كِتَابُ الأَضَاحِيِّ
باب تعريف الأضحية وحكمها
تعريفها :
الأضحية ما يذبح في أيام النحر تقرباً إلى الله ـ عزّ وجل ـ ، وسميت بذلك؛ لأنها تذبح ضحى، بعد صلاة العيد.([1]) ، وهي عبادة مالية من أفضل العبادات والشعائر.([2]) حكمها
هي من العبادات المشروعة في كتاب الله وسنة رسوله النبي صلى الله عليه وعلي آله وسلم وإجماع المسلمين.
فأما كتاب الله: فقد الله تعالي: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}[الكوثر: 2] ، وقال تعالي:{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}[الأنعام: 162، 163] ، وقال تعالى:{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا}[الحج: 34].
وهذه الآية تدل على أن الذبح تقرباً إلى الله تعالي مشروع في كل ملة لكل أمة، وهو برهان بيّن على أنه عباده ومصلحة في كل زمان ومكان وأمَة.
وأما سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم: فقد ثبت مشروعية الأضحية فيها بقول النبي صلي الله عليه وسلم وفعله وإقراره، فاجتمعت فيها أنواع السنة الثلاثة: القول، والفعل، والتقرير.
ففي: (الصحيحين) عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:
"من ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب سنة المسلمين" ([3]) . وفيهما أيضاً عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قسم بين أصحابه ضحايا، فصارت لعقبة جذعة، فقال: يا رسول الله؛ صارت لي جذعة. فقال :"ضح بها" ([4]) . وفي (الصحيحين) أيضاً عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ضحى النبي صلي الله عليه وسلم بكبشين أملحين ذبحهما بيده، وسمي وكبر ووضع رجله على صفاحهما ([5]) . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين يضحي. رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن ([6]) . وفي(الصحيحين) أيضاً عن جندب سفيان. البجلي قال: شهدت الأضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قضي صلاته بالناس نظر إلى غنم قد ذبحت فقال: "من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها، ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم الله" هذا لفظ مسلم ([7]) . وعن عطاء بن يسار قال: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا فيكم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته (الحديث) . رواه ابن ماجه والترمذي وصححه ([8]) . وأما إجماع المسلمين على مشروعية الأضحية : فقد نقله غير واحد من أهل العلم.([9]) قال في(في المغني) : أجمع المسلمون على مشروعية الأضحية. وجاء في (فتح الباري شرح صحيح البخاري) : ولا خلاف في كونها من شرائع الدين.([10]) وبعد إجماعهم على مشروعية الأضحية اختلفوا: أواجبة هي أم سنة مؤكدة؟ على قولين:
القول الأول: أنها واجبة، وهو قول الأوزاعي، والليث، ومذهب أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، قال شيخ الإسلام: وهو أحد القولين في مذهب مالك، أو ظاهر مذهب مالك.
