ما جاء فيما تتعين به الأضحية وأحكامه
قال الإمام في (أحكام الأضحية والذكاة)(2/ 245 ـ 250)
(( تتعين الأضحية أضحية بواحد من أمرين:
أحدهما: اللفظ بتعيينها أضحية بأن يقول: هذه أضحية قاصدا بذلك إنشاء تعيينها.
فأما إن قصد الإخبار عما سيصرفها إليه في المستقبل؛ فإنها لا تتعين بذلك؛ لأن هذا إخبار عما في نيته أن يفعل، وليس للتعيين.
الثاني: ذبحها بنية الأضحية، فمتى ذبحها بنية الأضحية؛ ثبت لها حكم الأضحية، وإن لم يتلفظ بذلك قبل الذبح، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو مذهب الشافعي، أعني أن الأضحية تتعين بأحد هذين الأمرين، وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية أمراً ثالثاً وهو: الشراء بنية الأضحية، فإذا اشتراها بنية الأضحية تعينت، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة.
والأول أرجح كما لو اشترى عبداً يريد عتقه فإنه لا يعتق، وكما لو اشترى بيتا ليجعله وقفا؛ فإنه لا يصير وقفا بمجرد النية، وكما لو أخرج من جيبه دراهم ليتصدق بها؛ فإنها لا تتعين الصدقة بها بل هو بالخيار إن شاء أنفذها وإن شاء منعها.
ويستثني من ذلك ما إذا اشترى أضحية بدلاً عن معينة فإنها تتعين بمجرد الشراء مع النية.
وإذا تعينت أضحية تعلق بذلك أحكام:
أحدها: أنه لا يجوز نقل الملك فيها ببيع ولا هبة ولا غيرهما إلا أن يبدلها بخير منها، أو يبيعها ليشتري خيراً منها فيضحي به.
وإن مات من عينها لم يملك الورثة إبطال تعيينها، ولزمهم ذبحها أضحية، ويفرقون منها ويأكلون.
الثاني: أنه لا يجوز أن يتصرف فيها تصرفا مطلقا، فلا يستعملها في حرث ونحوه، ولا يركبها بدون حاجة ولا مع ضرر، ولا يحلب من لبنها ما فيه نقص عليها أو يحتاجه ولدها المتعين معها. ولا يجز شيئا من صوفها ونحوه إلا أن يكون أنفع لها، وإذا جزه فليتصدق به أو ينتفع، والصدقة أفضل.
الثالث: أنها إذا تعيبت عيباً يمنع الإجزاء فله حالان:
الحال الأولى: أن يكون ذلك بدون فعل منه ولا تفريط؛ فيذبحها وتجزئه إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين؛ لأنها أمانة عنده، فإذا تعيبت بدون فعل منه ولا تفريط فلا حرج عليه.
مثال ذلك: أن يشتري شاةً فيعينها أضحية، ثم تعثر وتنكسر بدون سبب منه فيذبحها وتجزئه أضحية.
فإن كانت واجبة في ذمته قبل التعيين كما لو نذر أن يضحي ثم عين عن نذره شاة فتعيبت بدون فعل من ولا تفريط وجب عليه إبدالها بسليمة تجزئ عما في ذمته؛ لأن ذمته مشغولة بأضحية سليمة قبل أن يعينها، فلا يخرج من عهدة الواجب إلا بأضحية سليمة.
الحال الثانية: أن يكون تعيبها بفعله أو تفريط؛ فيلزمه إبدالها بمثلها على كل حال، سواء كانت واجبة في ذمته قبل التعيين أم لا، وسواء كانت بقدر ما يجزئ في الأضحية أو أعلى منه.
مثال ذلك: أن يشتري شاة سمينة فيعينها أضحية ثم يربطها برباط ضيق كان سببا في كسرها فتنكسر؛ فيلزمه إبدالها بشاة سمينة يضحي بها.
وإذا ضحى بالبدل فهل يلزمه ذبح المتعيب أيضا، أو يعود ملكا له؟ على روايتين عن أحمد:
إحداهما: يلزمه ذبح المتعيب، وهو المذهب المشهور عند الأصحاب لتعلق حق الفقراء فيه بتعيينه.
