حكم حجز وتحجير الأماكن في المساجد للعلامة عبد الرحمن السعدي-رحمه الله-
بسم الله الرحمن الرحيم
سئل الشيخ العلّامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في «فتاويه» (ص182).
السؤال: ما حكم التحجير في المسجد؟
الجواب: «اعلموا رحمكم الله أنّ التحجر في المساجد، ووضع العصا والإنسان متأخر في بيته أو سوقه عن الحضور، لا يحل، ولا يجوز، لأنّ ذلك مخالف للشرع ومخالف لما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم حثّ الناس على التقدم للمساجد، والقرب مِن الإمام بأنفسهم، وحثّ على الصف الأول وقال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِ الأَوَّلِ -يعني مِن الأجر العظيم- ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا»([1]) ولا يحصل هذا الامتثال وهذا الأجر العظيم إلا لِمَن تقدم وسبق بنفسه، وأمّا مَن وضع عصاه ونحوه، وتأخر عن الحضور، فإنّه مخالف لما حثّ عليه الشارع، غير ممتثل لأمره، فمَن زعم أنّه يدرك فضيلة التقدم وفضيلة المكان الفاضل بتحجره مكاناً فيه وهو متأخر، فهو كاذب، بل مَن فعل هذا فاته الأجر، وحصل له الإثم والوزر. ومِن مفاسد ذلك أنّه يعتقد أنّه إذا تحجر مكاناً فاضلاً في أول الصف، أو في المكان الفاضل، أنّه يحصل له فضيلة التقدم، وهذا اعتقاد فاسد، فإنّ الفضيلة لا تكون إلا للسابق بنفسه، وأمّا المتحجر للمكان الفاضل، المتأخر عن الحضور، فلا يدرك شيئاً مِن الفضيلة، فإنّ الفضل لا يحصل إلا للسابق بنفسه، لا لسبق عصاه. فلو كان في ذلك خير، لكان أولى الناس به الصحابة –y- وقد نزههم الله عن هذا الفعل القبيح، كما نزههم عن كل قبيح، فلو علم المتحجر أنّه آثم، وأنّ صلاته في مؤخر المسجد أفضل له، وأسلم له مِن الإثم، لم يتجرأ على هذا، ولأبعد عنه غاية البعد، وكيف يكون مأجوراً بفعل محرم لا يجوز؟!
ومِن مفاسد ذلك أنّ المساجد لله، والناس فيها سواء، وليس لأحد فيها حق إلا إذا تقدم بنفسه، فإذا سبقه غيره فهو أحق منه، فإذا تحجر شيئاً لغيره فيه حق، كان آثماً عاصياً لله، وكان ظالماً لصاحب الحق، وليس الحق فيها لواحد، بل جميع مَن جاء قبله له حق في مكانه، فيكون قد ظلم خلقاً كثيراً، ولو قدرنا أنّ إنساناً جاء والصف الأول قد تحجره المتحجرون بغير حق، فصف في الصفوف المتأخرة، كان أفضل منهم، وأعظم أجراً، وأسلم مِن الإثم، والله يعلم مِن نيته أنّه لو وجدها خالية لصلى فيها، فهو الذي حصل فضلها، وهم حصلوا الوزر، وفاتهم الأجر.
ومِن مفاسد ذلك أنّه يدعوه إلى تخطي رقاب الناس وإيذائهم، وقد نهى الشارع عن ذلك، فيجمع بين التحجر والتأخر والتخطي، فيكون فاعلاً للنهي مِن وجوه متعددة.
ومنها أنّه إذا وضع عصاه، أوجب له الكسل والتأخر عن الحضور، لأنّه إذا عرف أنّه يجد مكاناً في مقدم المسجد ولو تأخر، برد قلبه، وكسل عن التقدم، ففاته خير كثير، وحصل له إثم كبير.
ومِن المفاسد أنّه يحدث الشحناء والعداوة والخصومة في بيوت الله التي لم تبن إلا لذكر الله وعبادته.
ومِن المفاسد أنّ صلاة المتحجر ناقصة، لأنّ المعاصي إذا لم تبطل الأعمال تنقصها، ومِن العلماء مَن يرى أنّ صلاة المتحجر بغير حق غير صحيحة، كالمصلي في مكان غصب، لا تصح صلاته، لأنّه غصبه وظلم غيره.
ومِن مفاسد ذلك، أنّ الذي يعتاد التحجر مُصِرّ على معصية الله، لأنّه فاعل لها، جازم على معاودتها، والإصرار على المعاصي ينافي الإيمان، قال تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 134] والصغائر تكون كبائر مع الإصرار عليها. ومِن العجب أنّ أكثر مَن يفعل ذلك أناس لهم رغبة في الخير، ولعلّه زال عنهم استقباح هذا الأمر لمداومتهم عليه، واقتداء بعضهم ببعض.
والرغبة في الخير لا تكون بالتقرب إلى الله بفعل محرم، وإنّما الراغب في الخير مَن أبعد عن معاصي الله، وعن ظلم الناس في حقوقهم، فإنّه لا يتقرب إلى الله إلا بطاعته، وأعظم مِن ذلك أنْ يتحجر لنفسه ولغيره، فيجمع عدة مآثم، وشرّ الناس مَن ظلم الناس للناس فيشترك الحامي والمحمى له في الإثم، فكيف يرضى المؤمن الموفق الذي في قلبه حياة، أنْ يفعل أمراً هذه مفاسده ومضاره؟!
فالواجب على كل مَن يفعل ذلك، أنْ يتوب إلى الله، ويعزم على أنْ لا يعود، فإنّ مَن علم أنّ ذلك لا يجوز، ثم أصرّ على هذا الذنب، فهو متهاون بحرمات الله، متجرئ على معاصي الله، يُخْشى أنْ يكون مِمّن يحبون أنْ يُحمدوا بما لم يفعلوا رياء وسمعة، يحب أنْ يحمد على صلاته في الصف الأول، والمكان الفاضل، وهو آثم ظالم لأهل المسجد، غير محصل للفضيلة، ولكنّه مصر على هذه الخصلة الذميمة الرذيلة، ونعتقد أنّ المؤمن الحريص على دينه إذا علم أنّ هذا محرم، وعلم ما فيه مِن المفاسد والمضار، وتنقيص صلاته أو فسادها، فإنّه لا يقدم عليه، ولا يفعله، لأنّه ليس له في ذلك مصلحة في دينه ولا دنياه، بل ذلك مضرة محضة عليه، فالموفق يستعين الله على تركه، والعزم على أنْ لا يعود إليه، ويستغفر الله مِمّا صدر منه، فإنّ الله غفور رحيم، قال تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82].
ونسأل الله تعالى أنْ يحفظنا وإخواننا المسلمين مِن معاصيه، وأنْ يعفو عنا وعنهم ما سلف منها، إنّه جواد كريم.
وأمّا مَن يتقدم إلى المسجد وفي نيته انتظار الصلاة، ثم يعرض له عارض، مثل حاجته إلى وضوء أو نحوه، ثم يعود، فلا حرج عليه، وهو أحق بمكانه، ولا يلحقه ذم، وكذلك مَن كان في المسجد، ووضع عصاه ونحوه ليصلي أو يقرأ في محل آخر في المسجد، فلا حرج عليه، بشرط أنْ لا يتخطى رقاب الناس، ولا يؤذيهم، والله أعلم، وصلى الله على محمد وسلم» أهـ





رد مع اقتباس