القول الثاني: أنها سنة مؤكدة، وهو قول الجمهور، ومذهب الشافعي، ومالك، وأحمد في المشهور عنهما، لكن صرح كثير من أرباب هذا القول بأن تركها يكره للقادر، ذكره أصحابنا، نص الإمام أحمد وقطع به في الإقناع، وذكر في (جواهر الإكليل شرح مختصر خليل) . أنها إذا تركها أهل بلد قوتلوا عليها؛ لأنها من شعائر الإسلام.([11]) قلت ( بشير) : قد توسع الإمام ابن عثيمين في كتابه (أحكام الأضحية والذكاة)(2 / 213 ـ 219) ، في سرد أدلة الطرفين وحججهم وردود بعضهم على البعض ، إلى أن قال في نهاية المطاف :(( هذه آراء العلماء وأدلتهم سقناها ليبين شأن الأضحية وأهميتها في الدين، والأدلة فيها تكاد تكون متكافئة، وسلوك سبيل الاحتياط أن لا يدعها مع القدرة عليها، لما فيها من تعظيم الله وذكره وبراءة الذمة بيقين.)) ا.هـ
إلا أن المتأمل في جمع من فتاويه يجد أنه يميل إلى القول بأنها سنة مؤكدة يُكره للقادر تركها
1 ـ سئل - رحمه الله-: ما حكم الأضحية؟
فأجاب بقوله: الأضحية سنة مؤكدة للقادر عليها، فيضحي الإنسان عن نفسه وأهل بيته.([12]) 2 ـ سئل فضيلته: ما القول الصحيح في حكم الأضحية؟
فأجاب بقوله:الذي يظهر لي أن الأضحية ليست بواجبة ولكنها سنة مؤكدة، يُكره للقادر تركها .([13]) 3 ـ سئل : ما حكم الأضحية ؟
فأجاب : الأضحية سنة مؤكدة لمن كان قادراً عليها، حتى قال بعض أهل العلم: إنها واجبة، وممن قال بوجوبها أبو حنيفة وأصحابه- رحمهم الله- وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل- رحمه الله- واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-، وعلى هذا فلا ينبغي للقادر أن يدع الأضحية .([14]) 4 ـ سئل : ما هو القول الصحيح في حكم الأضحية؟
فأجاب : الذي يظهر لي أن الأضحية ليست بواجبة؛ ولكنها سنة مؤكدة يُكْرَه للقادر تركها.([15]) 5 ـ وقال في (لقاء الباب المفتوح :228) : الأضحية سنة مؤكدة . ([16]) قلت (بشير) : وليعلم أن تاريخ هذا اللقاء كان كما قال الشيخ : (( فهذا هو اللقاء الثامن والعشرون بعد المائتين من لقاءات الباب المفتوح، التي تتم كل يوم خميس في كل أسبوع، وهذا الخميس هو الخامس والعشرون من شهر ذي القعدة عام : 1420هـ ))
والشيخ ـ رحمه الله ـ توفي يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر شوال لعام 1421هـ .
فهذا مما يدل أن اختيار الشيخ في هذه المسألة ، هو أن الأضحية حكمها عنده أنها سنة مؤكدة ([17]) ، وهو في ذلك لم يغفل عن حجج الطرف الثاني ، وما هي عليه من القوة وحظ من النظر ، ولهذا كان كثيرا ما ينبه عليها في رسائله وفي فتاويه ، ومن ذلك ما جاء عنه في (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 10) لما سئل عن حكم الأضحية؟ فأجاب- رحمه الله- بقوله: (( الأضحية سنة مؤكدة، وقال بعض العلماء: إنها واجبة، ولكل قوم دليلٌ استدلوا به، والاحتياط ألا يدعها الغني الذي أغناه الله تبارك وتعالى، وأن يجعلها من نعمة الله عليه، حيث يشارك الحجاج في شيء من النسك، فإن الحجاج في أيام العيد يذبحون هداياهم، وأهل الأمصار يذبحون ضحاياهم، فمن رحمة الله تبارك وتعالى أن شرع لأهل الأمصار أن يضحوا في أيام الأضحية ليشاركوا الحجاج في شيء من النسك ,ولهذا نقول: القادر عليها لا ينبغي أن يدعها .)) ا.هـ
وقال في (الشرح الممتع )(7/ 478 ـ 479) عند شرح قول المصنف « والأضْحِيَةُ سُنَّةٌ» :