الثانية: لا يلزمه ذبحه لبراءة ذمته بذبح بدله، فلم يضع حق الفقراء فيه، وهذا هو القول الراجح ، اختاره الموفق والشارح وغيرهما، وعلى هذا فيعود المتعيب ملكا له يصنع فيه ما شاء من أكل وبيع وهدية وصدقة وغير ذلك.
الرابع: أنها ضلت (ضاعت) أو سرقت فثم حالان:
الحال الأولى: أن يكون ذلك بدون تفريط منه فلا ضمان عليه إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين؛ لأنها أمانة عنده، والأمين لا ضمان عليه إذا لم يفرط، لكن متى وجدها أو استنقذها من السارق؛ لزمه ذبحها ولو فات وقت الذبح، وإن كانت واجبة في ذمته قبل التعيين وجب عليه ذبح بدلها على أقل ما تبرأ به الذمة كما سبق، فإن وجدها أو استنقذها من السارق بعد ذبح بدلها لم يلزمه ذبحها لبراءة ذمته، وسقوط حق الفقراء بذبح البدل، لكن إن كان البدل الذي ذبحه أنقص لزمه الصدقة بأرش النقص؛ لتعلق حق الفقراء به، والله أعلم.
الحال الثانية: أن يكون ذلك بتفريط منه فيلزمه إبدالها بمثلها على كل حال، أي سواء كانت واجبة في ذمته قبل التعيين أو لا، وسواء كانت بقدر ما يجزئ في الأضحية أم أعلى منه.
مثال ذلك: اشترى شاة فعينها أضحية، ثم وضعها في مكان غير محرز فسرقت أو خرجت فضاعت؛ فيلزمه إبدالها بأضحية مثلها على صفتها، وإن شاء أعلى منها.
وإذا ضحى بالبدل ثم وجدها أو استنقذها من السارق؛ عادت ملكا له يصنع بها ما شاء من بيع وهبة وصدقة وغير ذلك؛ لأنه برئت ذمته بذبح بدلها، وسقط به حق الفقراء.
الخامس: أنها إذا تلفت فلها ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يكون تلفها بأمر لا صنع للآدمي فيه؛ كمرض أو آفة سماوية أو سبب تفعله هي، فلا يلزمه بدلها إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين؛ لأنها أمانة عنده، والأمين لا ضمان عليه في مثل ذلك، فإن كانت واجبة في ذمته قبل التعيين؛ لزمه ذبح بدلها على أقل ما تبرأ به ذمته، وإن شاء أعلى منه.
الحال الثانية: أن يكون تلفها بفعل مالكها، فيلزمه ذبح بدلها على صفتها بكل حال، أي سواء كانت واجبة في ذمته قبل التعيين أم لا، وسواء كانت بقدر ما يجزئ في الأضحية أم أعلى منه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" من ذبح قبل أن يصلى فليعد مكانها أخرى " وكما لو تعيبت بفعله فيلزمه بدلها على صفتها كما سبق.
الحال الثالثة: أن يكون تلفها بفعل آدمي غير مالكها، فإن كان لا يمكن تضمينه كقطاع الطريق؛ فحكمه حكم تلفها بأمر لا صنع للآدمي فيه على ما سبق في الحال الأولى. وإن كان يمكن تضمينه كشخص معين ذبحها فأكلها، فإنه يلزمه ضمانها بمثلها يدفعه إلى مالكها ليضحي به، وقيل: يلزمه ضمانها بالقيمة، والأول أصح، فإن الحيوان يضمن بمثله على القول الراجح؛ لما روى البخاري عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه بعيرا ـ وفي رواية فأغلظ له ـ فهم به أصحابه فقال:" دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً، واشتروا له بعيرا فأعطوه إياه، وقالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه، قال: اشتروا له وأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء " ، ولمسلم نحوه ، ولو كان البدل الواجب في الحيوان قيمته لم يعدل النبي صلى الله عليه وسلم عنها، ولم يكلفهم الشراء له.
السادس: أنها إذا ذبحت قبل وقت الذبح ولو بنية الأضحية؛ فحكمه حكم إتلافها على ما سبق، وإن ذبحت في وقت الذبح فإن كان الذابح صاحبها أو وكيله؛ فقد وقعت موقعها. وإن كان الذبح غير صاحبها ولا وكيله؛ فله ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن ينويها عن صاحبها، فإن رضي صاحبها بذلك أجزأت بلا ريب، وإن لم يرض أجزأت أيضا على المشهور من مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة، ونقل في المغني عن مالك أنها لا تجزئ، وعلى هذا فينبغي أن يلزم الذابح ضمانها بمثلها يدفعه إلى مالكها ليضحي به كالإتلاف، ويكون اللحم للذابح إلا أن يرضى صاحبها بأخذه مع الأرش وهو فرق ما بين قيمتها حية ومذبوحة، فيملكه ويذبح بدلها.
