باب ما جاء في الأكل من لحوم الضحايا والإطعام والادخار
قال الإمام في (أحكام الأضحية والذكاة)(2/251 ـ 255)
(( قال الله تعالى:{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}[الحج: 28]، وقال تعالى:{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ}[الحج: 34] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" كلوا وادخروا وتصدقوا " رواه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كلوا وأطعموا وادخروا" . رواه البخاري من حديث سلمة بن الأكوع ، وهو أعم من الأول؛ لأن الإطعام يشمل الصدقة على الفقراء والهدية للأغنياء، وقال أبو بردة للنبي صلى الله عليه وسلم: إني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني وأهل داري ـ أي أهل محلتي .
وليس في هذه الآية والأحاديث نص في مقدار ما يؤكل ويتصدق به ويهدى، ولذلك اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في مقدار ذلك، فقال الإمام أحمد:" نحن نذهب إلى حديث عبد الله: يأكل هو الثلث، ويطعم من أراد الثلث، ويتصدق بالثلث على المساكين "، وقال الشافعي:" أحب أن لا يتجاوز بالأكل والادخار الثلث، وأن يهدي الثلث، ويتصدق بالثلث " .
ويعني الإمام أحمد بحديث عبد الله ما ذكره علقمة قال بعث معي عبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ بهدية فأمرني أن آكل ثلثا، وأن أرسل إلى أهل أخيه عتبة بثلث، وأن أتصدق بثلث ، وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: الضحايا والهدايا: ثلث لك، وثلث لأهلك، وثلث للمساكين. ومراده بالأهل: الأقارب الذين لا تعولهم، نقل هذين الأثرين في(المغني) ثم قال: ولنا ما روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في صفة أضحية النبي صلى الله عليه وسلم قال: ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السؤال بالثلث. رواه الحافظ أبو موسى الأصفهاني في الوظائف وقال: حديث حسن؛ ولأنه قول ابن مسعود وابن عمر، ولم نعرف لهما مخالفا في الصحابة فكان إجماع. ا.هـ.
والقول القديم للشافعي يأكل النصف، ويتصدق بالنصف؛ لقوله تعالى: {ِفَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: من الآية28] فجعلها بين اثنين فدل على أنها بينهما نصفين ، قال في(المغني) : والأمر في ذلك واسع، فلو تصدق بها كلها أو بأكثرها جاز، وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز. وقال أصحاب الشافعي: يجوز أكلها كلها ا.هـ.
وما ذكرناه من الأكل والإهداء؛ فعلى سبيل الاستحباب لا الوجوب، وذهب بعض العلماء إلى وجوب الأكل منها، ومنع الصدقة بجميعها لظاهر الآية والأحاديث، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في حجة الوداع من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر فطبخت، فأكل من لحمها وشرب من مرقها. رواه مسلم من حديث جابر .
ويجوز ادخار ما يجوز أكله منها؛ لأن النهي عن الادخار منها فوق ثلاث منسوخ على قول الجمهور، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: بل حكمه باق عند وجود سببه وهو المجاعة؛ لحديث سلمة بن الأكوع ـ رضي الله عنه ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء" ، فلما كان العام المقبل قالوا يا رسول الله، نفعل كما فعلنا في العام الماضي، فقال صلى الله عليه وسلم:"كلوا وأطعموا وادخروا، فإن ذلك العام كان الناس في جهد فأردت أن تعينوا فيها" . متفق عليه .
فإذا كان في الناس مجاعة زمن الأضحى؛ حرم الادخار فوق ثلاث وإلا فلا بأس به.
ولا فرق فيما سبق من الأكل والصدقة والإهداء من لحوم الأضاحي بين الأضحية الواجبة والتطوع، ولا بين الأضحية عن الميت أو الحي، ولا بين الأضحية التي ذبحها من عنده أو التي ذبحها لغيره بوصية، فإن الموصى إليه يقوم مقام الموصي في الأكل والإهداء والصدقة، فأما الوكيل عن الحي ، فإن أذن له الموكل في ذلك أو دلت القرينة أو العرف عليه فعله، وإلا سلمها للموكل كاملة وهو الذي يقوم بتوزيعها.
ويحرم أن يبيع شيئا منها من لحم أو شحم أو دهن أو جلد أو غيره؛ لأنها مال أخرجه لله فلا يجوز الرجوع فيه كالصدقة، ولا يعطي الجازر شيئا منها في مقابلة أجرته أو بعضها؛ لأن ذلك بمعنى البيع.