(( أي: سنة مؤكدة جداً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم داوم عليها وضحى عشر سنوات، وحث عليها حتى قال: «من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا» ([18]) ، وكان يظهرها على أنها شعيرة من شعائر الإسلام، حتى إنه يخرج بأضحيته إلى المصلى، ويذبحها بالمصلى، ولهذا اختلف العلماء هل هي سنة مؤكدة لا يكره تركها، أو سنة يكره تركها للقادر، أو واجبة؟ فذهب أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ وأصحابه إلى أنها واجبة، وأن القادر يأثم إذا لم يضح، ومال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ إلى هذا؛ لأنها شعيرة ظاهرة قرنها الله تعالى بالصلاة في قوله: {فَصَلِّ لِرَّبِكَ وأنحر }، وفي قوله: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
والقول بالوجوب للقادر قوي؛ لكثرة الأدلة الدالة على عناية الشارع بها، واهتمامه بها فالقول بالوجوب قوي جداً، فلا ينبغي للإنسان إذا كان قادراً أن يدعها )) ا.هـ
مسألة: إذا كانت الأضحية سنة مؤكدة يُكْرَه للقادر تركها ، بل واجبة على القول الثاني ، فهل يشرع لمن ليس عنده قيمتها في وقت العيد لكنه يأمل أن يحصل على قيمتها عن قُرب ، أن يستدين فيضحي ؟
1 ـ سئل الإمام: هل يشرع للفقير أن يستدين لكي يضحي؟
فأجاب بقوله: الفقير الذي ليس بيده شيء عند حلول عيد الأضحى لكنه يأمل أن يحصل، كإنسان له راتب شهري، أو أنه في يوم العيد ليس في يده شيء لكنه يستطيع أن يستقرض من صاحبه
ويوفي إذا جاء الراتب فهذا يمكن أن نقول له: لك أن تستقرض إذن وتضحي ثم توفي، ْ أما إذا كان لا يأمل الوفاء عن قريب فإننا لا نستحب له أن يستقرض ليضحي؛ لأن هذا يستلزم إشغال ذمته بالدين ومنّ الناس عليه، ولا يدري هل يستطيع الوفاء أو لا يستطيع.
2 ـ و سئل: هل يجوز شراء الأضحية بالدين؟
فأجاب بقوله: إذا كان الرجل ليس عنده قيمة الأضحية في وقت العيد لكنه يأمل أن سيحصل على قيمتها عن قُرب، كرجل موظف ليس بيده شيء في وقت العيد، لكن يعلم إذا تسَلَّم راتبه سهل عليه تسليم القيمة فإنه في هذه الحال لا حرج عليه أن يستدين، وأما من لا يأمل الحصول على قيمتها من قرب فلا ينبغي أن يستدين للأضحية.([19]) 3 ـ وقال مرة لما سئل: ما حكم الأضحية ؟وهل يستدين الإنسان ليضحي؟
فأجاب : الأضحية سنة مؤكدة لمن كان قادراً عليها، حتى قال بعض أهل العلم: إنها واجبة، وممن قال بوجوبها أبو حنيفة وأصحابه- رحمهم الله- وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل- رحمه الله- واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-، وعلى هذا فلا ينبغي للقادر أن يدع الأضحية.
أما مَن ليس عنده فلوس فإنه لا ينبغي له أن يستدين ليضحي؛ لأنه سوف يشغل ذمته بالدين، ولا يدري أيقدر على وفائه أم لا، لكن من كان قادرًا فلا يدع الأضحية لأنها سنة )) ([20]) مسألة : حكم الأضحية لمن كان عليه دين .
سئل الإمام : ما حكم الأضحية لمن كان عليه دين ، وهل لابد من استئذان صاحب الدين؟
فأجاب بقوله: أنا لا أرى أن يضحي الإنسان وعليه دين، إلا إذا كان الدين مؤجلاً، وهو يعلم
من نفسه أنه إذا حل الدين يتمكن من وفائه فلا بأس أن يضحي، وإلا فليدخر الدراهم التي
عنده للدين، والدين مهم فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم إليه رجل عليه
دين ليصلي عليه ترك الصلاة عليه، حتى إنه في يوم من الأيام قدم إليه رجل من الأنصار