الحال الثانية: أن ينويها عن نفسه لا عن صاحبها، فإن كان يعلم أنها أضحية غيره لم تجز عنه ولا عن صاحبها؛ لأنه غاضب معتد فلا يكون فعله قربة، ويلزمه ضمانها بمثلها يدفعه إلى صاحبها ليضحي به وقيل: تجزئ عن صاحبها إلغاء لنية الذابح دون فعله، وعلى هذا فلا يضمن إلا ما فرق من اللحم، وإن كان لا يعلم أنها أضحية غيره؛ أجزأت عن صاحبها بكل حال، وقيل: إن فرق لحمها لم تجز عن واحد منهما، والأول أظهر؛ لأن تفرقه اللحم لا أثر لها في الإجزاء وعدمه؛ بدليل ما لو ذبحها ثم سرقت قبل تفريقها فإنها تجزئ. نعم تفريق اللحم له أثر في الضمان وعدمه، فإنه إذا فرق اللحم؛ لزمه ضمانه لصاحبها ما لم يرض بتفريقه إياه.
الحال الثالثة: أن يذبحها مع الإطلاق؛ فلا ينويها عن صاحبها ولا عن نفسه، فتجزئ عن صاحبها أيضا؛ لأنها معينة من قبله، وقيل: لا تجزئ عن واحد منهما.
تنبيه : في حال إجزاء المذبوح عن صاحبه فيما سبق، إن كان اللحم باقيا أخذه صاحبه وفرقه أضحية، وإن كان الذابح قد فرقه تفريق أضحية ورضي به صاحبها، فقد وقع الموقع، وإن لم يرض ضمنه لصاحبه ليفرقه بنفسه.
تنبيه ثان : محل ما ذكر من التفصيل إن قلنا بحل ما ذكاه الغير بغير إذن مالكه، وإلا فلا تجزئ بكل حال وعليه الضمان.
تتمه : قال الأصحاب: وإن ضحى اثنان كل منهما بأضحية الآخر عن نفسه غلظاً كفتهما ولا ضمان، فإن فرقاً اللحم؛ فقد وقع موقعه وإلا تراداه ليفرق كل واحد منهما لحم أضحيته.
فائدتان :
الأولى : إذا تلفت بعد الذبح أو سرقت أو أخذها من لا تمكن مطالبته، ولم يفرط صاحبها فلا ضمان عليه، وإن فرط ضمن ما تجب به الصدقة منها قط.
الثانية : إذا ولدت بعد التعيين فحكم ولدها حكمها في جميع ما تقدم سواء حملت به بعد التعيين أم قبله، وأما ما ولدته قبل التعيين فهو مستقل في حكم نفسه فلا يتبع أمه. )) ا.هـ
ومما جاء عن الشيخ من الفتاوى في هذا الباب أنه سئل : فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين- حفظه الله- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أرجو من فضيلتكم الإجابة على الأسئلة التالية وجزاكم الله خيرًا.
السؤال الأول: ما حكم من عين الأضحية ثم ماتت قبل العيد بثلاثة أيام، ثم أخذ بدل، وفي يوم عرفة انكسرت الأضحية، ولم يجد بدل؛ لأنه في عيد، فما الحكم إذا ضحى بها، وهل تجزئ الأضحية؟
وجزاكم الله خيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب : (( وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، يذبح البدل وإن انكسرت قبل الذبح إلا أن يكون الانكسار بتفريط من المضحي وذلك لأنها بدل عن معينة فتتعين بمجرد الشراء مع النية، والأضحية إذا تعيبت بعد التعيين بدون تفريط من المالك أجزأت عنه.
