بارك الله في الشيخ المفصال يوسف وثبته على الحق
ونقول له ولأنصار السنة والحديث في مشارق الأرض ومغاربها
إن الأعمال التي يقوم بها هؤلاء المجرمين من سفاسف الأمور وسقطاتها ضدهم وضد دعوتهم السلفية الإصلاحية ليتنزه عنها العقلاء ، وما أريد منها إلا إشغال أهل السنة عن وظيفتهم ودعوتهم وكسر أقلامهم وإسكاتهم وترهيبهم وإطفاء نورهم ليخلى لهم الجو ، وهؤلاء الخصوم هم على نوعين في كل زمان ومكان وقد نبه عليهم الإمام المجاهد المصلح البشير الإبراهيمي ـ رحمه الله ، قال : (( ينقسم خصوم الإصلاح- بعد اجتماعهم في أصل الموضوع- إلى فريقين: أقوياء وضعفاء. فالأقوياء يقومون بالدسّ وتبييت السوء لرجال الجمعية، والضعفاء يقومون بالتشهير وإشاعة قالة السوء عنها والشماتة المؤلثة بها، وكثيرًا ما تستمدّ أعمال هؤلاء من أقوال هؤلاء، وتجد ألسنة الضعفاء مادة للغزل والحوك من أعمال الأقوياء فتتطاول وتجتري، وتكذب وتفتري، وإذا لم تغض العقول من أعنة الألسنة لم تقف في الاستهتار عند حد.
وأصحابنا لا عقول لهم وإنما هم أتباع أهواء وأبواق فتنة....
إن خصومنا الضعفاء جهال بمعاني الحياة وأسبابها، جبناء في مواقفها، أذلة مع كل من ينازعهم حبلها، وهم لذلك كله لا يدركون معنى من معاني الشرف والرجولة وهم- لمهانتهم- يفهمون من أسباب العلو أسباب المهانة
ولا يفهمون من أسباب "الحبس" إلا ما هم أهله من التزوير والإفلاس، وكل أموال الناس، وإلّا ما يرتبط بنفوسهم الوضيعة من نتائجه كالاحتقار وازدراء العيون.
أما الأسباب الشريفة والمعاني الشريفة، والنتائج الشريفة، فهيهات أن تخطر لهم ببال.
أما خصومنا الأقوياء فهم أول من يعلم أن دخول السجن شرف ما بعده شرف إذا كان في سبيل الحفاظ للدين أو الخدمة للوطن أو الإسعاد للأئة أو غير ذلك من الشؤون العامة التي يكبرها الناس ويفيضون عليها الاحترام والتقديس، وان الحبس لهذه الأسباب بقدر ما يضيق على صاحبه أيامًا معدودات يوسع له في آفاق الشهرة والخلود.
لذلك نراهم يضنون به علينا ويبتعدون بنا عن طريقه، مع أنهم يملكون أسبابه ووسائله ما داموا يملكون الظلم والاستبداد والكذب "ومن أوتي الكذب فقد أوتي الأسلحة كلها"، ولكنهم لم يتورّعوا- ولن يتورّعوا- عن إدخالنا للسجن باسم الإجرام. إذا لم يذكروا ان حبل الكذب قصير وان المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، وان غير المجرم بالطبع لا يكون مجرمًا بالصناعة، وان الحيلة تفلح في كل شيء إلا في تبديل طبائع الموجودات الحقيقية، وان الاعتماد على مجرم بالطبع- في تلويث بريء بالطبع- إجرام لا يغتفر، وان إكراه الأسباب على أن تؤتي غير نتائجها الطبيعية يوشك أن يفضح صاحبه فلا تجري الأسباب إلا على سننها ولا تؤتي إلا نتائجها.
ومن العجيب أن خصومنا الأقوياء الأذكياء لم يذكروا كل هذا حينما أقدموا على فعلتهم وأتوا بها شنعاء على الأيام. فأنتجت لهم هذه الحادثة ضد ما أملوا وأتتهم بعكس ما أرادوا. وقد أملى عليهم الحقد أن ينتقموا من هذه الأمة، فانتقمت منهم الأمة، وظنّوها غريرة كما عهدوها تنقاد للكائد، وتنخدع للصائد، فكشف لهم الغيب ما لم يعهدوا ولم يتعوّدوا.
أرادوا أن يثيروها على السلطة أو على نفسها فلم يفلحوا، وأرادوا أن يشوّهوا سمعة جمعية العلماء بينها فلم ينجحوا، وأرادوا أن يشتتوا شمل هذه الجمعية وشمل أنصارها، فما زادت على الشدة إلا التحامًا والتئامًا، وأرادوا أن يحطوا من قدر الأستاذ العقبي وينقصوا من سمعته فزادوه علوًا وسموًا.
