هذا بحث علمي في الرُّقى مؤصل على أدلة الكتاب والسنة
يُعتبر التداوي بالرقى من جنس التداوي بالأدوية الطبيعية المركبة من الأعشاب ونحو ذلك، وهذه مبنية على التجربة البشرية ويستفيد فيها الناس بعضهم من بعض، وهي من جنس الزراعة والصناعة, ولا تتوقف معرفته على التلقي عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما روى الإمام مسلم في صحيحه عن موسى بن طلحه عن أبيه. قال مررت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بقوم على رؤوس النخل. فقال ما يصنع هؤلاء ! فقالوا: يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما أظن يغني ذلك شيئاً، قال فأخبروا بذلك فتركوه. فأخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بذلك. فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإني لن أكذب على الله – عز وجل ([1]) -.
وعن أنس – رضي الله عنه – أن النبي- صلى الله عليه وسلم- مرّ بقوم يلقحونه فقال: لو لم تفعلوا لصلح ! قال فخرج شيصاً([2]). فمر بهم قال: ما لنخلكم ؟ قالوا قلت كذا وكذا، قال أنتم أعلم بأمر دنياكم([3]) ففي هذا دلالة على أن ما يتعلق بأمر الدنيا من طب الأبدان والزراعة والصناعة ونحو ذلك يؤخذ من التجربة والاجتهاد البشري، وما أخبر به الرسول- صلى الله عليه وسلم- في هذا المجال أيضاً ولم يستثن فهو حق فإن الرسول تكلم في الرقى وفي الأدوية كثيراً، وكلامه كله حق، وليس كلامه في الطب من جنس كلامه في تأبير النخل لأنه، صلى الله عليه وسلم، لم يقر على ظنه في تأبير النخل، ولأجل هذا استدرك وأمرهم من نص الحديث المتقدم. يقول ابن حجر في شرحه للحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: « الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام ». وقال الخطابي: قوله من كل داء هو من العام الذي يراد به الخاص، لأنه ليس في طبع شيء من النبات ما يجمع الأمور التي تقابل الطبائع في معالجة الأدواء بمقابلها، وإنما المراد أنها شفاء من كل داء يحدث من الرطوبة. وقال أبو بكر بن العربي: " العسل عند الأطباء أقرب إلى أن يكون دواء من كل داء من الحبة السوداء"، ومع ذلك فإن من أمراض من لو شرب صاحبه العسل لتأذى به، فإن كان المراد بقوله في العسل فيه شفاء للناس الأكثر الأغلب فحمل الحبة السوداء على ذلك أولى. وقال غيره: كان- صلى الله عليه وسلم- يصف الدواء بحسب ما يشاهده من حال المريض. فلعل قوله في الحية السوداء: وافق مرض من مزاجه بارد فيكون معنى قوله شفاء من كل داء أي من هذا الجنس الذي وقع القول فيه، والتخصيص بالحيثية كثير شائع، والله أعلم. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: تكلم الناس في هذا الحديث وخصّوا عمومه وردوه إلى قول: أهل الطب والتجربة ولا خفاء بغلط قائل ذلك، لأن إذا صدقنا أهل الطب ومدار علمهم غالباً إنما هو على التجربة التي بناؤها على ظن غالبا، فتصديق من لا ينطق عن الهوى أولى بالقول من كلامهم([4]). قلت ما أحسن قول ابن أبي جمرة هذا فإنه هو الذي يدل عليه الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد – رضي الله عنه – أن رجلاً أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال. اسقه عسلاً. ثم أتاه الثانية، فقال: اسقه عسلاً. ثم أتاه الثالثة، فقال: اسقه عسلاً، ثم أتاه فقال فعلت. فقال صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلاً فسقاء فبرأ([5]). قلت فمن هذا يظهر أن ما نص عليه الرسول- صلى الله عليه وسلم- من الأدوية والرقى مقدم على التجربة، وما لم ينص عليه- صلى الله عليه وسلم- جاز أن نأخذ فيه بالتجربة البشرية ما لم يكن هناك مانع شرعي، كما سيأتي في ضوابط الرقية الصحيحة.
ثانياً:
لقد ورد عن الرسول- صلى الله عليه وسلم- عدة أحاديث تدلّ على أنه أقر بعض الصحابة على رقية تعلموها من غيره- صلى الله عليه وسلم- لما تبين له عليه الصلاة والسلام، بأنها خالية من الشرك. من ذلك:
1- ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن جريح قال: وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: " رخص النبي، صلى الله عليه وسلم، لآل حزم في رقية الحية " وقال أبو الزبير: وسمعت جابر بن عبد الله يقول: لدغت رجلاً منّا عقرب ونحن جلوس مع رسول الله، فقال رجل: يا رسول الله أرقي. قال: « من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل »([6]).
2- وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: " كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك ؟ فقال أعرضوا عليّ رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ([7]). وفي هذا دلالة على جواز الرقية المتلقاة بالتجربة ما لم تشتمل على الشــرك، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يقل لعوف بن مالك من علمك الرقية ؟ ! ولم يقل له لا يجوز أن تأخذ رقية إلا من الكتاب والسنة ! وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما هو مُقرر في موضعه، ولو كان تعلم الرقى مسدوداً إلا من طريق الوحي لما طلب منهم، عليه الصلاة والسلام، أن يعرضوا عليه رقاهم التي كانوا يرقون بها في الجاهلية. ومن هذا أيضاً ما رواه أبو داود في سنته عن الشفاء بنت عبد الله، قالت: " دخل عليّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنا عند حفصة، فقال لي «ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة»([8]).