جواب السؤال الثاني: الأضحية سنة مؤكدة لا ينبغي للقادر أن يتركها، وقيل: واجبة.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 27/6/1418هـ. )) ا.هـ ([1])
2 ـ وسئل فضيلته : إذا اشترى إنسان ذبيحتين يقصد إحداهما للأضحية والأخرى لحما فهل يشترط أن يعين التي سيضحي بها بعينها ولا يجوز له تبديلها بالأخرى؟
فأجاب بقوله: (( لا ليس بشرط، والذي ينبغي للإنسان ألاَّ يعين الأضحية إلا عند ذبحها لأجل أن يكون حرَّا في تبديلها وتغييرها، فإذا أراد أن يذبحها يقول: هذه أضحية فلان، أضحية عني وعن أهل بيتي، أو عن فلان الذي أوصى بها أو ما أشبه بذلك ، ماذا ([2]) تعينت فإنه يتعلق بها حكم الأضحية ويجب عليه تنفيذها، وقد ذكر بعض أهل العلم أنه إذا أبدلها بخير منها فلا حرج. )) ا.هـ ([3])
3 ـ وسئل : من اشترى الأضحية لتربيتها في الرعي، ثم مرضت أو انكسرت رجلها فهل يضحي بما؟
فأجاب بقوله: (( يقول العلماء- رحمهم الله- من عيّن الأضحية وقال: هذه أضحيتي صارت أضحية، فإذا أصابها مرض أو كسر فإن كنت أنت السبب فإنها لا تجزئ، ويجب عليك أن تشتري بدلها مثلها أو أحسن منها، وإن لم تكن السبب فإنها تجزئ.
ولهذا نقول: الأولى أن الإنسان يصبر في تعيينها فيشتريها مبكرًا من أجل أن يغذيها بغذاء طيب، ولكن لا يعينها، فإذا كان عند الذبح عينها وقال: اللهم هذا منك ولك، هذا عني وعن أهل بيتي. وهو إذا لم يعين يستفيد فائدة مهمة وهي: لو طرأ أن يدعها ويشتري غيرها فله ذلك؛ لأنه لم يعينها. )) ا.هـ
4 ـ وسئل - رحمه الله-: ما حكم تعليم الأضحية بالحناء وبالقلائد؟
فأجاب بقوله: (( الأضاحي لا حاجة لأن تعلم بالحناء ولا بقلائد؛ لأن الإنسان سيضحي بها في بيته، ويأكل منها هو وأهله، ويطعم الفقراء ويتصدق عليهم، ويطعم الأغنياء، وإنما التقليد يكون للهدي الذي يبعث به إلى مكة، حتى يعرف الفقراء أنه هدي فيتبعوه ليأكلوا منه .)) ا.هـ ([4])
ومما جاء في هذا الباب عن (فتاوى اللجنة الدائمة)(11/ 402) :
(( السؤال الثاني من الفتوى رقم (1734) : اشتريت شاة لأضحي بها فولدت قبل الذبح بمدة يسيرة، فماذا أفعل بولدها؟
الجواب : الأضحية تتعين بشرائها بنية الأضحية أو بتعيينها، فإذا تعينت فولدت قبل وقت ذبحها فاذبح ولدها تبعا لها ، وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز)) ا.هـ
باب وقت الأضحية
قال الشيخ في ( أحكام الأضحية والذكاة)(2/ 225)
(( الأضحية عبادة موقتة لا تجزئ قبل وقتها على كل حال، ولا تجزئ بعده إلا على سبيل القضاء إذا أخرها لعذر.
وأول وقتها بعد صلاة العيد لمن يصلون كأهل البلدان، أو بعد قدرها من يوم العيد لمن لا يصلون كالمسافرين وأهل البادية، فمن ذبح قبل الصلاة فشاته شاة لحم، وليست بأضحية ويجب عليه ذبح بدلها على صفتها بعد الصلاة؛ لما روى البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله، وليس من النسك في شيء"، وفيه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب سنة المسلمين " .
وفيه أيضا عن جندب بن سفيان البجلي رضي الله عنه قال شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى " .
والأفضل أن يؤخر الذبح حتى تنتهي الخطبتان؛ لأن ذلك فعل النبي صل الله عليه وسلم، قال جندب بن سفيان البجلي رضي الله عنه: صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ثم خطب ثم ذبح. الحديث رواه البخاري .
والأفضل أن لا يذبح حتى يذبح الإمام ([5]) إن كان الإمام يذبح في المصلى اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذبح وينحر بالمصلى . يعنى يبرز أضحيته عند المصلى العيد فيذبحها هناك؛ إظهاراً لشعائر الله، وليعلم الناس بالفعل كيفية ذبح الأضحية، وليسهل تناول الفقراء منها، وليس المعنى أنه يذبحها في نفس المصلى؛ لأنه مسجد، والمسجد لا يلوث بالدم والفرث.