كل ذلك أرادوا، وفيه فكّروا وقدروا، وعليه أداروا المكيدة من أولها، ولكن الله اللطيف أراد غير ما يريدون فحلّ ما عقدوا وأطفأ ما أوقدوا، وكانت النتيجة ما تقرأه بيانًا لعنوان المقال.
كان من آثار الحادثة برمّتها في الأمة الجزائرية أن علّمتها كيف تصبر في الشدائد، وكيف تقضي على كيد الكائدين بالصمت والسكينة، وعلّمتها أن أعداءها لا يقفون في مضارتها عند حد، وعلّمتها أن لا تعتمد في النهوض على من لا يرضى لها أن تنهض وأن لا تستند في حياتها إلى من لا يقنع منها إلّا بالموت وأن لا تسأل البقاء ممن يسعى في افنائها، وأوقفتها على نوع من الأسلحة التي يحاربها بها أعداؤها وأرتها كيف يستعمل هذا السلاح فلم تعد تأبه له ولا للمتسلّح به، وكشف لها هذا الدرس البليغ عن جانب خفي طالما تعب الناصحون في بيانه، وهو ان هذه الأمة تشارك في مضاربة بلا ربح، وتقاد في ليل بلا صبح، وتضطرب بين أهواء متعاصية عن الكبح، وانها تحيا في القرن العشرين بمؤثرات القرون الوسطى، وتُساس في عصر العلم والنور بصور من سياسة عصور الجاهلية المظلمة، وانها تقات بالتضليل والتخذيل والتجهيل والتعليل، فإذا استبانت منهجًا أو حنت إلى ألفة أو صبت إلى علم أو طلبت حقيقة، ردّت إلى عتمة الليل بعنف ولكنه قانوني، وظلم ولكنه عدلي، واستبداد ولكنه شوروي، وكيد ولكنه نظامي ...
كل هذا فهمته الأمة وفهمت معه أن لا ثقة إلا بالله ثم بالحق الذي جعله نظامًا للوجود، وأن لا اعتماد إلا على الله ثم على نفسها، وأن لا خوف إلا من الله ثم مما اجترحت الأيدي.
وهذا ما أملاه هذا الدرس البليغ على الأمة، فكان لها عبرة وذكرى وكل ذلك ببركة هذه الحادثة فما أبرك هذه الحادثة على الأمة ...
وكان من آثار اعتقال الأستاذ العقبي، بموضعه من جمعية العلماء ومكانته فيها، أن جمع عليها القلوب ولفت إليها الأنظار وأسمى مكانتها في النفوس أضعافًا مضاعفة، وزاد نفوذها انتشارًا ومبادئها رسوخًا في جميع الأوساط، وتحقق لجميع الطبقات في الأمة أن هذه الجمعية قامت على أساس من الحق، وعملت للحق، وأوذيت في سبيل الله والحق، وأن قيامها بالحق هو الذي ألّب عليها الأعداء، وجلب لها الأذى والبلاء، وان هذه الحادثة المدهشة نتيجة حقد متأصّل عليها ويأس مرير من القضاء عليها بغير هذا النوع من الكيد، وان سمو مبدئها ونبل غايتها هما السبب الأكبر في نصب العراقيل لها، وبث الأشراك من حولها، وانها لو لم تكن على الحق لصافاها المبطلون ومادوها حبل الولاء، وانها- وقد ظلمت في هذه الحادثة ظلمًا بيّنًا مكشوفا عرفه حتى البله- مظلومة في كل ما مرّ من أدوار تاريخها، وان رجالها لا يعملون لذواتهم وإنما يعملون للغتهم ودينهم ومصلحة أمّتهم، وان من يحتسب في سبيل الإسلام والعربية حتى دخول السجن لحقيق بأن تمتلئ القلوب المتعلقة بالإسلام والعربية بلجلاله وتعظيمه وتهبُّ النفوس المتشبّعة بالإسلام والعربية لنصرته وتأييده وكذلك كان.))
( آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي)(1/ 276 ـ279 )

قلت ( بشير) : فليعتبر بهذا الدرس وبهذا الأثر ، وما قصة سجن الإمام العقبي إلا المحن والشدائد التي يمر عليها أهل الحق في كل زمان ومكان ، نسأل الله تعالى أن يبصر الأمة الإسلامية بجرائم أهل الفساد والطغيان والهوى، ويكفينا شرهم