فأما من أهدي له شيء منها أو تصدق به عليه فله أن يتصرف فيه بما شاء من بيع وغيره؛ لأنه ملكه ملكا تاما فجاز له التصرف فيه، وفي(الصحيحين) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيته فدعا بطعام فأتي بخبز وأدم من أدم البيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألم أر البرمة فيها لحم؟" ، قالوا: بلى، ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة، قال : "عليها صدقة ولنا هدية " ، وفي لفظ البخاري: "ولكنه لحم تصدق به على بريرة فأهدته لنا " ، ولمسلم: " هو عليها صدقة، وهو منها لنا هدية" .
لكن لا يشتريه من أهداه أو تصدق به؛ لأنه نوع من الرجوع في الهبة والصدقة، وفي (الصحيحين)
عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال: حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص، فسألت عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال :"لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه"
فإن عاد إلى من أهداه أو تصدق به بإرث مثل أن يهدي إلى قريب له أو يتصدق عليه ثم يموت فيرثه من أهداه أو تصدق به، فإنه يعود إليه ملكا تاما يتصرف فيه كما شاء على وجه مباح؛ لما رواه مسلم عن بريدة ـ رضي الله عنه ـ أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وجب أجرك وردها عليك الميراث " .)) ا.هـ
ومما جاء عن الإمام من الفتاوى في هذا الباب .
1 ـ سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يصح ذبح ذبحيتين: واحدة بنية الأضحية، والثانية بنية توزيع اللحم؟
فأجاب بقوله: (( هذا سؤال طيب.
أما بالنسبة للمسألة الأولى فالسنة أن يضحي الإنسان بواحدة عنه وعن آل بيته، كما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يفعل، ونحن نعلم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أكرم الخلق، ولكن اقتصر على واحدة، فالسنة خير، لكن لو زدت بهذا للغرض الذي ذكرت فلا بأس إن شاء الله.)) ([1]) 2 ـ سئل فضيلته : هل يجوز للمضحي أن يعطي الكافر من لحم أضحيته؟ وهل للمضحي أن يفطر من أضحيته؟
فأجاب بقوله: (( يجوز للإنسان أن يُعطي الكافر من لحم أضحيته صدقة بشرط: ألا يكون هذا الكافر ممن يقتلون المسلمين، فإن كان ممن يقتلونهم فلا يعطي شيئًا، لقوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
أما إفطار الإنسان من أضحيته فنعم إذا صلى الإنسان العيد وذبح أضحيته وأكل منها قبل أن يأكل من غيرها فلا بأس، بل إن العلماء يقولون: هذا أفضل.)) ([2]) 3 ـ سئل فضيلته : يكون عمل بعض الناس في توزيع الأضاحي حسب المجاملات والمحاباة وإعطاء من يعطيني، فما نصيحتكم؟ وهل يجمع لحم الأضاحي ثم يوزع على الفقراء ولو تأخر عن يوم العيد؟
فأجاب بقوله: (( أما الشق الأول من السؤال وهي: أن لحوم الأضاحي صارت يحابى فيها ويجامل، وأعطني وأعطيك فلا شك أن هذا خلاف المشروع، هذا اللحم لحم تعبد بذبح البهيمة لله عز وجل، فينبغي أن يكون على مراد الله يأكل الإنسان ما شاء، ويهدي ما شاء، ويتصدق بما شاء، واختار بعض العلماء أن يكون أثلاثا: يأكل ثلثًا، ويهدي ثلثا، ويتصدق بثلث ، حتى ينفع نفسه بما يأكل، وينفع الفقراء بما يتصدق عليهم، ويجلب المودة بينه وبين الناس فيما أهداه إليهم هذا هو الأفضل، ومع ذلك ليس بلازم أن يكون التوزيع هكذا ثلثًا وثلثًا، وثلثًا، بل لو أكل النصف، وأهدى الباقي، أو أهدى وتصدق بالباقي فلا بأس، أو أكل النصف وتصدق بالباقي فلا بأس، إنما اختار أكثر العلماء أن يجعلها أثلاثًا.
أمما الشق الثاني وهو: أن تجمع لحوم الصدقة من الأضاحي ثم تعطي الفقراء على حسب حاجتهم فهذا لا بأس به، المهم أن تذبح في وقت الذبح أما أكل اللحم وتوزيعه فلا حد له. )) ([3])
يتبع إن شاء الله ....
([1]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 39)
([2]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 133)
([3]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(25/ 136)