هذا التنزيل والتدليل جاء بعد تعليق الشيخ الفاضل رائد حفظه الله في شبكة سحاب السلفية حرصها الله
إذ قال

جزاكم الله خيراً

فعجباً لمن يدعو الشباب السلفي إلى الدراسة في الجامعات المختلطة بدعوى أنها من مسائل الاجتهاد بين أهل العلم!، أو أنها من قبيل الضرورة والحاجة!، ويشير إلى أنَّ الابتعاد عنها كالتولي يوم الزحف!، ويلمز القائلين بالمنع بأصحاب الفقه الأعور!، أو الغلاة المتشددين!، أو السطحيين!، والله المستعان.
فقلت حينها :

جزى الله خيرا الشيخ الفاضل المحترم رائد على تعليقه وتنبيهه
وما أشرت إليه يا أيها المكرم ، هو من أضخم شبه القوم لتسليك الإختلاط في المجتمعات الإسلامية ، وقد استدلوا لهذه الضرورة المشؤومة والمصلحة الموهومة بكلام الإمامين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله ، ليصبغوها صبغة القبول ، وتنفذ سمومها في المجتمعات المسلمة .
واقصد بكلام الشيخين التالي :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى)( 23/186 ـ 187) : (( كَمَا نَهَى عَنْ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَالسَّفَرِ مَعَهَا وَالنَّظَرِ إلَيْهَا لِمَا يُفْضِي إلَيْهِ مِنْ الْفَسَادِ وَنَهَاهَا أَنْ تُسَافِرَ إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ ............ثُمَّ إنَّ مَا نَهَى عَنْهُ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ يُبَاحُ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ كَمَا يُبَاحُ النَّظَرُ إلَى الْمَخْطُوبَةِ وَالسَّفَرُ بِهَا إذَا خِيفَ ضَيَاعُهَا كَسَفَرِهَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مِثْلَ سَفَرِ أُمِّ كُلْثُومٍ وَكَسَفَرِ عَائِشَةَ لَمَّا تَخَلَّفَتْ مَعَ صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطِّلِ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ إلَّا لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْمَفْسَدَةِ فَإِذَا كَانَ مُقْتَضِيًا لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ لَمْ يَكُنْ مُفْضِيًا إلَى الْمَفْسَدَةِ ))
قال الإمام ابن القيم في (روضة المحبين ) (ص: 92) (( قال الله تعالى {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} الآية فلما كان غض البصر أصلا لحفظ الفرج بدأ بذكره ولما كان تحريمه تحريم الوسائل فيباح للمصلحة الراجحة ويحرم إذا خيف منه الفساد ولم يعارضه مصلحة أرجح من تلك المفسدة لم يأمر سبحانه بغضه مطلقا بل أمر بالغض منه ))

فقلت مبينا زيف هذه الشبهة في كتابي ( تبصير شباب الأمة إلى أن الدراسة في الاختلاط محرمة بسبب ما تفضي إليه من المفاسد المحرمة)(ص 35 إلى ص51)


التوجيه الصحيح فيما استدل به من كلام الإمامين ابن تيمية وابن القيم على تقرير قاعدة "أن ما كان تحريمه تحريم الوسائل فيباح للمصلحة الراجحة "، من أن الدراسة والعمل في الاختلاط ينتظم تحت هذه القاعدة ويندرج تحت النصوص التي استدل بها الشيخان على تقرير هذه القاعدة الشرعية
أقول أولا :قد أبعد النجعة ، وشذ عن الجماعة وخرج عن فهمهم السليم للقواعد الشريعة الجامعة ، وتطبيقاتها الصحيحة النافعة ، من رام إلى استدلال بقاعدة " أن ما كان تحريمه تحريم الوسائل فيباح للمصلحة الراجحة "، على أن هذا دليل على تسويغ وتجويز الدراسة والعمل في الاختلاط ، وزاد الطين بلة ، إذ تعسف ولوى أعناق كلام الإمامين ابن تيمية وابن القيم المتمثل في تقرير هذه القاعدة ، إلى ما أراد من إحقاق مخالفته الواضحة وتصويب تأصيلاته الفاضحة ، ومن فضاحتها البينة ومخالفتها الظاهرة ، أن كلام الشيخين محوره وموضوعه في المصلحة المتحققة شرعا ،والذي يوضحه ويبينه أن ما استدل به ابن القيم رحمه الله من النظر إلى المخطوبة على تقرير هذه القاعدة ، هو عين الشرع الذي أباحه و أمر به ، لما يترتب على هذه النظرة من المصالح العظام التي جاء بها الإسلام ، وحث عليها كما هو مقرر في كتب الأحكام ([1]) ، وهو عين ما استدل به شيخ الإسلام ، ومع