر له من نفسه العداوة والبغضاء ، ومن داهن مبتدعاً سلبه الله تعالى حلاوة السنن ، ومن تحبب إلى مبتدع يطلب عز الدنيا أو عرضاً منها أذله الله تعالى بذلك العز وأفقره بذلك الغنى ، ومن ضحك إلى مبتدع نزع الله تعالى نور الإيمان من قلبه ، ومن لم يصدق فليجرب "ا.هـ
ومن العجيب أن بعض المنتسبين إلى المتصوفة وليس منهم ولا قلامة ظفر يوالي الظلمة بل من لا علاقة له بالدين منهم وينصرهم بالباطل ويظهر من محبتهم ما يضيق عن شرحه صدر القرطاس ، وإذا تليت عليه آيات الله تعالى وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم الزاجرة عن مثل ذلك يقول : سأعالج قلبي بقراءة نحو ورقتين من كتاب المثنوي الشريف لمولانا جلال الدين القونوي قدس سره وأذهب ظلمته إن كانت بما يحصل لي من الأنوار حال قراءته ، وهذا لعمري هو الضلال البعيد ، وينبغي للمؤمنين اجتناب مثل هؤلاء ))
أما من السنة
فقد جاء عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( سيكون في آخر أمتي ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم )) ([1] )
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالـت: (( تـلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية :{ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغـاء تأويلـه وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنـا به كل من عنـد ربنا وما يذكر إلا أولو الألبـاب} [آل عمران : 07 ]، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منـه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم )) متفق عليه
وأيضا الأحاديث التي جاءت في الذم والتحذير من الخوارج بل مقاتلتهم ، فهي كلها قاضية على وهاء هذا التقعيد الباطل الذي سلكه بن حنفية ، بل قبله حسن البنا ومن انتهج منهجه وفكره الباطل من بعده .
قال العلامة إسحاق بن عبدالرحمن بن حسن ـ رحمه الله ـ في رسالته التي بعثها إلى كافة الرؤساء في عمان ومن يليهم التي جاء فيها : (( فأفضل القرب إلى الله تعالى: مقت من حاد الله ورسوله، وجهاده باليد واللسان والجنان بقدر الإمكان، وما ينجي العبد من النيران ، ومن كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فلا بد أن ينقاد لأوامر القرآن والسنة، ويتبرأ من كل معتقد يخالف ما عليه السلف الصالح من سادات الأمة. وهل زال الإسلام، وغيرت الأحكام، وابتدع في الدين ما لم يأذن به الملك العلام، إلا بدعاة أبواب جهنم، يصدون الناس عن دينهم.......
وهنا مقام آخر، وهو مقام استجلاب النعم، واستدفاع حلول النقم، ولا يحصل إلا بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر، والأخذ على يد السفيه. وقد ذم الله من ليس فيهم بقية ينهون عن الفساد في الأرض، فقال جل من قائل: {فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [سورة هود آية: 116]، وقال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} الآية [سورة الأعراف آية: 165]، وقال: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة آل عمران آية: 104].
فدلت الآيات على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأنه لا نجاة إلا لمن قام بذلك، وأن اتباع الشهوات، وإيثار اللذات، يوجب الكون في جملة المجرمين. والآيات في هذا المعنى والأحاديث، أكثر من أن تحصر، ومن كان الله وحده مراده، ومعبوده ومحبوبه، انقاد لأوامره ونواهيه، ولم يداهن أحداً فيه.....))
إلى أن قال ـ رحمه الله ـ : (( الهجر المشروع قد قام الدليل عليه ، وأشار جل من السلف إليه، وهو مراتب، وله أحوال وتفاصيل، على القلب واللسان والجوارح، قال الله تعالى عن الخليل عليه السلام: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي} [سورة مريم آية: 48]، وقال تعالى عن أصحاب الكهف: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} [سورة الكهف آية: 16]. وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة، وقصتهم مشهورة. وقد ذكر ابن القيم، رحمه الله في الهدي، في فقه القصة ما يكفي.
وأصل الهجر: الترك والفراق والبغض، وشرعاً: ترك ما نهى الله عنه، ومجانبته والبعد عنه. وهو عام في الأفعال والأشخاص، وهو في المشركين، ومن لاذ بهم، واستحسن ما هم عليه، وخدمهم، وازدراء أهل الإسلام أعظم، لأن قبح الشيء من قبح متعلقه؛ وهذه الجملة فيها أقسام، ولها تفاصيل.
منها: هجر الكفار والمشركين. والقرآن من أوله إلى آخره ينادي على ذلك؛ ومصلحته: تمييز أولياء الله من أعدائه. وقريب من هذا: هجر أهل البدع والأهواء. وقد نص الإمام أحمد وغيره من السلف، على البعد عنهم، ومجانبتهم، وترك الصلاة عليهم، وقال: أهل البدع إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم؛ فتجب مفارقتهم بالقلب، واللسان، والبدن، إلا من داع إلى الدين مجاهد عليه بالحجة، مع أمن الفتنة، قال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ} الآية [سورة النساء آية: 140]. والآيات والأحاديث، وكلام العلماء في هذا كثير....))