ليصلي عليه فخطا خطوات ثم قال: "هل عليه دين؟ " قالوا: نعم، قال: "صلوا على صاحبكم"، ولم يصل عليه حتى قام أبو قتادة رضي الله عنه وقال: علي، فقال عليه الصلاة والسلام: "حق الغريم وبرئ منه الميت " قال: نعم يا رسول الله، فتقدم وصلى، ولما سئل عليه الصلاة والسلام عن الشهادة في سبيل الله، وأنها تكفر كل شيء قال: "إلا الدين" ، أي: أن الشهادة لا تكفر الدين، فالدين ليس بالأمر الهين، قد تصاب البلاد بمصيبة اقتصادية في المستقبل؛ لأن هؤلاء الذين يستدينون ويستهينون بالدين سيفلسون فيما بعد، ثم يفلس من ورائهم الذين أدانوهم، فالمسألة خطيرة للغاية، وما دام الله عز وجل يسر للعباد العبادات المالية ألاَّ يقوم بها الإنسان
إلا إذا كان عن سعة فليحمد الله وليشكره.([21]) أضحية واحدة في البيت تجزيء عن كل واحد في البيت
1 ـ سئل الشيخ : فهل مطلوب من أهل البيت أن يضحي كل واحد منهم عن نفسه؟
فأجاب :(( لا ، السنة أن يضحي رب البيت عمن في البيت، لا أن كل واحد من أهل البيت يضحي، ودليل ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بشاة واحدة عنه وعن أهل بيته، وقال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: "كان الرجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته" ، ولو كان مشروعاً لكل واحد من أهل البيت أن يضحي لكان ذلك ثابتاً في السنة، ومعلوم أن زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام لم تقم واحدة منهن تضحي اكتفاء بأضحية النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قال قائل: لعل ذلك لفقرهم؟
فالجواب: إن هذا احتمال وارد لكنه غير متعين، بل إنه جاءت الآثار بأن من أزواج الرسول عليه الصلاة والسلام من كانت غنية ، وها هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها جاءت بريرة إليها تستعينها في قضاء دين كتابتها، بريرة أمة اشترت نفسها من أسيادها بتسع أواق من الفضة، والأوقية أربعون درهماً، فتكون التسع الأواق ثلاثمائة وستين درهماً، فجاءت تستعين أم المؤمنين عائشة قالت: أعينيني، فقالت: عائشة لها: "إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت" ، أي: أن أنقدها لهم نقداً وهذا يدل على أنها كان عندها مال.
أتدرون كم نحصل من الغنم في ثلاثمائة وستين درهماً، كم نحصل؟ أي كم تساوي الشاة في ذلك الوقت؟ تساوي والله أعلم عشرة دراهم، ودليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم في مسألة الجبران في الزكاة قال: "إنه يعطي معها شاتين إن استيسرتا لها أو عشرين درهماً "، وهذا يدل على أن الشاة في ذلك الوقت تساوي عشرة دراهم، إذاً: فالحصول على الأضحية في ذلك الوقت متيسر ومع ذلك لم يكن كل واحد من أهل البيت يذبح أضحية.
وفي عهدنا الآن لما أيسر الله على الناس صار بعض أصحاب البيوت يضحي كل فرد بأضحية، ولعلهم يظنون هذا من جنس زكاة الفطر؛ لأن زكاة الفطر فرض على كل واحد، فهم يظنون أن الأضحية -والله أعلم- تشبه زكاة الفطر مطلوبة من كل واحد، وليس كذلك.)) ([22]) 2 ـ وسئل : إذا كان لي أولاد ولي دخل ماليّ وأسكن مع والدي وترغب نفسي في الأضحية، فهل أكتفي بأضحية والدي وأحرم نفسي كما أشرتم أم ماذا أصنع؟ وهل هذا مقيد بمن تجب له النفقة على والده فقط؟ وجزاكم الله خيراً.
فأجاب : السنة كما ذكرت أن الرجل يضحي عنه وعن أهل بيته، كل من في البيت من أولاد كبار أو صغار، ذكور أو إناث تكفيهم الأضحية الواحدة يقوم بها رب البيت، أما إذا كان الإنسان منفصلاً عن أبيه؛ هو في بيت وأبوه في بيت فلكل واحد منهما أضحية، الأب يضحي عنه وعن أهل بيته، والابن يضحي عنه وعن أهل بيته وإذا كان يسكن مع والده فالأضحية الواحدة تكفيهم، وهل هو مقيد بمن تجب عليه النفقة أي الأب؟ لا ، أبداً.