هذا هما قد قيد السعي إلى تحقيق هذه المصلحة وإعمالها ، إذا كان لم يترتب عليها مفسدة أعظم منها، والناظر في العمل والدراسة في الاختلاط يترتب عليها مفاسد، وما مصلحتها المزعومة ما هي إلا وهمية نسجتها رعونات النفس المذمومة ، وما أكثرها لا كثرها الله تعالى ، وقطع فسادها وكشف أهلها، بل شهد الواقع بتكذيبهم في مصلحتهم الخيالية المصطنعة والله المستعان. يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ :(( ولما كان تحريمه تحريم الوسائل فيباح للمصلحة الراجحة ويحرم إذا خيف منه الفساد ولم يعارضه مصلحة أرجح من تلك المفسدة لم يأمر سبحانه بغضه مطلقا بل أمر بالغض منه وأما حفظ الفرج فواجب بكل حال لا يباح إلا بحقه فلذلك عم الأمر بحفظه)) ا.هـ ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ (( ثم إن ما نهى عنه لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة كما يباح النظر إلى المخطوبة والسفر بها إذا خيف ضياعها كسفرها من دار الحرب مثل سفر أم كلثوم وكسفر عائشة لما تخلفت مع صفوان بن المعطل فإنه لم ينه عنه إلا لأنه يفضى إلى المفسدة فإذا كان مقتضيا للمصلحة الراجحة لم يكن مفضيا إلى المفسدة وهذا موجود فى التطوع المطلق فانه قد يفضى إلى المفسدة وليس الناس محتاجين إليه)) ا.هـ ويقول ـ رحمه الله ـ في (الفتاوى الكبرى )(6/ 172 ـ 181)(( الْوَجْه الرَّابِع وَالْعُشْرُونَ أَنْ اللَّه وَرَسُوله سَدّ الذَّرَائِع الْمُفْضِيَة إلَى الْمَحَارِم الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَرَسُولَهُ سَدَّ الذَّرَائِعَ الْمُفْضِيَةَ إلَى الْمَحَارِمِ بِأَنْ حَرَّمَهَا وَنَهَى عَنْهَا.وَالذَّرِيعَةُ مَا كَانَ وَسِيلَةً وَطَرِيقًا إلَى الشَّيْءِ، لَكِنْ صَارَتْ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ عِبَارَةً عَمَّا أَفَضْت إلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ، وَلَوْ تَجَرَّدَتْ عَنْ ذَلِكَ الْإِفْضَاءِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَفْسَدَةٌ، وَلِهَذَا قِيلَ الذَّرِيعَةُ الْفِعْلُ الَّذِي ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَهُوَ وَسِيلَةٌ إلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمِ، أَمَّا إذَا أَفْضَتْ إلَى فَسَادٍ لَيْسَ هُوَ فِعْلًا كَإِفْضَاءِ شُرْبِ الْخَمْرِ إلَى السُّكْرِ وَإِفْضَاءِ الزِّنَا إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ أَوْ كَانَ الشَّيْءُ نَفْسُهُ فَسَادًا كَالْقَتْلِ وَالظُّلْمِ فَهَذَا لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، نَعْلَمُ إنَّمَا حُرِّمَتْ الْأَشْيَاءُ لِكَوْنِهَا فِي نَفْسِهَا فَسَادًا بِحَيْثُ تَكُونُ ضَرَرًا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ ، أَوْ لِكَوْنِهَا مُفْضِيَةً إلَى فَسَادٍ بِحَيْثُ تَكُونُ هِيَ فِي نَفْسِهَا فِيهَا مَنْفَعَةٌ وَهِيَ مُفْضِيَةٌ إلَى ضَرَرٍ أَكْثَرَ مِنْهَا فَتَحْرُمُ،([2]) فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْفَسَادُ فِعْلَ مَحْظُورٍ سُمِّيَتْ ذَرِيعَةً وَإِلَّا سُمِّيَتْ سَبَبًا وَمُقْتَضِيًا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمَشْهُورَةِ، ثُمَّ هَذِهِ الذَّرَائِعُ إذَا كَانَتْ تُفْضِي إلَى الْمُحَرَّمِ غَالِبَا فَإِنَّهُ يُحَرِّمُهَا مُطْلَقًا ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ قَدْ تُفْضِي وَقَدْ لَا تُفْضِي لَكِنَّ الطَّبْعَ مُتَقَاضٍ لِإِفْضَائِهَاوَأَمَّا إنْ كَانَتْ إنَّمَا تُفْضِي أَحْيَانًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى هَذَا الْإِفْضَاءِ الْقَلِيلِ، وَإِلَّا حَرَّمَهَا أَيْضًا، ثُمَّ هَذِهِ الذَّرَائِعُ مِنْهَا مَا يُفْضِي إلَى الْمَكْرُوهِ بِدُونِ قَصْدِ فَاعِلِهَا. وَمِنْهَا مَا تَكُونُ إبَاحَتُهَا مُفْضِيَةً لِلتَّوَسُّلِ بِهَا إلَى الْمَحَارِمِ فَهَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي يُجَامِعُ الْحِيَلَ بِحَيْثُ قَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ الِاحْتِيَالُ تَارَةً وَقَدْ لَا يَقْتَرِنُ كَمَا أَنَّ الْحِيَلَ قَدْ تَكُونُ بِالذَّرَائِعِ وَقَدْ تَكُونُ بِأَسْبَابٍ مُبَاحَةٍ فِي الْأَصْلِ لَيْسَتْ ذَرَائِعَ. فَصَارَتْ الْأَقْسَامُ ثَلَاثَةً. الْأَوَّلُ: مَا هُوَ ذَرِيعَةٌ وَهُوَ مِمَّا يُحْتَالُ بِهِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ، وَكَاشْتِرَاءِ الْبَائِعِ السِّلْعَةَ مِنْ مُشْتَرِيهَا بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ تَارَةً وَبِأَكْثَرَ أُخْرَى، وَكَالِاعْتِيَاضِ عَنْ ثَمَنِ الرِّبَوِيِّ بِرِبَوِيٍّ لَا يُبَاعُ بِالْأَوَّلِ نَسَئًا، وَكَقَرْضِ بَنِي آدَمَ. الثَّانِي: مَا هُوَ ذَرِيعَةٌ لَا يُحْتَالُ بِهَا كَسَبِّ الْأَوْثَانِ فَإِنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى سَبِّ اللَّهِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ سَبُّ الرَّجُلِ وَالِدَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى أَنْ يَسُبَّ وَالِدَهُ وَإِنْ كَانَ هَذَا لَا يَقْصِدُهُمَا مُؤْمِنٌ. الثَّالِثُ: مَا يَحْتَالُ بِهِ مِنْ الْمُبَاحَاتِ فِي الْأَصْلِ كَبَيْعِ النِّصَابِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ وَكَإِغْلَاءِ الثَّمَنِ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ.وَالْغَرَضُ هُنَا أَنَّ الذَّرَائِعَ حَرَّمَهَا الشَّارِعُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْمُحَرَّمَ خَشْيَةَ إفْضَائِهَا إلَى الْمُحَرَّمِ، فَإِذَا قَصَدَ بِالشَّيْءِ نَفْسَ الْمُحَرَّمِ كَانَ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ مِنْ الذَّرَائِعِ وَبِهَذَا التَّحْرِيرِ يَظْهَرُ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ فِي مَسَائِلِ الْعِينَةِ وَأَمْثَالِهَا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْبَائِعُ الرِّبَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ يَغْلِبُ فِيهَا قَصْدُ الرِّبَا فَيَصِيرُ ذَرِيعَةً فَيَسُدُّ هَذَا الْبَابَ لِئَلَّا يَتَّخِذَهُ النَّاسُ ذَرِيعَةً إلَى الرِّبَا وَيَقُولُ الْقَائِلُ لَمْ أَقْصِدْ بِهِ ذَلِكَ، وَلِئَلَّا يَدْعُو الْإِنْسَانُ فِعْلَهُ مَرَّةً إلَى أَنْ يَقْصِدَ مَرَّةً أُخْرَى، وَلِئَلَّا يَعْتَقِدَ أَنَّ جِنْسَ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ حَلَالٌ وَلَا يُمَيِّزَ بَيْن الْقَصْدِ وَعَدَمِهِ، وَلِئَلَّا يَفْعَلَهَا الْإِنْسَانُ مَعَ قَصْدٍ خَفِيٍّ يَخْفَى مِنْ نَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ.وَلِلشَّرِيعَةِ أَسْرَارٌ فِي سَدِّ الْفَسَادِ وَحَسْمِ مَادَّةِ الشَّرِّ لِعِلْمِ الشَّارِعِ مَا جُلِبَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ وَبِمَا يَخْفَى عَلَى النَّاسِ مِنْ خَفِيِّ هُدَاهَا الَّذِي لَا يَزَالُ يَسْرِي فِيهَا حَتَّى يَقُودَهَا إلَى الْهَلَكَةِ، فَمَنْ تَحَذْلَقَ عَلَى الشَّارِعِ وَاعْتَقَدَ فِي بَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ أَنَّهُ إنَّمَا حُرِّمَ لِعِلَّةِ كَذَا وَتِلْكَ الْعِلَّةُ مَقْصُودَةٌ فِيهِ فَاسْتَبَاحَهُ بِهَذَا التَّأْوِيلِ فَهُوَ ظَلُومٌ لِنَفْسِهِ جَهُولٌ بِأَمْرِ رَبِّهِ وَهُوَ إنْ نَجَا مِنْ الْكُفْرِ لَمْ يَنْجُ غَالِبًا مِنْ بِدْعَةٍ أَوْ فِسْقٍ أَوْ قِلَّةِ فِقْهٍ فِي الدِّينِ وَعَدَمِ بَصِيرَةٍ.([3]) ))قلت ( بشير) : فلو سلطنا ضوء شيخ الإسلام ابن تيمية على الإختلاط ودعاياته العريضة والطويلة ، لانكشف لنا ما في ظلام العمل والدراسة في الاختلاط من الغبش والفساد ، إذ أن الدراسة والعمل في الاختلاط ذريعة إلى الزنا ومواقعة مقدماتها وإختلاط المياه ، وفساد المجتمعات المسلمة وانحطاط التعليم وتخريب الاقتصاد وأنه عثرة في طريق تطور الأمة الإسلامية ، فآل أمره إلى فساد ومضرة محققة .وأيضا : قد اتخذت ضرورة الاسترزاق والتعلم والتعليم في الاختلاط حيلة يتوصل بها إلى مواقعة الحرام ، وتنفيذ مخططات الماسونية في المجتمعات الإسلامية .وهذا مما يوجب ويتأكد على الأمة سد طرقه وغلق أبوابه المفضية إليه وحسم مادة فساده .ثانيا : إن المصلحة التي تكلم عليها الشيخان ، ودلل لتقريرها وتوضيحها بتلك النصوص القرآنية والنبوية، هي عين ما شهد الشارع بصلاحها ونص على نفعها ، وأنى للعبد معرفتها ووقوف على أسرارها ، إلا ما كان من خالقها وواضعها ، وهذا لا يتأتى مع العمل والدارسة في الاختلاط، إذ أن حقيقة مصلحتها ما هي إلا من نسيج واصطناع العبد ، ولهذا ظهرت مفاسدها وبانت مضارها وانكشفت حقيقة دعاياتها الزائفة، لما هي عليه من المخالفة الصريحة للنصوص الواضحة .يقول الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ في (الموفقات)(1/ 537 ) : (( إن المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه والذي يخفى عليه منها أكثر من الذي يبدو له فقد يكون ساعيا في مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها أو يوصله إليها عاجلا لا آجلا أو يوصله إليها ناقصة لا كاملة أو يكون فيها مفسدة ترني في الموازنة على المصلحة فلا يقوم خيرها بشرها)) ا.هـ وقال الإمام شيخ شيوخ الإسلام محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ في ( فتاوى ورسائل)(7/ 151)(( وأما قول ابن القيم: ما حرم لسد الذرائع يباح للمصلحة الراجحة. فليس المراد به فتح باب إباحة ما دعت الحاجة إلى إباحته مما حرم سداً للذرائع لكل أحد، بل مراده أن الشريعة هي التي تتولى الإباحة ))قال الشيخ عطية محمد سالم ـ رحمه الله ـ في مقدمة رسالة الإمام الحبر محمد الأمين الشنقيطي ـ رحمه الله ـ (المصالح المرسلة): (( حقيقة المصلحة هي المصلحة الشرعية التي تتمشى مع منهج الشرع في عمومه وإطلاقه، لا خاصة ولا نسبية... فهي التي يشهد لها الشرع الذي جاء لتحقيق مصالح جميع العباد، ومراعاة جميع الوجوه، لأن الشرع لا يقر مصلحة تتضمن مفسدة مساوية لها أو راجحة عليها ظهر أمرها أو خفي على باحثها، لأن الشارع حكيم عليم...كما أن المصلحة الشرعية تراعي أمر الدنيا والآخرة معاً، فلا تعتبر مصلحة دنيوية إذا كانت تستوجب عقوبة أخروية... وفي هذا يكمن الفرق الأساسي بين المصلحة عند القانونيين الذين يقولون: حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله. وبين الأصوليين الشرعيين الذين يصدق على منهجهم أنه حيثما وجد الشرع فثم مصلحة العباد)) ا.هـ فبناء على هذا التقرير والتنصيص يتبين للقارئ الكريم أن المصلحة فيما نحن في صدد بيانه وتوضيحه ، هو سد الطرق المفضية إلى الاختلاط وغلق كل ما يؤتي إليه ، لا التكلف والتحايل على تسويغه وتجويزه في المجتمعات المسلمة بتلك العلل العليلة والآراء الباطلة التي شهدت النصوص الشرعية والقواعد المرعية وأحكام الأئمة الزكية على بطلانها ووهائها وفسادها، وأنى لها أن تُقيم نفسها ، فضلا أن تقاوم وتنازع غيرها !!وخاصة إذا عرفنا أن الاختلاط مضاره وخيمة ومفاسده عظيمة في المعاش والمعاد ، وأنه مفسد العباد ، ومخرب البلاد ، وإن أدعى أصحابه ودعاته أن العمل والدراسة فيه يحقق مصلحة !!فمصلحتهم المزعومة الوهمية هي من جنس "مِمَّا ابْتَدَعَهُ النَّاسُ مِنْ الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ مِنْ بِدَعِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَأَهْلِ التَّصَوُّفِ وَأَهْلِ الرَّأْيِ وَأَهْلِ الْمُلْكِ حَسِبُوهُ مَنْفَعَةً أَوْ مَصْلَحَةً نَافِعًا وَحَقًّا وَصَوَابًا، وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الْخَارِجِينَ عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئِينَ وَالْمَجُوسِ يَحْسَبُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْعِبَادَاتِ مَصْلَحَةً لَهُمْ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَمَنْفَعَةً لَهُمْ ، {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} وَقَدْ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ عَمَلِهِمْ فَرَأَوْهُ حَسَنًا" ([4]) وإلا فليعلم " أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تُهْمِلُ مَصْلَحَةً قَطُّ بَلْ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَكْمَلَ لَنَا الدِّينَ وَأَتَمَّ النِّعْمَةَ فَمَا مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُ إلَى الْجَنَّةِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثَنَا بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَكَنَا عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلِهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدَهُ إلَّا هَالِكٌ لَكِنْ مَا اعْتَقَدَهُ الْعَقْلُ مَصْلَحَةً وَإِنْ كَانَ الشَّرْعُ لَمْ يَرِدْ بِهِ فَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَازِمٌ لَهُ1 ـ إمَّا أَنَّ الشَّرْعَ دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ هَذَا النَّاظِرُ .2 ـ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْلَحَةِ وَإِنْ اعْتَقَدَهُ مَصْلَحَةً؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ هِيَ الْمَنْفَعَةُ الْحَاصِلَةُ أَوْ الْغَالِبَةُ وَكَثِيرًا مَا يَتَوَهَّمُ النَّاسُ أَنَّ الشَّيْءَ يَنْفَعُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَيَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مَرْجُوحَةٌ بِالْمَضَرَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ: {قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}" ([5])قال الإمام ابن القيم ــ رحمه الله ــ في ( إعلام الموقعين)(3/ 11) (( إِنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا وَأَسَاسُهَا عَلَى الْحِكَمِ وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَهِيَ عَدْلٌ كُلُّهَا، وَرَحْمَةٌ كُلُّهَا، وَمَصَالِحُ كُلُّهَا، وَحِكْمَةٌ كُلُّهَا؛ فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خَرَجَتْ عَنْ الْعَدْلِ إلَى الْجَوْرِ، وَعَنْ الرَّحْمَةِ إلَى ضِدِّهَا، وَعَنْ الْمَصْلَحَةِ إلَى الْمَفْسَدَةِ، وَعَنْ الْحِكْمَةِ إلَى الْبَعْثِ؛ فَلَيْسَتْ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ أُدْخِلَتْ فِيهَا بِالتَّأْوِيلِ)) ا.هـ بيان فساد قولهم : إن الكلام في مسألة العمل والدراسة في الاختلاط من المسائل الاجتهادية فلا يشنع على من أفتى بها وأجازها ، لما هو مقرر أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد
أقول

قولهم هذا ما هو إلا اشغال الأمة الإسلامية ،وصرفها من مواطن الاتفاق وسبيل الصراط المستقيم، وما يرجع عليها بالخير العميم في الدنيا والآخرة ، إلى سبل الضلال والتيه ، وتوليد النزاعات والفرقة في الأمة باسم العلم والمباحثة والمطارحة ، وهذا الذي يريده أعداء الإسلام ، اليهود والنصارى من المسلمين ، أن تثار بينهم المسائل الخلافية قديمة كانت أو حديثة ، وينشب بينهم الصراع والاقتتال والحمية والعصيبة ، في انتصار كل طائفة إلى قول معظميها ، وبالتالي تحدث الفرقة ويقع التمزق وتضعف الأمة ويضحك عليها الأعداء وتشوه سمعتها في العالم ، ولهذا تجد العدو اليهودي والنصراني يهتم بهذه الجزئية أيما إهتمام ، فهم كثير ما ينقبون على الخلافات القديمة ويثرونها في الأمة باسم أن هذا هو تاريخ المسلمين ، ليزهدوا اتباعهم عن الإسلام وليشككوا أبناء المسلمين في إسلامهم ، وليشوهوا صورة سلفهم ونقلة دينهم في أذهانهم ، ومن ذلك ما جاء في (بروتوكولات حكماء صهيون )( البرتوكول السادس عشر) أنهم قالوا : (( وسنقوم بدراسة المستقبل بدلاً من الكلاسيكيات وبدراسة التاريخ القديم الذي يشتمل على مثل سيئة أكثر من اشتماله على مثل حسنة ، وسنطمس في ذاكرة الإنسان العصور الماضية التي قد تكون شؤما علينا، ولا نترك إلا الحقائق التي ستظهر أخطاء الحكومات في الوان قائمة فاضحة.))
