ومما جاء في ظلماته التي أراد أن يناطح بها الجبال ، والدالة على ما هو عليه من سوء الحال في البحث والأقوال ، والمنادية بسقوط ما في ذلك المقال من الأباطيل والضلال .
قوله : (( أن ـ كذا ـ هشام بن الغاز قد توبع في روايته هذه عن نافع
وذلك فيما أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه ( 5478 ) قال : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شَيْخٌ، مِنْ قُرَيْشٍ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: «الْأَذَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ، وَالَّذِي قَبْلَ ذَلِكَ مُحْدَثٌ ... الخ ))
فقول هشيم بن بشير ـ رحمه الله ـ : " أخبرنا شيخ من قريش "
مما استوقفني للنظر في هذه الرواية وبعث فيّ روح البحث إلى معرفة مدى درجة صحتها .
فمما وصل إليه بحثي ، مع ما أنا فيه من القصور والضعف في هذا الشأن الكبير والميدان غير اليسير ، أنه قد اطلعت على عدة الملاحظات المعلة لهذا الأثر والدالة على جهل المتمجهد يوسف الحجوري وتخبطه في العمياء وتلبيسه على الغبياء الذين رضوا بأن يعيشوا في مستنقعات الظلام بسبب ما هم فيه من نصب العداوة لأئمة الإسلام الأعلام .
أولا : ما فيها من علة تدليس هشيم لشيخه وإبهامه ، وهشيم إن كان ثقة ثبتا إلا أنه كان كثير التدليس والإرسال الخفي وقد عرف بذلك ، وهذا لا يخفى على أئمة الشأن
انظر إلى ( تقريب التهذيب )(ص: 574) ،و( سير أعلام النبلاء ) (8/ 289 )
ثانيا : إن شيخه المبهم في هذا الطريق ما يكون إلا الإمام الزهري القرشي والذي يدل عل هذا :
1 ـ إنه هو شيخه القرشي كما هو في ترجمته
2 ـ إن هذا الأثر قد رواه الإمام الزهري ، وذلك فيما جاء عن ابن أبي شيبة في( مصنفه ) (1/ 470 ) أنه قال : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَشْعَثَ ([1])، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: «أَوَّلُ مِنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ عُثْمَانُ، لِيُؤْذَنَ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ "
وأيضا عنه أنه قال : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ بُرْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: «كَانَ الْأَذَانُ عِنْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ، فَأَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ، التَّأْذِينَةَ الثَّالِثَةَ(2) عَلَى الزَّوْرَاءِ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ "([3])
وعليه قد يقول قائل : فلماذا إذاً لم يسمه إذا كان هو شيخه و الدواعي تستدعي إلى ذكره وتسميته ، وخاصة من أمثال الإمام الزهري ؟
الجواب عن ذلك :
قد يكون الباعث الحامل له على ذلك ما ذكره أئمة الجرح والتعديل من أن هشيما في الزهري ضعيف وليس بحجة ، انظر إلى ( من تكلم فيه وهو موثق )(ص:188 ) للحافظ الذهبي
وسبب هذا الضعف ، ما ذكره الحافظ ابن حجر في ( تهذيب التهذيب ) (11/ 60 ) أنه قال : (( قال الحسين بن محمد بن فهم أخبرني الهروي أن هشيما كتب عن الزهري صحيفة بمكة فجاءت الريح فحملت الصحيفة فطرحتها فلم يجدوها وحفظ هشيم منها تسعة ))
ولهذا السبب ما خرج له أصحاب الصحاح عن الزهري
قال الحافظ الذهبي في ( الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم ) (ص: 179 )
(( هشيم بن بشير الْحَافِظ ثِقَة لكنه يُدَلس وَحَدِيثه فِي الصِّحَاح لَكِن مَا خَرجُوا لَهُ عَن الزُّهْرِيّ شَيْئا لِأَنَّهُ ضَعِيف فِيهِ ))
وإذا كان كذلك فلا يستبعد أن تكون هذه الرواية من هذا القبيل ، فدلس شيخه الزهري لتوعير الوقوف عليه ، و ما كان منه حينها إلا أنيروى هذا الأثر من حفظه بلفظ ظن أنه يؤدي معناه، فلم يصب فيه ، كما لم يصب في روايته لحديث "لا يتوارث أهل ملتين"
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ في ( النكت على كتاب ابن الصلاح)(2/ 676 )
(( وبيان مخالفة هشيم أنه رواه عن الزهري بالإسناد المذكور بلفظ: "لا يتوارث أهل ملتين"
وقد حكم النسائي وغيره على هشيم بالخطأ فيه
وعندي أنه رواه من حفظه بلفظ ظن أنه يؤدي معناه، فلم يصب، فإن اللفظ الذي أتى به أعم من الفظ الذي سمعه، وسبب ذلك أن هشيما سمع من الزهري بمكة أحاديث ولم يكتبها، وعلق بحفظه بعضها فلم يكن من الضابطين عنه، ولذلك لم يخرج الشيخان من روايته عنه شيئا - والله أعلم ))
إذا كان كذلك ، فمنتهى السند هذا إلى الزهري ، وما كان منه إلى ابن عمر فآفته هشيم بن بشير .
وعليه فقول الإمام الزهري «أَوَّلُ مِنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ عُثْمَانُ..."
لا يريد ما يريده المتمجهد يوسف الحجوري من لفظة " أَوَّلُ مِنْ أَحْدَثَ " أن المراد منها
" كل بدعة ضلالة " ، بل يريد ما رواه الإمام البخاري في " صحيحه (2/ 8 ) ( 912) أنه قال : حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: «كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الزَّوْرَاءُ: مَوْضِعٌ بِالسُّوقِ بِالْمَدِينَة"
فحاشا المحدث الفقيه الإمام الزهري يروي هذا الأثر ، ثم يحمل دلالته على ما قام به الخليفة الراشد عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ من أنه بدعة ضلالة ، نعوذ بالله من ضلالة الحجورية وتخريبهم الذي يفرح كل من الرافضة و المستشرقين والكوثريين ومن سلك مسلكهم في تخريب أصول السنة والطعن في الصحابة الكرام والأئمة الأعلام .
فهذا ما وصل إليه بحثي فنسأل الله تعالى فيه التوفيق والسداد ، ونرجو من أهل الفضل والشأن والخبرة التصويب أو التصحيح والحمد الله رب العالمين


(1) فالرجال هذا السند ثقات إلا أشعث فهو " ابن سوار " مختلف فيه وقد روى له مسلم متابعة وهو لا بأس فيه في المتابعات كما ذكر ذلك الإمام الألباني في عدة المواضع من كتبه انظر إلى (إرواء الغليل )(3/ 210) ، و ( سلسلة الأحاديث الصحيحة)(1/ 505 )
( 2 ) في " التمهيد )( 10/ 247) جاء بلفظ (( التأذينة الثانية ))
(3) رجاله ثقات إلا " برد " وهو ابن سنان الشامي، فهو ثقة , وفيه ضعيف يسير ,و لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن ، انظر إلى (إرواء الغليل )(2/ 108)