إلى أن قال وهو يبين حكم المسلم الذي أختار أوطان الكفار واستقر بين أظهرهم : (( والثاني: مسلم ترخص لنفسه، وآثر دنياه، واختار أوطانهم لعذر من الأعذار الثمانية؛ فهجر هذا الصنف من الناس، هو من باب هجر أهل المعاصي، الذي ترجم له البخاري وغيره. ولا يهجر هجر الكفار؛ بل له حقوق في الإسلام، منها مناصحته والدعاء له،إلا أنا لا نظهر له محبة وملاطفة، كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، بحيث إنه لا يرى له ذنباً، ويغتر به غيره.
وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة، مع إيمانهم، وأجلى عمر صبيغاً إلى وطنه، وأمر بهجره، ونهى الناس عن كلامه. ولم يزل الصحابة، رضي الله عنهم، يهجرون في أقل من هذا.
ويشهد لصحة هذه الأحاديث، قوله تعالى: {فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} [سورة النساء آية: 140]. فنحن نتبرأ مما تبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونجانبه، شاء العاصي أم أبى.
وقد ذكر محيي السنة البغوي كلاما يحسن ذكره هاهنا، قال: ( فأما هجر أهل العصيان، وأهل الريب في الدين، فيشرع إلى أن تزول الريبة عن حالهم، وتظهر توبتهم ، قال كعب بن مالك ـ حين تخلف عن غزوة تبوك ـ : "ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا"، وذكر خمسين ليلة.
وجعل محمد بن إسماعيل، رحمه الله، حداً لتبين توبة العاصي ، وقال عبد الله بن عمر: "لا تسلموا على شربة الخمر"، وقال أبو الدرداء: "لن تفقه كل الفقه، حتى تمقت الناس في ذات الله، ثم تقبل على نفسك، فتكون لها أشد مقتاً".) انتهى كلامه، رحمه الله.
والأصل الجامع لهذا: أن معرفة استحقاقه سبحانه وتعالى، أن يعبد خوفاً ورجاء، وإجلالاً ومحبة وتعظيماً، لا تبقى في القلب السليم محبة لأعدائه وموادة، لأن المحبة أصل كل عمل من حق وباطل
، فأصل الأعمال الدينية: حب الله ورسوله، كما أن أصل الأقوال الدينية: تصديق الله ورسوله
، فلما غلب على الناس حب الدنيا، وإيثارها، أنكروا هذا، ونسوا ما كانوا عليه أولاً، {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [سورة غافر آية: 5] جهلاً منهم بحقيقة الإسلام، ولوازمه وقواعده العظام. )) ([2] )
أما قوله :" ورحم الله الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز ، فإني ما رأيت له كلاما في أشخاص بأسمائهم إلا في النادر ... واطلع على طريقة البخاري في رده على المخالفين في كتاب الحيل وغيره"
هذه من المضحكات مما تفوها بها هذا الرجل ، بل هي من الفاضحات الواضحات الدالة على كذبه على أئمة الحديث والسنة ، وعلى المنهج السلفي .
ما وجد إلا الإمام البخاري والإمام ابن باز يكذب عليهما ويمثل بهما على أنهما لا يتكلمان في الأشخاص وبأسمائهم !!
أين هو من كتاب الضعفاء الذي ألفه الإمام البخاري رحمه الله في بيان أحوال الرواة الذين قد تُكلم وتَكلم فيهم بأعيانهم وأشخاصهم !!؟
فإشارتنا إلى كتاب الضعفاء وتنبيه القراء عليه يكفي في دحض هذه الفرية التي افتراها على الإمام البخاري .
أما الإمام ابن باز رحمه الله فردوده على المخالف جماعات كانوا أو أفرادا فهي أشهر من أن تذكر ، وإلا فالرجل يغالط فيما هو من المسلمات عند أهل السنة والجماعة .
والله المستعان على وقاحة أهل الضلال وما هم فيه من العمى حتى في كذبهم ، فتجد أحدهم يكذب فيما هو من المعلوم بالضرورة عند أهل السنة والحديث .
وعلى كل حال فلنضرب أمثلة من ردود شيخ الإسلام ابن باز ـ رحمة الله عليه ـ على المخالف بأعيانهم وأشخاصهم لنبين للقراء الكرام وليطلع ويقف من اغتر به من أهل الإسلام على كذبه وتلبيسه الفاحش .
1 ـ رد على " صالح محمد جمال " في مسألة تعظيم الآثار الإسلامية ، انظر إلى
( مجموع الفتاوى ) ( 1 / 401) ، وأيضا في ( 2 / 352) رد عليه في مسألة المولد النبوي
2 ـ رد على " أنور أبي الجدايل " و أيضا" صالح محمد جمال " في مسألة تعظيم الآثار الإسلامية انظر إلى ( مجموع الفتاوى ) (3 / 334)
3 ـ رد على " خالد محمد محمد سليم " انظر إلى ( مجموع الفتاوى ) (2 / 410)
4 ـ رد على " عبد الفتاح الحايك " انظر إلى ( مجموع الفتاوى ) (8 / 196)
5 ـ رد على " رشاد خليفة " انظر إلى ( مجموع الفتاوى ) (2 / 400) ، وأيضا في (27 / 480)
6 ـ رد على " حمد السعيدان " انظر إلى ( مجموع الفتاوى ) (2 / 347)
فهذه بعض ردود الإمام ـ قدس الله روحه ـ على أهل الانحراف والزيغ ، وهي قطرة من بحر مما له من الردود الكثيرة القوية على الأفراد والجماعات البدعية القديمة و المعاصرة من جماعة التبليغ والإخوان والقطبية وغيرهم ، فهل بعد هذا البيان نغالط ونكذب على العامة من أن الإمام ابن باز ليس من منهجه وسيرته بيان أحوال أهل البدع والفرقة بأعيانهم وأشخاصهم !؟
فلنترك الجواب ، يجب عليه من اغتر به لا من عرفه وغسل يديه منه .

.... يتبع إن شاء الله



([1]) (مقدمة صحيح مسلم / 1 / 12 )

[2] " الدرر السنية " ( 8 / ص 300 إلى 309 )