وفي صحيح البخاري أيضا عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب يوم عيد الأضحى قال: فانكفأ إلى كبشين ـ يعنى فذبحهما ـ ثم انكفأ الناس إلى غنيمة فذبحوها .
وعن جابر رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي صلى الله عليه وسلم رواه أحمد ومسلم .
وينتهي وقت الأضحية بغروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، فيكون الذبح في أربعة أيام: يوم العيد، واليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر، واليوم الثالث عشر. وثلاث ليال: ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر، وليلة الثالث عشر.
هذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم، وبه قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه -في إحدى الروايتين عنه، قال ابن القيم: وهو مذهب إمام أهل البصرة الحسن البصري، وإمام أهل الشام الأوزاعي، وإمام فقهاء أهل الحديث الشافعي، واختاره ابن المنذر.
قلت: واختاره الشيخ تقي الدين بن تيميه وهو ظاهر ترجيح ابن القيم لقوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ}[الحج: 28].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: الأيام المعلومات: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده .
وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" كل أيام التشريق ذبح " رواه أحمد، والبيهقي، وابن حبان في صحيحه ، وأعل بالانقطاع لكن يؤيده قوله صلى الله عليه وسلمً:"أيام التشريق أكل وشرب وذكر لله عز وجل " رواه مسلم .
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم باب هذه الأيام واحدا في كونها أيام ذكر لله عز وجل، وهذا يتناول الذكر المطلق والذكر المقيد على بهيمة الأنعام، ولأن هذه الأيام مشتركة في جميع الأحكام ما عدا محل النزاع، فكلها أيام منى، وأيام رمي للجمار، وأيام ذكر لله وصيامها حرام، فما الذي يخرج الذبح عن ذلك حتى يختص منها باليومين الأولين؟
والذبح في النهار أفضل، ويجوز في الليل؛ لأن الأيام إذا أطلقت دخلت فيها الليالي، ولذلك دخلت الليالي في الأيام في الذكر حيث كانت وقتا له كما كان النهار وقتا له، فكذلك تدخل في الذبح فتكون وقتا له كالنهار.
ولا يكره الذبح في الليل؛ لأنه لا دليل على الكراهة، والكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل.
وأما ما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الذبح ليلا، فقال في (التلخيص) : فيه سليمان بن سلمة الخبائري، وهو متروك .
وأما قول بعضهم: يكره الذبح ليلا خروجا من الخلاف؛ فالتعليل ليس حجة شرعية، قال شيخ الإسلام ابن تيمبة: تعليل الأحكام بالخلاف علة باطلة في نفس الأمر، فإن الخلاف ليس من الصفات التي يعلق الشارع بها الأحكام، فإنه وصف حادث بعد النبي صلى الله عليه وسلم ولكن يسلكه من لم يكن عارفا بالأدلة الشرعية في نفس الأمر لطلب الاحتياط. ا.هـ.
وكثير من المسائل الخلافية لم يراع فيها جانب الخلاف، ولم يؤثر الخلاف فيها شيئا، وها هو الخلاف هنا ثابت في امتداد وقت ذبح الأضحية إلى ما بعد يوم النحر. ولم يقل القائلون بامتداده أنه يكره الذبح فيما بعد يوم العيد، لكن إن قوي دليل المخالف بحيث يثير شبهة؛ كانت مراعاته من باب:" دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " .

يتبع إن شاء الله ..

([1]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 104)

([2]) كذا الأصل ، و الصواب فيما يبدو أن هو ( متى)

([3]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 95)

([4]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 99 ـ 100)

([5]) ومما جاء في هذه المسألة عن (فتاوى اللجنة الدائمة)(11/ 410)
(( السؤال الرابع من الفتوى رقم (5123) : هل صحيح أن من ذبح أضحيته قبل ذبح الإمام لا تجزئ عنه؟
الجواب : الصحيح أن من ذبح بعد صلاة العيد أن ذبيحته تجزئه، ولو كان ذبحه قبل ذبح الإمام، أما من ذبح أضحيته
قبل صلاة العيد فلا تجزئه أضحية، وإنما هي طعام عجله لأهله.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز))