بيان زيف قولهم : إن الاختلاط الحاصل في المدارس وأماكن العمل لا يخرج أمره عن ما هو حاصل من الاختلاط في الأسواق والأماكن العمومية الذي عمت به البلاوى واضطر إليه المسلم مع مجانبة فتنته وشره على قدر المستطاع
أقول

بيان هذه الشبهة يكون على الأوجه التالية :
الوجه الأول : قد قامت أدلة الكتاب والسنة على تحريم الاختلاط والنهي عن مقاربته ، وما خرج عنها من تصرفات الناس فلا يحتج به ، وأنى لها أن تقام مقام الأدلة فتعارض بها نصوص الوحيين .
الوجه الثاني : إن ذلك الاختلاط الواقع في الأسواق والأماكن العمومية ، كل عاقل يعلم أنه لا تقره الشريعة ، وخاصة إذا استصحبه السفور والتبرج والخضوع في القول ، ولهذا شدّد في إنكاره أئمة الإسلام ونهوا عنه ، وعن مقاربة أماكنه إلا من كان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ، مع التحرز من خلوته والخضوع في القول ، وأن يكون على قدر قضاء حاجة صاحبه وضرورته وينصرف ، ومع ذلك إن وجد غيره وأفضل منه فلا يتسامح في ارتياد أماكنه ومواقعته ([1])، وهذا لا يتأتى كما لا يخفى ، مع ما هو حاصل من الاختلاط في المدارس وأماكن العمل التي لا يعدم صاحبها من الخلوة والخضوع في القول والجلوس في أماكنها بالساعات الطويلة ، مع إن ارتيادها ومواقعتها كان باختيار صاحبها ، وهو غير مضطر إليها ، لوجود غيرها والبديل عنها مما هو مشروع غير ممنوع سواء ما كان أمره في ميدان العلم والتعلم أو ما كان في ميدان التكسب ،"ومن لم يفرق بين حالي الاختيار والاضطرار، فقد جهل المعقول والمنقول."([2]) . وخاصة إذا عرفنا أن ذلك الأمر الذي أوقع العبد المسلم في فتنة الاختلاط ، هو في غنية عنه وليس بحاجة إليه ، وأقل أحواله أن يكون من فروض الكفاية التي لا ينبغي تحصيلها بمعصية الله تعالى إمتثالا وتطبيقا لقاعدة "الغاية تبرر الوسيلة "، والتي لا ينبغي أن يكون فيها المؤمن كبش الفداء .

قال العلامة عبدالمحسن العباد في مقاله (لماذا الكلام المُوهِم في فتنة اختلاط الجنسين يا حفيد شيخ الإسلام؟) : (( أقول: لا ينبغي أن يخلط بين الاختلاط في الأسواق ودور العبادة مع الاحتشام والاحتجاب والبعد عن أسباب الفتنة بين الرجال والنساء، فالنساء في دور العبادة لا يختلطن بالرجال فإنهن يصلين في أماكن منفصلات عن الرجال لقوله صلى الله عليه وسلم: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها " رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه (985)، وكذا ذهابهن للأسواق لحاجتهن إلى ذلك مع ابتعادهن عن الامتزاج بالرجال .
أقول: لا ينبغي أن يخلط بين هذا وبين وجود النساء مع الرجال في مكاتب العمل وقاعات الدراسة فإن هذا وإن لم يكن فيه خلوة في الغالب إلا أن فيه ذهاب الاحتشام والحياء والوقوع في الاختلاط المذموم الذي لا تؤمن معه الفتنة على الجانبين لاسيما مع كون النساء كاشفات الوجوه ينظر بعضهم إلى بعض ويتحدث النساء مع الرجال وقد يتضاحكن معهم، والبلاد التي ابتليت بالاختلاط في مكاتب العمل وقاعات الدراسة يعاني عقلاؤها الأسى والألم، ويتمنون أن يجدوا السلامة منه لما فيه من فقد الحياء وسهولة الوصول إلى المحرمات وهذا هو الذي يريده المستغربون والتغريبيون الذين أعجبهم ما شاهدوه في بلاد الغرب من الاختلاط المذموم، وقد ذكر الكاتب ضوابط للاختلاط الجائز، في بعضها تداخل وفي بعضها خفاء وغموض وبعضها واضح وأوضحها وأحسنها .)) ا.هـ