هو يضحي عنه وعن أهل بيته، كل من في البيت يكفيهم أضحية واحدة.
ولكن يجب أن تلاحظوا بارك الله فيكم أنا إذا قلنا هذه السنة ليس معناه أنه يحرم، لكن لا شك أن التمسك بالسنة خير من عدمه، وأضرب لكم مثالاً: رجلان أحدهما قام يصلي سنة الفجر لكن يخففها ، والثاني قام يصلي سنة الفجر لكن يطيل فيها، أيهما الأوفق للسنة؟
الأول الذي يخفف، لكن الثاني لا يأثم وإن كان يطول ويفعل خلاف السنة ولكن لا يأثم، وإذا قلنا: إن السنة أن يقتصر أهل البيت على أضحية واحدة يقوم بها رب البيت فليس معنى ذلك أنهم لو ضحوا بأكثر من واحدة أنهم يأثمون، لا يأثمون لكن المحافظة على السنة أفضل من كثرة العمل، والله سبحانه وتعالى يقول: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك:2] ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم رجلين في حاجة فلم يجدا الماء فتيمما وصليا ثم وجدا الماء، أما أحدهم فتوضأ وأعاد الصلاة، وأما الآخر فلم يتوضأ ولم يعد الصلاة، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة، وقال للثاني: لك الأجر مرتين، فأيهما أفضل؟
الذي أصاب السنة وإن كان هذا له الأجر مرتين، لأنه إنما كان له الأجر مرتين لأنه عمل عملين ينوي بهما التقرب إلى الله عز وجل، فكان له أجر عملين لكن ليس كالذي أصاب السنة.([23]) 3 ـ سئل هل تجوز أضحية واحدة لأخوين شقيقين في بيت واحد مع أولادهم أكلهم وشر بهم واحد؟
فأجاب بقوله: (( نعم، يجوز أن يقتصر أهل البيت الواحد ولو كانوا عائلتين على أضحية واحدة، ويتعدى بذلك فضيلة الأضحية. )) ([24]) 4 ـ سئل عن ثلاثة أخوة في بيت، لهم رواتب، وكلهم متزوج، فهل تجزئهم أضحية واحدة أم لكل واحد أضحية؟
فأجاب بقوله: (( إذا كان طعامهم واحدًا، وأكلهم واحدًا فإن الواحدة تكفيهم، يضحي الأكبر عنه وعمن في بيته، وأما إذا كان كل واحد له طعام خاص- يعني مطبخ خاص به- فهنا كل واحد منهم يضحي؛ لأنه لم يشارك الآخر في مأكله ومشربه ([25]) .)) ([26]) 5 ـ سئل فضيلته : عن ثلاثة إخوة يسكنون في سكن واحد، ويضحون بأضحية واحدة فهل
تجزئ عنهم؟
فأجاب بقوله: (( الظاهر لي أن الحكم في هذا أن أضحيتهم هذه مجزئة؟ لأن مالهم بمنزلة الواحد، فتجزئ عنهم الأضحية الواحدة؛ لأنهم في بيت واحد، وكان الصحابة رضي الله عنهم يضحون بالشاة عنهم وعن أهل بيتهم ... ، أما هؤلاء الجماعة فهم في بيت واحد، ومالهم واحد، فهم بمنزلة رجل واحد فتجزئ الشاة عنهم جميعَا )) ([27]) 6 ـ سئل : رجل متزوج بزوجتين الأولى عنده والأخرى عند أهلها هل يلزم أضحية أم أضحيتين؟
فأجاب بقوله: (( الأضحية في البيت الذي هو فيه تكفي عنها أيضًا؛ لأنها من أهله، وإن كانت هي عند أهلها، فإذا قال: هذا عني وعن أهل بيتي، شملها وإن كانت عند أهلها.)) ([28]) مسألة : من لم يضحِّ هل عليه كفارة ، وأنه آثم في تركه للأضحية ؟
1 ـ سئل الإمام : عن رجل خارج بلده للعمل لمدة ثلاث سنوات، ولم يقم بالأضحية، ولم يوكل، فهل عليه كفارة؟
فأجاب بقوله: (( الصحيح أن الأضحية ليست واجبة وأنها سنة، لكنه يكره للقادر أن يدعها، وهذا الأخ الغريب الذي ترك الأضحية لمدة ثلاث سنوات لا إثم عليه؛ لأنه لم يترك واجبًا، وإنما ترك أمرًا مطلوبًا إن تيسر له فعله، وإن لم يتيسر فلا حرج عليه، لكن مثل هؤلاء الغرباء ينبغي لهم أن يوكلوا أهليهم بأن يقوموا بالأضحية في بلادهم حتى يحصل لهم الفرح والسرور بأضحيته في بلاده.)) ([29]) 2 ـ سئل الشيخ- رحمه الله- عن رجل يضحي مع عائلته، وله أبناء في مدينة أخرى ليسوا متزوجين، ولم يضحوا فماذا عليهم؟
فأجاب بقوله: إذا ضحوا فهو خير، وإن تركوا الأضحية فلا شيء عليهم، والأضحية لا تلزم أحدًا ، لأن الأضحية سنة مؤكدة من الأصل. ([30])
يتبع إن شاء الله ...