وأيضا : الذي لبس مسألة العمل والدارسة في الاختلاط ، لباس أنها من المسائل الخلافية ، ما أراد منها إلا أن يغلق ألسنة أهل الحق لكي لا ينكروا عليه فعلته الشنيعة هذه ، ولكي لا يهجموا عليه بالنقد والانكار ، وهذا كما ترون وتتأملون ـ بارك الله فيكم ـ ما هو إلا واحدة من وحدات الحيل التي اخترعت لتعطيل شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتسليك الإختلاط ومقدمات الزنا في المجتمعات الإسلامية باسم ذلك اللباس الفضفاض الواسع .
وإلا فعلماء السنة ممن شأنهم التحقيق وعرفوا بالتدقيق ، لم يختلفوا من أن الدراسة في الاختلاط حرام ولا يجوز مواقعته والقرب منه ويجب سد الطرق المفضية إليه بكل حال ، لما قد قامت الأدلة الدالة على ذلك .
ثانيا : قولهم ( لا إنكار في مسائل الاجتهاد ) ، هذه قاعدة صحيحة، لكن هل يسلم لهم استدلالهم بها في هذا النزاع المتضاد ؟
الجواب :([7]) الأمر ليس كما يريد هؤلاء، فثم ضوابط، وآداب لمسائل الاجتهاد ، وفي إعمال هذه القاعدة إعمالا صحيحا سليما من الحيل واللعب بالأحكام ، ومن أهم هذه الضوابط
فالأمر الأول: أن مسائل الاجتهاد موكولة إلى أهل الاجتهاد، وهم العلماء قال الشاطبي: في (الموافقات) (4/167) : (( الاجتهاد المعتبر شرعاً، هو الصادر عن أهله الذين اضطلعوا بمايفتقر إليه الاجتهاد)) ا.هـ

الأمر الثاني: مصلحة ائتلاف الأمة على علمائها،
واتفاقهم عليهم خير من شذوذ طالب العلم عنه قال ابن أبي العز الحنفي: في (شرح الطحاوية) (2/534-535) : (( وقد دلت نصوص الكتاب، والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة، يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف أعظم من أمر المسائل الجزئية))

وهذا عين الفقه، فإن العلماء أحد صنفي ولاة الأمر الذين أمرنا الله بطاعتهم، وإذا لم تجب طاعتهم في النوازل، فمتى تجب طاعتهم؟!
قلت ( بشير) : ومسألتنا هذه لم تحظ بهذين الضابطين حتى نعذر أصحابها ، إذ أن درجتهم في العلم والاجتهاد أقل بكثير وكثير ممن قد خالفوهم من أئمة الإجتهاد والمشيخة في الإسلام، ولا يبلغون كعبهم ، بل تعد مخالفتهم لهم منقصة ومذمة وقاضية على صاحبها بالشذوذ والمخالفة ، وقد أنكار أئمتنا على أبي الحسن المأربي صنيعه هذا ، وخروجه عن العلماء في هذه المسألة ، وعد ذلك من مخالفاته التي انكرت عليه .

الأمر الثالث: مشاورة العلماء: وهي دليل على علم المشاور وإتباعه لأمر الله ، وهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وترك مشاورة العلماء نقص في علم المعرض عنهم.
قال ابن القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين) (4/256): (( وإن كان عنده من يثق بعلمه، فينبغي له أن يشاوره، ولا يستقل بالجواب ذهاباً بنفسه، وارتفاعاً بها أن يستعين على الفتاوى بغيره من أهل العلم!وهذا من الجهل، فقد أثنى الله سبحانه على المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم، وقال تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: {وشاورهم في الأمر}، وقد كانت المسألة تنزل بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فيستشير لها من حضر من الصحابة، وربما جمعهم وشاورهم، حتى كان يشاور ابن عباس رضي الله عنهما وهو إذ ذاك أحدث القوم سناً، وكان يشاور علياً رضي الله عنه، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبدالرحمن ابن عوف، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين )) ا.هـ
وقال ابن عباس رضي الله عنهما في ([8] ): (( إن كنت لأسال عن المر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم ))
قلت ( بشير) : الذي يفتي بهذا الحكم الجائر هل رجع إلى العلماء الموثوق بديانتهم وعلمهم من الأمثال ابن باز والألباني والفوزان وربيع المدخلي وغيرهم ، وسألهم عن تقريراته وتأصيلاته الهجينة المبيحة للإختلاط ، والمفضية إلى مواقعته ؟! وإن كان كذلك من هم ؟

الأمر الرابع: بعض النوازل والمسائل المستجدة، الخطأ فيها واضح بين، فلا يتجه الاعتراض على منكرها بدعوى: أن مسائل الاجتهاد لا إنكار فيها!
قال شيخنا العلامة محمد الصالح العثيمين في ورده على من جوز المظاهرات، ومنع من إنكارها بدعوى: مسائل الاجتهاد لا إنكار فيها! قال حفظه الله : (( مسائل الاجتهاد قسمان: قسم نعلم خطأها فتنكر. وقسم يكون الأمر فيها متردداً؛ فهذا هو الذي لا ينكر )) ا.هـ([9])
قال الشيخ محمد بازمول ـ حفظه الله ـ في رسالته ( عبارات موهمة) (( ومن العبارات الموهمة :قولهم: "لا إنكار في مسائل الخلاف".
وهذه عبارة يتوهم بعضهم أن المراد بها: أي مسألة فيها خلاف لا يجوز الإنكار فيها! وعليه فلا يجوز إنكار المنكر إلا إذا كان مجمعاً عليه! وهذا الفهم خطأ، ويلزم عليه أن يغلق باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن أكثر مسائل الشرع فيها خلاف بين العلماء؟ والصحيح أن مراد أهل العلم بهذه العبارة: "لا إنكار في مسائل الخلاف" : أن المسائل التي لم يظهر فيها دليل يجب المصير إليه فلا يشدد في الإنكار و لا يعنف في الإنكار فيها، وذلك مبني على أساس أن المسائل الخلافية على نوعين:
النوع الأول : مسائل خلافية، ظهر فيها دليل يلزم المصير إليه، فهنا لابد من الأخذ بالدليل، وطرح القول المخالف له، ومن اتبع القول الذي قام الدليل على خلافه فإنه ينكر عليه.
النوع الثاني : مسائل خلافية لم يظهر فيها دليل يلزم المصير إليه، فهي مسألة تتجاذبها الأدلة، وتتنازعها الأنظار، فهذه مسألة اجتهادية، لا إنكار و لا تعنيف فيها على المخالف، إنما يناصح في معرفة القول الراجح. وهذا النوع الثاني هو المقصود في هذه العبارة التي يفهمها بعض الناس على إطلاقها.)) ا.هـ
قلت ( بشير) : مسألتنا المطروحة مخالفتها ظاهرة واضحة لأصول الشريعة وللقواعد الجامعة ، وخاصة إذا عرفنا ما ترتب عليها من الأضرار الكبيرة العظيمة من يوم ولدت فيه إلى يومنا هذا ، فهذا مما يوجب طرحها ونسف ضلالها وغلق أبواب فسادها .