([1]) سئل الإمام المبجل ابن باز ـ رحمه الله ـ :
هل يجوز للمسلم أن يدخل سوقا تجاريا وهو يعلم أن في السوق نساء كاسيات عاريات وأن فيه اختلاطا لا يرضاه الله عز وجل؟ .
فأجاب ـ رحمه الله ـ : مثل هذا السوق لا ينبغي دخوله إلا لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أو لحاجة شديدة مع غض البصر والحذر من أسباب الفتنة حرصا على السلامة لعرضه ودينه وابتعادا عن وسائل الشر، لكن يجب على أهل الحسبة وعلى كل قادر أن يدخل مثل هذه الأسواق لإنكار ما فيها من المنكر عملا بقول الله سبحانه وتعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}[ التوبة :71]، وقوله سبحانه وتعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[ آل عمران:104] والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه» رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه بإسناد صحيح. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » رواه الإمام مسلم في صحيحه والأحاديث في هذا المعنى كثيرة والله ولي التوفيق. ا.هـ(مجموع فتاوى ابن باز)(27/ 529)
ـ وسئل الإمام ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ :
وسائل النقل في بلدنا جماعية ومختلطة وأحياناً يحدث ملامسة لبعض النساء دون قصد أو رغبة في ذلك ولكن نتيجة الزحام فهل نأثم على ذلك؟ وما العمل ونحن لا نملك إلا هذه الوسيلة ولا غنى لنا عنها؟
فاجاب ـ رحمه الله ـ : الواجب على المرء أن يبتعد عن ملامسة النساء ومزاحمتهن بحيث يتصل بدنه ببدنهن ولو من وراء حائل، لأن هذه مدعاة للفتنة والإنسان ليس بمعصوم قد يرى من نفسه أنه يتحرز من هذا الأمر ولا يتأثر به ولكن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فربما يحصل منه حركة تفسد عليه أمره، فإذا اضطر الإنسان إلى ذلك اضطراراً لابد منه وحرص على أن لا يتأثر فأرجو ألا يكون عليه بأس. لكن في ظني أنه لا يمكن أن يضطر إلى ذلك اضطراراً لابد منه إذ من الممكن أن يطلب مكاناً لا يتصل بالمرأة حتى ولا بقى واقفاً، وبهذا يتخلص من هذا الأمر الذي يوجب الفتنة، والواجب على المرء أن يتقي الله تعالى ما استطاع وأن لا يتهاون بهذه الأمور. ا.هـ ( فتاوى النظر والخلوة والاختلاط)(ص40)
ـ وسئل الإمام صالح الفوزان ـ حفظه الله ـ :
ما حكم تحدث المرأة مع صاحب محل الملابس أو الخياط‏؟‏ مع الرجاء توجيه كلمة شاملة إلى النساء‏.‏؟
فأجاب : تحدث المرأة مع صاحب المتجر التحدث الذي بقدر الحاجة وليس فيه فتنة لا بأس به، كانت النساء تكلم الرجال في الحاجات والأمور التي لا فتنة فيها وفي حدود الحاجة‏.‏
أما إذا كان مصحوبًا بضحك أو بمباسطة أو بصوت فاتن؛ فهذا محرم لا يجوز‏.‏
يقول الله سبحانه وتعالى لأزواج نبيه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن‏:‏ ‏{‏فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا‏}‏‏[‏الأحزاب‏:‏32‏]‏، والقول المعروف ما يعرفه الناس وبقدر الحاجة، أما ما زاد عن ذلك؛ بأن كان على طريق الضحك والمباسطة، أو بصوت فاتن، أو غير ذلك، أو أن تكشف وجهها أمامه، أو تكشف ذراعيها، أو كفيها؛ فهذه كلها محرمات ومنكرات ومن أسباب الفتنة ومن أسباب الوقوع في الفاحشة‏.‏
فيجب على المرأة المسلمة التي تخاف الله عزّ وجلّ أن تتقي الله، وألا تكلم الرجال الأجانب بكلام يطمعهم فيها ويفتن قلوبهم، تجنب هذا الأمر، وإذا احتاجت إلى الذهاب إلى متجر أو إلى مكان فيه الرجال؛ فلتحتشم ولتتستر وتتأدب بآداب الإسلام، وإذا كلمت الرجال، فلتكلمهم الكلام المعروف الذي لا فتنة فيه ولا ريبة فيه‏.‏ا.هـ ( المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان )
([2]) (العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم)(8/ 174)