([1]) (الشرح الممتع)(7/ 421) ،( أحكام الأضحية والذكاة)(2/ 213) ، ( شرح بلوغ المرام)(6 /68)
قال العلامة محمد الزرقاني ـ رحمه الله ـ معرفا لها ، هي :" اسْمٌ لِمَا يُذْبَحُ مِنَ النَّعَمِ تَقَرُّبَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي يَوْمِ الْعِيدِ وَتَالِيَيْهِ، قَالَ عِيَاضٌ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ فِي الضُّحَى وَهُوَ ارْتِفَاعُ النَّهَارِ فَسُمِّيَتْ بِزَمَنِ فِعْلِهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: ضَحَّى ذَبَحَ الْأُضْحِيَّةَ وَقْتَ الضُّحَى هَذَا أَصْلُهُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى قِيلَ ضَحَّى فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. "(شرح الزرقاني على الموطأ)(3/ 106)
([2]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 26)
([3]) رواه البخاري، كتاب الأضاحي باب الذبح بعد الصلاة، (5560) ومسلم، كتاب الأضاحي باب وقتها، رقم (1961) .
([4]) رواه البخاري، كتاب الأضاحي، باب قسمة الإمام الأضاحي بين الناس، رقم (5547) ومسلم كتاب الأضاحي باب سن الأضحية، رقم (1965) .
([5]) رواه البخاري، كتاب الأضاحي، باب التكبير عند الذبح، رقم (5565) ومسلم، كتاب الأضاحي، باب استحباب الضحية وذبحها مباشرة (1966) .
([6]) رواه أحمد (28/2) والترمذي، كتاب الأضاحي، باب الدليل على أن الأضحية سنة رقم (1507)
([7]) رواه البخاري، كتاب الأضاحي، باب من ذبح قبل الصلاة أعاد، رقم (5562) ومسلم، كتاب الأضاحي، باب وقتها، رقم (1960) .
([8]) رواه الترمذي، كتاب الأضاحي، باب ما جاء أن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت، رقم (1505) وابن ماجه، كتاب الأضاحي، باب من ضحي بشاة عن أهله، رقم (3147) .
([9]) وممن نقل الإجماع أيضا، العلامة علي الملا القاري ـ رحمه الله ـ في ( مرقاة المفاتيح)(3/ 1077)
حيث قال : (( وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي أَصْلِ الشَّرْعِ بِالْإِجْمَاعِ )) ا.هـ
([10]) (أحكام الأضحية والذكاة)(2/ 213 ـ 214)
([11]) (أحكام الأضحية والذكاة)(2 / 213 ـ 215)
([12]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 10)
([13]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 15)
([14]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 17)
([15]) (لقاء الباب المفتوح)(3/ 32)
([16]) (لقاء الباب المفتوح (228/ 4)
([17]) وهذا الاختيار له وجهته وقوته من حيث الاعتبار والثبوت لما هو عليه من الأدلة القوية التي تدل عليه وتقيم حجته وترجحه، ومن ذلك ما ذكره العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني ـ رحمه الله ـ في (سبل السلام)(3/ 320) تعليق الإمام الألباني ، حيث قال : (( وَلِضَعْفِ أَدِلَّةِ الْوُجُوبِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، بَلْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ.... وَأَفْعَالُ الصَّحَابَةِ دَالَّةٌ عَلَى عَدَمِ الْإِيجَابِ. فَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا كَانَا لَا يُضَحِّيَانِ خَشْيَةَ أَنْ يُقْتَدَى بِهِمَا )) ا.هـ
وما ثبت عن أبي بكر وعمر قد ثبت أيضا عن أبى مسعود الأنصاري ـ رضي الله عنهم ـ
قال العلامة الألباني في ( إرواء الغليل)(4/ 354 ـ 355) : ((1139 - روى عن أبى بكر وعمر: " أنهما كانا لا يضحيان عن أهلهما مخافة أن يرى ذلك واجبا " (ص 271) ، صحيح ، أخرجه البيهقى (6/295) من طريق جماعة عن أبي سريحة الغفاري قال: " ما أدركت أبا بكر , أو رأيت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان ـ في بعض حديثهم ـ كراهية أن يقتدي بهما ".
وقال: " أبو سريحة الغفاري هو حذيفة بن أسيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
قلت: والسند إليه صحيح.
ثم روى عن أبى مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: " إني لأدع الأضحى , وإني لموسر , مخافة أن يرى جيراني أنه حتم علي " ، قلت: وإسناده صحيح أيضا.)) ا.هـ
فترك الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ للأضحية ، يدل على أنها ليست بواجبة ، وهذا منهم تعليم وتنبيه للأمة أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأضحية ، هو عدم الوجوب ، وفي هذا يقول العلامة المعلمي ـ رحمه الله ـ في (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل)(2/ 23) ، تعليق الإمام الألباني :(( وقد كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ربما يدع الأمر المستحب كراهية المشقة كما كان يعجل صلاة العشاء إذا جمعوا وأبطأ بها ليلة ثم خرج فصلى وقال: «إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي» وإما أن يكونا سواء والمصلى مخير بينهما، وإما أن يكون التطبيق مندوباً أيضاً وإن كان الأخذ بالركب أفضل، وقد علم ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان ربما يدع ما هو في الأصل مندوب ليبين للناس أنه ليس بواجب وربما يفعل ما هو في الأصل مكروه ليبين للناس أنه ليس بحرام، وكان أبو بكر وابن عباس لا يضحون، كانوا يدعون التضحية ليبينوا للناس أنها ليست بواجبة )) ا.هـ
([18]) صحيح ، انظر إلى (صحيح الجامع الصغير وزيادته)(2/ 1106)
([19]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 109 ـ 110)
([20]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 18)
قلت ( بشير) : هذه الفتوى تحمل على قوله السابق : من لا يأمل الحصول على قيمتها من قرب فلا ينبغي أن يستدين للأضحية ، والله أعلم .
([21]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 127)
([22]) (دروس الشيخ العثيمين)(5/ 5)
([23]) (دروس الشيخ العثيمين)(5/ 13)
([24]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 36)
([25]) قلت : هذا تنبيه من الإمام مهم ، والأمة بحاجة إلى مثل هذه التنبيهات والإرشادات ، لأنه كثير من الناس من حالهم مثل ما ذكر الشيخ يغفل عن مثل هذا الحكم ، وقد سئل فضيلته عن أب يسكن معه في بيته ثلاثة أبناء متزوجون، ولكل واحد منهم جزء مستقل في البيت فهل تجزئ أضحية واحدة عنهم؟
فأجاب بقوله: (( الذي أرى أن على كل بيت أضحية ، لأن لكل بيت مستقل.))
(مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 38)
([26]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 41)
([27]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 43 ـ 44)
([28]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 43)
([29]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 63)
([30]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 24)