الأمر الخامس : وهو أن مسائل الاجتهاد إذا صارت شعارا لأمر لا يسوغ ولا يجوز ، فإنه لابد من إنكارها لما يترتب على ترك الإنكار من المفاسد والشرور .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ( منهاج السنة)(1/44) : (( المسألة الاجتهادية لا تنكر إلا إذا صارت شعارا لأمر لا يسوغ ، فتكون دليلا على ما يجب إنكاره وإن كانت نفسها يسوغ فيها الاجتهاد ))
قلت ( بشير) : فليتأمل القارئ الكريم إلى هذا التوضيح القوي المتين ، ويتأمل في خطورة الاختلاط ودعاته من الماسونية وغيرهم ، الذين حملوا راية الدعوة إلى الاختلاط وجعلوه من أهم المقدمات ومرتكز تنفيذ وإنجاح مخططاتهم ، إذ أنهم أدعوا أن الاختلاط المرأة بالرجل ضرورة من أجل تهذيب الأخلاق والرقة وحسن المعاشرة ولطف الحديث ودماثة الطبع ، فاخرجوا المرأة من بيتها بتلك الدعايات الزائفة الباطلة ، وزجوا بها في ميادين الرجال لمنافستهم ومحاكاتهم في أعمالهم الخارجية ، ولعلمهم أن مزاحمة النساء للرجال في أعمالهم وميادينهم لا تمنع الرجال من مخالطتهن والافتتان بهن ، فيقع من الشر ما كانوا يتوقعونه وينتظرونه وكان كذلك .
أليس هذا مما يؤكد على المسلمين أن يسدوا الطرق المفضية إلى الاختلاط ويحسموا مادته ويشتد نكيرهم على من جامل وساير أعداء الإسلام في ذلك ، ومد لهم يد العون بتأصيلاته الباطلة وتقعيداته الجائرة ، وخدمهم خدمة عظيمة التي مآلها وخيمة والله المستعان ؟




([1]) أي فقه النكاح ,والمصلحة المحققة من هذه النظرة قد بينها النبي صلى الله عليه وسلم ـ بأبي هو وأمي ـ حيث قال :" فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " ، وقد تحقق ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث قال الراوي وهو صاحب القصة " فنظرت إليها ثم تزوجتها فما وقعت عندي امرأة بمنزلتها ، ولقد تزوجت سبعين أو بضعا وسبعين امرأة )) ( السلسلة الصحيحة)(1 / 198 ) فأين هم دعاة الاختلاط من هذا الهدي النبوي الشريف ، ومن دعوته إلى تحقيق المصالح الزكية ، وتكميل المطالب العلية التي ترجع منفعتها على الأفراد والمجتمعات الإسلامية وللأمة بأجمعها من الألفة والمحبة والمودة وتقوية أوصال العائلة المسلمة حيث باجتماعها تجتمع الأمة وتقوى شوكتها ويمتن جدارها ، ودعوة إلى الاجتماع والائتلاف ونبذ الفرقة والاختلاف هذا من أسمى مطالب الشريعة الإسلامية التي اتفقت عليها جميع الشرائع ، ولا يرى العاقل أن الاختلاط إلا هدم وحرب لهذا الأصل الأصيل ، لهذا جاءت الشريعة بسد طرقه المفضية إلى مواقعته . أما الاختلاط فهو بعكس هذا رأسا على عقب ، بل يعد من المضادات في تحقيق هذا المطلب النبيل ودعوة إلى تشتيت العائلة المسلمة وتشريد أبنائها وإضعاف قوى الأمة الإسلامية وإضاعة النسل الذي أمر الشارع بحفظه وصونه ، فأي مصلحة متحققة هنا وكبيرنا وصغيرنا يري من البلاوي والمصائب ما في هذه المدارس المختلطة ما يندى له الجبين ، لا ينفع بارك الله فيكم التمويه والتلبيس في الواقع المرّ الذي نعيشه ، وهو أكبر شاهد على ما نقول ، فالعامي البليد يعرف ما وصلت إليه الأمة الإسلامية من التقهقر والانحطاط في الأخلاق بسبب هذا الاختلاط .
([2]) فليتأمل القارئ الكريم إلى هذا الكلام المتين والتقرير الرصين ، ويزن به ما نحن بصدد كشفه وتفتيت شبه أهله ، يجد أنه لا يخرج عن هذا التقرير
([3]) أين هم دعاة الاختلاط من هذا التقعيد السلفي القوي !؟فليكسروا أقلامهم ولتخرس ألسنتهم ، ويتوبوا ما هم فيه من الفساد والإفساد للمجتمعات الإسلامية من دعوتهم إلى الاختلاط ، وليصلحوا ما أفسدوا .
([4]) (مجموع الفتاوى)(11/345) لشيخ الإسلام ابن تيمية
([5]) (مجموع الفتاوى)(11/344 ـ 345)
([6]) انظر إلى كتاب ( الصوارف عن الحق)(96 ـ 98)
([7]) قد استفد هذا الفصل من كتاب ( دراسة نقدية لقاعدة المعذرة والتعاون )(ص 111ـ 115) للشيخ حمد العثمان
([8]) (سير أعلام النبلاء) (3/344)، وقال الذهبي بعده: إسناده صحيح
([9]) (شريط رقم 5738) تسجيلات ابن القيم الإسلامية – الكويت