وروى هذا الحديث الحاكم في المستدرك وفيه قصة، وهي أن رجلاً من الأنصار خرجت به نملة فدل أن الشفا بنت عبد الله ترقي من النملة، فجاءها فسألها أن ترقيه، فقالت والله ما رقيت منذ أسلمت ! فذهب الأنصاري إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلـم، فأخبره بالذي قالت الشفا، فدعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الشفا فقال: « اعرضي عليّ فعرضتها عليه، فقال: ارقيه وعلميها حفصة كما علمتيها الكتاب»([9]).
وهذه القصة توضح أن رقية النملة تعرفها الشفا من زمن الجاهلية، فأذن لها الرسول- صلى الله عليه وسلم- بالرقية بها لخلوها من الشرك، وما ذكره بعض العلماء بأن مراد الرسول- صلى الله عليه وسلم- من قوله وعلميها حفصة أنه من لغز الكلام ومزاحه، وأن رقية النملة التي كانت تعرفها النساء هي أن يقال: للعروس تحتفل وتختضب وتكتحل ولك شيء يفتعل غير أن لا تعصي الرجل، فأراد الرسول- صلى الله عليه وسلم- بهذا المقال تأنيب حفصة والتأديب لها تعريضاً لأنها ألقى إليها سرّاً فأفشته". .. الخ([10]). مردود بهذه القصة إذ فيها أن الشفا توقفت عن الرقية حتى أذن لها الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأن رجلاً من الأنصار هو الذي طلب منها الرقية. وأن عندها رقية صحيحة للنملة، وليس من قبيل لغز الكلام ومزاحه، ويشهد لهذا ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك في الرقى، قال: " رخص في الحمة والنملة والعين" ([11]). فهناك رقى حقيقية عرفت بالتجربة للنملة وليست من مزاح الكلام ولغزه، وكانت تعرف في الجاهلية قبل الإسلام، وأقرها الرسول -صلى الله عليه وسلم- لخلوها من الشرك، ومن هذا أيضاً ما رواه مسلم في صحيحه من طريق آخر عن أنس – رضي الله عنه – قال: " رخص رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الرقية من العين والحمة والنملة ". وهذا يدل على أن رقية النملة كانت معروفة للناس من غير طريق النبي- صلى الله عليه وسلم- ولما لم يكن فيها شرك رخَّص- صلى الله عليه وسلم- في تعلمها ولكن قول الصحابي – رضي الله عنه – رخص رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يدل على أن العزيمة في غيرها وهو ترك الرقى إلا بكتاب الله، وما صح من السنة، ولهذا قال ابن التين – يرحمه الله – ".. وعلى كراهة الرقى بغير كتاب الله علماء الأمة " وقال الربيع سألت الشافعي عن الرقية، فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله، وما يعرف من ذكر الله، قلت: أيرقي أهل الكتاب المسلمين ؟ قال: نعم ! إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وبذكر الله، وفي الموطأ أن أبا بكر قال لليهودية التي كانت ترقي عائشة أرقيها بكتاب الله.
وقال المازري اختلف في استرقاء أهل الكتاب فأجازها قوم وكرهها مالك، لئلا يكــون مما بدلوه، وأجاب من أجاز بأن مثل هذا يبعد أن يقولوه وهو كالطب سواء([12]). فإن غير الحاذق لا يحسن أن يقول: والحاذق يأنف أن يبدل حرصاً على استمرار وصفه بالحذق لترويج صناعته([13]). قلت: إذا قبلنا رقية أهل الجاهلية الوثنيين إذا لم يكن فيها شرك وجربت منفعتها كرقية النملة، فأهل الكتاب من باب أولى ! فقد تكون رقاهم متلقاة من الكتاب الذي لم يحرف لأنه لا غرض لهم في تحريف الرقية، كما أن لهم غرض في تحريف العقائد والأحكام، بل إذا حرّقوا الرقية زالت فائدتها فربما يحرصون على بقائها على أصلها التماساً للفائدة الدنيوية. والله تعالى أعلم.
مستفاد من رسالة : [الرقى على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة ]. للدكتور علي بن نفيع العلياني .
الفصل الثالث:(هل الرقى توقيفية؟ وهل يُرقى من كل داء؟)
([1]) صحيح مسلم مع النووي 15/118 .
([2]) الشيص هو البسر الرديء الذي إذا يبس صار حفشاً .
([3]) المصدر السابق .
([4]) انظر فتح الباري 122/10 .
([5]) انظر صحيح البخاري مع الفتح 10/119 .
([6]) صحيح مسلم مع النووي 14/186 .
([7]) المصدر السابق 14/187 .
([8]) عون المعبود 373/10 النملة هي قروح تخرج في الجنب .
([9]) المستدرك 4/56 وقال على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وصححه الألباني في السلسة 178 .
([10]) انظر عون المعبود وشرح سنن أبي داود 10/373 والنهاية لابن الأثير 5/120 .
([11]) النووي مع مسلم 14/184 .
([12]) في الأصل كان ولا تستقيم العبارة به .
([13]) شرح النووي 10/167 .




رد مع اقتباس